لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه

    موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:28 am


    أحلامٌ خاصّة جـدا

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نــقرأ قصيدة

    الحــُبّ

    صباحَ مساء

    لتحلّ بنا روحُ العشق

    فنحيا مــَلاكين

    في فردوس السماء

    (2)

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نصعدَ

    من بئر الرثـَاء

    لنغتنم معا

    ما تبــقــَّى

    لنا في قصر فرعون

    من وعد ٍ

    بسنابل وَ لــَه ٍ وَثـــَرَاء

    (3)

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نعبــُرَ

    نهرَ العـَـنــــــَاء

    لنـــَعـُودَ

    إلى أرض ِ العسل ِ

    أدْمــَث آدم

    وأحــَنّ حواء


    *********************



    كــُن ربيعــًا .. لأحبـــَّكَ

    (1)

    لا أريدُ منَ

    الآنَ

    أنْ تــَحـلـُم َ بكَ

    القصيدة

    أريدُ

    أنْ أحلم بكَ

    أنــــــَا

    لأنـــّي لا أرى

    الآنَ

    ســـِوا كَ

    وبعضــًا من حريــر

    ِ الغـــَد ِ

    (2)

    لا أريدُ منَ

    الآنَ

    أنْ أحدّقَ

    في الظلام ِ طويلا ً

    يكفيني أن أوقدَ

    أملا ً واحدًا

    لأبصرَكَ

    وأبصرَ النوافذ َ

    والمنافذَ

    فوقَ جدران ِ الأماني

    المتصــــ..... ـدِّعــَة

    (3)

    أيــّها الحزن

    أ ُغــْرُب عــن

    أحلامي

    لن تكونَ من الآن

    حقيقيتي الوحيدة

    فقد سقطتْ

    من حقائبـــِكَ

    كــُلّ ُ أوراق ِ

    الخـــَريف

    سقطت

    كأوراق

    الخريف


    *********************



    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    هل أستجديكَ

    بجملة أو شبه جملة

    أن تمرَّ ببحري

    بعدما مررتَ

    ولم تـَرَه

    فأقفرَ الحـُلمُ

    من ثاغ ٍ ومن راغ ٍ

    وحلَّ موسمُ البُــكاء

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    هل أقـَشــِّرُ قلبي كبـُرتقالة

    لأهبــَكَ اللُبَّ

    بعدمــا

    سقطتْ الأسوارُ

    من حول ِ قصرنــا

    ففرَّتْ خيولُ أفكاركَ

    وأطلَّ وطالَ

    موسمُ الجفاء

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    أيــُساورُنـــِي نـَدَمٌ

    على هجرة ِ طيوركَ

    بعدمــَا

    لمحتــُكَ حــُلمــًا

    وحينَ دنوتُ راحَ يــَنــــفينـــِي

    ويــُفــْنــــِيــــِني

    وقد كنتَ لونــــي

    وكنتُ لكَ

    كلَّ ألوان ِ الرجاء ..!؟


    *********************


    رسائلي إلى نجوى

    قــبــل الاختِنــاق بدمعــة

    (رسائلي إلى نجوى_1)

    آه نجوى!

    النافذة هنا مُشرّعة على ألم..

    والريح تعصف بستائر الندم منذ رحيلــــه!

    هنا أنـــا..

    وحيدةٌ كما شجرة زيتون على سفح جبل..

    أرتدي معطف الذكريات ولا أبحث عن مدفأة..

    المطر خفيـــف ٌ.. مـُخيـــِف ْ..

    وفي الغابة على مدى الحلم..

    ألف ذئب ما زال يترّصد بسلة أزهاري

    يتلهف ليعيثَ فيها نفاقاً !

    وحدي هنا.. لا أنتظر أحدا..

    لا أحد ينتظرني !

    لا أحد يستحق الانتظار سواه..

    له وحده

    انحنتْ سيقان قمحي, التي ضجّت بسنابل الغرور دهرا!

    حصدَ شوقي..

    ناولني صليبـًا من خشب النسيان

    وقال: اتبعيني.. فتبعته بفرح , دون أن أتلفت حولي ,

    دون أن تشلّني صيحات الغربان على الطريق!

    وتدحرجتُ خلفه ككرة ثلجية..

    خطوة خطوة في درب الغيرة والحيرة.

    تدحرجتُ .. تدحرجت .. وجمعتُ في طريقي كلّ قشّ الخصام.!

    ثمّ سقطتُ في أتون الفُراق!

    آه نجوى!

    هل بقي في القلوب متّسع للحبّ ؟

    أما استحالت زوارقنا, أوراقا تبحر في محيط القلق ؟!

    أما استحالت عصافيرنا, حبرا لا تغرد إلا على ورق ؟

    أيتها الصديقة الحنون,

    هل تأتين كل فجر ..

    لتضعي ولو وردة جافة واحدة على قبري

    لعل مناقير الطيور تهبط.. تحملَها

    فلا يبقى من الحلم إلا ذكريات

    ذكريـــات

    ********

    قبلَ أن يُدركنــَا فـُراق

    (رسائلي إلى نجوى-2)

    آه نجوى !

    هل أقصّ عليكِ أسراري من ياء اليباب

    إلى ألف اللقاء الأوّل الشهيّ..

    حينَ أدركَ أنـّهُ يعشقني...!

    بدأ يُبعـِدُني عن منهل حنانه..

    وهو ُيدركُ أننـّي..

    كما الفراشة الصغيرة في مهبّ العاصفة.!

    لا أقوى مقاومة جفاف النفي عن قلبه.

    آه أيتها الصديقة الدافئة ..

    الرّوح تهجر الجسد مرّة , وأنا هجرتني روحي ألف ألف مرّة منذ غيابه !

    وحده .. كانَ قادرا أن يتمدّد ويتقلص

    يثور وينحسر , كما البحر

    داخل محارة حواسي!

    مرّ بقلبي..

    كما التاجر الأنيق.. فاشترى كل منتوجات كياني.. من حنان وحنين

    غيرة وحيرة, جنون وظنون..

    وحينَ منحته وسام الترقيـة..

    تاهَ في سوق الغُربة!

    دنوتُ منه ..

    كما سنونوة يصطادها حب استطلاعها للحياة.!

    إلى اسلاك قفص .

    اقتحمتُ قلبه.. فأبْقَى نافذة مُشرعّة للرحيل..

    لكنني رفضتُ أن يُقصيني عن وطن..

    أعلنت انتمائي لدفئه.

    دنوتُ من حنانه حتّى ثمالة الفرح ..

    فراحَ يبتعدُ مرتعدًا..

    كقطار سريع ٍ ينزلقُ على سكّة حديديّة مألوفة!

    آه يا غالية ..

    أخبريني بربّك ِما السبيل للّحاق ِ به؟!

    أو.. أخبريه أن يتوقف حيث هو..على جسر الشوق..

    لآتيه حوريّة ًبحلم ٍحريريّ.

    آه يا عمري .. توّسلي إليهِ

    أن يتوقفَ حيث هو.. لأدركَهُ قبل أن يُدركَنَا فُراقٌ.. فنندم..!

    حيثُ لا ينفع ألم... ولا ندمْ!

    ********

    يحبني..؟ لا يحبني ..! يحبني..!!

    (رسائلي إلى نجوى_3)

    آه ٍ نجوى ...!

    من سواكِ شاهدَ حوريــّةً تغرق في بـــحـــر العمر !!

    تتعلّق بقشّة صبر ..

    ويمرّ بآخر خيوط الأمل مركبُ أحلام ٍ فردوسيّة, يعجّ بالملائكة, والأنغام السماويّة ..

    فتتدلى يدان لتنتشلا الحوريّة من موجة قهر ..

    وتوّقعا على وثيقة انتمائها لقلب

    صار أوسع من وطن منذ قررتْ أن تمارس حق اللجوء إليه!

    آه ٍ نجوى .. يا رفيقة الكتابة والكآبة ..!

    يقولون: (الأقحوان لا ينمو إلا على الأرض.!)

    لكنّني شاهدته بساتينا في عينيه..

    فأثملني الشذى !

    يقولون: (الكروان لا يحلّق فوق الشّمس..!)

    وأنا شاهدته يرفرف فوق جبينه..

    يغرد على أغصانه, فأثملني الصوت والصدى!

    آه نجوى .. يا تربة أسراري ..!

    منذ التقى واحدُنا نصفه الآخر والبشر يحيون الجفاف ونحن نحيا المطر..

    نبني عُشّ أحلامنا كلّ فجر قشّة قشّة..

    ونوقد كلّ القشّ مساءً لنحتمي بالدفء حين يجمعنا حضن واحد..

    أوسع من رحم العاطفة!

    آه ٍ يا غالية ..

    لماذا ..

    كلـّما قطفتُ في غيابه أقحوانة..

    أعرّي بتلاتها بتلةً بتلة ..

    أستطلع خفايا قلبــِه:

    يــُحــِبــُّنــِي..!

    لا يحبني..!

    يحبني..!

    تسقطُ كلّ ُ اللاءات

    حتّى آخر بتلة!

    ********

    الحبّ كالعمر لا يأتي إلا مرّة

    (رسائلي إلى نجوى_4)

    آه ٍ نجوى..!

    في القلب أكثر من دمعة ..

    وأنا عاجزةٌ عن السير عكس اتجاه القلب !

    ألم يأتني كعندليب يتحـرّش ُ بشجرة..

    فاحتويته بين أغصان حناني..!

    وحلمتُ أن يحملنا الحُبّ على جناحيه إلى الذُروة..

    دون أن نتقهقر كـ (سيزيف..!)

    خلف صـُخـور خيباتنا..

    لكـننـّا تقهقرنا..

    مرّة ومرّة ..!

    وها هو ..

    يهددني بنزق طفوليّ بإجهاض جنين حبـّنا من رحم العاطفة..

    وهو راغبٌ بلبــَن حنينــِي حتـّى الثمالة!

    رجلُ البحر هو ..

    يعيشُ المتناقضات داخله في حالة توازن خفيّ

    تارةً يـُنعشنــِي بأمواج هادئة

    وأخرى يـُغرقنــِي بثورة صاخبة!

    معه تعلمت أن أقرأ نقاط الغيرة قبل حروف الحيرة!

    فما بين اندلاع ثوراته الفُروسيّة وعودته الطفوليّة لحضن حنيني..

    تضيقُ بي كلّ الآمال ..

    فأحمل حلمي على كتفي وأسير حافية في صحارى قتلها العطش!

    وكلـّما كسر لوحة من الوصايا العشر العالقة بين قلبينا..!

    تتناثرُ ال..

    تنزفُ الذاكرة.. وينفرط عـِقدُ الثقة ..

    وفجأة يعود حالمـًا نادمــًا يستجدي مطر الغفران.!

    يمـدّ جذوره في تربتـي حتــّى آخر ذرّة دونما استئذان!

    آه ٍ يا غالية ..

    زهرة عباد الشمس أنا.. وهو شمسي!

    له وحده تشرئـِب ُّ بتلاتي وذاتي ..

    فهو الذي يمدّ أنوثتي بكلوروفيل الكبرياء!

    آه ٍ نجوى ..

    الحبّ كالعمر لا يأتي إلا ّ مـَرّة ..!

    وأنا أحبـــّه ..حتــّى الرمق الأخير..

    وأنا أحبـــّه .. حتــّى أقاصــِي المستحيل!

    ********

    الآخرون هم الجحيم ..؟!

    (رسائلي إلى نجوى_5 )

    آه ٍ نجوى ..

    كلّ الطرقات ِ التي كانت تُؤدّي إلى قلبي

    نبذَتني!

    وبقيتُ هنا.. وحدي ..

    كصخرةٍ عاريــة في جوف بحر كفيف!

    يضربُني بأمواج ِ العتاب تارةَ وبالجفاء أخرى..

    ولا يستكين ..!

    أهٍ يا رفيقة أحلامي ..

    ما زالت طواحينُ الغدر تدور وتدور..

    وطيوري ترفرف حولها بصمت مشلول!

    الريحُ عاتية..!

    وما من إبحار سوى في محيط الحلم,

    مرتعنا الأبدي للأمل..

    وربـّما.. ربـّما.. للجنون !

    مـُتعبة أنا يا غالية ..!

    مـُتـْعـَبــَة ٌ من النظر في وجوه فقدت ملامحها

    وصارت أشبه بأكواز الصـّبار !

    متعبة من الصبر على أحلامي المجهضَة !

    كلّ فجر أصنع من الأمل خمسة أرغفة..

    وأهيمُ..أهيمُ في الطرقات بحثا عن تّنور حنان نقيّ!

    أوّزعُ خطواتي هنا وهناك بعفويـّة ..

    فتتلقفني حفرةُ خصام مُباغتة...

    أهــوي .. أهــــوي .. ولا أفيقُ إلاّ

    وقد أ ُجهـضَـتْ كلّ آمالي فوق أشواك الوجع.

    آهٍ نجوى ..

    من سواكِ يدركُ أنـّه أيقونة أحلامي ,

    وأنـّي أحبـّه .

    كما هو أحبـّه .

    يجلدني بسياط العتاب... وأحبــّه !!

    يُجافيني في اليوم ثلاث مرّات وأكثر ..

    وأحبّه!

    يُجهضني فوق منفى الفراق.. وأحبّه !!

    ويأتيني بعد كلّ نوبة جنون

    يقول: أحبــُّكِ يا صغيرتي..!

    وأحبّه !! آه ٍ نجوى ..

    أنا في طريقي إلى الجنون..

    والجنون ضربٌ من ضروب الجحيم.

    الآخرون ليسوا جحيما ..

    نحن .. نحن من نصنع لنا الجحيم..!

    ********

    يليق بي أن أفيضَ أنوثة

    (رسائلي إلى نجوى_6)

    آه ٍ نجوى ..

    ها هو الطائر الدوريّ يُدركُ

    أنـّه أينما هاجر سأكونُ لأجنحته سمــاءً ,

    وأكونُ حضنـًا يستوعبُ نزقَ مزاجيتـِهِ.

    ها هي النجوم ُ تعودُ لتزيـّنَ أوراقي..

    ها هي سحبُ الوجوم تنقشع من آفاقي ..

    آهٍ يا رفيقة أفراحي ..

    في قلب العاصفة, رأيتُ النـّور !

    عبرتِ الطيورُ وألقتْ أغصانَ الزيتون ِ الأخضر

    على كتفي المثقل بأكفان همّ أسود, رفعتُ رأسي

    إلى السماء, فأبصرتُ أجنحة ً بيضاء تُرفرفُ

    على خلفية حمراء وسمعتُ صوتـًا كما التهاليل

    يقول:

    لا تخافي ! رحلَ الفارسُ لكنّ قلبَهُ معك ِ,

    فانتظري عودته.

    وانتظرتُ ...

    ها قد عاد َ ليشيّدَ لي حصنـًا يطرح خارج أسواره

    كلّ حطب الغيرة والحيرة والحزن المزمن ..

    ها قد عدتُ لأشيّدَ له أسرارًا أسطوريـّة

    في أقاصي القصيدة.

    أتدرين يا رقيقة ..

    الأصل في الأشياء السكون, ما لم تكُن هنالك قوّة !

    وهو القوّةُ التي أيقظتني من سبات "أمرأة الكهف ".

    أفلا يليق ُ بي أن أمتلئ دهرًا بالشوق فأفيضَ

    أنوثة ً كي أسلّمَهُ مفاتيحَ أحلامي

    بعدما عاد عاشقـًا مُتأملا غجريـّا حالمـًا

    لكي نبدأ الحكاية


    *********************



    حُضُور أكثر مِن عَادي

    سَــآتيكَ كَمَا أشَاء

    مَتَى أشَاء.. كَيْفَمَـا أشَاءُ

    قَدْ آتيـــكَ فَجْرًا

    بَعدمـَا يُغَادرُكَ حـُلمُ أنْ آتـِي

    وَيَجِـفّ هَذَيـَانُكَ

    فـِي انتظـَار غُبَار خُطُواتـِي

    فَــآتـِي

    قَد آتيكَ غُرُوبــًا

    بَعْدَ أنْ تُعِيدَ الأمـَلَ

    لـِغـِمـْد المـُحــَال

    فـآتـِيكَ صُورةً شـِعْريـَّة

    تـَروي غُيُومَـكَ بـِالخـَيـَال

    وَقَد آتـِيكَ غـُرُورًا

    والحَنـَانُ في كَبدِ الحُلـُم

    لأبُـُوحَ بِحـَنـِيـني

    لمَطْـلَع هَـذَيـَانـِكَ الآتي


    *********************



    هواجسُ الميلاد

    أسيرُ مُمتـــَـلئــــَة ً ببوحــِكَ الشهيّ

    بين مـئـــَات ِ الوجوه المُــتـــْعــَبــَة

    المــُــثــقــَلة بقـــَـلق

    المــُهرولة مساءً إلى

    شجرة الميلاد , وأنيـــن ِ مـدْفــَأة

    وأدركُ أنْ وَحــْـدَه قـــلـــبــــَكَ

    وطنــــي

    **

    تعلو ترانيـــمٌ فيروزيــّة

    من مـُكـــبـــّر صوت ٍ

    (المجدُ لله في العُـــلـَى)

    فيخفق قـــَلبــــي

    ويردّد :

    (وعلى الأرض إحتــــلا ل

    والقلوبُ عــَطــْـشَـــى للمــَســـَرَّ ة)

    **

    تقرعُ أجراسٌ

    تشـــُـقّ ُ ضبابَ القدس

    كطبـــول حــَربٍ

    فأرَى

    أشباحَ طائرات ٍ

    تنفثُ الحقدَ منَ السماء

    وتترنــّمُ فيــــروز

    ) ثــــلج .. ثـــــلج

    شــَتـــّي خــَيـــر وحــُبّ وثـــلج )

    فيتراكمَ الهــَمّ

    في مـــِذ ْوَد ِ القـــلـــب

    ***

    المطرُ خفيفٌ .. خفيف

    وعلى درب الآلام جياع ُ وعـِطــَاش

    ما زالوا يحاصرون حصارَهم

    ويحلمون بنبوءة السلام

    ***

    ما زال صوتُ فيروز ينخرُ العظام:

    ( ثــلج ...ثــلج )

    أتــَد ثــَّرُ

    بوَعــدٌ وعــَهــد

    أن أبقى طوعَ حبـــّـــنــــَا

    مدَى الأحلام

    بعدما عـَصـَــفـــَتْ أمواجُ الحــُبّ

    بصخور قــَـلبـــي

    فتـَـشـــَظـــّى

    وتـــَلـــَوَّى

    ثــُمّ تـــَلـــَى سـُـورة َ النـــّور

    وسقطَ كما السمكة في بحــْركَ

    راضيــًـا مَرْضــيــّا

    ***

    غريبـــــي

    أيــُّها القابعُ في ثــَلج ِ الشــّـتـــات ِ

    كلّ ليلة تكون فيها شهريــــَاري ,

    تــُنــْصــِتُ لحكايــــَاتي

    المــريرة النـــقـيــــّة

    عن جفاف ِ منفى ووجع ِهـُــــويــّة

    إلى أن أحــْــتـــّــلَ عــَرْ شَ

    عواطفــِكَ

    هــــي َ .... هــــي َ

    ليـــْــلــَة ُ الميـــــــلاد



    *********************



    ومضات

    غياب

    كالنهر

    الذي فرّ

    من مجراهُ

    أنتَ

    كالسكة

    التي غادرها

    قطارها

    أنا

    *********

    صرخة

    إلى متى

    يظلّ الإنسانُ الصادقُ

    ضميرا مستترا

    وتظلّ الأقزام

    المشبّهة بالأفعال

    تنصب وترفع

    ما تشاء

    متى تشاء..!!

    *********

    انعتاق

    أكون لكَ

    سنونوّة

    حينَ لا تكون

    ليَ القفص

    *********

    قبل ميلادى وُلدتُ

    هل أتاكَ

    حديثُ عشقي

    أنْ...

    منذُ الفجر الأوّل

    لميلاد ِ حزن

    من حزن

    والعُميُ يُبصرونْ

    والعُرجُ يسيرونْ

    والعشّاقُ

    يتناسلونْ

    نجومًا

    على جبين ِ

    القمرْ ..؟!

    *********

    كروانُ

    دثِّرنِي

    قمِ الآنَ الآنَ

    بحبِّكَ

    زمِّلنِي

    كنْ خرزةً زرقاءَ

    على جبيني

    كُنْ

    بخورًا مغربيًا

    في محرابِ

    أنيني

    كنْ حارسًا فرعونيًا

    على بابِ

    أمنياتي

    وكاهنًا دمشقيًا

    يستقبلُ بفتور ٍ

    كلّ اعترافاتي

    *********

    شتاءُ ريتا

    لا ...

    تستعجل الطعنة

    لا...

    توقظ الجوعى

    لفتات حقد

    لا ترقص

    الفالس ولا

    التانجو

    نخب شتاء ريتا

    الأخير

    ما زال يا صاح

    في القنديل الدري

    زيت ،

    ما زال فيه فتيلْ

    *********

    ولادة

    بين الفكرة والورقة

    حبلُ سريّ

    لا أتخلص منه

    إلاّ حين أتأكد

    من سلامة المولود

    *********

    أسطورة

    يا لهُ

    من فجر ٍ عظيم

    فقد استيقظ

    المجنونْ

    ليبصرَ:

    أميرة ً تتهادَى

    كغزالة ٍ شاردة

    على سفح القمر

    تحملها الملائكة

    في موكب

    أسطوريّ

    وتزفّها

    آمرة ً ناهية

    على قلبه

    .

    .

    .

    قبره

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:30 am

    الشاعر سالم جبران



    نبذة

    (1941)
    "البقيعة - الجليل"

    أعماله الشعرية :

    قصائد ليست محدّدة الإقامة (دار الآداب، بيروت، 1970م).

    كلمات من القلب (دار القبس العربي، عكّا، 1971م).

    رفاق الشمس (دار الحرية للطباعة والنشر، الناصرة، 1975م).





    سالم جبران يطلق الكلمة

    سالم جبران في ديوانه الثالث رفاق الشمس * يستمر في عرض وطنيته الصادقة وإنسانيته الثائرة بكلمات جماعها الثورة والرفض ، وهو لا يجد متسعًا من وقته أو من ذاته لانتقاء العبارة ذات الإيحاءات أو الجمالية ، فشأنه أن يصل إلى الجمهور ، والجمهور بحاجة إلى شعراء يسجلون ألمه وأمله بطرق تعبير مختلفة كاختلاف مشارب الناس .

    وأنا أرى أن الشعر على أصناف ، ولكل صنف رواده ومحبوه ، فكم من مستوى معروض في واجهات واقعنا ، وشاعر الزجل شاعر يألفه البعض بينما يمر عنه البعض ضاربًا كشحًا ، وشاعر يرقع العبارات أو يسرقها خلسة لا تكسد سوقه.

    إذن فالمسألة أصعب من جعل الدائرة مربعًا ، وأنت المشتري ، فما هي خبرتك في الشراء أولا ؟

    وسالم جبران لا إنكار أنه علم بين شعرائنا ، ويعود ذلك في حسباني لموقفه السياسي ، فهو يصف الواقع بجرأة.. بتحد ..وبعنفوان ، وهذه أضفت على شعره مسحة البطولة ، فهو إذ يقول :

    " ابن العشرين يقاتل

    وابن السبعين يقاتل

    والتي مات أخوها

    تنسج الصوت لمن قام مكانه

    والتي مات فتى أحلامها

    خرجت تحمل بارودته " (رفاق الشمس ص37)

    لا يملك الفلسطيني إلا أن يحس فعل الشعر ، فليست القضية في نظره مفتقرة إلى خيال وإيحاء وجمالية ، بل إنها حكاية موت.

    ومرة أخرى ، فإن حقل الأدب يتسع لجميع الأزهار ، وزهرة سالم سقاها من دم قلبه الغض أعوامًا وأعواما (رفاق الشمس ص 47).

    وهي مطلة علينا رغم أنها تقول لنا كل شيء وتحكي لنا نثرًا ، وهي لا تعرف نصف الإضاءة أو الشفافية، إنما الجهارة المكشوفة .

    وشعر سالم ليس على نسق فني واحد ، فهو إذ يصعد بنا يجعلنا نهبط بلا سابق تنبيه . يقول الشاعر :

    " أبحث عن أغنية جديدة

    عذراء خضراء

    تمد راحتيها

    عبر ليل الموت " (رفاق... ص30)

    فهذا صعود وتحليق فيه نشوة الامتزاج وفيه لذة الاستكشاف والافتضاض *

    ولكنه يقطع علينا رحلتنا الماتعة إذ يقول متابعًا :

    " للعوالم السعيدة "

    فهنا نحس ( أو أحس ) كأن حجرًا ثقيلاً يلقى ، فينغص علينا هذه العوالم من قبل أن نلقاها ...

    ولننظر إلى قوله :

    " أجمع أشلاء اللوز المذبوح على أطلال قرانا " (رفاق... 11)

    فهنا نرى صورًا غنية بالفاجعة موقظة للضمير الإنساني ، وإذا بالشاعر يقول بعدها : " وأجادل "

    وهاك مثلا آخر على أن الشاعر لا يعدم التركيز والكثافة ، لكنه سرعان ما يغير عليها مبسطًا ، وكأنه يفطن إلى مستوى معين بين جمهور القراء يريد الوصول إليه .

    يقول الشاعر :

    " عيون أطفالي عصافير تجيء دائما

    ترف فوق السجن ثم ترتمي " (رفاق.... 21)

    ولا يقف الشاعر عند هذه الروعة ، بل يضيف :

    " راجعة فهكذا أوامر السجان "

    ولا أدري ما ضرورة إظهار السجان هنا ، ألا يدعنا نتخيل لماذا تجيء العصافير وترتمي ؟

    _ ربما لأساها عليه وعلى نكده .

    _ ربما لأن الأب لا يستطيع أن يفعل شيئا ، والعصافير قاصرة ، وهذه صورة لتجسيم المأساة .

    _ ربما لأن السجان أو السلطة تمنع اللقاء ، واحتمالات كثيرة أخرى تتلاقى في جو مأساوي أراد سالم إظهاره في كل كتاباته الشعرية بلا هوادة .

    وسالم محارب كلمة ، يقف ضد الجراد (رفاق... 7) ، وضد التتار (رفاق... 52) ، وكما أن المحارب يطلق الرصاصة واضحة الهدف ، فهكذا يطلق سالم الكلمة :

    " الموت لكل خائن حقود

    براغ اطمئني أن حلف وارسو

    يقسم لن يعود

    لأرضك النازي " (رفاق.... ص 28)

    وهو حقا يشعر أن الكلمة مقاتلة ، وهذا الشعور نلمسه في قوله :

    " فالأغاني

    سوف تحتل بين الرفاق مكاني

    وتحارب عني " ( رفاق... 26)

    فسالم مقاتل ومتفائل معًا ، والموت يرصد له ، وهو بقايا رجل ممزق الفؤاد والأعصاب (ص 78) ، لكنه يقول :

    " دمي النازف مطر

    لحمي المطحون سماد

    وأنيني أهزوجة

    الغد مرج سنابل

    الغد عرس سنابل " (رفاق... ص 15)

    وسالم أسوة بشعرائنا المحليين يمازج بين التفاؤل وبين رنة الأسى ، يرسمون المستقبل برغم الوصمة .

    ويتميز في هذا الديوان بشيوعيته الحادة ، فهو يرفض الثورة الحمراء في أذهان المدعين من الأنبياء الكذبة الذين يتخذون مواضيع الثورة موضوعات للتلهي (ص 79) ، وهو يتعاطف في قصيدة طويلة مع الشفيع الشيخ أحمد السوداني (ص 67) ، كما يطلب أن نتخذ من فيتنام مثلاً لنا (ص 90) ، ونجد للأصداء السياسية وللأنباء آثارًا واضحة (ص 20 ، 27 ، 43 وغيرها ) .

    ومن جهة أخرى فهناك بعض معالم الصوفية _ ولعل في هذه الظاهرة غرابة على الواقعية _ فمن الصوفية الجبرانية * يقول سالم :

    " يخيل لي أنني ما ولدت

    ولكنني كنت منذ الأزل

    هنا بين الحواكير " (رفاق.... ص4)

    ففي هذه القصيدة عصارة حبه لأرضه يقدمها باسترجاع طفولي وحلم ووعي تتداخل فيما بينها ، وهو إذ يفطن أن الجراد يمتص آخر نقطة ماء في حنجرته الظامئة فإنه يقول بنظرية الحلول في المقولة المشهورة " أنا من أهوى ومن أهوى أنا "

    " لست أعرف اسما لهذا المكان

    فهذا المكان أنا وأنا هذا المكان " (رفاق... صCool

    وثمة مثال آخر على الروح الصوفية رغم أن المعنى يدل على المرأة أكثر منه على الوطن :

    " وأنا وأنت نذوب

    شيئًا واحدًا بين الشجر " (رفاق... ص65)

    وقصيدة " هذا المكان " أولى قصائد الديوان هي تطوير لقصيدة " حواكير الطفولة " التي نشرت في ديوانه ( كلمات من القلب ص75 ) ، فحتى النباتات التي يستعملها للدلالة على ارتباطه بالأرض ، وجو التفاؤل والعودة إلى الحلم ، كل هذه مشتركة بين القصيدتين .

    وملاحظة أخرى أن الشاعر لا يتابع نفسه أحيانًا : ففي قصيدة " عطشان " (رفاق... ص57) يحمل الشاعر زجاجتيه ويبحث عن كأس وندمان ، فإذا ما وجد الكأس كانت الزجاجة قد كسرت ، وهذه ترمز إلى الخيبة ، ولو قرأنا هذه القصيدة وقارناها وقوله :

    " جيراني غنوا شربوا

    أكواب الخمر

    حتى الفجر

    وأنا وحدي يا عيد الميلاد " (رفاق....61)

    فإننا لا نجد مبررًا ، وإن وجدناه فإن رموز الشاعر غير مستقرة لا تقدم صورة متكاملة ومتوائمة .

    وظاهرة شكلية أخرى في إثبات عدم متابعة الشاعر نشره القصيدة في أكثر من ديوان :

    _ قصيدة " حنين " كلمات من القلب ص 19

    رفاق الشمس ص 58

    (وقع تغيير واحد لاشتراء _ لشراء)

    _ " في غرفة لينين " كلمات من القلب ص 99

    قصائد ليست محددة ص 51

    _ " أحب " كلمات من القلب ص 102

    قصائد ليست... ص 53

    وبعد :

    فهذا سالم وجه صارخ متحد، هو من رواد التغيير والأدب أداة، لا يضيره إن وصفت كلماته بالنثرية أو التقريرية بالمباشرة أو الشعارات الخطابية، فإنه بصدقه وإيمانه بدور الكلمة يقول ما يقول... وحسبه أنه يصول ويجول.

    ------------------------------------------

    * مجموعات سالم جبران هي :

    1- كلمات من القلب _ مطبعة دار القبس ، عكا _ 1967

    2- قصائد ليست محددة الإقامة _ مطبعة النهضة ، الناصرة 1972

    3- رفاق الشمس _ دار الحرية للطباعة والنشر ، الناصرة 1975

    * نماذج أخرى : أنا صمتي يكون مطلع القصيدة ص 32 ، عيناك مينائي ص 41

    ومضات شعرية تشع بين أكوام من النثر المتمرد .

    * أنظر مثلا : " رماد الأجيال والنار الخالدة " ( المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ص 45 )

    **********************



    ما يشاء
    كان الجليل ناسا
    وتربة وخضرة وماء
    وبعد أن حرمت أن أزوره
    صار الجليل جنة
    وناسه آلهة
    وصار حتى ليلة ضياء
    أقول للقياصر الصغار: ما أضعفكم
    قد تحبسون خطوتي
    لكن قلبي هائم في وطني
    يزور أي بقعة يشاء
    يفعل ما يشاء...

    **********************


    الشبح
    أشعر بالحزن وبالفرح
    جميع أيامي التي مرت وأحلامي عن
    المستقبل
    ملفوفة ببعضها تطل لي
    أشعر أن العمر ليل دامس
    وأنه أجمل من قوس قزح
    خرائب خلفي،
    وأحلام أمامي تبتني القصور
    وبين وعد ظل في عوالم الأمس ووعد لغد
    من حيرة أدور
    أشعر أن قلبي
    في وحشة القبر... وفي نضارة الزهور
    أشعر بالحزن وبالفرح
    العالم الملموس في يدي ما أطيبه
    وفي صميمي رهبة
    من طلة الشبح

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:31 am

    الشاعر سميح القاسم



    نبذة

    يعد سميح القاسم واحداً من أبرز شعراء فلسطين، وقد ولد لعائلة درزية فلسطينية في مدينة الزرقاء الأردنية عام 1929، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي.
    سجن القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية.
    شاعر مكثر يتناول في شعره الكفاح والمعاناة الفلسطينيين، وما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت على شهرة واسعة في العالم العربي.
    كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته الحالية إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.
    مؤلفاته :
    1- أعماله الشعرية:
    مواكب الشمس - أغاني الدروب - دمي على كتفي -دخان البراكين - سقوط الأقنعة - ويكون أن يأتي طائر الرعد - رحلة السراديب الموحشة - قرآن الموت والياسمين - الموت الكبير - وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم - ديوان الحماسة - أحبك كما يشتهي الموت - الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب - جهات الروح - قرابين - برسونا نون غراتا : شخص غير مرغوب فيه - لا أستأذن أحداً - سبحة للسجلات - أخذة الأميرة يبوس - الكتب السبعة - أرض مراوغة - حرير كاسد - لا بأس سأخرج من صورتي ذات يوم .
    السربيات:
    إرَم - إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل - مراثي سميح القاسم - إلهي إلهي لماذا قتلتني؟ - ثالث أكسيد الكربون - الصحراء - خذلتني الصحارى - كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه .
    أعماله المسرحية:
    قرقاش - المغتصبة ومسرحيّات أخرى
    الحكايات:
    إلى الجحيم أيها الليلك - الصورة الأخيرة في الألبوم
    أعماله الأخرى:
    عن الموقف والفن / نثر - من فمك أدينك / نثر - كولاج / تعبيرات - رماد الوردة، دخان الأغنية / نثر - حسرة الزلزال / نثر .
    الأبحاث:
    مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام / بحث وتوثيق .
    الرسائل:
    الرسائل/ بالاشتراك مع محمود درويش .

    ******************************

    في حوار مع الشاعر الكبير سميح القاسم

    حوار: الشاعر طلعت

    الإنسان الضعيف تسكره النجومية وتفقده القدرة على الاتزان تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي، أعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى آمنت دائماً أن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة لا يتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر أحبُّ المغامرة الفنية وأمارسها بكامل حريتي وكان الشعر عنقود فرح.. كان صرخة غضب.. وكان كما قال روزنتال: «إن الحياة التي تخلو من الشعر لهي حياة غير جديرة أن تعاش»، أو كما قال جان كوكتو: «الشعر ضرورة ويا ليتني أستطيع أن أعرف لماذا» أو على رأي سومرست موم: «الشعر هو تاج الأدب، هو غايته ومنتهاه. إنه أرقى فعل يقوم به العقل البشري».. وكان لابد من لقاء الشاعر الكبير سميح القاسم ـ حاورته يوم الأحد 19/11/2000 ـ الشاعر الذي أعطى الشعر صفوة الروح والعمر، فانتصبت القصيدة شجرة عطاء لا ينضب..

    ربما يبقى القول الأوجز في تعريف الشاعر الإنسان، والشاعر الصديق سميح القاسم، متمثلاً في أنه لا يبرح الشباب وعنفوان الإنسان الممتلئ بالحيوية والمرح والأمل، ليكون شاعر المقاومة ورئة الكلمة الصامدة.. ويطول الحديث مع الشاعر الكبير سميح القاسم.. أقرأ من دفتر شعره:

    طعام الشهيد يكفي شهيدين

    يا أمنا الريح .. يا هاجر المتعبه

    أعدي الطعام القليل لأبنائك العائدين على عربات المنافي

    خذي كفني شرشفاً للأواني العتيقة

    قومي افرشي للضيوف الأحبة كوفيتي..

    إنهم متعبون جياع

    أعدي لهم وجبة من بقول الخراب

    أعدي كؤوس العذاب

    وإبريق أحزانك المرعبه

    سيجمعنا الخبز والملح عما قريب

    وتجمع أشلاءنا لقمة العودة الطيبه

    وأفتح دفتر أمسية شاعرنا سميح القاسم التي امتد فيها الحضور دالية شغف.. ويحدثني عن علاقته الجميلة بالجمهور، عن القصيدة التي تشعل فتيل التواصل، فيكون الشعر أغنية ممتدة من الأعماق للأعماق..

    وإذا أردنا أن نوجز في التعريف عن شاعر مثل سميح القاسم نقول إنه عرف بمقاومته الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، وسجن مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية والاعتقال المنزلي وطرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي.. اشتغل معلماً وعاملاً وصحفياً.. أسهم في تحرير «الغد» و «الاتحاد» ثم رئس تحرير مجلة «هذا العالم» عام 1966، ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في «الاتحاد» وسكرتيراً لتحرير «الجديد» ثم رئيساً للتحرير.. وأسس منشورات «عربسك» في حيفا مع الكاتب عصام خوري عام 1973، وفيما بعد أدار «المؤسسة الشعبية للفنون» في حيفا.. وهو اليوم رئيس مجلس إدارة تحرير «كل العرب» الصادرة في الناصرة، ورئيس تحرير الفصلية الثقافية «إضاءات»..

    صدر له أكثر من أربعين كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة.. وصدرت أعماله في سبعة مجلدات عن ثلاث دور نشر في القدس وبيروت والقاهرة.. ترجم عدد كبير من قصائده إلى الانجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية ولغات أخرى.. حصل على الكثير من الجوائز عن شعره منها «غار الشعر» من اسبانيا، وجائزة البابطين للإبداع الشعري.. وأسأل..

    l بعيداً عن المقدمات المعروفة في الأسئلة، أدخل مباشرة إلى صلب الموضوع لأطرح موضوعة تقول كيف ينظر سميح القاسم إلى مسيرة شعره.. ليتك تستحضر الناقد عندك؟؟..

    ll يجوز القول إن الشاعر هو أفضل ناقد لنتاجه، وهو أسوأ ناقد لنتاجه في الوقت نفسه.. أميل إلى إعفائي من الحالتين.. لكن استجابة لإلحاح سؤال كهذا أستطيع القول أو التحدث عن الأمور العائمة على السطح، كتحول القصيدة من الإيقاعات الحادة والألوان الزاهية والقوية في مرحلة الصبا والشباب، إلى حالة التداخل الإيقاعي والتداخل اللوني.. خفوت الصوت بعض الشيء واقتحام ألوان الشك لمواقع اليقينية المطلقة التي تميز روح الشباب.. لكن يبقى هناك الخط السري الذي يصل بين القصائد الأولى والقصائد الجديدة بدون شك.. بكلمات أخرى تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة وتراكم معرفي ووجداني هو من طبيعة الحياة.. ويبقى الهاجس الأساسي، هاجس الحرية والعدل الإنساني، بحيث يشتبك السياسي بالوجداني بالمجرد بالمطلق، والشك باليقين.. هذه سمة تجربتي بخطوط عريضة بين الأمس واليوم..

    l تأخذني هنا للسؤال عن النقد والنقاد.. كثيرون تناولوا شعرك.. تجربتك الشعرية درست بغزارة.. هل وصل النقاد إلى العمق.. ماذا أخذت من هذا النقد، ما رأيك فيه؟؟

    ll هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي بدون شك وأعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى، ولا على الخطوط العريضة في الشكل، بل تعمقوا في هذه التجربة واستشفوا أموراً تتصل بالذات بالسايكولوجي، باللغة.. وعلى سبيل المثال فوجئت بدراسة كبيرة من ناقدة وباحثة أمريكية هي الأستاذة تيري دي يونك التي كتبت دراسة عميقة وهامة بعنوان «سميح القاسم وتحديث الجناس» حيث نظرت في تحديث الجناس العربي في قصيدتي، وبهذا لفتت نظري إلى مسألة كنت أعيشها دون أن أنتبه لها، وهي مسألة المحاولة المستمرة لتكوين حداثة على أسس تراثية أصيلة، حداثة لا تتنكر للماضي، ولا تتقزم أمام حداثة الآخر الغربي أو الأجنبي، لكن تكون ذاتها من خلال التجربة في سياق عملية الكتابة وبالرجوع بقدر كبير من الحب والحنين إلى مقومات فنية متوفرة في تراثنا بشكل ملحوظ..

    l في شعرك دراما.. لنقل هناك إصرار على محاورة الذات الخارجة عن الذات الشاعرة، أي ذات المتلقي.. هذا يشدّ السامع أو القارئ؟؟

    ll آمنتُ دائماً بأن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري، وقد يعود ذلك إلى بدايات ثقافتي الشعرية، قد يعود ذلك مثلاً إلى مغني الربابة الذي سمعته في بيت جدي، وتتبعت أداءه عبر وجو الحضور.. أيضاً أنا أحب المسرح، وقد كتبت المسرح من وقت لآخر. فمن الطبيعي أن يكون العنصر الدرامي قائماً، وهي مسألة أشار لها معظم النقاد الذين كتبوا عن تجربتي.. نعم إنه شديد الحضور في قصيدتي.. والعنصر الدرامي حتى في صيغة المونولوج يفترض ويستدعي الآخر..

    l ألاحظ أن قارئك ومستمع شعرك يعيش فسحة الشعور بأنه كاتب القصيدة، مشارك في صياغتها، كأن القصيدة تنبع منه هو.. ألا تطرح هذه النقطة تساؤلاً؟؟..

    ll أنا معك في ذلك.. هنا تدخل نظرية التقمص.. وهي نظرية بدون شك تنبع من خلال تراث الموحدين وقد كان لي أن نشأت في بيئة مدهشة في تنوعها وتعدديتها.. نشأت بين جد فقيه علامة في شؤون الدين وجد علماني حداثي بشكل متطرف.. في الحقيقة في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة في رحابتها وفي ثرائها، وهذا بطبيعة الحال انعكس أيضاً في تجربتي، وهذا ما ساعدني بعض النقاد على رؤيته من أنني أستفيد كثيراً من الرموز الدينية القرآنية والتوحيدية والمسيحية وحتى من البوذية ومن ديانات قبائل الإنكا.. قصيدتي بالطبع لا تستطيع أن تكون إلا علمانية كصاحبها، لكن لم تجد هذه القصيدة غضاضة في وجود هذا التداخل، هذا التنوع الجميل في رأيي بين القرآن الكريم وأبي ذر الغفاري وكارل ماركس وابن خلدون.. جمعت ما يبدو مجموعة من التناقضات، لكن هذه التناقضات وجدت صيغة من التناغم، من التعايش، من خلال تجربتي..

    l هناك شعراء يتحولون إلى رمز، أنت واحد منهم..

    ll لايتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته.. في الحقيقة الشاعر يستفيد من «قصيدته» في هذا.. الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر.

    l ربما أشير هنا إلى هذا التواصل والتماهي الحميم بينك وبين الجمهور.. ومن ثم فالشاعر هو صاحب القصيدة؟؟..

    ll أولاً أنا سعيد بهذا التواصل الحميم بين قصيدتي والجمهور.. وهذه المشاركة تنجم أيضاً عما يجوز تسميته بالتماهي بين ذاتي وذات الآخر.. هناك شيء من التماهي لم أخطط له.. لكن كما يبدو من ردود الفعل على هذه القصيدة يبدو أن هناك تماهياً إنسانياً ووجدانياً وفكرياً أيضاً بيني وبين عدد كبير من الناس..

    l في سنوات مضت اعتبرت غزيراً في نتاجك، ثم بدأت في الإقلال والتأني.. برأيك ما هو سبب التحول إلى الإقلال؟؟

    ll أعتقد أن هناك خطأ بصرياً في الشطر الأول من عمري، ربما كنت أكتب القصائد بالمقاييس العادية وبتوهج الشباب.. كل قضية تصادفني تتفجر من خلال قصيدة.. بمرور الزمن تصورت لدي صيغة السربية أو المطولة حيث ظهرت سربيتي الأولى «إرم» لكن لم أعتمدها شكلاً أساسياً إلا في العقدين الأخيرين.. وهذا الشكل من المطولات الشعرية السربيات التي تقوم على التداعي ولا تقوم على وحدة الشكل، تقوم على تعددية الحالات واللمحات والإيقاعات والأشكال، لكن ينتظمها هاجس واحد أساسي من بدايتها حتى نهايتها مع تشعبات واستطرادات كثيرة في الشكل وفي المضمون وفي الصور. هذا هو الشكل الذي أسميته بالسربية والذي كما يبدو استراح له عدد من الشعراء، من أصدقائي الشعراء، ومنهم شعراء كبار تبنوا هذا الشكل وكتبوا به.. لذلك أصبحت عناويني أقل غزارة.. لكن العمل الشعري حافظ أو ربما صعد من وتيرته..
    أقرأ هنا في كتابك الشعري الجميل:

    تقدموا.. تقدموا

    كل سماء فوقكم جهنم

    وكل أرض تحتكم جهنم

    تقدموا..

    يموت منا الشيخ والطفل

    ولا يستسلم

    وتسقط الأم على أبنائها القتلى

    ولا تستسلم..

    تقدموا..

    بناقلات جندكم..

    وراجمات حقدكم

    وهددوا..

    وشردوا..

    ويتموا..

    وهدموا..

    لن تكسروا أعماقنا

    لن تهزموا أشواقنا

    نحن قضاء مبرم..

    l من قصيدتك «رسالة إلى غزاة لا يقرؤون».. أسأل: الانتفاضة كتبها سميح القاسم بتميز.. ماأثرها على أدبك بشكل عام، وعلى أدبنا الفلسطيني بامتداده؟؟..

    ll هناك نقاد كثيرون بحثوا عن إرهاصات الانتفاضة في قصائدنا، في الشعر العربي الفلسطيني، وألمحوا إلى مقاطع وإلى أبيات وإلى قصائد كأنما بشرت بالانتفاضة وحرضت عليها، وهذا اقتراح مشروع ومبرر عند الناقد.. لكن الانتفاضة الأولى لم أكن مراقباً فيها بل أتيح لي أن أشارك في بعض فعالياتها. لذلك قصيدة «رسالة إلى غزاة لا يقرؤون» كانت من قلب الحدث وعرفت بشكل واسع..

    l أعتقد أنها قصيدة الانتفاضة، وأنها أول قصيدة عن الانتفاضة؟؟

    ll كانت أول عمل شعري متكامل كتب في قلب الانتفاضة، وبدأت إيقاعاته على إيقاع قنابل الغاز والرصاص المطاطي والشظايا التي كانت تتطاير من حولي في القدس.. إيقاعاتها بدأت هناك.. أخذت إيقاع الشارع وإيقاع المظاهرة ورائحة الغاز المسيل للدموع التي دخلت رئتي.. كأنما كل هذه الأمور كتبت نفسها في هذه القصيدة.. رغم البساطة الظاهرية والمباشرة الفنية الموجودة فيها دون شك..

    l إنها من نوع الشعر الذي نطلق عليه تسمية السهل الممتنع؟؟

    ll قد تكون تسمية السهل الممتنع هي التسمية الأدق نعم.. بحيث يعتقد كل قارئ أنه يستطيع أن يكتبها، ولكن اكتشفت أنا شخصياً أنني لا أستطيع أن أكتبها مرة أخرى.. لا أستطيع أن أكتب مثلها مرة أخرى.. هذه القصيدة لم تكن من خارج الانتفاضة، بل كانت من داخلها وكانت إيقاعها وكانت لحمها وكانت دمها، لذلك بقيت وترددت كثيراً.. هي قصيدة الانتفاضة بالفعل.. في كل أمسية شعرية أطالب بقراءتها، أحياناً أشعر بضيق، أريد أن أقرأ شيئاً جديداً مختلفاً، ويصر الجمهور على قراءتها.. أحياناً أدعي أنها ليست معي لأتهرب..

    l لكن لا تنسى أن الجمهور صار يحفظها.. فهو يردد معك ما تقرأ حين تقرأها..

    ll نعم حين أقرأ هذه القصيدة يرددون معي.. نعود لشعر الانتفاضة بشكل عام.. ليس بالضرورة أن كل ما يكتب عن الانتفاضة هو شعر جيد، وليس بالضرورة أن يكون الموضوع العادل والجميل والجيد كافياً لتبرير قصيدة. هناك قصائد جيدة كتبت عن الانتفاضة، وهناك قصائد رديئة كتبت عن الانتفاضة. الانتفاضة تحولت إلى هاجس ليس في الشعر الفلسطيني فحسب بل في الشعر العربي ككل، لأنها تحولت من حدث سياسي إلى هم قومي ووطني وإنساني.. فوجئت في بلجيكا بشاعر يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة باللغة الفرنسية، فوجئت بألمانيا بشاعر ألماني يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة بالألمانية.. فوجئت في أكثر من بلد أجنبي بشعراء وشاعرات كتبوا قصائد بعنوان «انتفاضة» لفظ الكلمة بالعربية وبحروف أجنبية..

    l قد أقف هنا عند نوع من الأدب الإسرائيلي الذي كتب عن الانتفاضة.. ماذا نقول عن هذا الأدب أو هذا النوع؟؟

    ll ليس لدي قدر كاف من العنصرية بحيث أنفي الصدق عن كل ما كتب، قد يكون هناك شاعر عبري شعر بالفعل بالإهانة من تصرفات دولته وجيشه وشرطته واستفذ وكتب قصيدة صادقة، قد يكون ذلك.. لكن على العموم تظل الكتابة العبرية بمعظمها نوعاً من تبرئة الذمة، تسجيل موقف، ولم يزل هناك وقت حتى يتحول الإنسان الفلسطيني والإنسان العربي إلى هم حقيقي أو إلى نقطة قلق عند الكاتب الإسرائيلي.. ما زال يكتب بفكره وبآرائه وأشك في أن يكون الإنسان العربي قد تحول إلى هم وجودي عند الكاتب العبري..

    l قيل الكثير عن الأدب المقاوم، لن أدخل في التوصيفات الجاهزة.. لكن هناك من رأى بشيء من الغباء ربما أن الأدب المقاوم كله سيطير بنفخة حين يحل السلام.. أصر على أنه رأي عجائبي.. لكن هنا أريد أن أسألك ماذا تقول عن هذا الأدب حاضراً ومستقبلاً؟؟.

    ll لنقل لهذا الرأي العجائبي أولاً ليسترد شعبنا حقوقه وليطر أدب المقاومة في الهواء!!.. نحن لم نطلب النكبة ولم نطلب النكسة ولم نطلب الكوارث لنقاومها ولنكون شعراء مقاومة.. وثانياً نحن لم نطلق على أنفسنا شعراء المقاومة أو أدباء المقاومة التسمية أطلقت علينا من الخارج ونعتز بهذا اللقب، وأولئك الذين يقفون هذا الموقف من أدبنا هم محرجون، نظروا لنوع آخر من الأدب ولم تقدم نظرياتهم إبداعاً استحق الحياة أو استحق الوجود، بالمقابل ظهرت ظاهرة شعرية وأدبية أقبل عليها الشعب العربي والقارئ العربي وعانقها وأحبها واحتضنها وحفظها عن ظهر قلب، لذلك اعتبروا هذا الأدب كأنما هو صخرة تحطمت عليها أمواجهم وتطايرت عليها رذاذاً.. أنا مع تعايش التجارب الأدبية، ليبدع كل من شاء كيف شاء، لا أضع مواصفات للشعر ولا للنثر ولا للنقد، أقول قصيدتي كما يقولها زملائي، بتجربتنا، بطاقتنا الفنية، بوعينا وبوجداننا، ونتابع الحياة كما ينبغي أن نتابعها، ولكن كما يبدو فإن السلام والحرب معاً لا يستطيعان محو وجدان شعب وذاكرة شعب، نرجو أن تنتهي الانتفاضة إلى نصر وألا يضطر شعبنا إلى الانتفاض على الاحتلال طبعاً من خلال زوال الاحتلال.. لكن أعتقد أن جمهور الشعر العربي سيحن دائماً إلى نماذج كثيرة من شعر الانتفاضة وسيحفظها عن ظهر قلب بمثل ما يحفظ صورة جده وجد جده، مضى الأجداد من العالم ومازالت صورهم في قلوبنا وفي منازلنا وفي دفاترنا وفي مكتباتنا، لذلك أعتقد أن التعامل النقدي مع هذه التجربة يجب أن يكون أرقى وأكثر صدقاً وبعيداً عن العقد الذاتية والإحباطات والشعور بالقزامة أمام هذه التجربة أو تلك..

    l حبك للتجديد واضح جلي في شعرك ونثرك.. ما مفهومك للتجديد من جهة وللحداثة من جهة أخرى؟؟..

    ll أنا بطبعي ملول، هذا ينعكس على تجربتي.. لا أحب التكرار، أحب المغامرة الفنية وأمارسها على مزاجي وبكامل حريتي وأحترم حس الآخرين بالمغامرة الفنية.. لذلك من الطبيعي أن يلتقي في تجربتي المناخ الكلاسيكي بالمناخ الحديث، السريالية بالواقعية الاشتراكية.. هذه شخصيتي في الحياة..

    l أخيراً أنت من الأسماء القليلة جداً التي عرفت بشكل واسع لتكون نجماً.. أسأل ما تأثير النجومية على شعرك وأدبك.. ألا تشعر بأن حب الناس يحاصرك ويطالبك بالمزيد دائماً؟؟..

    ll تسمية النجومية تسمية من خارجنا.. أما تأثير هذه «النجومية» ـ أصر الشاعر سميح القاسم على وضعها بين قوسين ـ فربما لاشيء، فهي لا تؤثر على القصيدة وعلى السلوك الشخصي.. برأيي فقط الإنسان الضعيف، ضعيف الشخصية، تسكره النجومية وتفقده القدرة على الاتزان.. الأمر الأساسي عندي هو هذا الاكتشاف الجميل لأصدقاء لقصيدتي، في كل مكان أذهب إليه هناك أصدقاء محبون أوفياء لهذه القصيدة وهذا عزائي الوحيد..

    وتبقى القصيدة طائر العمر ونسمع من الشاعر القاسم:

    هلا .. يا هلا

    إلى عرسنا .. أولاً ..

    إلى شمسنا .. أولاً ..

    إلى قدسنا .. أولاً ..

    هلا .. يا هلا ..

    بأبيض

    أسود

    أخضر

    أحمر

    طعام الشهيدة يكفي شهيدين

    والله أكبر

    الله أكبر

    الله أكبر..

    ******************************



    ضيف الحلقة
    الشاعر سميح القاسم

    أحمد علي الزين: لا أعرف من أين أبدأ كي أصل, الآن هنا وليس لديّ خريطة كما يفعل السائح، أو كما يفعل عالم الآثار، ولست مستشرقاً أبحث عن مصادر اللغات القديمة، ولست مستوطناً حملته الوكالة بين البضائع المشحونة من الغرب تكفيراً عن ذنب. أذكر كأني عبرت هذه الحدود مرة إلى الجليل, أو أنّ أبي فعل ذلك ليفي بنذر أو أمانة أو في مقايضة الزيت بالحرير، الآن هنا الشجر الدهري دليل قاطع على أنّي لم أضل الطريق, وإن عملت أيادٍ سود على إبادته ومحت معالم الدرب والقرى, الآن هنا ولكن أمام الشريط كأني أبحث عن ظلّي في يومٍ غائم, كان ينبغي أن نلتقيه هنا في بيته, ولكن هذا يستدعي أن نبدأ كل شيء من جديد, أن نمنع مثلاً حدوث "سايكس بيكو" أو أن نستهلّ أعمارنا من البداية ونمنع رسم الحدود، ونعترض سفن الوكالة، وجيوش الغزو، أو أن ننتصر ولو في حرب واحدة أو أن تكون الخسارات أقل فداحة, ولكن كلّ هذا لم يحدث فكان أسهل عليه قليلاً أن يقوم بزيارة لأهله على الضفة الأخرى خارج البلاد. أستاذ سميح القاسم بدايةً لمنع الالتباس فقط إنّو هذه العكازة التي تتكئ عليها هي مش نتيجة للزمن ووطأة العمر, أتت نتيجة حادث مرور على ما أعتقد.

    القصيدة عكّاز الروح

    الشاعر سميح القاسم: نعم نحن نقول العصا لمن عصى, لكن هذه العصا بالذات هي نتيجة لحادث طرق صعب، لكنه أقل صعوبة من حوادث التاريخ التي يتعرض لها الشعب والوطن والأمة في هذه المرحلة. والتي تستدعي عكازاً من نوع آخر, عكازاً سرياً ربما هو عكاز الروح.
    أحمد علي الزين: عكاز الروح كلام جميل, وهذه العكاز.. يعني عكاز الروح هي الحافز اللّي بتخليك تصرخ على طريقتك عبر القصيدة؟
    الشاعر سميح القاسم: لعلّ القصيدة هي عكاز الروح.
    أحمد علي الزين: لعل القصيدة هي عكاز الروح, يعني لازم نسألك مثل ما بيسألوا الغيّاب بعضن, إنه كيف تركت فلسطين؟
    الشاعر سميح القاسم: المألوف هو الإجابة بالقول: بألف خير, لكن لا أحب مجاملة المألوف, لأنّ المألوف في غاية التعقيد والصعوبة, لسنا بخير في هذه الأيام, وتعلمون أنّ شعباً عربياً بأسره يتعرض للاجتياح والقتل والدمار والقمع لا لسبب سوى أنّه يشتهي ما يشتهيه كل إنسان من معاني الحرية, والكرامة الوطنية, والقومية, وحقوق الإنسان, والديمقراطية, والعدالة التي يتغنّى بها أعداء شعبنا, وأعداء جميع الشعوب.
    أحمد علي الزين: يعني بدايةً سميح القاسم عبر الحدود إلى البيوت العربية, عبر القصيدة اللّي ما بتستدعي جواز سفر، الناس بيعرفوك شاعر المقاومة شاعر فلسطين شاعر القضية، يعني حبذا لو نعرف الوجه الآخر لسميح القاسم يعني البدايات الأولى اللّي هي بلشت قبل النكبة الأولى قبل 48 يعني كيف أتيت إلى هذه الرحلة الطويلة؟
    الشاعر سميح القاسم: أريد أن أوضح قلقي وعدم ارتياحي لوضعي في خانة إقليمية ضيّقة، أعتز بأن أكونَ كما ذكرت.. تفضلت شاعر فلسطين, وشاعر القضية, والمقاومة, لكن حين تعود إلى أعمالي الشعرية ستكتشف أنّ وجعي ليس إقليمياً, ليس فلسطينياً فحسب لدي وجعي اللبناني ووجعي العراقي ووجعي
    أحمد علي الزين: الإنساني.
    الشاعر سميح القاسم: القومي ووجعي الإنساني أيضاً. إذاً اسمحوا لي أن أحتج أيضاً على مفاهيم سايكس بيكو في الثقافة.
    أحمد علي الزين: الصورة يا ابن عمي عاجزة أن تجعلني أهتدي إلى البيوت ثم الصورة اليوم غيرها القديمة في حقيبة الشتات الآن هنا أعيد الشريط من أوله وذاكرتي من أولها أعيد التأمل في الطريق نحو أهلي القدماء نحو موطئ الأنبياء والرعاة ولا أصل إلا في الكتاب ولو وقفت على قمة جبل متاخم لمرمى الحدود مشرفٍ على غابة الزيتون على ظل فتى لاستطعت المقارنة بين الصورة والأصل وتعلم ليست بعيدة البلاد التي حفظناها في قرانا النائية ولكن رغم ذلك لم أصل.
    أحمد علي الزين: بكونك عشت التجربة بكل آلامها..
    الشاعر سميح القاسم: نعم.

    إسرائيلي والحق على العرب

    أحمد علي الزين: وبكل أوجاعها يعني هذا يستدعيني أو بحفزني أسأل سؤالاً آخر هو الازدواجية بكونك مستلب الهوية الحقيقة، هويتك الحقيقية، وتحمل جنسية أخرى تعبر بها الأمكنة يعني على ما أظن أنك تعيش آلام هذه الازدواجية كيف تغالب هذه الآلام؟

    "هويتي لا يقررها مجلس وزراء أو شرطة أو وزارة داخلية وكما قلت مراراً جواز سفري هو قصيدتي وهويتي غير قابلة للحوار وللنقاش وللمساءلة "

    الشاعر سميح القاسم: ستكون إجابتي مستفزة بعض الشيء فاعذروني كنت أتمنى على 300 مليون عربي أن يكون لديهم وضوح الهوية الذي أتمتع به، هويتي لا يقررها مجلس وزراء أو شرطة أو وزارة داخلية وكما قلت مراراً جواز سفري هو قصيدتي وهويتي غير قابلة للحوار وللنقاش وللمساءلة أنا ابن هذه الأمة وابن هذا الوطن، أرفض التجزئات المفتعلة، أرفض مشروع سايكس بيكو في السياسة، وفي الجغرافية، وفي الثقافة، وفي الفكر، وفي كل شيء، وأرفض محاولات تغريبي الفكري والروحي، ومحاولات محو ذاكرتي العربية الفلسطينية والمقدسية إذا شئنا، لكن هذا الصراع يظل في السياسة يظل خارج الروح والوجدان، لن تقوى أية قوة غاشمة وظالمة خارجية وداخلية على محو هذا الالتحام العميق والأصيل، والعفوي بين جسدي وروحي ووطني وأمتي، وإنسانيتي، والهوية التي تحركني وأحتمي بها وتحتمي بي أحياناً.
    أحمد علي الزين: ولكن هو أنا مش اتهام أنك تحمل يعني جنسية إسرائيلية؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم أنت تتعاطف معي أنا أعرف..
    أحمد علي الزين: مش اتهام ولكن مجبر أخاك لا بطل، ربما الخيار الآخر أنك تترك وتغادر ربما يكون أكثر مرارة وشفنا يعني..
    الشاعر سميح القاسم: نعم أنا رفضت وتعلمون أني رفضت بأي شكل من الأشكال أن أغادر وطني وبصراحة مُتناهية لو خيرت بين أن أدمغ على جبيني وعلى أي مكان من ظهري بنجمة داود، وبين البقاء في الوطن فسأبقى في الوطن مدموغاً ولن أغادر الوطن لأن الفيزياء السياسية والتاريخية لا تقبل الفراغ أيضاً ورحيلي يعني استقدام قادم جديد من روسيا أو من أثيوبيا أو من أي مكان آخر ولدي وطن جميل وقرية فاتنة وبيت أيضاً يطل على البحر المتوسط وعلى بحيرة طبريا فلا أستبدل هذا البيت بالبيت الأبيض، وبيتي هو أبيض لكنه أصغر من البيت الأبيض في واشنطن لكني لا أستبدل هذا البيت بأي مكان في العالم.
    أحمد علي الزين: طيب يعني هذا الوعي المبكر عندك يعني هذا الوعي هو أتى نتيجة ضرورة كفاحية أنه بقاءك داخل الأرض المحتلة مُجدي أكثر من غيابك؟
    الشاعر سميح القاسم: حين حدثت النكبة كنت في الثامنة أو في التاسعة من العمر، لكن الذي فتح وعيي على هذه المسألة كان أحد أجدادي الذي قال لابنه المحامي القادم من دمشق للترحيب بالعائلة حين تذهب إلى دمشق قال له والده الشيخ المرحوم حسين علي أسعد الحسين أنا أعتز بهذا الشخص قال له موت في الوطن ولا حياة في الغربة.
    الشاعر سميح القاسم:

    حمامٌ مقيمٌ على سطح داري
    غمامٌ جديدٌ على شُرفات النهارِ
    سلامٌ على غضب العمرِ
    يوماً فيوماً وشهراً فشهرا وعاماً فعاماً
    سلامٌ على قرحتي وليالي انتظاري
    سلامٌ على نكبتي وعلى نكستي وانكساري
    سلامٌ على فرحتي بانتصاري
    بخفق الخطى العائدات إلى البيت
    في تعتعات الطريق وعزف المسار
    وبعد المزار

    أحمد علي الزين: الآن هنا لا بأس سأتخيل أنني عبرت الحدود في نهار ربيعي تسللت بين الشجر، تماهيت بظله استعنت ببعض القصائد والحكايات التي حفظناها صغاراً في الصباحات النائية، وببعض خرائط الثوار القدماء سأتخيل أنني في الطريق تلتبس عليّ اللغة ويلتبس عليّ صوتي حين أسأل العابرين أو أتخيل ذلك، أسألهم عن سور قديم وبيت وشرفة وشجرة ياسمين. أعلم أن الصور القديمة التي حُملت في حقائب الشتات هُدمت قاماتها الأصل ولكن تقول لي قامات أهلها وإن حنا بعضها أمام الزمان تميل نحو ترابها الأحمر وجذورها المتفرعة تحت الصخور. أما الصورة الأكثر غوراً في القلب والوجدان هي تلك الجموع التي تودع الجموع على الأكف إلى ترابها وتعود لتعيد بناء البيت وغرس شجرة الود للوليد القادم أما الحكمة تقول مجنونة هي الجزيرة التي تعادي المحيط.

    ثمن البقاء في الأرض

    أحمد علي الزين: أستاذ سميح يعني نتيجة هويتك أو الجنسية اللي بتحملها يعني مفروض تقوم ببعض المساومات أو بعض التنازلات يعني حتى تكون حياتك يعني أقل مرارة؟

    "أختار البقاء في الوطن أنا على استعداد لدفع الثمن الكامل مُقابل هذا البقاء، وأنا أنتظر اللاجئين أنتظر المُشردين ولا أريدهم أن ينتظروا "

    الشاعر سميح القاسم: اصطدمت ببعض الحالات في بعض الأقطار العربية مثلاً بذريعة أن استضافتي في هذا البلد أو ذاك يجب أن تسبقها إجراءات للالتفاف على جواز السفر الرسمي أو الأوراق الثبوتية الرسمية، لكنني دائماً أصر على رفض هذا التوجه، هذه الحالة الاستثنائية لم أخترعها أنا، فُرضت عليّ وأنا أحمل أشقائي العرب مسؤولية كبيرة فيما أصاب طفولتي وأرفض أن يزاود عليّ أحد أرفض رفضاً قاطعاً أن يزاود عليّ أحد من المحيط إلى الخليج، أنا أختار البقاء في الوطن أنا على استعداد لدفع الثمن الكامل مُقابل هذا البقاء، وأنا أنتظر اللاجئين أنتظر المُشردين ولا أريدهم أن ينتظروا.
    أحمد علي الزين: جميل، طيب السلطات الإسرائيلية وقت يعني إذا أردت أن تغادر إلى مكان ما، أحياناً تتدخل أو تمنعك يمكن حدث ذلك أكثر من مرة منعتك؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم منعت مثلاً من زيارة لبنان وخيرت بين أن أزور لبنان وأبقى في لبنان في أحد المخيمات في لبنان، وبين عدم السفر فاخترت عدم السفر أُجبرت على عدم السفر إلى لبنان لأن المسألة وضعت أمامي بهذا الشكل إذا سافرت فلا يوجد لك مجال لك بالعودة.
    أحمد علي الزين: وشو خشيتهم كانت؟
    الشاعر سميح القاسم: يخشون التواصل شكلاً خاص ليس مع جميع الآخرين ربما بشكل خاص.
    أحمد علي الزين: مع اللبنانيين؟
    الشاعر سميح القاسم: مع لبنان مع سوريا مع الأردن مع بلاد الشام التي هي بيئتنا الطبيعية وهي امتدادنا الإنساني هذه التجزئة المروعة التي فرضتها جريمة سايكس بيكو والتي نتواطأ نحن معها إلى يومنا هذا نحن نتواطأ مع السفاح والمجرم ومع العدو نتواطأ ببشاعة وبفظاعة لا توصف لكن التواصل يتم، يتم التواصل لأن الانتماء القومي والإنساني كالريح وكالماء وكالنار يجد له منفذاً بشكل أو بآخر لابد من ذلك.

    مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي

    أحمد علي الزين: أستاذ سميح بتجربتك الموازية لتجربة القصيدة كان عندك تجربة حزبية عملت بالشأن السياسي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: كنت بالحزب الشيوعي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: يعني هذه التجربة كنت في موقع قيادي على ما أعتقد؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: يعني تلك التجربة ماذا حققت على أرض الواقع اليوم؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم، فكري من تربيتي ربما المنزلية ومن ثقافتي هو فكر قومي أممي. وهي خلطة تبدو غريبة بعض الشيء أن تكون عروبياً معتزاً بعروبتك، وأن تكون في الوقت نفسه إنساناً كونياً. هذه هي ثقافتنا. وحتى أتحرك سياسياً حتى أشارك في مسيرة أو في مظاهرة أو في اعتصام أو في مواجهة لا.. كان لابد من إطار قياسي منظم والإطار الوحيد المعادي للصهيونية الذي أُتيح لي آنذاك كان الحزب الشيوعي وبالمناسبة أنا أعتز بهذه المرحلة أعتز بها كثيراً، رغم أنني لعقدين من الزمن أو أكثر لست حزبياً أنا مُستقل، لكنني أعتز بمرحلة الانتماء لهذا الحزب الذي قاد كفاح الجماهير العربية حمى اللغة العربية من الضياع، حمى ثقافتنا، حمى ذاكرتنا، وكان الإطار الأول الذي شكل لجان الدفاع عن المقدسات الإسلامية والسنية والدرزية والشيعية والمسيحية في بلادنا وادعاءات التكفير والتخوين المنحطة التي توجه إلى هؤلاء الأبطال مرفوضة عندي رفضاً قاطعاً.
    أحمد علي الزين: يعني داخل الحزب الشيوعي آنذاك كان فيه أعضاء يهود إسرائيليين..
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم.
    أحمد علي الزين: ولابد من سجالات كانت تدور بينك وبينهم..
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم.
    أحمد علي الزين: يعني بأي حدود كانت تلك السجالات؟ يعني هل هم أولئك هل هم مضللون بالادعاءات ادعاءات النصوص ادعاءات الصهيونية.
    الشاعر سميح القاسم [مقاطعاً]: الله يطعم الأمة العربية مضللين كهؤلاء.
    أحمد علي الزين: نعم.
    الشاعر سميح القاسم: أي مضللين؟
    أحمد علي الزين: أسأل..
    الشاعر سميح القاسم [متابعاً]: كانوا ضد الصهيونية بشكل جليّ، وأول محاولة اغتيال سياسي في الكيان العبري تعرض لها ماير فيلر زعيم الحزب الشيوعي الإسرائيلي قبل رابين وقبل سواه. أول محاولة اغتيال سياسي. هؤلاء مناضلون شُركاء ونعتز بتاريخهم وبنضالهم ولنذكر دائماً أننا لسنا عنصريين.
    أحمد علي الزين: يعني بتقديرك عايش أنت بقلب الصورة وعايش بقلب القضية منذ 65 سنة.
    الشاعر سميح القاسم: لا، منذ عشرين، وعشرين، وخمس وعشرين.
    أحمد علي الزين: كيف، كيف فينا نقرأ أو كيف تقرأ صورة المستقبل داخل الأرض المحتلة؟

    "الحقبة الذهبية في تاريخ اليهود هي حقبة اليهود في كنف العرب والمسلمين، العصر الذهبي اليهودي في الفلسفة وفي الفكر وفي الثقافة وفي الدين هو العصر الأندلسي، تحت كنف العرب والمسلمين "

    الشاعر سميح القاسم: أولاً بالنسبة للسياسة جورج أرويل كاتب لا أحبه لكنني أتفق معه في قوله عن القرن العشرين نحن نعيش في قرن سياسي. أما بالنسبة لمصير إسرائيل هناك ضرورة لتجزئة مسألة المصير: مصير ناس هم الإسرائيليون، ومصير إطار هو الدولة العبرية. أعتقد أنه على مستوى مصير الناس اليهود لدينا إجابة واضحة عبر مئات السنين عبر التاريخ كله، ونستعمل هذا الكلام في حوارنا مع المثقفين الإسرائيليين أيضاً نقول لهم دائماً أن الحقبة الذهبية في تاريخ اليهود هي حقبة اليهود في كنف العرب والمسلمين، العصر الذهبي اليهودي في الفلسفة وفي الفكر وفي الثقافة وفي الدين هو العصر الأندلسي، تحت كنف العرب والمسلمين. ونحن نقول لهم دائماً أفران الغاز ليست عربية وليست مسلمة. المذابح، المحارق، اللاسامية، الفاشية، النازية، هذه الكوارث التي تعرضتم لها لم تكن من صنعنا نحن. عليهم أن يختاروا بين الاحتلال والعنصرية والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية وبين الزوال. الاستمرار في مواجهة هذه الأمة سيعني زوالهم لن يعني بأي شكل من الأشكال زوالنا نحن، ونذكرهم دائماً بالمثل الصيني الذي يقول مجنونة هي الجزيرة التي تعادي المحيط.
    أحمد علي الزين: الكثير من الأسئلة تخطر بالبال عندما يلتقي أحدنا بقادم من الأرض المحتلة. فكيف إذا كان هذا القادم سميح القاسم؟ الشاعر الذي اختار مرارات البقاء في البلاد على مرارات الشتات، والذي وصل صوته قبله بعشرات السنين إلى البيوت العربية. وشكل حالة ثقافية بموازاة التجربة بشقها النضالي والسياسي. الكثير من الأسئلة تخطر في البال ربما هو الشوق للتعرف أكثر على أرض سكنت الوجدان بأهلها وعلى شاعر فتح نافذته للصباحات والأمل هي الرغبة في تلمس بعض ملامح الدرب نحو المصير والمستقبل بعض هذه الأسئلة سنتابعها مع سميح القاسم إنما في زيارة معاكسة.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:35 am

    القاسم بين الشعر والسياسة

    مقدم الحلقة: بسام القادري

    تاريخ الحلقة: 30/10/2004

    بسام القادري: مشاهدينا السلام عليكم وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج أوراق ثقافية في هذه الحلقة نلتقي وإياكم مع شاعر كبير حمل روحه على كفه من أجل بلاده وفي انتظار طائل الرعد ظل الشاعر يغني منتظرا فجر الحرية والتحرر الذي طال كثيرا، أنه الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم كتب القاسم ما يزيد على الخمسين كتابا ما بين ديوان شعري ورواية ومسرحية وغيرها من دروب الإبداع التي أصابها القاسم بصاعقة إبداعه وفي إبداعاته كلها ظل القاسم مشدودا إلى فلسطين دون سواها مُغنيًا تاريخها وحقولها أرضها وسماءها أطفالها وشهداءها دون أن يتخلى عن فنية قصيدته التي حملت القضية الفلسطينية إلى العالم بأسره لتصبح جزءا من ضمير هذا العالم كقضية شعب مكافح يحمل السلاح بيد والكتابة أو القصيدة بيد أخرى.

    الراهن الفلسطيني واليقين الشعري

    سميح القاسم: الآن يغطس عرشك المائي أمواج من الظلمات تغمر بهجة الأعياد.. تقترب الملوحة من قباب الملك.. تغرق غابة أخرى.. تغيب القمة الخضراء في أوكيانوس الظلمات.. تفغر جوفها الأعماق.. تقبل شهوة الحيتان.. يهرع من مكامنه السحيقة.. يهرع من مكامنه السحيقة.. موكب السرطان.. ينشر إخطبوط اليأس أذرعة مدربة.. ويا مولاي في شرك مميت أنت.. في شرك مميت أنت.. في شرك مميت تختفي المدن الكثيفة والقرى المعزولة الثكنات.. أبراج المعابد والمصانع والحدائق.. تختفي الأشجار والطرق المعبدة الموانئ والمقاهي.. وتظل ربانا على برج السفينة.. رافعا كفيه صوب يد الإله.. تتلاطم الأمواج حولك.. يستعد القاع للحفل للكبير.. والماء يصعد أنت تهبط.. تختفي قدماك.. ربانا بلا قدمين.. يعلو الماء.. ربان بلا ساقين.. يعلو الماء تهبط أنت.. سرتك احتفاء الأهل.. بالطفل الجديد على السرير.. وسريرك المائي يغطس.. تختفي كتفاك تحت الماء.. يهبط رأسك المائي.. يسبح شعرك المائي.. في ماء بلا حد.. على ماء بلا حد وروحك عائد للماء .. فوق الغمر يطفو.. يستعيد الله آياته القديمة.. وتغوص في القيعان اطلانتس.. وتغوص في القيعان اطلانتس.. يغوص الملك في الظلمات.. أنت تغوص في القيعان.. في أحلام يقظتك الوخيمة.. وتغوص أسرار الجريمة.. وتغوص أسرار الجريمة.. وتغوص أسرار الجريمة.

    بسام القادري: سميح القاسم سأبدأ هذا اللقاء من حيث انتهيت في قصيدتك، لنبدأ من الراهن الفلسطيني رئيس محاصر قيادات مستهدفة بشكل دائم اغتيالا وسجنا وشعبا يكاد يفقد آخر ما تبقى له من فسحة الأمل سميح القاسم كيف تنظر إلى الصورة في فلسطين حاليا؟

    " اغتيال القياديين ومحاصرة الشعب والتخريب الروحي والمعنوي والاقتصادي والسياسي، أمور مستمرة فالنتيجة الحتمية هي المقاومة ورفض كل معادلة أخرى تطرح "

    سميح القاسم: نحن دائما نبحث عن العزاء في ظواهر الطبيعة من ظواهر الطبيعة مثلا أن حلكة الظلام تشتد في نهاية الليل ونتوقع بزوغ الفجر فلذلك أستعير الطبيعة مرة أخرى لكن لا أكتفي بالعودة إلى الغيبيات وإلى أسرار الطبيعة هناك حقائق تاريخية وتطور تاريخي لا يمكن أن يستمر، الوجع الفلسطيني والنزيف الفلسطيني بلا حدود لابد من نهاية قريبة والنهاية مرهونة بنهاية الاحتلال هذا ما نقوله دائما ما دام الاحتلال مستمرا ما دام القمع والتجريف وهدم المنازل وقتل طالبات المدارس واغتيال القياديين ومحاصرة الرئيس ومحاصرة الشعب بأسره والتخريب الروحي والمعنوي والاقتصادي والسياسي مادامت هذه الأمور مستمرة فالنتيجة الحتمية هي المقاومة، نرفض كل معادلة أخرى تطرح نرفض محاولة تلويث معنى المقاومة بمفاهيم الإرهاب الدولي والإرهاب الإسلامي والإرهاب الفلسطيني نرفض هذا التهريج الإرهابي ونرفض الممارسات الإرهابية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ويبقى اليقين وهو ليس يقينا شعريا فحسب بل هو يقين تاريخي علمي ثوري مبرر ستنتصر إرادة الشعب العربي الفلسطيني.

    بسام القادري: سميح القاسم لنعد قليلا إلى الوراء كنتم ثلاثة شعراء حملتم قضية شعبكم على أكتافكم وتعهدتم بأن تبقوا كالصبَّار في حلق العدو أحدكم غادر فلسطين في مطلع السبعينيات والآخر مات وبقيت أنت العمر الطويل إن شاء الله كيف ترى إلى تلك الصحبة وإلى ذلك المشروع الذي تبنَّى الشعر في مواجهة السيف؟

    سميح القاسم: أنا مبدئيا أرفض الحديث عن مشروع شعري لم يكن هناك مشروع، المشروع الشعري يتحقق نتحدث عنه بعد تحققه لكن لا يمكن لشاعر أو لشعراء أن يضعوا مشروعا مسبقا هذا منافي للعملية الإبداعية منافة تامة يعني لا يجوز تصور أن شاعر يقول سأفعل كذا وسأكتب كذا هذا غير وارد بالحسبان والحقيقة أيضا الإحصاء حصر هذه الظاهرة في ثلاثة أسماء أيضا فيه ظلم لعشرات آخرين سبقوا جيلنا وعايشونا.

    بسام القادري: من الأقل الأسماء لمعت يعني شعبيا وإعلاميا.

    سميح القاسم: نعم أعتقد أن هذا لا يكفي أيضا الوميض الشعبي لا يكفي هناك حركة شعرية عربية داخل الشعب الفلسطيني فيما تسمونه عرب الثامن وأربعين لكنه غير منسلخ عن الحركة الشعرية بين أشقائنا في المنافي وغير منسلخ عن الحركة الشعرية في لبنان وفي سوريا وفي مختلف أرجاء الوطن العربي لذلك أنا لا أحب التعامل مع الثقافة بمنظور إقليمي أو جهوي أو حزبي.

    بسام القادري: هنا سميح القاسم لابد أن نسأل عن حال الثقافة العربية بشكل عام وكيف تنظر إليه؟

    سميح القاسم: سأكون صريح كالعادة رغم أن ذلك يكلفني باهظا أحيانا فيما يسمى العالم الثالث أنا شخصيا أرفض هذه التسمية لكن يبدوا لي أن الكثيرين من المثقفين بين أقواس تبنوا مقولة العالم الثالث ويتصرفون بعقلية العالم الثالث، العالم الثالث هو سوق للأغذية الفاسدة وللأدوية التي انتهت صلاحيتها هذه مسألة معروفة للأسف الشديد أيضا في الثقافة تتحول ديار العرب إلى سوق لثقافة فاسدة وثقافة انتهت صلاحيتها بمعظمها هي ثقافة تقليد استنساخ لتجارب أجنبية استنساخ متخلف غير مثقف لذلك أنا أرى مقبرة نفايات ثقافية أكثر مما أرى حركة ثقافية.

    سميح القاسم وزيرا

    بسام القادري: سميح القاسم بحال كلفت أو عُينت وزيرا لوزراء الثقافة العرب ما أول خطوة تقوم بها؟

    سميح القاسم: أنت تريد أن تقطع رزقهم سأصرفهم من العمل جميعا بدون استثناء لأن المثقف لا يمكن أن يكون ضابطا في المخابرات أو جزء برغيا من آلة السلطة وتفوز وطاغوت وزراء الثقافة إذا كان لابد من وزراء ثقافة فليكونوا من المبدعين الحقيقيين ليس من الشعراء أنصحكم بالابتعاد عن الشعراء عن توزير الشعراء.

    بسام القادري: لماذا؟

    سميح القاسم: ربما من الفنانين التشكيليين من الموسيقيين.

    بسام القادري: قبل اللقاء المصوَّر أو بدأ التصوير سميح القاسم تناولت معرض فرانكفورت الأخير والذي كان العالم العربي ضيف شرف فيه ويبدوا أن لك مآخذ على المشاركة العربية.

    " معرض فرانكفورت الأخير هو سيرك عربي في بلد أوروبي فهذا الأسلوب في التعامل كأنك تفتح سوق خضار ببعض الكتب معظمها تافه تشويه لصورة العربي المسلم "

    سميح القاسم: أنا أراه سيرك.. سيرك.. سيرك عربي في بلد أوروبي يعرضنا إلى المزيد من السخرية والاحتقار بدون شك أنا أعرف ألمانيا أعرف الشعب الألماني قرأت كثيرا في ألمانيا ومترجم إلى الألمانية وشاركت في ندوات وحاورت كثيرين من الألمان على امتداد عقود من الزمن هذا الأسلوب في التعامل كأنك تفتح حسبة سوق خضار ببعض الكتب معظمها تافه وقطيع من الشعراء والمغنيين والراقصات والفنانين بهذا الأسلوب أنت تزيد من تشويه صورة العربي وصورة المسلم أيضا في ألمانيا، ماذا فعلت جامعة أنتوني إدن إعدادا لهذا العرض الكبير هذا الشو الثقافي كم من الكتب العربية ترجمت إلى اللغة الألمانية في غضون العام الأخير أو العامين الأخيرين ماذا هيئت الإدارة إدارة الموظفين التي أعدت لهذا المعرض ماذا هيئت لدى الشعب الألماني كم ألبوم لرسامين تشكيليين فنانين تشكيليين عرب قدم للشعب الألماني.

    بسام القادري: أنت لم تكن حاضرا هذا المعرض من أين لك بهذا التقييم وهذه الملاحظات؟

    سميح القاسم: أنا تابعت أتباع أخبار الفاعليات الثقافية في العالم بما فيها هذه الحسبة.

    بسام القادري: لماذا لم تحضر ألم تُدعَى أم أنت رفضت؟

    سميح القاسم: لا علاقة لي قلت لك قبل قليل أنا لست موظفا في أي مؤسسة عربية.

    بسام القادري: ليس كل من شارك في المعرض هم موظفون يعني؟

    سميح القاسم: لا أعرف من شارك ولا يعنيني من شارك تعنيني الظاهرة موظفون يختارون موظفين للمشاركة في فعاليات كما يحدث دائما لا علاقة لي أنا لا أنتمي لدولة لا أنتمي لحزب لا أنتمي لمؤسسة أنا أنتمي لقصيدتي فقط وأتكلم بصفتي الفردية لا علاقة لي لا أعلم مَن شارك ومَن لم يشارك هذا لا يهمني كل موظف يختار موظفيه كما يشاء سمعت لاحقا الصراع كم عدد المصريين كم عدد اللبنانيين كم عدد الفلسطينيين وهو نقاش تافه أيضا ووضيع وإقليمي ومريض ومعادي للثقافة ومعادي للحضارة أن يدور النقاش كم عدد المصريين وكم عدد السوريين وكم عدد هذا النقاش؟

    بسام القادري: ذكرت أستاذ سميح.

    سميح القاسم: الضحل.

    بسام القادري: ذكرت أكثر من مرة بأن هذا الموضوع لا يعنيك وإلى ملاحظات وإلى أخره ولكن الكل متفقون على أن العمل الثقافي هو عمل جماعي يعني الشعر هو جزء من هذا الكل.

    سميح القاسم: لا بالنسبة لي أعذروني أنا خارج هذا الإطار بالكامل.

    بسام القادري: سميح القاسم أسمح لي هنا بأن أقاطعك ولكن لابد من هذا الفاصل مشاهدينا نعود ونتابع وإياكم ما تبقى من حلقة أوراق ثقافية والشاعر سميح القاسم.

    لقاسم يقدم وردة الدم

    بسام القادري: البعض يرى أن شعر سميح القاسم ظل تحريضيا كونك بقيت داخل البلاد فيما انفتح أفاق أرحب ولنقل تجريبية أمام العديد من الشعراء غيرك من الذين استطاعوا أن يخرجوا من سجن الاحتلال ورقبته إلى رحابة العالم هل هذا صحيح؟

    سميح القاسم: هذه من النظريات المضحكة أيضا وغير المثقفة السائدة للأسف الشديد فيما يسمى الساحة الثقافية العربية، نظرية تافهة وسخيفة وخطيرة أيضا كأنما يقال لي إذا أردت أن تتطور فنيا غادر وطنك وكأن ما يقال لك ولأي شاعر ولأي مبدع عربي إذا أردت أن تتطور هاجر هذه نظرية خطيرة وأنا أرفضها وأعتقد أنني في إطار تجربتي حققت من التطور ما لم يُتح لأي شاعر آخر والدليل عندكم أرجعوا إلى الدراسات النقدية كبار النقاد العرب لتكتشفوا هذه الحقيقة وأنا يعني أشعر بكثير من الاشمئزاز حين أسمع مثل هذا الكلام الذي يعني لي شيء واحدا كأنني أعاقب لأنني بقيت في وطني أنا باقي في وطني ولا تشديد لا يمكن التشديد دون التحام حقيقي بمفهوم الشعب والوطن والإنسان والحرية والإبداع بدون هذه النار لا يوجد إبداع يوجد بلاستيك زهور بلاستيك تبدو أجمل من الزهور الطبيعية لكنها بلاستيك بلا حياة بلا دم بلا ماء بلا رائحة إذا كنتم تحبون زهور البلاستيك لديكم أطنان منها يعني أنا خارج لعبة زهور البلاستيك أنا أقدم وردة الدم.

    بسام القادري: ولكن ألم تمنعك المقاومة والانتفاضة من التطور؟

    سميح القاسم: أنا أشكر المأساة ماذا تريد أكثر من ذلك أنا أشكر مأساتي لأنها أتاحت لي أن أطور وأن أعبر عن ذاتي وأن أجترح في المجال الإبداعي ما يجترحه المناضل والجريح والشهيد والأسير نحن شركاء في هذا.

    بسام القادري: الذين خرجوا من الداخل الفلسطيني خرجوا إلى دول عربية وأنت قبل قليل.

    سميح القاسم: أيش عندكم بالدول العربية يعني أنتم قمة الحضارة والتطور الموجودة بالدول العربية.

    بسام القادري: ليس بالضرورة هذا ما أعنيه.

    سميح القاسم: ولا لفرنسا.

    بسام القادري: ولكن خرجوا إلى دول عربية وأنت كنت تنادي بأن يكون المثقف أو الشاعر أو الأديب مثقف عربي وليس إقليمي فأنت ضد هذا كيف تفسر هذا التناقض؟

    سميح القاسم: لا أبدا أنا ضد الإقليمية بالكامل ومن حقي أن أزور الدول العربية وأنا أتجول في الدول العربية بسعادة كبيرة والتقى جمهور الشعر في كل مكان لكن أنا أرفض الادعاء بأن تطوير القصيدة ينبغي أن يكون ملازما لترك الوطن هذا كلام سخيف، ببساطة كلام سخيف ومنحط وساقط يستطيع المبدع القطري أن يبدع وأن يحافظ على قطريته على إقليمه على بيته فليهاجر ليسافر فليغامر في جميع أرجاء الأرض أنا أسافر دُرت حول الكرة الأرضية عدة مرات لكن عنواني يبقى هو سجني وطني سجني هو عنواني.

    بسام القادري: كتبت بغزارة شعرا ورواية ومقالة ولكن هذا الاندفاع أخذ يتراجع أو يأخذ اتجاهات متغيرة في الآونة الأخيرة هل كانت غزارتك الإبداعية شكلا من أشكال المقاومة؟

    " كل أشكال الفن والتعبير الفني هي شكل من أشكال الدفاع عن النفس والدفاع عن النفس هو المقاومة "

    سميح القاسم: بدون شك قلتها كثيرا إن الفن كل أشكال الفن كل أشكال التعبير الفني هي في نظري شكل من أشكال الدفاع عن النفس والدفاع عن النفس أطلق عليه تسمية المقاومة أنا أدافع عن نفسي، أدافع عن نفسي من الأخطار الجغرافية في الجغرافيا الأخطار على جبل هنا وواد هناك وتل هنا وكرم زيتون هناك وشجرة تين هنا وشجرة صبار هناك، هناك معركة دفاع عن هذه الجغرافيا الضيقة والصغيرة والأخيرة وهناك الدفاع عن الذات أيضا لأننا تعرضنا منذ عام النكبة تعرضنا إلى محاولة لمحو الذاكرة ولغسل الدماغ ومحو الشخصية الثقافية وإلغاء اللغة حتى كانت هناك مؤامرة لإلغاء اللغة العربية الفصحى لذلك فالدفاع عن الجغرافيا والدفاع عن التاريخ والدفاع عن الروح وعن المنزل وعن الأغاني الشعبية وعن القصيدة كل هذا خلق حالة من الازدواجية القسرية من الإدغام بين ما يُسمى ذاتيا وما يسمى عاما الذاتي والخاص وأعتقد أن هذه الصيغة أوجدت هذا التراكم أو هذه الغزارة نتيجة لرغبة أو لشهوة قوية دائما في ظروف الحصار والضغط تتوالى الانفجارات على شكل قصيدة أو مقالة أو مسرحية أو.

    بسام القادري: سميح القاسم ماذا عما تردد عن قبولك لجائزة إسرائيلية رغم أنك في الماضي رفضت جائزة أخرى وقد قبلها الراحل إيميل حبيبي وهنا أيضا يدفعني هذا السؤال إلى سؤال آخر وهو هل صحيح ما نسب إليك بأنك رفضت جائزة نوبل؟

    سميح القاسم: يعني لا تتحدث عن جائزة نوبل بهذه الفخامة هي كانت جائزة محترمة بدون شك لكنها في الأعوام الأخيرة تحولت إلى جائزة سياسية تبت فيها أجهزة المخابرات والحكومات والوزارات أكثر مما يبث فيها الإبداع هذه حقيقة معروفة، تمنح لكويتب من الصين لا لسبب إلا لأنه مثلا هاجم النظام أو تمنح لكويتب روسي لا سبب إلا لأنه هاجم النظام، إذاً أصبحت نوبل جزءا من اللعبة السياسية من لعبة العولمة ولا تعنيني حقيقة لا من قريب ولا من بعيد لكن ما حدث متصل بالجائزة الإسرائيلية حقيقة عُرضت علي جائزة إسرائيل وقيل لي في حينه نحن باتجاه السلام قلت أنا أتمنى أن نكون باتجاه السلام الصحيح لكن أريد قبل كل شيء وقلت هذا الكلام على (CNN) بالمناسبة ليس سرا في الوقت الذي يمنح فيه رئيس دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس جائزة فلسطين لكاتب يهودي أو لشاعر يهودي أو لفنان يهودي إذا عُرض علي جائزة إسرائيل سأفكر في الموضوع آنذاك، لم أعد قلت سأفكر في الموضوع وما لم يتحقق هذا فمن غير الوارد بالحسبان أن أقبل جائزة إسرائيل فكانت الإجابة السريعة هي خشبة القفز إلى نوبل وكانت إجابتي أيضا البسيطة والعادية لست من الذين يحلمون لا بنوبل ولا بألفريد ولا بأي جائزة، لا تعنيني هذه المسألة إذا جاءتني جائزة من جهة محترمة وغير مشروطة وغير مسيسة فلا بأس في ذلك هذا شيء أعتز به بكل بدون شك لكن أرفض أن تشترط نوبل بشروط سياسية مسبقة، التساهل مع الاحتلال مهاودة السلطة الإسرائيلية أو أي سلطة في المنطقة أو في العالم يعني لست على استعداد لمهادنة الأمم المتحدة من أجل نوبل.

    بسام القادري: سميح القاسم الشاعر الفلسطيني وتاليا العربي شكرا لحضورك ومشاركتك معنا في هذه الحلقة من أوراق ثقافية مشاهدينا إلى هنا ونصل وإياكم إلى ختام حلقة هذا الأسبوع من برنامج أوراق ثقافية هذه تحية فريق البرنامج وإلى اللقاء.

    **********************



    ليلاً ، على باب فدريكو

    فدريكو..

    الحارس أطفأ مصباحَُه

    انزل

    أنا منتظر في الساحة

    فد.. ري.. كو

    قنديل الحزن قمر

    الخوف شجر

    فانزل

    أنا أعلم أنك مختبئ في البيت

    مسكونًا بالحمى

    مشتعلاً بالموت

    فانزل

    أنذا منتظر في الساحة

    مشتعلاً بلهيب الوردة

    قلبي تفاحة..

    الديك يصيح على قرميد السطح

    فدريكو

    النجمة جرح

    والدم يصيح على الأوتار

    يشتعل الجيتار

    فد .. ريكو

    الحرس الأسود ألقى في البئر سلاحه

    فانزل للساحة

    أعلم أنك مختبئ في ظل ملاك

    ألمحك هناك

    زنبقة خلف ستارة شباك

    ترتجف على فمك فراشة

    وتمسّد شعر الليل يداك

    انزل فدريكو

    وافتح لي الباب

    أسرع

    أنذا أنتظر على العتبة

    أسرع

    في منعطف الشارع

    جلبة ميليشيا مقتربة

    قرقعة بنادق

    وصليل حراب

    افتح لي الباب

    أسرع خبئني

    فدريكو

    فد.. ري.. كو

    **********************



    قراءة في القصيدة

    وفيدريكو أولاً هو الشاعر الأسباني لوركا (1898 – 1936)، الذي صرعته كتائب الفاشيين الأسبان في حربها ضد الجمهوريين، وهو يمثل الإنسان المناضل في سبيل الحرية والكفاح ومواجهة الظلم والظلام.

    وقصيدة سميح القاسم التي أرخها في مدريد 27.5.1985 فيها استلهام من بطولة هذا الشاعر ومشاركة له في الموقف، وحتى في الموت وفي الحياة.

    وكثيرًا ما تناول الشعر الفلسطيني موضوعات إنسانية عالمية، بما فيها من مواقف بطولية ودعوات يسارية في نشدان الحرية والعدالة والمساواة... وقد أكثر القاسم من الكتابة في هذه المقولات، وحسبنا نظرة إلى المجلد الأول من مجموعة أشعاره الكاملة حتى نرى أنه تناول في قصائده أسماء وشعوبًا من هذا العالم الباحث عن حقه في الحياة، نحو قصائده في بتريس لومومبا، إيفان الكسبيفتش وجوني وديمتروفا وكذلك عن الكونغو وأرتيريا....

    غير أن قصيدته هنا عن لوركا فيها مرآة للشاعر نفسه، فيها شعور عارم مذعور يحس بالنهاية والفجيعة.

    وقد تمثلت هذه النهاية فيما توجه به الراوي الشاعر للوركا وهو يستنجده ويستصرخه "خبئني"، يقول ذلك مرتجفًا هلعًا (انتبه إلى تقطيع فد... ري..كو، وكذلك إلى إلحاحه " أسرع" التي كررها ثلاث مرات).

    الراوي الشاعر منذ مطلع القصيدة يعلن للوركا أنه ينتظره في الساحة، فالحارس قد نام... يطلب منه أن ينزل (كررها أربع مرات) رغم أنه يعلم أن لوركا قد شبع موتًا.

    وسؤالنا: لماذا يطلب منه النزول؟ وإلى أين سيتوجهان؟ وقد وجدت صعوبة ما في تحديد الغرض من النزول، وسأحاول أن أجتهد:

    - الهروب... ولكن كيف يصح ذلك إذا كان الراوي يطلب منه في نهاية القصيدة أن يفتح له الباب... ثم أن يخبئه (بعد سماع صوت المليشيا المقترب)؟ ربما عزم على الهرب بعيدًا مع لوركا لينقذه- وكأن لم يمت- ثم قرر الاختباء بعد سماع جلبة العسكر.

    - لعله يطلب منه المكوث معه في الساحة، وذلك بعد أن اطمأن أن الحارس نام (أطفأ مصباحه) وأن الحرس الأسود ألقى سلاحه نهائيًا... وبهذا المعنى تكون الساحة رمزًا، للنضال وأن عليهما واجبًا مشتركًا في التصدي لمظاهر الموت الرهيبة التي تتجلى فيما يلي:

    1. الديك انزعج، وأحذ يصبح ليلاً.

    2. النجمة غدت جرحًا بدل أن تكون نورًا.

    3. الأوتار تعزف الدماء بدل الأنغام.

    4. الجيتار مشتعل ...والنار تلتهم معاني الجمال.

    5. وإذا أضفنا إلى هذه ما كان قد وصفه في المقطوعة الثانية بتشبيهات بليغة نستطيع هنا قلبها:

    القمر كأنه قنديل حزن...

    الشجر كأنها خوفٌ رهيب...

    إذن، لم يبق أمام هذا المد الجارف من الرهبة إلا التصدي... ولكن، لماذا يطلب شاعر فلسطيني معتبر من "شعراء المقاومة" أن يشارك شاعرًا صريعًا؟

    إن الراوي الشاعر - قناع سميح القاسم - يرى لوركا مختبئًا (كررها مرتين) وليس ميتًا...

    إذن لوركا مختبئ لا يتصدى ولا يتحدى، فهل الراوي يعطيه جرعة جرأة؟

    ولماذا يطلب منه أن ينزل ولوركا في عليين وهو:

    1. في ظل ملاك

    2. كزنبقة خلف ستارة شباك.

    3. ترتجف على فمه فراشة.

    4. يداه تمسدان شعر الليل (تستلطف برومانسية)

    وتبقى الأسئلة من غير إجابة قاطعة.

    وازدادت تساؤلاتي في فهم القصيدة بعد أن اطلعت على قصة مقتل لوركا في كتاب عرس الدم ( عرض وتحليل د. علي سعد، دار الفارابي، بيروت- 1985) فقد نقل د. علي سعد عن كتاب "بارو" الصادر سنة 1947 وعن المجموعة الكاملة لآثار لوركا التي أصدرها توري سنة 1938 مادة لعل فيها بعض الغناء.

    يقول د. سعد:

    وجد لوركا في منزل روزاليس بعض الراحة، ومن نافذة غرفته التي تطل على ساحة بيبارميلا الكثيرة الحركة... كان يتطلع إلى المدينة الثائرة في عيشها ونبضها... وساد المدينة شيء من الهدوء الظاهر" (ص50)

    ورأيت في هذا الوصف مفتاحًا مهمًا في خدمة القصيدة، فالشاعر مختبئ في الأعلى (في دارة في غرناطة)، والحارس فذ أطفأ مصباحه، والحرس الأسود ألقى سلاحه، وهذان دليلان على الهدوء الظاهر- هذا الهدوء سرعان ما يزول بعد سماع جلبة المليشيا وصليل الحراب... إذن إنها- كما قالت العرب قديمًا – هدنة على دخن. لقد توهم الراوي بالهدوء... ويمكن- تبعًا لذلك- أن الراوي يطمئن لوركا، ويلح عليه بالنزول، وهنا نفهم التشبيهات البليغة فهما آخر- فقنديل الحزن كأنه قمر (وضوح واطمئنان) والخوف الذي كان أضحى كأنه شجر (فلا بأس ولا خوف) وأنت يا لوركا مسكون بالحمى ومشتعل بالموت، بيد أني أنا كلي حياة وتفاؤل وقلبي تفاحة ( وبهذا أتفوق عليك، أنا مرشدك، وحيويتي كأنها مشتعلة- ولكنها بلهيب أو بحدة احمرار الوردة وتفتحها، أي أنك تشتعل موتًا وأنا أشتعل حياة).

    واعترف أن هذه القصيدة مشحونة بإمكانيات تفسير وتأويل متباينة، ومن ضرورة الاحتمال أو إمكانية التفسير أن تتوافى مع استمرارية النص، ولعل هذه الإمكانات المفتوحة المتاحة سر نجاح كل نص أدبي كنصنا هذا. (1)

    ــــــــــــــ

    (1) ومع ذلك لا أوافق، الناقد رجاء النقاش (أبو سميح... تيمنًا بالشاعر) الذي رأى أن الحارس الذي معه سلاحه في قصيدة سميح إنما هو "يحرس قصائد الشاعر واسمه وذكراه ويمنع الاقتراب منه ....والحارس معنوي وهو رمز الخوف من أشعار لوركا... والنداء في القصيدة فيه إغراء للشاعر لوركا والتأكيد له بأن الجو مناسب للظهور بلا خوف" (أُنظر: المجموعة الكاملة لأشعار سميح القاسم، المجلد السابع، مقال رج اء النقاش ص412) وفي رأيي أن النقاش لم يحل اللغز: لماذا طلب منه أولاً أن ينزل، ثم سرعان ما طلب منه أن يخبئه... ثم لماذا يطفئ الحارس مصباحه في هذا المعنى؟

    ولم يعطنا النقاش شرحاً أو تأويلاً لحركة الراوي ودراميته سوى قوله التعميمي " صورة غريبة ورائعة" (ص414). وكذلك لا أوافق ما أرتآه رؤوبين سنير من أن الراوي الشاعر منذ البدء كان يائسًا، وتنامى هذا اليأس مع صياح الديك- طلوع الفجر-، والراوي يصل تدريجيًا إلى منطقة يطل فيه على غرفته، فهذه الفراشة التي ترتجف على شفتي لوركا تعني أن الموت قد أصابهم وروحه ترتعش، وأن الحرس ألقى سلاحه بعد أن قتلوا لوركا...

    وكأن سنير بهذا المعنى يرى أنهم قتلوه وأخذوا سلاحه وألقوا به في البئر، ولم يكلف الباحث نفسه لشرح: لماذا ينتظره الراوي في الساحة؟ ولماذا يلح عليه أن ينزل؟

    (أُنظر: عيتون 77 العدد 100-مايو 1988، ص 87)

    وأعترف أنني – في أثناء تحليلي النص – استذكرت إلقاء الشاعر لقصيدته في " مهرجان الثقافة في لندن سنة 1988 ، وكان سميح ممثلاً مبدعًا يحس القصيدة بكل خلجة من خلجاتها ...وأتساءل الآن : هل يختبئ الراوي الشاعر من الطغمة المعتدية كما كانت تقول لك حركات الشاعر التمثيلية؟

    المنطق أن يقول إن لوركا في داخل المنزل ميت، ولن يستضيف الراوي، وتبعًا لذلك سيقبض عليه... سيقتل. لماذا القتل؟

    لأن نتيجة لوركا المحكيّ عنه كانت القتل... وإلا فلماذا قتل لوركا المسالم الإنسان؟

    لكن لغة الشعر لا تغلق بابًا، بل تفسح المجال لنهوض القتيل واحتضان الراوي.. وفي هذا الاحتمال الذي يغدق علينا في الشعر نرى موتًا آخر والتحامًا جديدًا... ومع ذلك فهل لوركا ميت حقًا؟ ألا تزال أشعاره حية ووجوده قائمًا في وجدان عشاق الحرية والكلمة؟

    الراوي الشاعر يبحث عن الموت لا من خلال اليأس، كما ذهب سنير في الملاحظة أعلاه، وإنما من خلال البحث عن الذات وعن مرايا هذه الذات السكونية، حتى ولو برومانسية.

    وأتساءل:وما الذي ذكّر سميح القاسم بلوركا في أثناء زيارته لمدريد؟

    - يبدو لي أن زيارته في أيار 1985 كانت كذلك إلى نزل الطلبة الذي كان يقيم فيه لوركا في مدريد، وفي هذا النُزل المعدّ للطلاب التقى لوركا بسلفادور دالي وخيمينيث وماخادو وألبرتي وماكس جاكوب... وقد أقام فيه لوركا في العشرينيات من هذا القرن... واليوم يرتاد سميح القاسم هذا النُزل، فأوحى ذلك إلى شاعرنا ما أوحى، فاختار هذا الموقع حكاية النهاية (مع أن مقتله كان في غرناطة، ونحن لا نسأل عن ذلك.... لأنه ليس على الشعر فرض وتأريخ وتقنين).

    واطلاع سميح على سيرة لوركا أوحى له نوعًا من التوجس الشرّي، تمامًا كما توجّس لوركا في رواية (ماريانا بنيدا-1924)، حيث صور الشاعر الهلع الذي كان يخيم على الحياة الإسبانية في أيام الملك فرناندو السابع، وقد قتلت جنود فرناندو مريانا الشجاعة_ لأنها طرزت العلم الذي كان معدًّا لأن يقود الثوار الجمهوريين- ومن العجيب أن نهاية لوركا كانت تطبيقًا لما وصفه هو في نهاية مريانة بطلته: فاقرأ معي نصًا قصيرًا من هذه الرواية، وأرجو أن تتبين هذا الجو المذعور الذي تشي به قصيدة القاسم كذلك:

    يقول لوركا:

    يا ألم النجمة العتيقة

    الذي يغص بها حلقي

    كان على الكواكب أن تطل على نافذتي

    وأن تنفتح ببطء على الشارع الموحش

    أي جهد يبذله الضوء

    في مغادرة غرناطة

    أن يتلولب على أشجار السرو

    وذلك الليل الذي لا يأتي

    ليل الرعب والأحلام

    الذي يجرحني من بعد

    بسيوف طويلة... جد طويلة

    (مقدمة د. علي سعد لكتاب عرس الدم، ص23)

    واقرأ نصً آخر في وصف مونتيلاّ:

    صريعًا في الوادي

    ملء جسمه الزنابق

    وعلى صدغه الجلنار" (ص62)

    وفي مقطع آخر:

    "ريح شرقية

    ومصباح درب

    والخنجر

    في القلب

    والشارع يهتز

    كالوتر المشدود" (ص63)

    وسميح القاسم يرى لوركا: "زنبقة خلف ستار شباك"، فهل هذه الرؤية بعيدة عن معرفة الجو الذي وصف لوركا به نفسه: "إن مت دعوا الشرفة مفتوحة"

    (انظر كتاب عبد الغفّار مكاوي: ثورة الشعر الحديث ج2، ص54)

    ولغة" قنديل الحزن القمر" فيها تجميع من القاموس الشعري اللوركيّ... ألفاظ ثلاثة تتوارد في شعره بنفس روح التشبيه القاسمي، وقلبي تفاحة... ومشتعلاً بلهيب الوردة والجيتار المشتعل... عيّنات أخرى لا يصعب علينا إيجاد مثائل لها في شعر لوركا...

    والتحليق في أجواء الشاعر الذي يكتب عه دليل عافية للقصيدة المستخدمة، ودليل على أن الشاعر يعيش بكليته في تجربة.

    وفي ختام القول لن أذهب ما ذهب إليه سنير- في مقالته التي أشرت إليها –أن الشاعر يرى الكتائب السوداء وكأنها الجيش الإسرائيلي المحتل، وأن الشاعر الفلسطيني ضحيّة لهذا الاحتلال...

    ذلك لأني أرى أن القصيدة تصب في وجهة المقارعة ومناهضة الاحتلال لا في جهة اليأس والانعزال.

    وتوجه القاسم إلى لوركا فيه تمثل لمعاناته، كأنني أنا أنت، ولكن نهايتي ستؤول إلى نهايتك...

    ستكون الزنبقة والرهفة (الفراشة) والتمسيد برومانسية حالمة وحياة وادعة... أما الكتائب السوداء- وهي عنصر الشر أنّى حل –فهي تحيق بنا منن كل حدَب...

    وهذا الاستصراخ المعبّر عنه بتقطيع لفظه فدر.. ري... كو تارة ...وبتكرار الاستغاثة والاستجارة تارة أخرى ، وببحر الخبب/ المتدارك، كل هذا يؤدي بالتالي إلى شحن الجو بالفجيعة والدرامية، بسبب ما يراه الشاعر على أرض الواقع من انتصارات الشر على البراءة وعلى الإنسانية العذبة.... ويبقى مع ذلك خلود الخير، فهو لا يموت، حتى لو شبع موتًا، وهو يضم كل باحث عنه ولاجئ إليه.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:39 am

    مجموعة متنوعة من قصائده

    أغاني الدروب

    من رُؤى الأثلام في موسمٍ خصبِ

    و من الخَيْبةِ في مأساةِ جدْبِ

    من نجومٍ سهرت في عرشها

    مؤنساتٍ في الدّجى قصةَ حبِّ

    من جنون اللّيل..من هدأتهِ

    من دم الشّمس على قطنة سُحْبِ

    من بحار هدرتْ..من جدولٍ

    تاهَ..لم يحفل به أيُّ مَصَبِّ

    من ذؤابات وعت أجنحةً

    جرفتها الريح في كل مهبِ

    من فراش هامَ في زهر و عشبِ

    ونسورٍ عشقت مسرحَ شُهب

    من دُمى الأطفال.. من ضحكاتهم

    من دموع طهّرتها روحُ رَبِّ

    من زنود نسّقَتْ فردوسها

    دعوةً فضلى على أنقاض حرب

    من قلوب شعشعت أشواقها

    شُعلاً تعبرُ من رحب لرحب

    من عيون سمّمت أحداقها

    فوهةُ البركان في نظره رعب

    من جراحاتٍ يضرّي حقدَهـا

    ما ابتلى شعبٌ على أنقاض شعب

    من دمي.. من ألمي.. من ثورتي

    من رؤاي الخضرِ.. من روعة حبّي

    من حياتي أنتِ.. من أغوارها

    يا أغانيَّ ! فرودي كل درب

    ***********************

    جيل المأساة

    هنا.. في قرارتنا الجائعهْ

    هنا.. حفرت كهفها الفاجعهْ

    هنا.. في معالمنا الدارساتِ

    هنا.. في محاجرنا الدامعهْ

    نَبوخَذُ نصّرُ و الفاتحون

    و أشلاء رايتنا الضائعهْ

    فباسمكَ يا نسلَنا المرتجى

    و باسمكِ يا زوجنا الضارعه

    نردُّ الزمان إلى رشده

    و نبصق في كأسه السابعه

    و نرفع في الأفق فجر الدماء

    و نلهمه شمسنا الطالعه !

    ***********************

    ما زال

    دم أسلافي القدامى لم يزل يقطـــرُ منّي

    و صهيل الخيل ما زال ، و تقريعُ السيوفْ

    و أنا أحملُ شمساً في يميني و أطــوف

    في مغاليــقِ الدّجى.. جرحاً يغنـّي !!

    ***********************

    لأننــا

    أحسُّ أننا نمــوت

    لأننا..لا نتقن النّضال

    لأننا نَعيد دون كيشوت

    لأننا... لهفي على الرجال!

    ***********************

    في القرن العشرين

    أنا قبل قرونْ

    لم أتعوّد أن أكره

    لكنّي مُكره

    أن أُشرِِعَ رمحاً لا يَعيَى

    في وجه التّنين

    أن أشهر سيفاً من نار

    أشهره في وجه البعل المأفون

    أن أصبح ايليّا (1) في القرن العشرين

    أنا.. قبل قرون

    لم أتعوّد أن أُلحد !

    لكنّي أجلدْ

    آلهةً.. كانت في قلبي

    آلهةً باعت شعبي

    في القرن العشرين !

    أنا قبل قرون

    لم أطرد من بابي زائر

    و فتحت عيوني ذات صباح

    فإذا غلاّتي مسروقه

    و رفيقةُ عمري مشنوقه

    و إذا في ظهر صغيرتي.. حقل جراح

    و عرفت ضيوفي الغداّرينْ

    فزرعوا ببابي ألغاماً و خناجر

    و حلفت بآثار السكّينْ

    لن يدخل بيتي منهم زائر

    في القرن العشرين !

    أنا قبل قرون

    ما كنت سوى شاعر

    في حلقات الصوفيّينْ

    لكني بركان ثائر

    في القرن العشرين

    ..................

    (1) نبيّ يهوديّ حارب الأوثان، و ينسب إليه أنّه قتل كهنة بعل


    ***********************
    أمطار الدم

    ((النار فاكهة الشتاءْ))

    و يروح يفرك بارتياحٍ راحتين غليظتينْ

    و يحرّك النار الكسولةَ جوفَ موْقدها القديم

    و يعيد فوق المرّتين

    ذكر السماء

    و الله.. و الرسل الكرامِ.. و أولياءٍ صالحين

    و يهزُّ من حين لحين

    في النار.. جذع السنديان و جذعَ زيتون عتيـق

    و يضيف بنّاً للأباريق النحاس

    و يُهيلُ حَبَّ (الهَيْلِ) في حذر كريم

    ((الله.. ما أشهى النعاس

    حول المواقد في الشتاء !

    لكن.. و يُقلق صمت عينيه الدخان

    فيروح يشتمّ.. ثم يقهره السّعال

    و تقهقه النار الخبيثة.. طفلةً جذلى لعوبه

    و تَئزّ ضاحكةً شراراتٌ طروبه

    و يطقطق المزراب.. ثمّ تصيخ زوجته الحبيبة

    -قم يا أبا محمود..قد عاد الدوابّ

    و يقوم نحو الحوش.. لكن !!

    -قولي أعوذُ..تكلمي! ما لون.. ما لون المطر ؟

    و يروح يفرك مقلتيه

    -يكفي هُراءً.. إنّ في عينيك آثار الكبَر ؟

    و تلولبت خطواته.. و مع المطر

    ألقى عباءته المبللة العتيقة في ضجر

    ثم ارتمى..

    -يا موقداً رافقتَني منذ الصغر

    أتُراك تذكر ليلة الأحزان . إذ هزّ الظلام

    ناطور قريتنا ينادي الناس: هبوا يا نيام

    دَهمَ اليهود بيوتكم..

    دهم اليهود بيوتكم..

    أتُراك تذكرُ ؟.. آه .. يا ويلي على مدن الخيام !

    من يومها .. يا موقداً رافقته منذ الصغر

    من يوم ذاك الهاتف المشؤوم زاغ بِيَ البصر

    فالشمس كتلة ظلمة .. و القمح حقل من إبر

    يا عسكر الإنقاذ ، مهزوماً !

    و يا فتحاً تكلل بالظفر !

    لم تخسروا !.. لم تربحوا !.. إلا على أنقاض أيتام البشر

    من عِزوتي .. يا صانعي الأحزان ، لم يسلم أحدْ

    أبناء عمّي جُندلوا في ساحة وسط البلد

    و شقيقتي.. و بنات خالي.. آه يا موتى من الأحياء في مدن الخيام !

    ليثرثر المذياع (( في خير )) و يختلق (( السلام )) !!

    من قريتي.. يا صانعي الأحزان ، لم يَسلم أحدْ

    جيراننا.. عمال تنظيف الشوارع و الملاهي

    في الشام ، في بيروت ، في عمّان ، يعتاشون..

    لطفك يا إلهي !

    و تصيح عند الباب زوجته الحبيبه

    -قم يا أبا محمود .. قد عاد الجُباة من الضريبه

    و يصيح بعض الطارئين : افتح لنا هذي الزريبه

    أعطوا لقيصر ما لقيصر !!

    ***

    و يجالدُ الشيخ المهيب عذاب قامته المهيبه

    و تدفقت كلماته الحمراء..بركانا مفجّر

    -لم يبق ما نعطي سوى الأحقاد و الحزن المسمّم

    فخذوا ..خذوا منّا نصيب الله و الأيتام و الجرح المضرّم

    هذا صباحٌ.. سادن الأصنام فيه يُهدم

    و البعلُ.. و العزّى تُحطّم

    ***

    و تُدمدم الأمطارُ..أمطار الدم المهدوم.. في لغةٍ غريبهْ

    و يهزّ زوجته أبو محمود.. في لغة رهيبه

    -قولي أعوذُ.. تكلّمي !

    ما لون.. ما- لون المطر ؟

    ويلاه.. من لون المطر !!

    ***********************

    أطفال سنة 1948

    كَوَمٌ من السمك المقدّد في الأزقة . في الزوايا

    تلهو بما ترك التتار الانكليز من البقايا

    أُنبوبةٌ.. و حطام طائرةٍ.. و ناقلةٌ هشيمه

    و مدافع محروقة.. و ثياب جنديٍّ قديمه

    و قنابل مشلولة.. و قنابل صارت شظايا

    ***

    ((يا اخوتي السمر العراة.. و يا روايتيَ الأليمه

    غنّوا طويلاً و ارقصوا بين الكوارث و الخطايا ))

    لم يقرأوا عن (( دنُ كشوت )) و عن خرافات القتال

    و يجنّدون كتائباً تُفني كتائب في الخيال

    فرسانها في الجوع تزحف.. و العصيُّ لها بنادق

    و تشدّ للجبناء، في أغصان ليمونٍ، مشانق

    و الشاربون من الدماء لهم وسامات الرجال

    ***

    يا اخوتي !

    آباؤنا لم يغرسوا غير الأساطير السقيمه

    و اليتم.. و الرؤيا العقيمه

    فلنجنِ من غرسِ الجهالة و الخيانة و الجريمه

    فلنجنِ من خبز التمزّقِ.. نكبة الجوع العضال

    ***

    يا اخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض رايه

    يا اخوتي المتشرّدين و يا قصيدتيَ الشقيّه

    ما زال عند الطيّبين، من الرثاء لنا بقيّه

    ما زال في تاريخنا سطر.. لخاتمة الروايه !


    ***********************
    غرباء ..!

    و بكينا.. يوم غنّى الآخرون

    و لجأنا للسماء

    يوم أزرى بالسماء الآخرون

    و لأنّا ضعفاء

    و لأنّا غرباء

    نحن نبكي و نصلي

    يوم يلهو و يغنّي الآخرون

    ***

    و حملنا.. جرحنا الدامي حملنا

    و إلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا

    شرذماتٍ.. من يتامى

    و طوينا في ضياعٍ قاتم..عاماً فعاما

    و بقينا غرباء

    و بكينا يوم غنى الآخرون

    ***

    سنوات التيهِ في سيناءَ كانت أربعين

    ثم عاد الآخرون

    و رحلنا.. يوم عاد الآخرون

    فإلى أين؟.. و حتامَ سنبقى تائهين

    و سنبقى غرباء ؟!

    ***********************

    القصيدة الناقصة

    أمرُّ ما سمعت من أشعارْ

    قصيدةٌ.. صاحبها مجهول

    أذكر منها، أنها تقول:

    سربٌ من الأطيارْ

    ليس يهمّ جنسُه..سرب من الأطياء

    عاش يُنغِّمُ الحياه

    قي جنَّةٍ..يا طالما مرَّ بها إله

    ***

    كان إن نشنَشَ ضَوءْ

    على حواشي الليل..يوقظ النهار

    و يرفع الصلاه

    في هيكل الخضرة، و المياه، و الثمر

    فيسجد الشجر

    و يُنصت الحجر

    و كان في مسيرة الضحى

    يرود كل تلّة.. يؤم كل نهرْ

    ينبّه الحياة في الثّرى

    و يُنهِض القرى

    على مَطلِّ خير

    و كان في مسيرة الغيابْ

    قبل ترمُّد الشعاع في مجامر الشفق

    ينفض عن ريشاته التراب

    يودّع الوديان و السهول و التلال

    و يحمل التعب

    و حزمة من القصب

    ليحبك السلال

    رحيبةً..رحيبةً..غنيّة الخيال

    أحلامُها رؤى تراود الغلال

    و تحضن العِشاشُ سربَها السعيد

    و في الوهاد، في السفوح، في الجبال

    على ثرى مطامحِ لا تعرف الكلال

    يورق ألف عيد

    يورق ألف عيد..

    ***

    و كان ذات يوم

    أشأم ما يمكن أن يكون ذات يوم

    شرذمةٌ من الصّلال

    تسرّبت تحت خِباءِ ليلْ

    إلى عِشاشِ.. دوحها في ملتقى الدروب

    أبوابها مشرّعةْ

    لكل طارقٍ غريب

    و سورها أزاهرٌ و ظل

    و في جِنان طالما مرَّ بها إله

    تفجّرت على السلام زوبعهْ

    هدّت عِشاشَ سربنا الوديع

    و هَشَمتْ حديقةً.. ما جدّدت (( سدوم ))(1)

    و لا أعادت عار (( روما )) الأسود القديم

    و لم تدنّس روعة الحياه

    و سربُنا الوديع ؟!

    ويلاه.. إنّ أحرفي تتركني

    ويلاه.. إنّ قدرتي تخونني

    و فكرتي.. من رعبها تضيع

    و ينتهي هنا..

    أمر ما سمعت من أشعار

    قصيدة.. صاحبها مات و لم تتم

    لكنني أسمع في قرارة الحروف

    بقيّة النغم

    أسمعُ يا أحبّتي.. بقيّة النغمْ

    ***********************

    بوابة الدموع

    أحبابنا.. خلف الحدود

    ينتظرون في أسى و لهفة مجيئنا

    أذرعهم مفتوحة لضمنا لِشَمِّنا

    قلوبُهم مراجل الألم

    تدقّ.. في تمزّق أصم

    تحارُ في عيونهم.. ترجف في شفاههم

    أسئلة عن موطن الجدود

    غارقة في أدمع العذاب و الهوان و الندم

    ***

    أحبابنا.. خلف الحدود

    ينتظرون حبّةً من قمحهم

    كيف حال بيتنا التريك

    و كيف وجه الأرض.. هل يعرفنا إذا نعود ؟!

    يا ويلنا..

    حطامَ شعب لاجئ شريد

    يا ويلنا.. من عيشة العبيد

    فهل نعود ؟ هل نعود ؟!

    ***********************

    صوت الجنة الضائع

    صوتها كان عجيباً

    كان مسحوراً قوياً.. و غنياً..

    كان قداساً شجيّاً

    نغماً و انساب في أعماقنا

    فاستفاقت جذوة من حزننا الخامد

    من أشواقنا

    و كما أقبل فجأة

    صوتها العذب، تلاشى، و تلاشى..

    مسلّماً للريح دفئَه

    تاركاً فينا حنيناً و ارتعاشا

    صوتها.. طفل أتى أسرتنا حلواً حبيباً

    و مضى سراً غريبا

    صوتها.. ما كان لحناً و غناءاً

    كان شمساً و سهوباً ممرعه

    كان ليلا و نجوما

    و رياحاً و طيوراً و غيوما

    صوتها.. كان فصولاً أربعه

    لم يكن لحناً جميلاً و غناءا

    كان دنياً و سماءا

    ***

    و استفقنا ذات فجر

    و انتظرنا الطائر المحبوب و اللحن الرخيما

    و ترقّبنا طويلا دون جدوى

    طائر الفردوس قد مدّ إلى الغيب جناحا

    و النشيد الساحر المسحور.. راحا..

    صار لوعه

    صار ذكرى.. صار نجوى

    و صداه حسرةً حرّى.. و دمعه

    ***

    نحن من بعدك شوق ليس يهدا

    و عيونٌ سُهّدٌ ترنو و تندى

    و نداءٌ حرق الأفقَ ابتهالاتِ و وجْدا

    عُدْ لنا يا طيرنا المحبوب فالآفاق غضبى مدلهمّه

    عد لنا سكراً و سلوانا و رحمه

    عد لنا وجهاً و صوتا

    لا تقل: آتي غداً

    إنا غداً.. أشباح موتى !!

    ***********************

    أنتيــجونا

    أنتيــجونا

    ((ابنة أوديب_ الملك المنكوب_التي رافقته في رحلة العذاب..

    حتّى النهاية ! )) (1)

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    أقدِمْ.. أقدِمْ !

    يا قربانَ الآلهة العمياء

    يا كبشَ فداء

    في مذبحِ شهواتِ العصرِ المظلم

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    زندي في زندك

    نجتاز الدرب الملتاث !

    ***

    يا أبتاه

    ما زالت في وجهك عينان

    في أرضك ما زالت قدمان

    فاضرب عبر الليلِ بِأشأمِ كارثةِ في تاريخ الإنسان

    عبرَ الليل.. لنخلق فجر حياه

    ***

    يا أبتاه !

    إن تُسْمِـلْ عينيك زبانيةُ الأحزان

    فأنا ملءُ يديك

    مِسرَجَةٌ تشربُ من زيت الإيمان

    و غداً يا أبتاه أُعيد إليك

    قَسَماً يا أبتاه أُعيد إليك

    ما سلبتك خطايا القرصان

    قسماً يا أبتاه

    باسم الله.. و باسم الإنسان

    ***

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    أقدِمْ.. أقدِمْ !

    ...........................................

    (1) انتيجونا هي بطلة المسرحي الاغريقي سوفرخليس، التي تمثل رمز الوفاء للأب. و التضحية في سبيله. طلت تقود خطوات أبيها الأعمى، الملك أوديب ، إلى أن حكم عليها بالإعدام.


    ***********************
    بابل

    أنا لـم أحفـظ عـن الله كتابا

    أنا لـم أبنِ لقـديسٍ قبـابـا

    أنا ما صليت.. ما صمت.. و ما

    رهبت نفسي لدى الحشر عقابا

    و الدم المسفوك من قافيتـي

    لم يراود من يَدَيْ عَدنٍ ثوابا

    فهو لو ساءلتـَه عن مَطْمَـحٍ

    ما ارتضى إلا فدى النور انسكابا

    ***

    غضبي.. غضبة جرح أنشبت

    فيه ذؤبانُ الخنا طفراً و نابا

    و انتفاضاتي عذابٌ.. ودَّ لو

    ردّ عن صاحبِهِ الشرقُ عذابا

    و أنا أومن بالحق الذي

    مجدهُ يؤخذ قسراً و اغتصابا

    و أنا أومن أني باعثٌ

    في غدي الشمسَ التي صارت ترابا

    فاصبري يا لطخة العار التي

    خطّها الأمسُ على وجهي كتابا

    و انظري النار التي في أضلعي

    تهزم الليل و تجتاح الضبابا

    شعشعت في آسيا فاستيقظت

    و صحت افريقيا.. غاباً فغابا!

    ***

    يا حمام الدوح! لا تعتب أسىً

    حسبنا ما أجهش الدوحُ عتابا

    نحن لم نزجرْك عن بستاننا

    لم نُحكّمْ في مغانيك الغرابا

    نحن أشباهٌ و قد أوسعنا

    غاصب الأعشاش ذلاً و اغترابا

    فابكِ في الغربة عمراً ضائعاً

    و ارثِ عيشاً كان حلواً مُستطابا

    علّ نار الشجو تُذكي نخوةً

    في الأَُلى اعتادوا مع الدهر المصابا

    فتهد اللحدَ عنـها جُثــثٌ

    و يمور البعث شِيـباً و شبابا

    ***

    يا قرى.. أطلالُها شاخصةٌ

    تتقرّى غائباً أبكى الغيابا

    يا قرىً يُؤسي ثرى أجداثها

    أنّ في النسل جراحاً تتغابى

    يا قرانا.. نحن لم نَسْلُ.. و لم

    نغدر الأرض التي صارت يبابا

    خصبها يهدر في أعراقنا

    أملاً حراً، و وحياً، و طِلابا

    و الذرى تشمخ في أنفسنا

    عزةً تحتطبُ البغي احتطابا !

    ***

    يا بلاداً بلّلت كلَّ صدىً

    و صداها لم يَرِدُ إلا سرابا

    يا بلادي نحن ما زلنا على

    قسم الفدية شوقاً و ارتقابا

    يا بلادي! قبل ميعاد الضحى

    موعدٌ ينضو عن النور حجابا !

    ***

    نكبةُ التيهِ التي أوردت بنا

    فطرقنا في الدجى باباً فبابا

    عَمّقت سكِّينها في جرحنا

    و جرت في دِمنا سُمّاً و صَابا

    و تهاوينا على أنقاضنا

    فخرابٌ ضمّ في البؤسِ خرابا

    و من الأعماق.. من تُربتنا

    هتف التاريخ.. و المجد أهابا

    فإذا أيامنا مشرقةٌ

    بدمٍ.. من لونه أعطى الترابا

    و إذا روما نداءٌ جارحٌ

    طاب يومُ النارِ يا نيرونُ طابا!

    ***

    أيها العاجمُ من أعوادنا

    نحن ما زلنا على العَجمْ صِلابا

    فاسأل الجرح الذي عذّبنا

    كيف ألّبنا على الجرح العذابا

    نكبةُ التيه التي سّدّت بنا

    كل أُفق ضوّأت فينا شهابا

    فأفاقت من سُباتٍ أعينٌ

    وُلِدَ الدهرُ عليهنّ و شابا

    و اشرأبّت في المدى ألويةٌ

    خفقت في الأربع الجُرد سحابا

    و على وقعُ خطانا التفتت

    أمم أغضت هواناً و اكتئابا

    و رؤانا أخصبت فاخضوضرت

    أعصُرٌ ناءَت على الشرق جِدابا

    ***

    شعَفَاتُ الشمس من غاياتنا

    فازرعي يا أمتي الليلَ حِرابا

    و إذا الأسداف أهوت جُثثاً

    و إذا أحنى الطواغيتُ رقابا

    و إذا فَجّرْتِ أنهارَ السنى

    و سنون الجدبِ بُدّلن خِصابا

    فانشري النور على كل مدى

    و ابعثي أمجاده عجباً عجابا

    نحن أحرى مستجيباً إن دعا :

    من يُفَدّي؟ و هو أحرى مستجابا !


    ***********************
    أكثر من معركة

    في أكثر من معركةٍ دامية الأرجاءْ

    أشهر هذي الكلمات الحمراء

    أشهرها.. سيفاً من نارِ

    في صفِّ الإخوة.. في صفِّ الأعداء

    في أكثر من درب وعْرِ

    تمضي شامخةً.. أشعاري

    و أخافُ.. أخاف من الغدرِ

    من سكين يُغمد في ظهري

    لكني، يا أغلى صاحب

    يا طيّبُ.. يا بيتَ الشعرِ

    رغم الشكّ.. و رغم الأحزانِ

    أسمعُ.. أسمعُ.. وقع خطى الفجرِ!

    رغم الشكّ.. و رغم الأحزانِ

    لن أعدم إيماني

    في أنّ الشمس ستشرقُ..

    شمس الإنسانِ

    ناشرةً ألوية النصرِ

    ناشرةً ما تحمل من شوقٍ و أمانِ

    كلماتي الحمراء..

    كلماتي.. الخضـراء !

    ***********************

    الساحر والبركان

    ((أسطورة مهداة إلى الحكم العسكري))

    و شَعوذَ الساحر فانطلقْ

    من قُمقُمِ البحار.. ماردٌ صغير

    يريد للزورق.. أن يقبّل الغرق

    يريد للحريّة الحمراء

    أن تقطن في كوخ.. من الورق

    يريد للجذور أن تحيا بلا شجر

    يريد للأشجار أن تحيا بلا ثمر

    يريد للإنسان أن يموت في الحياة!

    يريد أن...

    و انفجر البركان !

    و التهمت ساحِرَهُ النيران

    فعاد للقمقمِ يستجير

    بساحرٍ جديد

    بساحرٍ.. ليس له وجود !!

    ***********************

    أخوة ..

    ((إلى الذين يعرون الأخوة من جلدها,,

    ((و يتركونها مرتجفة في صقيع الزيف!

    ***

    أيا سائلي في تحدٍّ و قوّهْ

    أتُنشدُ ؟ أين أغاني الأخوّه؟

    قصائدك السود بركان حقد

    و مرجل نار، و سخط و قسوه

    فأين السلام.. و أين الوئام

    أتجني من الحقد و النار نشوة

    و صوتُك هذا الأجشّ الجريح

    صئمنا صداه الكئيبَ و شَجْوَه

    فهلاّ طرحت رداء الجداد

    و غنيت للحبّ أعذبَ غنوه

    ***

    أيا سائلي! خلّ عنك العتاب !

    تلوم جريحاً إذا ما تأوّه

    أخوك أنا! هل فككتَ القيود التي

    حَفرتَ فوق زنديَّ فجوه

    أخوك أنا! من ترى زج بي

    بقلب الظلام.. بلا بعض كوّه .؟

    أخوك أنا ؟ من ترى ذادني

    عن البيت و الكرْم و الحقل.. عنوه

    تُحمّلني من صنوف العذاب

    بما لا أطيق و تغشاك زهره

    و تشتمني.. و تُعلّمُ طفلَك

    شتمَ نَبيّ..بأرض النبوه

    تشكُّ بدمعي إذا ما بكيت

    و تُسرف في الظن ان سِرتُ خطوه

    و تُحصي التفاتاتي المُتعبات.

    فيوماً ((أشارَ)) و يوماً ((تفوّه ))

    ***

    و إن قام، من بين أهلك، واعٍ

    يبرّئُني.. تردريه بقسوه

    و تزجره شاجباً ((طيشه ))

    و تعلن أنَّى توجّهتَ (( لُغوَه ))!

    و إما شكوتُ.. فمنك إليك..

    لتحكم كيف اشتهت فيك شهوه

    فكيف أغني قصائد حبٍ

    و سلمٍ.. و للكُره و الحربِ سطوه

    و أنشد أشعار حريه..

    لقضبان سجني الكبير المشوّه

    أيا لائميّ أنتَ باللوم أحرى!

    إذا شئتَ أنتَ.. تكون الأخوه !!


    ***********************
    السلام ...

    ليُغنِّ غيري للسلامْ

    ليُغنِّ غيري للصداقة، للأخوّةِ، للوئامْ

    ليُغنِّ غيري.. للغراب

    جذلانَ ينعقُ بين أبياتي الخراب

    للبوم.. في أنقاضِ أبراجِ الحمام !

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و سنابلي في الحقل تجهشُ بالحنين

    للنورج المعبود يمنحها الخلود من الفناء

    لصدى أغاني الحاصدين

    لِحُداء راعٍ في السفوح

    يحكي إلى عنزاته.. عن حّبّه الخَفِرِ الطموح

    و عيونهِا السوداء.. و القدِّ المليح

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و العينُ ما عادت تبلُّ صدى شُجيرات العنب

    و فروعُ زيتوناتها.. صارت حطب

    لمواقد اللاهين.. يا ويلي.. حطب!

    و سياجُنا المهدودُ أوحشهُ صهيل الخيل في الطِّفلِ المهيب

    و الُجرن يشكو الهجرَ.. و الإبريقُ يحلم بالضيوف

    بالـ (( يا هلا )) ! .. عند الغروب

    و رؤى البراويز المُغَبَّرةِ الحطيمه

    تبكي على أطرافها، نُتفٌ من الصور القديمة

    و حقائبُ الأطفال... أشلاءٌ يتيمه

    لبثت لدى أنقاض مدرسةٍ مهدّمةٍ حزينه

    ما زال في أنحائها.. ما زال يهزاُ بالسكينه

    رَجعٌ من الدرس الأخير..

    عن المحبة و السلام !!

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و هناك.. خلف حواجز الأسلاك.. في قلب الظلام

    جثمت مدائن من خيام

    سُكّانُها..

    مستوطنات الحزن و الحمّى، و سلّ الذكريات

    و هناك.. تنطفئ الحياة

    في ناسِنا..

    في أبرياء.. لم يسيئوا للحياة !

    و هنا... !

    هَمَت بيّارةٌ من خلقهم.. خيراً كثير

    أجدادهم غرسوا لهم..

    و لغيرهم، يا حسرتي، الخير الكثير

    و لهم من الميراث أحزان السنين !

    فليشبع الأيتام من فضلات مأدبة اللئام !!

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام..

    و على ربى وطني، و في وديانه.. قُتِل السلام ؟

    (الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيدة محذوفة بالشكل التالي:

    )X X X X X X X X

    لا نُصبَ.. لا زَهرةَ.. لا تذكار

    لا بيتَ شعرٍ.. لا ستار

    لا خرقة مخضوبة بالدم من قميص

    كان على إخوتنا الأبرار

    لا حَجَرٌ خُطّت به أسماؤهم

    لا شيءَ.. يا للعار

    ***

    أشباحُهم ما برحت تدورْ

    تنبش في أنقاش كَفْر قاسم القبور

    (الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيد أيضاً محذوفة بإشارة الرقيب الصهيوني...)

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:44 am

    روما

    روما احترقت قبل قرون

    لكنَّ الجدرَ الضارب في أرضهْ

    لم يفقد في النكبة معنى نبضه

    روما عادت.. يا نَيرون ..

    ************************

    كرمئيــل

    كرمئيــل

    ((مدينة الحقد و الجوع و الجماجم))

    صباحَ مســاء

    يطالعنا.. و جهُها و السماء

    و نبسمُ.. لا بسمةَ الأغنياء

    و لكنها بسمةُ الأنبياء

    تَحدّاهم صالبٌ تافه

    يغطي الشموس.. ببعض رداء !

    ***

    غداً.. يا قصوراً رست في القبور

    غداً يا ملاهي,, غداً يا شقاء

    سيذكر هذا التراب، سيذكرُ

    أنّا منحناهُ لون الدماء

    و تذكر هذي الصخور رعاةً

    بنوها أدعيةٍ من حداء

    و تذكر أنّا..

    ***

    هنا سِفرُ تكوينهم ينتهي

    هنا.. سفر تكويننا.. في ابتداء !

    ************************

    من وراء القضبان

    السجين الأول

    دوريّة البوليس لا تنامْ

    ما فتئت تبحر في مستنقع الظلام

    تجوس كل قرية.. تطرق كل بابْ

    و تَنْكُتُ العتمةَ في الأزقة السوداء

    من غيظها.. تكاد أن تُقلّب الجيوب

    لعابرٍ.. كان لدى أصحاب !

    ***

    ((يا بيتنا الوديع,, يا شبّاكنا المضاء

    ((ما أجمل السلامَ في حَلْقةِ أصدقاء

    ((يطالعون الشعرَ، يشربون، يَرَون من النّكات

    ((ما يُضحك الأحياءَ من بليّةِ الحياة !

    ((محارب مخضّبُ لواء

    ((سلاحه.. أشعار

    ((تقطر من حروفها الدماء !

    ***

    و داهمت مجلسَهم دوريةُ البوليس

    لتلقيَ القبضَ على محارب وِجهتُهُ النهار

    . . . . . . . . . . . . .

    و باتت الخمرة في الكؤوس

    (حذف الرقيب الصهيوني المقطعين الثاني و الثالث من هذه الصفحة و هما على سعة سبع صفحات من الديوان)

    ************************

    رسالة من المعتقل

    ليس لديّ ورقٌ، و لا قلمْ

    لكنني.. من شدّة الحرّ، و من مرارة الألم

    يا أصدقائي.. لم أنمْ

    فقلت: ماذا لو تسامرتُ مع الأشعار

    و زارني من كوّةِ الزنزانةِ السوداء

    لا تستخفّوا.. زارني وطواط

    وراح، في نشاط

    يُقبّل الجدران في زنزانتي السوداء

    و قلتْ: يا الجريء في الزُوّار

    حدّث !.. أما لديك عن عالمنا أخبار ؟..؟!

    فإنني يا سيدي، من مدّةٍ

    لم أقرأ الصحف هنا.. لم أسمع الأخبار

    حدث عن الدنيا، عن الأهل، عن الأحباب

    لكنه بلا جواب !

    صفّق بالأجنحة السوداء عبر كُوّتي.. و طار!

    و صحت: يا الغريب في الزوّار

    مهلاً ! ألا تحمل أنبائي إلى الأصحاب ؟..

    ***

    من شدة الحرّ، من البقّ، من الألم

    يا أصدقائي.. لم أنم

    و الحارس المسكين، ما زال وراء الباب

    ما زال .. في رتابةٍ يُنَقّل القدم

    مثليَ لم ينم

    كأنّه مثليَ، محكوم بلا أسباب !

    ***

    أسندت ظهري للجدار

    مُهدّماً.. و غصت في دوّامةٍ بلا قرار

    و التهبتْ في جبهتي الأفكار

    . . . . . . . . . . . . . .. . . . .

    أماه! كم يحزنني !

    أنكِ، من أجليَ في ليلٍ من العذاب

    تبكين في صمتٍ متى يعود

    من شغلهم إخوتيَ الأحباب

    و تعجزين عن تناول الطعام

    و مقعدي خالٍ.. فلا ضِحْكٌ.. و لا كلام

    أماه! كم يؤلمني !

    أنكِ تجهشين بالبكاء

    إذا أتى يسألكم عنّيَ أصدقاء

    لكنني.. أومن يا أُماه

    أومن.. .. أن روعة الحياه

    اولد في معتقلي

    أومن أن زائري الأخير.. لن يكونْ

    خفّاش ليلٍ.. مدلجاً، بلا عيون

    لا بدّ.. أن يزورني النهار

    و ينحني السجان في إنبهار

    و يرتمي.. و يرتمي معتقلي

    مهدماً.. لهيبهُ النهار !!

    ************************

    يهـوشع مــات

    ((على حد ما يبدو من القصيدة، فإن يهوشع هو اللفظ الآخر الذي يقصد به الشاعر به يشوع بن نون، القائد العسكري اليهودي الذي عبر الأردن من تيه سيناء، و احتل أريحا، و أحرقها..{ و كان بعد موت موسى، عبد الرب، أن الرب، كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا*موسى عبدي قد ما

    العهد القدم_ يشوع_الأصحاح الأول ))

    يا حائرين في مفارق الدروب !

    لا تسجدوا للشمسِ

    لن يرقى لها صدى صَلاتكم

    بينكمُُ و بينها سقفٌ من الذنوب

    لا تسكبوا الدموع، لن ينفعكم ندم

    الشمس في طريقها.. راسخةُ القدم

    لا تركعوا.. لا ترفعوا أيديكم إلى السماء

    تدمّرتْ و اندثرت أسطورة السماء

    و أطرقتْ على متاه بؤسكم جنازة الهباء

    يا حائرين في مفارق الدروب !

    أغواركم خاوية.. إلا من الخواء

    صلاتكم خاوية.. إلا من الخواء

    يا ويلكم ! يا ويلكم

    سرعان ما تغوص في أعماقكم

    أظافر الغروب !

    ***

    يهوشَعٌ ماتَ

    فلا تستوقفوا الشمس، و لا تستمهلوا الغروب

    سور أريحا شامخٌ في وجهكم إلى الأبد

    يا ويلكم ! يا ويلكم !

    سرعان ما تغوص في أعماقكم

    أظافر الغروب

    يَهوشَعٌ راح.. و لن يؤوب

    يهوشع مات !!

    ************************

    الذئاب الحمر

    حُمّت سراياك فاشربْ من سرايانا

    كأساً جَرَعت بها للذلّ ألوانا

    أركانُ عرشِكَ، آلينـا نقوّضها

    فاحشد فلولَكَ.. حيّاتٍ و عُقبانا

    أسطورة الأسَدِ المهزوم تمهرها

    جداولٌ من دمٍ تجتاح (( ردفانا ))

    بلادنا.. القَدَرُ المحتوم قاطنها

    مُذْ كانت الشمسُ، ما لانت و ما لانا

    يا عابد النار ! ما زالت مُؤَرَّثةً

    على القَنال.. فماذا تعبد الآنـا

    يا غازياً غُسِلتْ بالنار حملتُه

    لقد فتحتَ لدفن التاج كثبانا

    بلادنا.. القَدَرُ المحتوم قاطنها

    مُذْ كانت الشمسُ، ما لانت و ما لانا

    و طارفُ المجدِ أقسمنا نشيّده

    على التليد الذي شادت ضحايانا

    يا عابد النار ! ما زالت مُؤَرَّثةً

    على القَنال.. فماذا تعبد الآنـا


    ************************
    توتم

    ((توتم_رقصة إفريقية. تمثل صراع القبيلة

    ((مع وحش أسطوري مخيف.. يهاجم مضاربها من

    ((الغابة و لكنها تنتصر عليه !..

    ألسنةُ النارِ تزعردُ في أحشـاءِ الليلْ

    و يُدمدم طبلْ

    و تهدُّ بقايا الصمت طبولٌ ضارية و صنوج

    و يَهيجُ الإيقاعُ المبحوحُ.. يهيج

    فالغابة بالأصداء تموج

    صرخاتُ وحوشٍ تطفو فوق هدير السيل

    و أفاعٍ جائعةٌ تحت الأعشاب العملاقة تنسَلّ

    و يُحلّقُ حولَ النار زنوج !

    أشباحٌ ترقص حول النار

    و إلى أطراف الغابة يمتد الظل

    بخطى تترددُ.. هيابه

    و يمزّق قلب الليل دويُّ الثار

    تَوْتَمْ.. تَوْتَمْ.. تَوْتَم !

    و أكفٌ سودٌ تُلهب جلدَ طبول

    فتدمدم من ألمٍ.. و تدمدم

    دُم دُم.. دُ.. دُ.. دُم

    دُم دُم.. دُ.. دُ.. دُم

    أحقاد قرون تتضرّم

    و يعود يمزق قلب الليل دوي الثار

    تَوْتَمْ.. تَوْتَمْ.. تَوْتَم !

    و تُشَرّعُ في وهجِ النيران رماح

    تنقضّ لتعصر عار عصور الظلمة بالدمّ

    ((الغابة قبركَ..يا استعمار !!

    ************************

    باتريــس لومومبا

    باتريــس لومومبا

    ((شاعر الحرية و رسولها. في مجاهل

    غابات الكنونغو الزنجي المعذب ! ))

    لاطم الريح بالجناجين.. و اصعد.. يا حبيب الحرية المتمرّدْ

    أيهذا النسر الذي راعه العيشُ بوادِ كابٍ.. ذليلٍ.. مقيّد

    فتلوّى في بؤرة الوحل و الشوك.. بشوقٍ إلى السنى متوقّد

    و أضاءت أحلامُه برؤى موسى، و عيسى، و أمنيات محمد

    و أضاءَ الحنينَ للذروة الشماءِ.. بين النجوم.. أعلى و أبعد

    فنَزاه للعلاء.. ميناؤه الشمروخ، في قمة الإباء الموطّد

    ***

    يا هتافا، لوقعه زُلزِلَ الكونغو الحزين المعذبُ المستعبَد

    أغفلته عصابةٌ ساقت الشعب عبيداً.. لأجنبيّ مسوّد

    نسرَ إفريقيا العظيمَ.. نداءُ الشمسِ دوّى على الوجود و أرعد

    فاستجبتَ النداءَ.. لبيكِ أمي.. غدا في أفق البطولات موعد

    و شددتَ الجناح، في القلبِ نبضٌ لهبيٌ.. و أدمعٌ تتجلّد

    بعد عهد من الظلامِ، طويلٍ، في سماء العبيد أشرقت فرقد

    فاحمل المشعل العظيم و مزّقْ ما أراد الغزاةُ ليلاً مُخلّد !

    ************************

    في صف الأعداء

    أمس استوقفني في الشارع يسأل عن (( بارْ ))

    يقضي فيه بقيّةَ ليله

    زنجي بحّار

    يعمل عتّالا في إحدى سفن الدولار

    و تحدّثنـا فإذا بي أستلطف ظلّهْ

    _هل نشرب كأساً يا صاحب ؟..

    و لدى مائدةٍ واجمةٍ في المقهى الثرثار

    كان صديقي يشربُ.. يشربُ باستهتار

    هذا الزنجيُّ يحبّ النسيان

    فلماذا؟.. من أيةِ أغوار

    ينبع هذا الإنسان ؟

    _قل لي.. حدّثني عنكم في أميركا الحرّة

    عن مدرسة البيِض، كنيستهِم، فندقهم، و عبارات

    كتبتْ بالفوسفور و جابت كل الحارات:

    ((ممنوع إدخال كلاب و يهودٍ و زنوج )) !

    _او.. وه.. اتركني باسم الشيطان

    هل حولَكَ لي أُنثى؟ فقُبَيْلَ الفجر

    سنُسيّبُ هذا الميناء.. و نمضي عبر الأخطار !

    _حسناً ! حدثني عن وطنِ النارِ السوداءْ

    هل تسمع عن أسدٍ يُصطاد

    عن أدغالٍ تهوي تحت الليل رماد

    عن حقل مزروع شهداء

    عن شعب يَنْبَتُ في أرضٍ

    بدماء القتلى مرويّه

    عن شمسٍ تولّد حاملةً

    خبزاً.. أحلاماً.. حريّه

    هل تسمع عن افريقيّة ؟!

    _أسمع.. أسمع.. دقات طبول (( السمبا ))

    و أرى الحسناء الزنجيّه

    تترجرج كالنار الغضبى

    في رقصة حبّ دمويّه

    _حسناً.. حسناً.. حدّث عن كوبا

    هل تعرف شيئاً عن شعبٍ

    ما عاد مسيحاً مصلوبا

    لو أنشد هذي الليلةَ أغنيّه

    _كوبا؟ لو أحمل هذه الليلة قيثاره أغنيّه

    فتزاح ستاره

    عن جسدٍ بضّ في إحدى الشرفات

    ***

    يا ساقية الحانه

    وَيْلمِّكِ.. فارغةٌ كأسي

    و أنا ما زلتُ أُحُسُّ على عنقي، رأسي

    و رفيقُكِ.. ما لرفيقِكِ أخمدَ ألحانه ؟ ..

    أمس استوقفني في الشارع يسأل عن بار

    و اليوم صباحاً كان من الأخبار

    أمريكيٌ أبيض مات

    مات و في شفتيه نداءٌ:

    فلتسقط كلمات

    كتبت بالدمّ و بالأحزان

    فليسقط عارُ الإنسان

    يرفعه الفاشست على وحل الرايات

    ((ممنوع إدخال كلابٍ و يهود و نزنوج )) !

    ************************

    من أجل

    من أجل صباح !

    نشقى أياماً و ليالي

    نحمل أحزان الأجيالِ

    و نُكوكِبُ هذا الليل جراح !

    ***

    من أجل رغيف !

    نحمل صخرتنا في أشواك خريف

    نعرى.. نحفى.. و نجوع

    ننسى أنّا ما عشنا فصلّ ربيع

    ننسى أنّا..

    خطواتٌ ليس لهنّ رجوع !!

    ************************

    عروس النيل

    أسمعُهُ.. أسمعُهُ !

    عبرَ فيافي القحط، في مجاهلِ الأدغال

    يهدرُ، يَدْوي، يستشيط

    فاستيقظوا يا أيها النيام..

    ولْنبتنِ السدود قبل دهمة الزلزال

    تنبهوا.. بهذه الجدران

    تنزل فينا من جديد نكبة الطوفان !

    ***

    لمن تُزَيّنونَها.. حبيبتي العذراء !

    لمن تبرّجونها ؟

    أحلى صبايا قريتي.. حبيبتي العذراء !

    حسناؤنا.. لمن تُزَفّ ؟

    يا ويلكم، حبيبتي لمن تُزَفّ

    لِلطّمْيِ، للطحلب، للأسماك، للصّدف ؟

    نقتلها، نُحْرَمُها، و بعد عام

    تنزل فينا من جديدٍ نكبةُ الطوفان

    و يومها لن يشفع القربان

    يا ويلكم، أحلى صبايا قريتي قربان

    و نحن نستطيع أن نبتنيَ السدود

    من قبل أن يداهمنا الطوفان !

    ***

    بَدارِ.. باسم الله و الانسان

    فانني أسمعُهُ.. أسمعُهُ :

    و لي أنا.. حبيبتي العذراء !!

    ************************

    الجنود

    الجنــود

    قوموا اخرجوا من قَبْوِكم، يا أيها النيام !

    اليوم للأعراس

    دُقّوا له الأجراس

    و ارفعوا الأعلام

    لاقُوه في حماس

    لاقوه بالهتاف.. بالأفراح.. بالأغاني

    هبّوا اصنعوا أعظم مهرجانِ

    غَطُّوا المدى بأغصنِ الزيتون

    و طيّروا الحمام

    جاءكم السلام

    يا مرحبا.. جاءكم السلام !

    نحن على الحدود

    نحن على الحدود.. لا ننام

    أكُفُّنا لصيقةٌ على مقابض الحديد

    عيوننا ساهرةٌ.. تجود في الظلام

    قلوبنا تدق في انتظارهم..

    أعدائما الغزاة

    نحن تعلّمنا.. تعلّمنا..

    أن نسلب الحياة !

    ***

    نحن على الحدود.. كالكلاب، كالقرصان !

    لا نعرف الهدوء.. لا ننام

    فاستقبلوه.. استقبلوا السلام

    عاش السلام.. عاش السلام !!


    ************************
    إلى صاحب ملايين

    نَمْ بين طيّاتِ الفراش الوثيرْ

    نَمْ هانئَ القلب، سعيداً، قريرْ

    فكل دنياك أغَاني سرور !

    ***

    المال في كفّيـك نهـر عزير

    و القوت، أغلاهُ، و أغلى الخمور

    و ألفُ صنفٍ من ثياب الحرير

    و الصوف و السجاد، منه الكثير

    (( و كادِلاك )).. في رحاب القصور

    و الغيد، و اللحن و سحر الدهور !

    نَمْ خالياً.. لا قارَبَتْك الشرور

    و كلّ ما تبغيه.. حتماً يصير

    إن شئت.. فالليل صباح منير

    أو شئت.. فالقفر ربيع نضير

    و القبر إن ترغبْ.. حياةٌ و نور

    و اطلب.. ففي الجلمود يصفو غدير

    و الآن ! يا نجلَ العلى يا أمير

    يا عالي المقامِ.. يا .. يا خطير

    يا تاجَ رأسي.. يا زعيميَ الكبير

    إسمحْ لهذا الشيء.. هذا الفقير

    إسمح له بكلمةٍ لا تضير

    عندي سؤالٌ مثل عيشي حقير

    أرجوك أن تسمعه، ألاّ تثور

    من أين هذا المال.. يا (( مليونير )) ؟!

    ************************

    المطر والفولاذ

    و ينتصب المصنع الماردُ

    إلهاً.. كلانـا لـه عابدُ

    و تَدوي الدواليبُ مزهوةً

    و يدري بنا شوقُنا الصامدُ

    فيا سُحُبَ الغيثِ مُدّي يداً

    سحابُ مداخننا صاعد

    و صبّي الحياة على شرقنا

    فقد هيّأَ المنجل الحاصد

    و آلتنا وَعَدَتْ طفلَنــا

    بكعكٍ.. فهل يكسف الواعد ؟

    ***

    تهلّل بنا يا غداً لم يكن

    سوى مطمحٍ.. فالسنى عائد

    تهلّل! ستخضرّ أشواقُنا

    و ينبض شريانُها الخامدُ

    ففي كل أُفقٍ لنا مشرقٌ

    و في كلِّ دربٍ لنا رائد

    و مِغْزَلُنا بعد طول انتظارٍ

    تحرّكَ منوالهُ البارد

    و ضم غيوم البحار و غيم الـ

    مصانعِ.. منهجُنا الواحد

    إذا ماتَ من يأسِهِ عاجزٌ

    فإنّ الرجاءَ.. بنا خالد


    ************************
    السرطان

    ((إلى قابين و هابيل العصر اللذين

    لم يصرع بعد، أحدهم الآخر !؟؟))

    _1_

    شواهد الرخام

    تجثمُ في الطين، تغطي الشاطئَ المديد

    و لم تزل سفائن العبيد

    مُثقَلةً بالنارِ، بالسموم، بالحديد

    تَمخرُ بحر الدمع و الصديد

    و خلفها مدائن الموتى

    و الصمتُ، و الخراب، و الدخان

    و في مغاور المدى الدفينِ في الظلام

    يَعوِي مخاضُ الرعب و القَتامْ

    و السرطان يُطفئُ الشمس و يستفيق

    يشبّ من شهوتِه حريق

    متى تزلزل الوجود صرخة اللئام؟

    إلى الأمام.. إلى الأمام !!..

    _2_

    من ألفِ ألفِ عام

    لا يَنْشفُ السكينُ.. و الجراحُ لا تنام

    حمائمُ القماش في الفضاء

    مطلقة بالمعدنِ الممسوخِ.. بالرياء

    و خلف بيرق السلام

    تَغلي صنابيرُ الدماء

    و يرجف التراب في الأعماق

    و يَهْلَعُ الاسفنجُ في القيِعان

    و الرعب يُقلِقُ النجوم

    و السرطان يطفئُ الشمس و يستفيق

    ينتظر الدم المراق

    و فُضلة الجذورِ و العظام

    من ألف ألف عام

    _3_

    مفترق الطريقِ

    من أين يا قوافلَ الرقيق ؟

    في أي شعْبٍ تزحفين ؟

    لأي أُفْق ترحلين ؟

    تمهلوا يا حاملي الصخور

    تمهلوا.. مفترق الطريق

    و البحر من ورائكم يموجُ

    و العدو من أمامكم يموج

    و الشواظ.. و الحريق

    يُفَزِّع الغِلال و المروج

    و الصخرُ في الأغوار

    يضخمُ.. يعلو.. ينذرُ الخليج

    و خلفكم، يا ضائعون، ماتت الشطآن

    و لم يعد مكان

    تُغرَسُ في جراحه شواهد الرخام

    خلفكمو لم يبق غير البومِ و الديدانِ و الغربان

    و الرّعبِ، و الأوباءِ، و الظلام

    و القيظِ، و الصدى، و الازدحام

    و خطوة المصير في مفترق الطريق

    و السرطان !

    يطفئ الشمس و يستفيق !!

    ************************

    طفل يعقوب

    ((إلى فمك بالبوق، كالنسر على بيت

    الرب، لأنهم قد تجاوزوا عهدي،

    و تعدوا على شريعتي )).. التوراة

    من هذا الصخر.. من الصلصالْ

    من هذي الأرض المنكوبه

    يا طفلاً يقتُل يعقوبَهْ

    نعجن خبزاً للأطفال !

    من ترمي في ليلِ الجُبِّ

    أُنظر.. و احذر

    من حفرة غدرٍ تحفرها في دربي

    يا خائنَ عهدِ الربِّ !!


    ************************
    اقطاع

    يا ديداناً تحفر لي رمسي

    في أنقاض التاريخ المنهار

    لن تسكت هذي الأشعار

    لن تخمد هذي النار

    ما دامت هذي الدنيا

    ما دمنا نحيا

    في عصر الاقطاع النفسي

    فسأحمل فأسي

    سأشُجُّ حماقات الأوثان

    و سأمضي.. قُدماً، قُدماً، في درب الشمسِ

    باسم الله الطيب.. باسم الانسان !!

    ************************

    الانسان الرقم

    رفَعَ المقعدُ لي نظارتيه

    سيدي ماذا تريد ؟

    و مضى.. بالقلم المسلول، و الوجه الكليل

    يحرث الأوراق في صمت بليد

    و الحروف الصمّ و الأرقام ثلجٌ في يديه :

    سيدي.. ماذا تريد ؟

    ***

    و تنحنحتُ.. أنا أبحثُ عن نفسي هنا

    رَقَمي.. خمسةُ آلافٍ و تسعه

    ***

    و مضى يبحث عن خمسةِ آلافٍ و تسعه

    ليس يعنيه (( أنا )) !

    ***

    ثم عاد الأخطبوط الأصفر الشاحبُ من وعرِ الرحيل

    غاضباً.. بالقلم المسلول و الوجه الكليل :

    (( سيدي.. ليس له أي وجود )) !!

    ***

    ثم عاد المقعد الميّتُ يجثو من جديد

    كُوَمَ الأوراقِ

    يغتالُ الحروفَ السودَ و الأرقامَ في صمتٍ بليد

    ***

    رقمي ليس له أي وجود

    و (( أنا )) .. ليس له.. أي وجود !!


    ************************
    مرثيــة أغنية قديـمة

    كم استثرتِ عندهم كوامنَ الأشواق

    كم كنتِ بينهم حمامة السلام

    فعاودتْ قلوبَهم نوازغُ الغرام

    و دمعت عيونهم من الفرح

    فاختصروا العتاب

    و عمّروا مجالس الشراب

    ***

    من سنةٍ.. آخرهم.. يرحمه اللهُ

    و يومها..

    _و لم يكن يفهم ما تحكين إلاّهُ_

    من سنةٍ يرحمكَ الله !

    يا طابعاً أهمله البريد

    فلن يُعيد

    من حلوةٍ جواب

    لمدنفٍ مُتيّمٍ.. لن يجمع الأحباب

    ***

    لن تستثيري عندهم كوامنَ الأشواق

    لن تبعثي أجدادَنا العشاق

    يا جدّةً طاهرةَ الرفات

    يا حيّةَ الممات..

    يا مَيْتَةَ الحياة !!

    ************************

    درب الحلــوة

    عيناك!!.. و ارتعش الضياء بسحر أجمل مقلتينْ

    و تلفّتَ الدربُ السعيد، مُخدّراً من سكرتين

    و تبرّجَ الأُفُقُ الوضيء لعيد مولد نجمتين

    و الطير أسكتها الذهول، و قد صدحتِ بخطوتين

    و الوردُ مال على الطريق يودّ تقبيل اليدين

    و فراشةٌ تاهت إلى خديكِ.. أحلى وردتين

    ثم انثنيت للنور في عينين.. لا.. في كوكبينْ

    و نُحَيْلةٌ همْتْ لتمتص الشذى من زهرتين

    رحماك!.. ردّيها.. و لا تقضي بموتي مرتين

    فأنا.. أنا دوّامةٌ جُنّت ببحرٍ من لُجين

    أصبحتُ، مذ نادى بعينيك السبيل.. كما ترين

    سُكْرٌ غريب الخمر.. منكِ.. اجتاحني قلباً و عين

    ماذا؟.. أحُلماً ما أرى.. أم واقعاً.. أم بين بين

    يا طلّة الأسحار قلبي ذاب في غمّازتين

    و ثوى هنالك ناسكاً، ما حمّلَ المعبودَ دَين

    يا حلوة العينين، إنكار الهوى زورٌ، و مَيْن

    فتشجّعي .. و بقبلةٍ صغرى أبيعك قبلتين

    و تشجّعي .. و الحبّ يخلقُ هيكلاً من هيكلين

    إن تعطِني عيناكِ ميعاداً ألمّ الفرقدين

    أيكون من حظي لقاءٌ يا ترى ؟ و متى ؟ و أين ؟ ..

    ************************

    يوم الأحد

    ((إلى الجنة الحزينة.. و اللقاء الأول..

    و شجرة الكرمل ))

    ***

    المواعيد سَهتْ عن موعدي

    فتشـرّدتُ بتيـه الأبـَدِ

    أنكرتْ سود الليالي أرَقي

    و جناح الدفء جافي مرقدي

    و القتينا صدفةً قِدّيسةً

    جمعتْ قلبين يومَ الأحدِ

    فغدى يوم المسيح المفتدى

    بدءَ تاريخي، و ذكرى مولدي

    ***

    حلوتي، يا جنّةً مخزونةً

    أنا من قبلُ، بها لم أنشد

    طائري ما كان يبني عُشّه

    في جِنانِ الحب لو لم توجدي

    فاحضنيني.. أدمعاً حائرةً

    أقسم الحرمان ألاّ تهتدي

    رُوِيتْ منها قلوبٌ جّمّةٌ

    و أنا.. منبعُها الثرّ.. الصدي

    عانقيني بهجةً ناسكةً

    غير أرباب الهوى لم تعبدِ

    و خيالاتٍ تجلّت في دُنىً

    لم تطُفْ أشباحها في خَلَدِ

    عالمٌ للروح طوّفت به

    شطه استعصى على كل يد

    أنا أهواكِ.. هوىً نيرانُه

    اتخذت أحطابها من جسدي

    طهّرتْ روحي، و مسّتْ شفتي

    فإذا فيها الذي لم يُعهَدِ

    قُبَلٌ تسألني عن شفةٍ

    لم تنَلْ.. كالوهم في ظنِّ الغد

    و حروف يسجد الوحيُ لها

    لسوى عاطفتي لم تسجد

    يا ابنة الأحلام في غيبوبتي

    جسّدي أحلامَ حبي.. جسّدي

    المواعيد التي لم نَحْيَها

    أمسِ.. نحياها غداً.. في موعدِ

    ************************

    غوانتانامو

    هنا يَفسُدُ الملحُ. يأسنُ ماءُ الينابيعِ. يؤذي النسيمُ. ويُعدي الغمامُ

    هنا تثلجُ الشمسُ. مبخرةُ الثلجِ تُشعلُ شعرَ الحواجبِ والأنفِ. تدنو الأفاعي. وينأى الحمامُ

    هنا يسهرُ الموتُ في اليومِ دهراً. وروحُ الحياةِ تنامُ نهاراً ودهراً تنامُ

    بكاءُ الرجالِ هنا. وبكاءُ النساءِ. ليضحكَ ملءَ البكاءِ لئامٌ لئامُ

    هنا غوانتانامو..

    وجوهٌ وما من وجوهٍ. وصوتٌ ولا صوتَ. والوقتُ لا يعرفُ الوقتَ. لا ضوءَ. لا همسَ. لا لمسَ. لا شيءَ. لا شمسَ. ليلٌ. وليلٌ يجبُّ النهارْ

    وقيدٌ يُسمَّى السِّوارْ

    وقيدٌ دماءٌ. وقيدٌ دمارْ

    وراءَ الجدارِ. وراءَ الحديدِ. وراء الجدارْ

    هنا قلقٌ لا يفيقُ. هنا أرقٌ لا ينامُ

    هنا غوانتانامو..

    تدفُّ رفوفُ العصافيرِ رُعباً. وتخفقُ أجنحةُ الموتِ في فخِّ أسلاكِهِ الشائكهْ

    ويسطو طنينُ الذبابِ على ثَمَرِ الأعينِ الهالكهْ

    وتعلو على لهبِ الدمِّ والدّمعِ أبخرةٌ فاتكهْ

    ويهوي الظلامُ

    هنا غوانتانامو..

    أتعلمُ أُمُّكَ أنّكَ تذوي حنيناً إليها؟ أتعلمُ أمّكَ يا أيّهذا الأسيرُ الغريبْ

    أتعلمُ أنّك تلمحُ في الموتِ كفَّ الطبيبْ

    أتعلمُ أمكَ أنكَ في ربقةِ الأسرِ تحلمُ حرّاً

    بدفءِ يديها

    وتبكي عليكَ. وتبكي عليها

    وأنّك تدعو وتدعو. وأنّ السماواتِ لا تستجيب

    لأنك في غوانتانامو

    وبعضُ الدّعاءِ مَلامُ..

    تضنُّ القلوبُ بأسرارها. ويبوحُ المسدَّسُ. ما الحلُّ؟

    يا جنرالَ الظلامِ . ويا سيّدَ النفطِ والحلِّ والرّبطِ . ما الحلُّ

    يا سيّدَ البورصةِ الخائفهْ

    ويا قاتلَ الوقتِ في رَحْمِ ساعاتِنا الواقفهْ

    إلى أين تمضي جنائزُ أحلامِك النازفهْ

    إلى أين يمضي السلامُ؟

    إلى أين يمضي الكلامُ؟

    إلى غوانتانامو..

    تعيشُ اللغاتُ هنا. وتموتُ اللغاتْ

    على الملحِ والدمعِ والذكرياتْ

    وتؤوي بقايا الرفاتِ بقايا الرفاتْ

    وأحذيةُ الجندِ لا تستريحُ. وقبضاتُهم لا تريحُ. وما من شرائعَ. ما من وصايا. ولا دينَ. لا ربَّ. لا شرقَ. لا غربَ. ما من حدودٍ. وما من جهاتْ

    هنا كوكبٌ خارجَ الأرضِ. لا تُشرقُ الشمسُ فيه. وما من حياةٍ عليه. وما من حروبٍ. وليسَ عليه سلامُ

    هنا كوكبٌ خارجَ الجاذبيَّهْ

    وما من معانٍ إلهيَّةٍ تدَّعيهِ

    وما من رؤىً آدميَّهْ

    ظلامٌ

    ظلامٌ

    ظلامُ

    هنا.. غوانتانامو..

    جناحُ الفراشةِ ينسى زهورَ الربيعِ. جناح الفراشةِ ينسى الربيعَ القديمَ الجديدَ القريبَ البعيدَ. ويسقطُ في النارِ. لا طَلْعَ. لا زرعَ. كفُّ الأسيرِ جناحُ الفراشةِ. مَن أشعَلَ النارَ في البدءِ؟ مَن أرهبَ النسمةَ

    الوادعَهْ

    ومن أرعبَ الوردةَ الطالعهْ

    لتسقطَ كفُّ الأسيرِ. ويسقطَ قلبُ الطليقِ. على لهبِ الفاجعَهْ

    ويرحلَ بالراحلينَ المقامُ

    إلى غوانتانامو..

    كلامٌ جميلٌ عن العدلِ والظلمِ. والحربِ والسلمِ. في مجلسِ الحسنِ والصونِ والأمنِ. في كافيتيريا الرصيفِ. وفي البرلمانِ. وفي المهرجانِ. وبين القضاةِ. وفي الجامعاتِ. كلامٌ غزيرٌ. وحلوٌ

    مريرٌ. ومَرَّ الكرامِ يمرُّ عليه الكرامُ

    ويمضي الصدى. ويضيعُ الكلامُ

    ولا شيءَ يبقى سوى.. غوانتانامو..

    ويبقى غبارٌ على صُوَرِ العائلهْ

    ووجهٌ يغيبُ رويداً رويداً. وتشحُب ألوانُه الحائلهْ

    وسيّدةٌ عُمرُها ألفُ عُمرٍ. تقاومُ قامتُها المائلهْ

    لترفعَ عينينِ ذابلتينِ إلى صورةِ الأُسرةِ الذابله

    "تُرى أين أنتَ؟"

    "متى ستعودُ؟"

    "وهل ستعودُ قُبيل رحيلي؟"

    "لأمِّك حقٌّ عليكَ. ترفَّقْ بأمِّك يا ابني. تعالَ قليلاً. ألستَ ترى أنّني راحلهْ؟"

    "تُرى أين أنتَ؟"

    وتجهلُ أُمُّ الأسيرِ البعيدِ مكاناً بعيداً

    يسمُّونَهُ غوانتانامو

    وتبكي.. وتبكي عليها العنادلُ. تبكي النسورُ. ويبكي اليمامُ..

    هنا وطنُ الحزنِ من كلِّ جنسٍ ولونٍ. هنا وطنُ الخوفِ والخسفِ من كلِّ صنفٍ. هنا وطن السحقِ والمحقِ والموتِ كيف تشاءُ المشيئةُ موتٌ ترابٌ. وموتٌ رخامُ

    هنا غوانتانامو

    أراجيحُ ضوءٍ شحيحٍ عقاربُ ساعتِهِ المفلتهْ

    ورقّاصُ ساعتِهِ الميّتهْ

    هنا غوانتانامو

    يغنّي المغنّي الأسيرُ دماً. يا صديقي المغنّي

    لجرحِكَ إيقاعُ جرحي

    لصوتِكَ أوتارُ حزني

    لموتِكَ ما ظلَّ لي من حياتي

    وما ظلَّ للموتِ منّي

    وكلُّ زمانٍ هُلامُ

    وكلُّ مكانٍ هُلامُ

    سوى غوانتانامو..

    لبرجِ المراقبةِ الجهْمِ أن يستثيرَ الرياحَ وأن يستفزَّ الجهاتْ

    وللحارسِ الفظّ أن يشتُمَ الأمَّهاتْ

    وللثكناتِ .. وللأسلحهْ

    ممارسةُ الحلمِ بالمذبحهْ

    وللزيتِ والشَّحم والفحمِ أن تتحدّى طموحَ الزهورِ

    وأن تتصدّى لتوقِ النباتْ

    وللقبضاتِ. وللأحذيهْ

    معاقبةُ الأغنيهْ

    وقمعُ الصَّلاةْ

    هنا ما يشاءُ النِّظامُ

    وفوضى تُرتِّبُ فوضى

    ويُسكِتُ جوعاً صِيامُ

    هنا غوانتانامو..

    ينامون بين الأسرَّةِ والريحِ. أهدابُهم في النجومِ. وأطرافُهم في مياهِ المحيطِ. ينامونَ صفراً عُراةً وسوداً وبيضاً عراةً وسُمراً عُراةً. لحافُ السماءِ غطاءٌ ثقيلٌ. ينامون بين شفيرِ الجحيمِ وحبلِ الخلاصِ.

    وهل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالَ المشانقِ؟ هل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالُ المشانقِ؟ مَن يُصدرُ الحُكمَ يا حضراتِ القضاةِ الغزاةِ الطغاةِ؟ ينامون أسرى الحنينِ وأسرى الجنونِ. ولا نومَ . لا صحوَ. ما

    من أسِرَّهْ

    سوى شُهُبٍ من شظايا المجرَّهْ

    وما من لحافٍ سوى ما يُهيل القتامُ

    على غوانتانامو

    وأكفانِ حزنٍ. ونيرانِ حَسْرَهْ

    هنا غوانتانامو

    تقولُ الدساتيرُ ما لا تقولُ البنادقْ

    تقولُ المغاربُ ما لا تقولُ المشارقْ

    تقولُ الأراجيحُ ما لا تقولُ المشانقْ

    يقولُ الأساطينُ في فنِّ قتلِ المحبَّةِ. ما لا

    تقولُ أناشيدُ عاشقْ

    فماذا يقولُ لنا الاتهامُ؟

    وماذا يقولُ لنا غوانتانامو؟

    وماذا يقولُ رمادُ المحارِقِ. ماذا يقولُ رمادُ المحارقْ؟

    وماذا يقولُ زجاجُ النوافذِ للشمسِ والريحِ؟ ماذا

    يقولُ القميصُ العتيقُ لعاصفةِ الرملِ والثلجِ؟ مِن

    أينَ تأتي الأفاعي إلى غُرفِ النّوم؟ ما يفعلُ الطفلُ

    بالقنبلهْ

    وكيف يردُّ الذبيحُ على الأسئلهْ

    وماذا تقولُ لصاعقةٍ سُنبُلهْ

    وماذا تقولُ الصبيّةُ بعد اقتناصِ أبيها

    وكيف يجيبُ الغُلامُ

    على غوانتانامو؟

    لأنَّ دماءَ المسيحِ تسحُّ على شُرفةِ الأرضِ

    من شُرفةِ الآخرهْ

    لأنَّ دموعَ النبيّينَ تنفعُ إن لم تعُدْ تنفع الآصرهْ

    وتَشفع للأُممِ الصابِرهْ

    لأنّ الخليقةَ مؤمنَةٌ أوّلَ الأمرِ بالله. موعودةٌ

    آخرَ الأمرِ بالرحمةِ الغامرهْ

    لأنّ النفوسَ البسيطةَ طيّبةٌ غافرهْ

    فهل تتخلَّى السماءُ؟ وهل يستريحُ الأنامُ

    إلى الصمتِ والموتِ في غوانتانامو؟

    لإيكاروسِ العصرِ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ..

    O.K... فهمنا الرسالةَ. لكنَّ أجنحةَ الطائراتِ الرهيبةِ أقوى من الرّيشِ والريحِ. أسرعُ من نبضةِ القلبِ في قلعةِ البنتاغونِ القصيَّهْ

    ويسقطُ إيكاروسُ العصرِ. تسقطُ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ،

    بين المارينـزِ وحاملةِ الطائراتِ العصيَّهْ

    وتبقى التفاصيلُ. لكنْ تضيعُ القضيَّهْ

    ويبقى الحلالُ. ويبقى الحرامُ

    ويبقى النـّزيفُ على غوانتانامو..

    متى تسقطُ الكأسُ من كفِّ يوضاسَ؟ أين الوصايا؟ وأين المرايا؟ أليسَ هنا أَحَدٌ؟ أين أنتم؟ وهُم؟ أين نحنُ؟ وأين قضاةُ النظامِ الجديدِ؟ ألم يفرغوا من طقوسِ العشاءِ الأخيرِ؟ ومن خطّةِ الضَّربِ والصَّلبِ؟ أين رُعاةُ

    الحقوقِ؟ وأينَ حُماةُ الحدودِ؟ ألم يشبعوا من طعامِ العشاءِ الأخيرِ؟ ألم يكفِهم جسدي خبزهم ودمي خمرهم؟ يتخمونَ على رسلِهم. يثملونَ على رِسلِهم. يصخبونَ. وشاهدةُ القبرِ بينهم المائدهْ

    ووجبتُهم جثّتي الخامدهْ

    هنا غوانتانامو

    هنا تتهاوى النواميسُ. يسقطُ سرُّ اللّغاتِ. هنا تتشظّى الجراحُ. هنا تتلظّى الرياحُ. متى تنهضُ الشمسُ من قبرِها؟

    متى تُسفرُ الأرضُ عن فجرِها؟

    متى تتصدَّى حياةٌ لموتٍ؟ متى تتحدّى الحروبَ السلامُ؟

    كفى غوانتانامو

    كفى غوانتانامو

    كفى غوانتانامو

    كفى

    ************************

    البيان قبل الأخير ..

    البيان قبل الأخير عن واقع الـحال مع الغزاة الّذين لا يقرأون

    ----------------

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    يَوْمُ الْحِسَابِ فَاتَكُمْ

    وَبَعْثَرَتْ أَوْقَاتَكُمْ

    أَرْقَامُهَا الْمُبَعْثَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    تَدَفَّقُوا مِنْ مَجْزَرَهْ

    وَانْطَلِقُوا فِي مَجْزَرَه

    أَشْلاَءُ قَتْلاَنَا عَلَى نَهْرِ الدِّمَاءِ قَنْطَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    تَزَوَّجُوا دَبَّابَةً

    وَأَنْجِبُوا مُحَنْزَرَهْ

    وَحَاوِلُوا

    وَعَلِّلُوا

    وَقَاتِلُوا

    وَقَتِّلُوا

    كُلُّ شَهِيدٍ غَيْمَةٌ

    تَصْعَدُ مِنْ تُرَابِنَا

    تَهْمِي عَلَى حِرَابِكُمْ

    وَمَرَّةً أُخْرَى وَرَاءَ مَرَّةٍ أُخْرَى

    يَعُودُ غَيْمَةً مِنْ بَابِنَا

    كُلُّ شَهِيدٍ غَيْمَةٌ

    كُلُّ وَلِيدٍ شَجَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    يَا أَيُّهَا الآتُونَ مِنْ عَذَابِكُمْ

    عُودُوا عَلَى عَذَابِنَا

    عُودُوا إِلَى صَوَابِنَا

    أَلشَّمْسُ فِي كِتَابِنَا

    فَأَيُّ شَيْءٍ غَيْرَ هَذَا اللَّيْلِ فِي كِتَابُكُمْ

    يَا أَيُّهَا الآتُونَ مِنْ عَذَابِكُمْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّا الْعَشَرَهْ

    وَغَازِلُوا قَاذِفَةً

    وَعَاشِرُوا مُدَمِّرَهْ

    وَأَتْقِنُوا الْمَكَائِدَ الْمُحْكَمَةَ الْمُدَبَّرَهْ

    خُذُوا دَمِي حِبْرًا لَكُمْ

    وَدَبِّجُوا قَصَائِدَ الْمَدِيحِ

    فِي الْمَذَابِحِ الْمُظَفَّرَهْ

    وَسَمِّمُوا السَّنَابِلْ

    وَهَدِّمُوا الْمَنَازِلْ

    وَأَطْلِقُوا النَّارَ عَلَى فَرَاشَةِ السَّلاَمْ

    وَكَسِّرُوا الْعِظَامْ

    لاَ بَأْسَ لَوْ تَصِيرُ مَزْهَرِيَّةً

    عِظَامُنَا الْمُكَسَّرَهْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ

    مَنْ أَوْصَدَ السِّحْرَ عَلَى قُلُوبِكُمْ؟

    مَنْ كَدَّسَ الأَلْغَازَ فِي دُرُوبِكُمْ؟

    مَنْ أَرْشَدَ النَّصْلَ إِلَى دِمَائِنَا؟

    مَنْ دَلَّ أَشْبَاحَ الأَسَاطِيرِ عَلَى أَسْمَائِنَا؟

    مَنْ أَشْعَلَ الْفَتِيل؟

    مَنْ لاَطَمَ الْقَتِيلَ بِالْقَتِيلْ؟

    لاَ تَسْأَلُوا

    لاَ تَقْبَلُوا

    لاَ تَعْبَأُوا بِالدَّمْعَةِ الْمُفَكِّرَهْ

    وَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    مِنْ هَهُنَا كَرَّتْ جُيُوشٌ مِثْلَكُمْ

    وَهَهُنَا فَرَّتْ جُيُوشٌ قَبْلَكُمْ

    فَاقْتَحِمُوا

    وَالْتَحِمُوا

    وَأَخْطِئُوا

    وَاتَّهِمُوا

    مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ

    قَاضٍ، بِمَا تَرَوْنَهُ حَقًّا وَعَدْلاً يَحْكُمُ

    وَنَحْنُ لَسْنَا غَيْرَ اُسْطُوَانَةٍ مُكَرَّرَهْ

    أَقْوَالُنَا. فِي عُرْفِكُمْ. مُزَوَّرَهْ

    كُوشَانُنَا، شُهُودُنَا، عُقُودُنَا مُزَوَّرَهْ

    وَجَدُّنَا مُزَوَّرٌ

    وَأُمُّنَا مُزَوَّرَهْ

    وَلَحْمُنَا وَدَمُّنَا شَهَادَةٌ مُزَوَّرَهْ

    لاَ.. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    جِئْتُمْ

    إِذَنْ، فَلْيَخْرُجِ الْقَتْلَى إِلَى الشَّوَارِعْ

    وَلْيَخْرُجِ الآبَاءُ وَالأَبْنَاءُ.. لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَقْلاَمُ وَالدَّفَاتِرُ الْبَيْضَاءُ

    وَالأَصَابِعْوَلْتَخْرُجِ الْمَكَاحِلْ

    وَخُصَلُ النَّعْنَاعِ وَالْجَدَائِلْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَفْكَارُ وَالأَشْعَارُ وَالآرَاءُ

    وَالْفَصَائِلْ

    وَلْيَخْرُجِ الْمُنَظِّرُ الْمُبَشِّرُ الْمُقَاتِلْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَحْلاَمُ مِنْ كَابُوسِهَا

    وَلْتَخْرُجِ الأَلْفَاظُ مِنْ قَامُوسِهَا

    وَلْتَخْرُجِ الْبُيُوتُ وَالْوَرْشَاتُ والْمَزَارعْ

    وَلْتَخْرُجِ الْمِحْنَةُ وَاللَّعْنَةُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ النَّكْبَةُ وَالنَّكْسَةُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْيَخْرُجِ الدَّجَاجُ وَالسِّيَاجُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الْبُطُونُ وَالأَفْخَاذُ وَالأَحْلاَفُ

    وَالأَحْزَابْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَدْيَانُ وَالشَّرَائِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَشْيَاءُ وَالأَسْمَاءُ وَالأَلْقَابْ

    وَلْيَخْرُجِ الْحُبُّ عَلَى أَجْنِحَةِ الضَّغِينَهْ

    أَبْيَضَ فِي أَزِقَّةِ الْمُخَيَّمْ

    أَسْوَدَ فِي كُوفِيَّةِ الْمُلَثَّمْ

    أَخْضَرَ فِي حَارَاتِنَا الْحَزِينَهْ

    أَحْمَرَ فِي انْتِفَاضَةِ الْقَرْيَةِ

    وَالْمَدِينَهْ

    وَلْتَخْرُجِ الأُهْزُوجَةُ الشَّعْبِيَّهْ

    وَلْتَخْرُجِ الْقَضِيَّهْ...

    حِئْتُمْ

    إِذَنْ فَلْتَخْرُجِ السَّاحَاتُ وَالشَّوَارِعْ

    فَيْضًا مِنَ النُّورِ

    عَلَى الْعَتْمَةِ فِي السَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    سَدًّا مِنَ اللَّحْمِ

    عَلَى مَدٍّ مِنَ الْفُولاَذِ وَالْمَطَامِعْ

    أَلْكُلُّ.. لِلسَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    وَالْكُلُّ.. فِي السَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    وَلْتُدْرِكِ الْمَصَارِعُ الْمَصَارِعْ

    وَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    جِئْتُمْ

    إِذَنْ فَلْيَأْخُذِ الْفُولاَذُ مَا يَشَاءْ

    وَلْتَأْخُذِ الْهِرَاوَةُ الْحَمْقَاءْ

    وَلْيَأْخُذِ الْمَطَّاطُ وَالرَّصَاصْ

    وَلْتَأْخُذِ الأَسْلاَكُ وَالْغَازَاتُ مَا تَشَاءْ

    أبْرَقَتِ الْكَآبَهْ

    فِي أُفُقِ الْكَوَارِثِ الصَّمَّاءْ

    وَأَرْعَدَتْ إِرَادَةُ الْخَلاَصْ

    فَلْتَخْتَصِرْ تَارِيخَهَا السَّحَابَهْ

    وَلْتُمْطِرِ الدِّمَاءْ

    وَلْتُمْطِرِ الدِّمَاءْ

    وَلْتُزْهِرِ السُّفُوحُ وَالسُّهُولُ وَالْوِدْيَانْ

    قَتْلَى وَزَيْتُونًا وَزَعْفَرَانْ

    وَلْتَقْدَحِ الشَّرَارَهْ

    بِحِكْمَةِ الْحِجَارَهْ

    وَلْيَخْتَرِعْ إِنْسَانَهُ الإِنْسَانْ

    فَلاَ تَعُدُّا الْعَشَرَهْ

    وَلاَ نَعُدُّ الْعَشَرَهْ

    تَرَاجَعَ الصِّفْرُ إِلَى الصِّفْرِ

    انْطَلِقْ

    مِنْ قُمْقُمِ الْمَوْتِ

    إِلَى سَمَائِكَ الْمُحَرَّرَهْ

    وَأَرْضِكَ الْمُحَرَّرَهْ

    عِمْلاَقُنَا مِقْلاَعُنَا

    مِقْلاَعُنَا عِمْلاَقُنَا

    وَلاَ تَعُدَّ الْعَشَرَهْ

    لاَ

    لاَ تَعُدَّ الْعَشَرَهْ!!

    ************************

    مزامير ..!
    مزمور الجنرالات
    اسمعوا يا آل إسرائيل صوت الأنبياء
    واسمعوا يا آل هارون النداء
    نصدر الأمر لكل الملحدين الأشقياء
    ولكل الطيبين الأتقياء :
    اعبدوا أصنام واشنطن ، قوموا واعبدوها :
    خالطوا أوثان بون القاتلة
    واجعلوا أبناءكم قربان آي . بي . سي.
    وفي القلب احفظوها
    باسمها . . دكوا البيوت الآهلة
    وأريقوا تحت رجليها الدماء
    وعلى أقدام كنعان اسجدوا ، يا آل يا هودا،
    ولا بأس إذا صارت مغانيكم ، صحاري قاحلة !
    هللويا . . هللويا !
    مزمور بقايا الفلسطينيين
    من هنا
    من مطهر الأحزان في ليل الجريمة .
    أيها العالم ، تدعوك العصافير اليتيمة .
    من هنا من غزة الموت،
    زمن جينين ، والقدس القديمة ...
    أيها العالم ندعوك
    فرد الغاز ، والنابالم ، والأيدي الأثيمة !
    هللويا ..
    ذات يوم
    كان في غزة صبر وحنين
    وفلول من أناس طيبين
    ذات يوم ، كان موال حزين
    يشعل النكبة في كل خيام اللاجئين
    ذات يوم ،
    كان في القدس صغار ينشدون :
    راجعون .. راجعون .. راجعون !
    هللويا
    كان في القرميد أعشاش ، وفي الأفق سنونو
    كان في المنفى قلوب وعيون
    تحت لفح الشمس .. تحت الريح ..
    كانت تتمنى ،
    "يا إله المجد ! جُربنا طويلا ..
    فأعِدنا .."
    هللويا .. هللويا
    كان يا ما كان ،
    وانقضت نسور معدنية
    لم تكن حاملة من آل صهيون – إلى صهيون-
    أفواج البقية .
    لم تكن حاملة لحائط المبكى .. مزامير تقيه .
    يا إله المجد .. ماذا حملت . ؟
    نارا .. وغازا .. ودخانا
    ومجاعات .. وصلبانا .. ويتما .. وهوانا ! !
    يا إله المجد فاسمع
    صوت شعب – يتفجع
    يا إله المجد .. يكفيننا قرونا ما حملنا
    نحن جربنا طويلا .. –كيف لا تقنع ؟ –
    جُربنا طويلا .. فأعِدنا ..
    هللويا .. هللويا .. هللويا..
    مزمور أطفال العالم
    يا إله الانتقام !
    يا إله الانتقام اظهر .. ورد الخيلاء !
    رد من يذبح في القدس اليتامى
    والثكالى والايامي ..
    رد من يظلم ميراثك
    من يصلب في القدس سلاما
    كيف لا يسمع من كوّن سمعا للبشر؟
    كيف لا يبصر ، من سَوى البصر
    يا إله الانتقام
    هللويا
    شق للفاسق حفره
    رد للماكر مكره !
    مزمور أحفاد أشعياء
    نحن أحفاد إشعياء،
    نناديه،
    ننادي وجهه السمح الهلامي ،
    الذي يرتج ، من خلف الدموع القانيه !
    نحن أحفاد إشعياء نناديه .. غضابا مجهشين :
    يا إشعياء الذي أغفى قرونا وقرون !
    كيف صارت هذه القرية .. صارت زانية ؟!
    زغلا فضتها صارت ،
    على أيدي الطغاة الأغبياء
    كيف يقضون بعسف لليتيم ؟
    كيف لا تبلغهم دعوى الأرامل ؟
    يا أشعياء المناضل
    هللويا
    ......
    رسل السلم هنا يبكون حقدا ومرارة
    بعد أن حز رؤوس الآمنين
    أدعياء الحق .. أعداء الحضارة .
    يا أشعياء الحزين .
    فانهض اليوم في قرية
    تهوي على سفح المهالك :
    "بعد سبعين ، رعاك الله يا هذي،
    "فلم عدت إلى الأجرة،
    "تزنين مع التجار ، من كل الممالك ؟
    أنهض اليوم ، وصح في تل أبيب:
    "ألف ويل للذي لا يطلب الرب
    "ويمضي نحو مصر
    "حاملا للشرق أعواد الصليب.
    يا إشعياء الحبيب .
    ذاك وحي جاء من تيماء ، من أرض العرب :
    احملوا الماء ولاقوا اللاجئين
    أيها الناس :
    ووافوا الهارب الجائع أياما بخبزه ..
    ضمدوا للمرة الأخرى جراح النازحين
    من أمام السيف ولو هاربين
    ومن القوس الذي شدته للحرب أكف المجرمين
    يا أشعياء الشجاع
    إنهض اليوم لكي يلعب أطفال فلسطين
    ولا يخشون أنياب الصلال
    ولكي يأمن حملان ، بآجام السباع
    .......
    هللويا ..
    ثم يقضي في الأمم
    دون أن يزهق حق
    دون أن يكتم فم
    ........
    يا أشعياء المناضل .
    ثم تغدو سككا كل السيوف
    ورماح القوم تنصب مناجل
    ثم لا ترفع سيفا أمة كما تقاتل .
    وصغار القوم لا يدرون ما الحرب وما سفك الدماء
    وسيحلو ليهودا وفلسطين الغناء :
    هللويا .. هللويا ..
    يا إله المجد حارنا طويلا وذُبحنا .. وذَبحنا
    وسفحنا دمنا ، دهرا ، سفحنا
    يا إله المجد .
    جُربنا طويلا .. واسترحنا ...
    هللويا .. هللويا .. هللويا ..

    ************************
    تعالي لنرسم معاً قوس قزح
    نازلاً كنت : على سلم أحزان الهزيمة
    نازلاً .. يمتصني موت بطيء
    صارخاً في وجه أحزاني القديمة :
    أحرقيني ! أحرقيني .. لأضيء !
    لم أكن وحدي ،
    ووحدي كنت ، في العتمة وحدي
    راكعاً .. أبكي ، أصلي ، أتطهر
    جبهتي قطعة شمع فوق زندي
    وفمي .. ناي مكسّر ..
    كان صدري ردهة ،
    كانت ملايين مئه
    سجداً في ردهتي ..
    كانت عيوناً مطفأه !
    واستوى المارق والقديس
    في الجرح الجديد
    واستوى المارق والقديس
    في العار الجديد
    واستوى المارق والقديس
    يا أرض .. فميدي
    واغفري لي ، نازلاً يمتصني الموت البطيء
    واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :
    أحرقيني .. أحرقيني لأضيء
    نازلاً كنت ،
    وكان الحزن مرساتي الوحيدة
    يوم ناديت من الشط البعيد
    يوم ضمدت جبيني بقصيدة
    عن مزاميري وأسواق العبيد
    من تكونين ؟
    أأختاً نسيتها
    ليلة الهجرة أمي ، في السرير
    ثم باعوها لريح ، حملتها
    عبر باب الليل .. للمنفى الكبير ؟
    من تكونين ؟
    أجيبيني .. أجيبي !
    أي أخت ، بين آلاف السبايا
    عرفت وجهي ، ونادت : يا حبيبي !
    فتلقتها يدايا ؟
    أغمضي عينيك من عار الهزيمة
    أغمضى عينيك .. وابكي ، واحضنيني
    ودعيني أشرب الدمع .. دعيني
    يبست حنجرتي ريح الهزيمة
    وكأنا منذ عشرين التقينا
    وكأنا ما افترقنا
    وكأنا ما احترقنا
    شبك الحب يديه بيدينا ..
    وتحدثنا عن الغربة والسجن الكبير
    عن أغانينا لفجر في الزمن
    وانحسار الليل عن وجه الوطن
    وتحدثنا عن الكوخ الصغير
    بين احراج الجبل ..
    وستأتين بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وستأتيني بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !
    قلت لي - أذكر -
    من أي قرار
    صوتك مشحون حزناً وغضب
    قلت يا حبي ، من زحف التتار
    وانكسارات العرب !
    قلت لي : في أي أرض حجرية
    بذرتك الريح من عشرين عام
    قلت : في ظل دواليك السبيه
    وعلى أنقاض أبراج الحمام !
    قلت : في صوتك نار وثنية
    قلت : حتى تلد الريح الغمام
    جعلوا جرحي دواة ، ولذا
    فأنا أكتب شعري بشظية
    وأغني للسلام !
    وبكينا
    مثل طفلين غريبين ، بكينا
    الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص ، يبكي ..
    والحمام الزاجل العائد في الأقفاص
    ... يبكي
    ارفعي عينيك !
    أحزان الهزيمة
    غيمه تنثرها هبة الريح
    ارفعي عينيك ، فالأم الرحيمة
    لم تزل تنجب ، والأفق فسيح
    ارفعي عينيك ،
    من عشرين عام
    وأنا أرسم عينيك ، على جدران سجني
    وإذا حال الظلام
    بين عيني وعينيك ،
    على جدران سجني
    يتراءى وجهك المعبود
    في وهمي ،
    فأبكي .. وأغني
    نحن يا غاليتي من واديين
    كل واد يتبناه شبح
    فتعالي . . لنحيل الشبحين
    غيمه يشربها قوس قزح !
    وسآتيك بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وسآتيك بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !!

    ************************
    الخفافيش
    الخفافيش على نافذتي،
    تمتصّ صوتي
    الخفافيش على مدخل بيتي
    والخفافيش وراء الصّحف
    في بعض الزوايا
    تتقصّى خطواتي
    والتفاتي
    والخفافيشُ على المقعد،
    في الشارع خلفي..
    وعلى واجهة الكُتب وسيقان الصّبايا،
    كيف دارت نظراتي!
    .......................
    الخفافيشُ على شرفة جاري
    والخفافيش جهازٌ ما، خبّيءٌ في جدار.
    والخفافيشُ على وشك انتحار.
    ......................
    إنّني أحفرُ درباً للنهار!

    ************************
    بطاقات معايدة
    أُسْوَةً بالملائكةِ الخائفينَ على غيمةٍ خائفهْ
    في مَدى العاصفهْ
    أُسْوَةً بالأباطرةِ الغابرينْ
    والقياصرةِ الغاربينْ
    في صدى المدنِ الغاربَهْ
    وبوقتٍ يسيرُ على ساعتي الواقفَهْ
    أُسْوَةً بالصعاليكِ والهومْلِسّ
    بين أنقاضِ مانهاتن الكاذبَهْ
    أُسْوَةً بالمساكينِ في تورا بورا،
    وإخوتِهم، تحت ما ظلَّ من لعنةِ التوأمينِ،
    ونارِ جهنَّمها اللاهبَهْ
    أُسْوَةً بالجياعِ ونارِ الإطاراتِ في بوينس إيريسْ،
    وبالشرطةِ الغاضبَهْ
    أُسْوَةً بالرجالِ السكارى الوحيدين تحت المصابيحِ،
    في لندنَ السائبَهْ
    أُسْوَةً بالمغاربةِ الهائمينَ على أوجه الذلِّ والموتِ ،
    في ليلِ مِلِّيلَةَ الخائبَهْ
    أُسْوَةً بالمصلّينَ في يأسهم
    والمقيمينَ ، أسرى بيوتِ الصفيح العتيقْ
    أُسْوَةً بالصديقِ الذي باعَهُ مُخبرٌ ،
    كانَ أمسِ الصديقَ الصديقْ
    أُسْوَةً بالرهائن في قبضةِ الخاطفينْ
    أُسْوَةً برفاقِ الطريقْ
    أُسْوَةً بالجنودِ الصِّغار على حربِ أسيادهم ،
    وعلى حفنةٍ من طحينْ
    أُسْوَةً بالمساجين ظنّاً ،
    على ذمّةِ البحثِ عن تهمةٍ لائقَهْ
    أُسْوَةً بالقراصنةِ الميّتينْ
    بضحايا الأعاصيرِ والسفنِ الغارقَهْ
    بالرعاةِ الذين أتى القحطُ عاماً فعاماً
    على جُلِّ إيمانهمْ
    وعلى كُلِّ قُطعانهمْ
    أُسْوَةً بالشبابِ المهاجرِ سرّاً ،
    إلى لقمةٍ ممكنَهْ
    خارجَ الجوعِ في وطنِ الفاقةِ المزمنَهْ
    أُسْوَةً بالفدائيِّ أَوقَعَهُ خائنٌ في كمينْ
    أُسْوَةً بالنواصي التي جزَّها النزقُ الجاهليّ
    والرقابِ التي حزَّها الهَوَسُ الهائجُ المائجُ الفوضويّ
    أُسْوَةً بالمذيعِ الحزينْ
    مُعلناً ذَبْحَ سبعينَ شخصاً من العُزَّلِ الآمنينْ
    باسم ربِّ السماءِ الغفورِ الرحيمْ
    والرسولِ العظيمْ
    والكتابِ الكريمْ
    وصراط الهدى المستقيمْ
    أُسْوَةً باليتامى الصغارْ
    بالمسنّينَ في عزلةِ الزمنِ المستعارْ
    بينَ نارٍ وماءٍ.. وماءٍ ونارْ
    أُسْوَةً بالجرار التي انكسرتْ ،
    قبلَ أن تبلغَ الماءَ ،
    في واحةٍ تشتهيها القفارْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي أُهرقتْ في الرمالِ ،
    ولم تستطعْها الجرارْ
    أُسْوَةً بالعبيد الذينْ
    أَعتقتْهم سيولُ الدماءْ
    ثمَّ عادوا إلى رِبْقَةِ السادةِ المترفينْ
    في سبيلِ الدواءْ
    وبقايا بقايا غذاءْ
    أُسْوَةً بالقوانين ، تقهرها ظاهرَهْ
    بالبحارِ التي تدَّعيها سفينَهْ
    بالجهاتِ التي اختصرتْها مدينَهْ
    بالزمانِ المقيمِ على اللحظةِ العابرَهْ
    أُسْوَةً برجالِ الفضاءِ وحربِ النجومِ اللعينَهْ
    أُسْوَةً بضحايا الحوادثِ في الطرقِ المتعَبَهْ
    وضحايا السلامْ
    وضحايا الحروبِ وأسرارِها المرعبَهْ
    وضحايا الكلامْ
    وضحايا السكوتِ عن القائلينَ بحُكم الظلامْ
    وبفوضى النظامْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي انحسرتْ ،
    عن رمادِ الجفافْ
    والجذوعِ التي انكسرتْ ،
    واستحالَ القطافْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي أوشكتْ أن تبيدْ
    واللغات التي أوشكتْ أن تبيدْ
    في كهوفِ النظامِ الجديدْ
    أُسْوَةً بضحايا البطالَهْ
    يبحثونَ عن القوتِ في حاوياتِ الزبالَهْ
    أُسْوَةً بالطيورِ التي هاجرتْ
    ثم عادتْ إلى حقلِهَا الموسميّ
    في الشمالِ القَصِيّ
    لم تجدْ أيَّ حقلٍ.. ولا شيءَ غير المطارْ
    والفراشاتُ ظلُّ الفراشاتِ في المشهد المعدنيّ
    ظِلُّ نفاثةٍ قابعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ طالعَهْ
    بعدَ نفّاثةٍ ضائعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ راجعَهْ
    لم تجدْ غير دوّامةٍ من دُوارْ
    أُسْوَةً بغيومِ الشتاءِ على موتها مُطبِقَهْ
    بالبراكينِ في آخرِ العمرِ.. مُرهَقةً مُرهِقَهْ
    بالرياحِ التي نصبتْ نفسها مشنقَهْ
    وتدلَّتْ إلى قبرِهَا
    بين قيعانِ وديانها الضيّقَهْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي فقدتْ أرضَها
    بضحايا الزلازلِ والإيدز والجوعِ والأوبئَهْ
    أُسْوَةً بالبلادِ التي خسرتْ عِرضَها
    ومواعيدَ تاريخها المُرجأهْ
    في سُدى هيئةِ الأُمم المطفَأَهْ
    أُسْوَةً بي أنا
    نازفاً جارحا
    غامضاً واضِحا
    غاضباً جامحا
    أُسْوَةً بي أنا
    مؤمناً كافراً
    كافراً مؤمِنا
    أُسْوَةً بي أنا
    أرتدي كفني
    صارخاً: آخ يا جبلي المُنحني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني !

    ************************


    عدل سابقا من قبل Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:48 am عدل 2 مرات

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:46 am

    مقاطع من 30 آذار
    (أعلناه يومًا للأرض . . وأعلنته دماء شهدائنا عيدًا فلسطينيًا من أعياد الصمود والفداء . .)
    1 – مع الشهداء . .
    "كل عام وأنتم بخير"
    صاحها دمكم وانكفا
    ساخنًا نابضًا في وحام الجذور
    نيزك الحب والحقد صاح: انهضوا !
    أجّ في الليل نارًا ونور
    أشعل الحب والحقد في دمنا
    زلزل الطمي في غورنا وانكفا
    دمكم – دمنا
    سال ، لكنه ما انطفأ . .
    (يا أم الشهيد زغردي
    كل الشباب أولادك)
    الإذاعات والصحف المترفه
    تجهل الفرق يا أخوتي
    بين معرفة الدم، والمعرفه
    فاكرزوا في الشعوب ، اكرزوا باسمنا
    دمكم صوتنا !
    أين سخنين ، عرابة ، كفر كنَّه ؟
    أين بحر البقر ؟
    أين يا أخوتي دير ياسين أو كفر قاسم ؟
    أين يا أخوتي عين جالوت أو ميسلون ؟
    أين ؟
    لا نسأل !
    أين ؟
    لا نجهل !
    نحن لا نجهل الفرق يا أخوتي
    بين معرفة الدم، والمعرفة
    نحن لا نسأل الخارطة
    دمكم وحده الخارطة
    ليس للنقب أو الجليل
    دمكم شارة في الطريق الطويل !
    عندما يفقد الزمن النذل أعصابه
    عندما يفتح الموت أبوابه
    تنتخي أختنا ، يرتخي المستحيل
    ويصيح العذاب الفتي العجوز :
    لعناوينها شفرة (أيها الموت خذ بيدي)
    لدمي شفرة . .
    فانهضوا !
    حكمة الدم يا فتيتي أن يسيل !
    (تنقذني من موتي البسمة
    يا وطني تنقذني البسمة
    حين أرى أطفالك في الساحات
    شررا يحرق أعصاب الدبابات
    حين أرى أطفالك
    يلقون قشور الموز على الطرقات
    فعسى ولعل
    يتزحلق علج من جيش المحتل!)
    يا له من عَماس
    أن تداس الشفاه التي أقسمتْ
    أنها لن تُداس.
    عارنا فادحْ. حقدنا فادح. والألم
    هل بكينا؟ أجل !
    غير أن دموع الغضب
    لهجة في بلاد العربْ
    فاسمعي يا جميع الأمم
    موتنا جملة كامله
    فلنفك الرموز معًا
    ولتكن بئرنا راحة القافلة
    بئرنا ؟
    بحَّةُ الموت في صوتنا
    صوتنا ؟
    يعلم الله يا صاحبي !
    يعلم الله يا صاحبي !
    بين ليلين : ليل الهلاك وليل الهلاك
    تقرعُ الأرض أقدامنا الحافيه
    ترصد الخطوة الباقيه
    غير أن الألم
    لم يزل جاهزًا للقتال
    والمطر
    جاهزٌ للقتال
    فاسمعي واشهدي يا جميع الأمم
    (بالروح بالدم
    نفديك يا وطن)
    عندما أطلقوا النار صاح الشهيد :
    أطلقوا النار كيف اشتهيتُم
    طلقة . . طلقة . . وانتهيتم .
    ثم غاص الشهيد
    في مطاوي جذور الجدود
    واستوى في ذرى مكَّةٍ صائحًا :
    وها أنا يا يوم القيامة عاظِبُ
    يبددني وكْس ويجمع لازِبُ
    تُدثرُ أثواب الأفاعي جوارحي
    وينهشني همٌّ من الروح ناصب
    ولكن لي سرًا قديمًا ذخرته
    يشع ، فدرب في الدجنات لاحب
    أناقب فيه كل وجه نسيته
    وكم شام وجهي في ثناياه ناقب
    مقيم على ضيم مقيم . . وانني
    مقيم ، وطاغوت الطواغيت ذاهب
    فيا قاتلي استكملوا كل عدة
    وصولوا وجولوا واحشدوا وتكابلوا
    تقمصت الحوباء مني عوالمًا
    إذا غاب منها نابض ، عاد غائب
    ويا قتلي اليوم ، صدق شهادتي
    وموت المحبين المعاميد كاذب
    أنا الحق . جلت عن نكوص مشيئتي
    وها آنذا قد شئت . والحق غالب !
    ثم ضجت شرابينه
    وعلى مسمع الخوذ البربرية
    صاح في الساحة المركزية :
    جسدي غيمة . صخرة . مدرسه
    جسدي ألف طفل جديد.
    جسدي قبلة صاغّة.
    جسدي أرغن الموت والبعث
    فلتسمعي يا جميع الأمم :
    أهديل ؟ أم غرغرات دماء ؟
    أم لواء مصفق للواء ؟
    أم تراها زغرودة للسرايا
    أطلقتها ((سكينة)) من خباء ؟
    لا تسل . والجواب في كل وجه
    من وجوه العروبة السمراء
    غمغمات وجلجلات تدوي
    بين فجر كابٍ وليلٍ مضاء
    يقتل الجزر مدَّه . ثم يعلو
    ألف مد على رقاب الفداء
    انها سُنَّة البطولات : كر
    بعد فرّ . ومطرح للرجاء
    فتقر القبور . لا لوقوف
    وبكاء . . لكن للاستيحاء !
    (يسعدني أن أعلن للعالم
    أنك يا وطني ترجيء موتي حتى ميعاد آخر
    حتى يتضح الفرق الهائل
    بين المعرفة ومعرفة الدم
    فلتأتِ شعوب الأرض إلي اليوم
    ولتسمع أرغن جسدي
    يتفجر بالدم الصاخب
    بين الكدف الأحمر والعشب الأخضر
    ولتشهد وجهي الساطع في ليل الأعداء
    شمسًا تحرق ذيل العصفورة
    نارًا تأكل جذر الأسطورة
    ولتدلِ شعوب الأرض بأقوال شهادتها
    في محكمة العدل الدولية
    لا في لاهاي . . ولكن في سخنين !)
    آن أن يزهق الباطلُ
    آن أن يعلم اللصُّ والقاتل
    بين كفِّ الشعوب ومخرز أعدائها
    لن يطول الحوار
    بعد ليلٍ قصيرٍ يطل نهار
    تجمع الأرض أشتات سيمائها
    ينطقُ الأخرس
    ينهضُ المقعد
    تبرأ الشمس من كل أوبائها !
    عاودَ الفرسُ والروم كراتها
    لحمُنا نهبُ أنيابهم . .
    آن يا أخوتي
    آن أن نبعث الثائر المصطفى
    آن أن تشهر الثورة الرمح والمُصحفا
    آن أن يعلم اللصُّ والقاتلُ
    أنَّه زائل
    زائل
    زائل !


    رماد ..!!
    ألا تشعرين؟....
    بأنّا فقدنا الكثير.
    وصار كلاماً هوانا الكبير.
    فلا لهفةٌ .. لا حنين...
    ولا فرحةٌ في القلوب، إذا ما التقينا
    ولا دهشةٌ في العيون..
    ألا تشعرين؟..
    بأنّ لقاءاتنا جامدة.
    وقُبلاتنا باردة.
    وأنّا فقدنا حماس اللقاء
    وصرنا نجاملُ في كل شيءٍ.. وننسى
    وقد يرتمي موعدٌ.. جثّةٌ هامدة.
    فنكذبُ في عُذرنا.. ثم ننسى
    ألا تشعرين؟..
    بأنّ رسائلنا الخاطفة.
    غدت مبهماتٍ .. قصيرة.
    فلا حسّ .. لا روح فيها.. ولا عاطفة.
    ولا غمغماتٌ خياليةٌ
    ولا أمنياتٌ.. ولا همساتٌ مثيرة!
    وأن جواباتنا أصبحت لفتاتٍ بعيدة.
    كعبءٍ ثقيلٍ..نخلّصُ منه كواهلنا المتعبة.
    ألا تشعرين؟..
    بدنيا تهاوت.. ودنيا جديدة.
    ألا تشعرين ؟..
    بأن نهايتنا مرّةٌ .. مرعبة.
    لأنّ نهايتنا .. لم تكن مرّةٌ .. مرعبة؟!..

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:52 am

    الشاعر طارق علي الصيرفي

    نبذة

    وُلد الشاعر الفلسطيني طارق علي الصيرفي عام 1977م في مخيم عسكر القديم ، قضاء مدينة نابلس التي هاجر إليها أهله أثر النكبة التي حلت بفلسطين عام 1948م ، فاضطروا إلى ترك قريتهم المسعودية المستلقية على شواطئ يافا أمثال آلاف الفلسطينيين .

    درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدرسة المخيم التابعة لوكالة الغوث الدولية .

    درس المرحلة الثانوية في مدرسة قدري طوقان الثانوية بنابلس .

    حصل على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية وأساليب تدريسها من كلية العلوم التربوية ( دار المعلمين ) رام الله ، يعمل الآن مدرساً للغة العربية في مدرسة مخيم عسكر .

    كتب الشعر في بداية المرحلة الثانوية ، ونشر العديد من القصائد في الصحف المحلية والمجلات الأدبية ، نشر العديد من قصائده في صفحات الإنترنت والمنتديات الأدبية ، أجرى بعض المقابلات مع إذاعة فلسطين ، أصدر ديوانه الأول ( رحلة إليك ) عام 2001م ، يستعد لإصدار الديوان الثاني ، عضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، عضو في ملتقى بلاطة الثقافي .

    *********************

    الإِهْداء

    أبي وَأمّي وَيا مَنْ بـِتُّ أعـْشَقُها أهدي كِتابي الذي يَكْتَظُّ بالـشِعْـرِ

    لروحِ جَدّي الذي للـشِعْـرِ قَرَّبنا لَكُمْ جميعاً ، لَكُمْ أهدي شَـذا عُمْرِي



    رحلة إليك ( 1 )



    رِحلةٌ إليكِ

    إِنّـي تَـعِبتُ.. مِـنَ الـرَّحيلِ إِلـيْكِ وَتعِبتُ مِنْ صَبري الطويلِ عَليْكِ
    لأنـالَ شَـيئاً مِـنْ وِصـالِكِ فَـانْعِمي أنـتِ الـكَريمةُ.. والـوِصالُ لَـدَيْكِ
    أو خَـلّصيني مِـنْ هَـوائلِ رِحلَتي وَتَـشـوُّقي دَومــاً... إلــى عَـيـنيْكِ
    فَالشوقُ يحرِقُني، وَيحرِقُ مُهجتي وَالـنَّـارُ حـولي.. فَـابْعثي زَنْـدَيْكِ

    يـا أجـملَ امرأةٍ تُضيءُ قَصائدي قَـلبي رَهـيناً... صـارَ بـينَ يَدَيْكِ
    فَسُهولُكِ الخضراءُ صعبٌ غَزوُه وَوُرودُكِ الـحـمراءُ.. فـي خَـدَّيْكِ
    وَجِـبالُكِ الـشَّمَّاءُ كَيف أطولُها ؟ وَرِيـاحُـكِ الـهـوْجاءُ.. فـي رِئَـتَيْكِ
    قَـلَقي عـليكِ يَـكادُ يَـعصِرُ خـافِقي لا أطْـمَـئـنُّ... فَـسَـبّـلي جَـفـنَـيْكِ

    شَـفَتي تُـردّدُ لَـحْنَ أغْـنِيَةِ الـهوى وَالـلـحْنُ مَـنـقوشٌ عَـلى.. شَـفَتَيْكِ
    إِنـي تَعبتُ مِنَ الرَّحيلِ.. حَبيبتي وَتـعبتُ مِـنْ عَـدَمِ الـوُصولِ إِلَـيْكِ

    *********************



    أحبيني

    أيـــا نَــزَّاعَـةَ... الـبَـشَـرِ ألَـمْ تُـبقي.. وَلَـمْ تَـذَري؟
    أيــا مـحَـبوبتي.. الـشَّقرا ءَ، يـــا مَـجـهـولَةَ الـقَـدَرِ
    أنــا الـمسْجونُ فـي عـينيْ كِ.. قـبلَ الـخَلْقِ والـبَشَرِ
    أحِـبـيـني... أيـــا وَعْـــداً يـجـيءُ... بـآخِـرِ الـعُـمُرِ
    خُـــدودُكِ دائــمـاً أحــلـى مِــنَ الـتـفّاحِ... وَالـزَّهَـرِ
    وَصـوْتُكِ.. باتَ يُطرِبُني كَــآهٍ فــي صَــدى.. وَتَـرِ
    وَذِكـرُكِ فـي كِـتابِ الله، فـــي عَـــدَدٍ مِــنَ الـسُّـوَرِ
    وَحُـبُّكِ، صـارَ لـي وَطَـناً أيــا أغْـلـى.. مِـنَ الـدُّرَرِ
    أيــا مَـنْ لَـوَّعَتْ... قَـلبي أحِـبـيـني.. أو اسْـتَـتِـري
    أحِـبـيـنـي ... لأَحــزانـي لأَلـحـانـي.. أو انْــدَثِـري
    فُــؤادي... كَـعـبةُ الأحـزا نِ حِـجّي لـي أو اعْـتَمِري
    أنــا فـي الـحبّ.. مُـبتَدِئٌ خُــذي بـيَديَّ وَاصْـطَبِري
    عـلى شمسي على غَيْمي على صَيفي على مَطَري
    عـلى روحـي عـلى قَلبي عـلى شِـعْري عـلى فِكَري
    وضُـمـيني إِلــى صَــدْرٍ، بِــهِ مَـوْتـي.. بِــهِ قَـدَري
    وَكـوني أنـتِ ... مُلْهِمَتي وَكـوني البَدْرَ في سَهَري
    وَكـوني فَـرْحَتي الـكُبرى وَكوني الخيْرَ.. وَانْهَمِري
    فَـلِـي قَـلْـبٌ.. بِــلا عِـشْقٍ فَـصُبّي العِشْقَ وَانتَظِري
    إِلـى أنْ تَـسمَعي.. صَـوْتاً كَـصَـوْتِ الـرَّعْدِ وَالـمطَرِ
    وَذوبــي فـي خَـلايا الـقَلْ بِ ذوبـي فيهِ، وَانصَهِري
    أحِــبُّـكِ... حـيـنَ يَـأتـيني خَـيـالُكِ.. سـاعَـةَ الـسَّحَرِ
    أحِـبُّكِ ... صِـرتُ أكْـتبُها عَـلـى الـنَّـجماتِ وَالـقَمَرِ
    أحَـبّـيـني... كَــمـا أهــوا كِ سَـيّـدتـي أو اعْـتَـذِري
    أحِـبّـيـني ... لأَشــعـاري أحِـبّـيـنـي... لـتِـفْـتَـخِري
    فَـتِـلكَ قَـصـيدةٌ ... بُـنِيَتْ عَــلـى الأَحْــكـامِ وَالـعِـبَرِ
    بِـهـا وَعْـظٌ ... بِـها عِـبَرٌ أحِــبّـيـنـي... لِـتَـعْـتَـبِري
    أحِــبّـيـنـي، وَلا تَــسَــلـي أيـنْـهي حُـبَّـنا سَـفَـري ؟
    فَـحُـبُّـكِ ســاكِـنٌ ... أبَــدَاً بِـقَلبِ الـقَلبِ.. يـا عُمُري
    وَلـكـنْ... جـاءنـي طَـيْـرٌ يـحـادِثُني.. عَــنِ الـخَـبَرِ
    عَــرَفْـتُ... بِــأنَّ عُـشَّـاقاً أتَــوْكِ فَـحـاذِري خَـطَري
    أنـــا كَـالـسَّـيفِ سَـيّـدتـي أقــاتـلُ... دونَــمـا حَــذَرِ
    وَلـكـنْ ... قُـوَّتـي عَـبَـثٌ وَقَـلـبـي... غَـيْـرُ مُـقْـتَدِرِ
    عــلـى إِيـــذاءِ.. سَـيّـدتي وهـلْ أؤْذيكِ يا نَظَري ؟
    لأجـلـكِ بـعـتُ أصـحابي فـصارَ الـقلبُ.. كَـالحَجَرِ
    وَصـارَ الـجُرحُ.. أغْنِيَتي أغَـنّـيـها... مَــعَ الـشَـجَرِ
    سَـأنـسـى قِـصَّـةً رَحَـلـتْ وَقَـلـبـاً... غَـيـرَ مُـنـتَظِرِ
    فَـهِـمـتُ الـلـعبَةَ الـكُـبرى، فَـقـلـبُكِ.. لـيـسَ كَـالـبَشَرِ
    وَشُـكـراً.. يــا مُـراوِغَتي سَـأَرحلُ عَـنكِ فَانتَصِري

    *********************



    آهاتٌ وأناتٌ

    ماذا أخْبِرُكُمْ عن نَفسي ؟ مِنْ قَلبي... تَنبعُ آهاتي
    أقضي للنَّاسِ حَوائِجَهُمْ وَأنا لا تُقضى حاجاتي
    أكتُبُ لِلعِشقِ وَيُؤسِفُني أنْ أنسى حُبّي.. وَحَياتي
    أمسَحُ للعاشِقِ.. أدمُعَهُ وَأنا تُحرِقُني.. دَمْعاتي
    وَحَبيبةُ قَلبي... راحِلَةٌ تُبْحِرُ في عَكْسِ المَوْجاتِ
    مَنْ يَشعرُ في هذي الدنيا؟ مَنْ يَشعرُ بي وبمأساتي ؟
    أسْهَرُ في الليلِ وَأوراقي وَأعُدُّ... قَصائِدَ أنّاتي
    كَمْ هذا الحزنُ.. يُؤَرّقُني يَحرِمُني لَمْسَ وِساداتي
    مازالَ الهمُّ... يُرافِقُني وَيَعيشُ عَلى حِبرِ دَواتي
    يَتَغذَّى شِعراً.. أو وَرَقاً يَتَسلَّلُ... بينَ الكَلِماتِ
    يَشربُ مِنْ جُرحي خَمْرَتَهُ وَيَثورُ.. يَثورُ عَلى ذاتي
    فَمَتى أتَخَلَّصُ مِنْ حُزني ؟ وَأعيشُ... بدونِ الآهاتِ

    *********************



    عيناكِ والليلُ والحزنُ

    الليلُ الدَّامِسُ يـأْتي مِن خَلفِ العَينيْنْ..

    عَينيكِ السَّوْداوَيـْنْ

    يأتي مَسكوناً وَمَليئاً بالحزْنْ

    يختارُ طريقاً نسْلُكُهُ..

    ما بينَ الوترِ المهمومِ.. الوترِ المجنونِ..

    وبينَ اللحْنْ

    يسكَرُ أحياناً مِن كأسي

    أو مِن حِبري..

    ويدمّرُ كلَّ الشِعرِ وَكلَّ النَّثرِ وكلَّ الفَنْ

    يسكرُ.. يسكرُ.. يسكرُ..

    ليسَ لديهِ فُروقٌ..

    ما بينَ الإنسِ وبينَ الجِنْ

    نحنُ المأْساةُ بمعناها..

    نحنُ المأْساةُ وَلَسنا نخجَلُ سيّدتي

    مِن دمعِ العيْنْ

    نحنُ الألوانُ ..

    وَلَسنا نـعرفُ مَعنى اللوْنْ

    نحنُ الأَشكالُ وَلكِنَّا..

    نحتاجُ _ لِـتشكيلِ الحُبّ _ إِلى بَعضِ العَوْنْ

    ما بالُ دموعِكِ سيّدتي

    تنزلُ كالنهرِ على الخَدَّيـْنْ

    أمطارُ الحزنِ تجيءُ إِلينا..

    مِن عينيكِ المُمْطرتَيْنْ

    وَتجيءُ طُيورٌ مُرهقةٌ..

    تحمِلُ أحزاناً سيّدتي

    فوقَ جناحَيْها المكسورَيْنْ

    وَيجيءُ الليلُ الدَّامِسُ..

    مِن خلفِ العينينِ الواسِعتَيْنْ

    وَأجيءُ أنا..

    أحملُ أحزاني سيّدتي.. فوقَ الكَتِفَيْنْ

    أبكي مِن حُملي أحياناً..

    أبكي مِن حُزني مِن هَمّي..

    أبكي مِن ناري سيّدتي

    والنار تحُيطُ مِن الجنبَيْنْ

    حُبُّكِ مَزروعٌ في قلبي..

    مثلُ السّكّينِ ، وفي الرّئَتَيْنْ

    لكنَّ الحزنَ يُرافِقنا..

    آهٍ.. آهٍ.. آهٍ..

    أخَذَتنا الموجةُ سيّدتي

    وَرَمتنا في أعماقِ البَحْرْ

    وَغَرِقنا في مأساةِ العُمْرْ

    الحزنُ يسيرُ بأَعصابي..

    وأنا أتَقَلَّبُ فوقَ الجَمْرْ

    ويسيرُ بأَورِدَتي

    وبأَقلامي..

    حتى يتغلغلَ في أوزانِ الشِعْرْ

    وتسيرُ الأَحزانُ..

    بعينيكِ كَبَحْرْ

    قدْ ضاعَ الأَملُ وضاعَ الصَّبْرْ

    قدْ ضاعَ الصَّبْرْ

    سبحانَ الله..

    فبَعدَ العُسرِ يجيءُ الـيُسْرْ

    بعدَ الظلماءِ أتانا الفجْرْ

    وَنجونا سيّدتي.. مِن هذا القَهْرْ

    مِن هذا القَبْرْ

    آهٍ.. آهٍ.. آهٍ..

    لكنَّ فؤادي يا سيّدتي

    يلهَثُ في وَسَطِ الصَّحراءْ

    سبحانَ الله..

    فكيفَ أكون بعمقِ البحرِ..

    وقلبي يلهَثُ ..

    في وَسَطِ الصَّحراءْ؟!!

    لا ظِلَّ هناكَ سِوى ظِلّ فُؤادي

    لا يُوجَدُ إنسٌ أو جِنٌّ.. لا يُوجدُ ماءْ..

    هل يمكِنُ أنْ يحيا قلبي مِن غيرِ الماءْ؟

    مِن غيرِ هَواءْ؟

    مِن غيرِ رَجاءْ؟

    هل يحيا مِن غيرِ لَيالٍ ظَلماءْ؟

    مِن غيرِ الحزنِ القادمِ مِن خَلـفِ العَينَيْنْ؟

    أبَدَاً.. أبَدَاً يا سيّدتي

    لولا عيناكِ..ولولا الليلُ..

    ولولا الحزنُ لما عِشتُ..

    ولا عاشَ فؤادي في حُبّكِ يَومَيْنْ

    *********************


    مَررْتِ في خَيالي

    مَررْتِ في خَيالي..

    فَراشةً بَيضاءَ في خَواطرِ الـجـبالِ

    مَررْتِ يا حَبيبتي

    قصيدةً طويلةً..

    تَبْحثُ عَن شاعِرِها

    وقصَّةً جميلةً..

    تَبْحثُ عَن كاتِبِها

    مَررْتِ كالجوابِ يا أميرتي

    يَبْحثُ عَن سُؤالِ

    مَررْتِ في خَيالي..

    مَررْتِ مثلَ كوكبٍ..

    يدورُ في مَداري

    مَررْتِ كالشهابِ يا حَبيبتي

    يُضيءُ ليلَ غُرفتي..وَداري

    قولي إذنْ..

    قولي أيا أميرتي:

    إِنكِ بانتِظاري

    إِنكِ قد مَررْتِ في خَيالي

    *********************



    حَبيبتي وَالقُدْسُ

    تَـسْريحَةُ شَـعْرِكِ تُـعجِبُني بـاتَتْ... كَـجراحٍ تُـؤلمني
    وَطَــنٌ.. وَبــلادٌ.. أجْـهَـلُها وأفَـتّشُ عَنكِ وعَن وَطَني
    قـــد قـلـتُ أحِـبُّـكِ..سيّدتي فَـتـحَجَّرَ قَـلـبي... كَـالوَثَنِ
    أحـزانُـكِ، لـيـسَتْ أحـزاناً وأنـا.. كَالغارِقِ في الحَزَنِ
    لا يُـوجَدُ صَـدْرٌ فـي الدُّنيا يَـتَحَمَّلُ هَمّي... أو شَجَني
    الـصَّخْرةُ تَبكي..والأقْصى فَـتَعالي قُـدْسُ... وَلا تَهَني
    سُـفُـنٌ... وَبـحـارٌ أجْـهَـلُها فَصَنَعتُ شِراعاً، مِن كَفَني
    وبَـدَأتُ رَحـيلي.. في بَحْرٍ لا مَـرسـى.. فـيهِ يـا سُـفُني
    قـد كُنْتُ وَحيداً في سَفَري فَـأُحِـيطَ فُـؤادِيَ... بـالعَفَنِ
    سَـفَـرٌ... ورَحـيـلٌ أتـعَبَني ما أسرعَ... تيَّارَ الزَمَنِ ‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍
    وَهَـجرتُكِ دَهْـراً يـا حُـبّي فَـنَسيتُ... خَـوازيقَ الثَمَنِ
    أنـــي ضَـيَّـعتُكِ.. سـيّـدتي وَأضَـعتُ عَـناوينَ الوَطَنِ

    *********************



    ذِكرى

    وَعَدتْ.. بأَنْ تأْتي إِلَيّْ

    قالتْ سَتأتي..

    حينَ يغمرُُنا الغُروبُ اللؤلؤيّْ

    وَأنا ببستانِ اشتياقٍ.. مثلُ صوفيٍّ وَلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    إِيقاعُ مَشيَتِها يرِنُّ بمسمَعيّْ

    خُطُواتُها نَغَمٌ ، وَصَوتُ ثِيابِها نَغَمٌ..

    وضِحْكَـتُها.. وأصواتُ الحِلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    والقلبُ في شَوقٍ تـَربَّـعَ في يَدَيّْ

    جاءتْ تُسابـقُها الغيومُ لموعدِي..

    وَتَأَخَّرتْ..

    جاءتْ تُسابـقُها النُّجومُ لموعدِي..

    وَتَأَخَّرتْ..

    مَرَّ الـغُروبُ بصَمتِهِ..

    وَبحزنِهِ الحُلْوِ الشَّهِيّْ

    وَأتى المَساءُ الفُستُقِيّْ

    وَالليلُ جاءَ ،

    يَزيدُ في الأَرضِ احتراقاً..

    وَالنُّجومُ تَزيدُ ناراً في العِلِيّْ

    وَأنا عَلى الكُرسِيّ محُتَرِقٌ..

    أفَكّرُ ، هلْ سَتأْتي _ مِثلما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    أمْ أنـَّهـا كَذَبَتْ عَلَيّْ؟

    لم تأْتِ سيّدتي _كَما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    كَذَبـتْ عَلَيّْ..

    كَذَبـتْ عَلى قَلبي الوَفِيّْ

    مَرَّتْ دُهورٌ عَشرةٌ وَأنا أفَكّرُ..

    هلْ سَتأتي _مِثلما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    مَاذا أقولُ؟..

    بِداخِلي مَطَرٌ، وفي قَلبي اشتياقٌ جاهِلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    لا بُدَّ في يومٍ مِنَ الأَيّامِ..

    أنْ تأتي _ وَلَوْ ذِكرى _ إِلَيّْ

    *********************



    أحِبُّكِ أكثَرَ مِنّي

    أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي

    أحِبُّكِ أكثرَ مِن أيّ إنسٍ..

    وَمِن أيّ جِنِّ

    فَأنتِ حَياتي ، وأقربُ دَوماً..

    إلى القلبِ عَنّي

    فماذا تريديـنَ مِنّي ؟

    وَكيفَ تريدينني أنْ أغَنّي ؟

    وَقَلبي حَزيـنٌ..وَصَوتي حَزيـنٌ

    وَشِعري حَزيـنٌ..

    كَذلـكَ لَحني

    أحِبُّكِ سَيفاً يُقطّعُ أشجارَ حُزنٍ

    وَيَزرعُ أشجارَ حُزنِ

    أحِبُّكِ سَيفاً يُمزّقُ كِبْدي..

    يُمزّقُ كُلَّ شَرايينِ قَلبي..

    يُمزّقُ شِعري وَفَنّي

    يُمزّقُ أهدابَ عَيني

    فَكيفَ تُريدينني أنْ أغَنّي؟

    أحِبُّكِ سِرَّاً..

    يُسافِرُ ما بينَ قَلبي وَبيني

    فَليسَ يُقالُ..

    وَليسَ يُباحُ..وَلكنْ يُغنّي

    أحِبُّكِ سِرَّاً حَزيناً كَحُزني

    أحِبُّكِ...

    كَيفَ تُريدينني أنْ أقولَ:

    (أحِبُّكِ أنـتِ..) ؟

    أحِبُّكِ..

    سَوفَ أقولُ بأَعلى صُراخي وَصَوتي

    أحِبُّكِ أنـتِ..

    فإني وُلِدْتُ بعينيكِ..

    حيَن رَأيتُكِ أوَّلَ مَرَّةْ

    وَأفنَيتُ عُمْرِيَ بينَ الرَّحيلِ..

    وَبينَ الـبُكاءِ..

    وَسَوفَ تَتِمُّ بقلبِكِ كُلُّ مَراسيمِ مَوتي

    فَكيفَ تريدينني أنْ أغَنّي ؟

    أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي..

    لأني أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي

    فإني..

    لأجلِكِ سَوفَ أغَنّي

    وَسَوفَ تَتِمُّ بقلبِكِ

    كُلُّ مَراسيمِ دَفني

    *********************



    رِحلةُ العَذابِ

    لا تـسأَليني عـن مَـتاعِبِ.. رِحـلتي يـا مَـنْ سَـكَبْتِ الـنَّارَ فـوقَ جِراحي
    سَـفَري عَـذابٌ.. طـالَ دونَ مَـحطةٍ أمـحطَّتي.. هـي مَـوطنُ الأَشباحِ ؟
    هــل تـذكرينَ حَـنانَ قـلبي... دائـماً حينَ احْتضنتُكِ تحتَ ريشِ جَناحي
    والآنَ... أصـبحَ كُـلُّ شَـيءٍ ضـائِعاً قــد دَمَّـرَتْـهُ عـواصِفي... وَرِيـاحي
    أسِـلاحُكِ الجرحُ الذي في خافِقي ؟ والـشِـعرُ أصـبحَ مِـدفعي وَسِـلاحي
    وَوَقـعتُ فـي سجنِ الهُمومِ ولم أمُتْ هــا قــد سـألتكِ تُـطلقيَن.. سَـراحي
    لا تـسـأَلـيني... عـــن نِـهـايَةِ حُـبِّـنا فَـأَنا الـذي سَـرَق الـغَباءُ.. وِشـاحي
    فَـهَل انـتِهائي أو دَمـاري في الهوى هُوَ نَصرُكِ الموعودُ.. دونَ كِفاحِ ؟
    بَـكَـتِ الـعـيونُ.. فـأُحرِقتْ أهـدابُها مِــن كََـثـرةِ الأَحــزان... والأَبـراحِ
    حـتى الـخدودُ تـجَوَّفتْ مِـن أدمُـعي والـقـلـبُ شـــابَ... لِـقـلَّةِ الأَفــراحِ
    لا تـقـفلي الأَبــوابَ... بـعدَ دُخـولنا فَـلـقَـدْ وَهـبـتُكِ... بـالـهوى مِـفـتاحي
    هـل تُـشعلينَ الـنَّارَ، بعدَ خُمودِها ؟ وَهَـل الحرائِقُ يا تُرى.. أفراحي ؟
    هـل تُـطفئينَ الـنُّورَ.. بـعدَ رَحيلِنا؟ وأنــا ظـنـنتُكِ.. بـالهوى مِـصباحي
    لَــنْ يـكتُبَ الـقَلمُ الـحزينُ.. قَـصيدةً فَـقَصيدتي احـترقَتْ.. بوهجِ صَباحِ
    ضـاقتْ بِـيَ الـدُّنيا فـهل مِنْ عاشقٍ سَـمِع الأَنينَ بداخلي.. وَصِياحي ؟
    هـل فـكَّرَ الـتاريخُ بِـي.. وَبـمهجَتي أو بـاحـتراقِ الـقـلبِ.. وَالأرواحِ ؟
    سَـفَـري وتِـرحـالي... أحِــنُّ إِلـيهِما وكَــأَنَّـهُ.. شـــوقٌ.. إِلـــى الأَقــداحِ
    فَـسَكِرتُ مِـن خَمْرِ العذابِ برحلتي فـالـكأْسُ كـأْسُكِ.. والـرَباحُ رَبـاحي
    لا تـطـلبي مِـني الـسَّماحَ ، حَـبيبتي إِنــي فَـقَـدتُ مـحَـبَّتي... وَسَـمـاحي

    *********************



    أهْواكِ وَلا تَدرينْ

    إني أهواكِ أيا سيّدتي ..منذُ سِنينْ

    حُبُّكِ يَتغلغَلُ في قلبي...

    مثلَ السّكّينْ

    ويَسيرُ يسيرُ بأورِدَتي..

    وَبأَعصابي...

    وَيُثيرُ عَواصفَ أشواقٍ..

    ويُثيرُ حَنينْ

    حُبُّكِ جَبَّارٌ دَمَّرَني..

    حُبُّكِ مجنونْ

    يا مَنْ أحرقْتِ حُروفَ الضَّادْ

    وَقَتلتِ الهَمْزةَ وَالتنويـنْ

    مِنْ بعدِكِ صارَ الشِعرُ حَزيـنْ

    والقلبُ حَزيـنْ

    يقتُلُني شَغَفي أحياناً..

    يقتُلُني شَوقي أحياناً..

    يقتُلُني حُزني أحياناً..

    لكنْ..

    يـُؤسِفُني أكثَرَ سيّدتي .

    يُـؤلمِنُي أكثَرَ..

    يـُحْزِنـُني..

    أني أهواكِ ولا تَدريـنْ

    أني أهواكِ...

    وَلا.. تَدريـنْ

    *********************


    رحلة إليكِ ( 2 )



    مرَّةً جَديدةً

    وَمرَّةً جَديدةْ
    والشارعُ الحزيـنُ في ضبابِهِ مُلَّبَّدُ
    وقلبيَ الحزينُ..
    في جـِراحِهِ مُقيَّدُ
    يُغرّدُ..
    يُغرّدُ..
    جُرحٌ جديدٌ في فؤادي يُنشِدُ
    أنشودةً حزينةً يُردّدُ
    عَيني أنا..
    في الليلِ دوماً تَسهدُ
    قلبي أنا..
    في الليلِ دوماً يَسهدُ
    لا شَيءَ فينا يَسعَدُ
    ما دُمتِ يا حَبيبتي.. بَعيدةْ
    فَكيفَ كيفَ أسْعَدُ؟
    وَكيفَ ناري في فؤادي تَبرُدُ؟
    ما دُمتِ يا حَبيبتي.. بَعيدةْ
    .. وَمرَّةً جَديدةْ
    رَجَعتُ نحوَ غُرفتي..
    محُطَّماً..
    سَكرانَ لا أصحو.. ولا أستَرقِدُ
    سَكرانَ..
    لا أحيا ولا أستشهِدُ
    رَجَعتُ نحوَ غُرفتي..
    مُلَطَّخاً بالحزنِ والجراحْ
    فَكيفَ يا مَراكبي
    نبحرُ في دُنيا الهوى..
    وَكُلُّها عَواصِفٌ..
    وَكُلُّها رِياحْ؟!!
    مِنْ يومِ أنْ هَجَرتـِني

    تَـأَكَّدي...

    لا ليلَ في عينيَّ أو عينيكِ سوفَ يَرقُدُ
    ولنْ يجيئنا الغَدُ
    مِنْ يومِ أنْ هَجَرتِني..
    ما عادَ في عينيكِ..
    يا صَغيرتي لي مَعبَدُ
    لكنني..

    لكنني بالله يا حَبيبتي مُستنجـِدُ

    بالله يا حَبيبتي..

    أستنجـِدُ

    *********************



    إِلى أمّي
    لِعينيكِ سوفَ أغَنّي
    وأطربُ كلَّ النّساءِ وكلَّ الرجالِ بِفَنّي

    لأَجلكِ أنتِ أغَنّي

    فأنتِ التي تَشعُريـنَ.. بحزني
    لأَجلكِ أمّي..

    فأنتِ التي تَشعُريـنَ.. بِهمّي

    وأنتِ التي تمسحينَ دموعيَ..

    عندَ البُكاءْ

    وأنتِ التي تُرجعينَ الحياةَ..

    الهواءَ.. الفؤادَ.. لقلبِ ضُلوعيَ عندَ الشَّقاءْ

    وأنتِ التي تُوقدينَ شموعَ الحنانِ..

    إذا جاءَ ليلُ الشّتاءْ

    أيا سِتَّ كلّ الحبيباتِ..

    يا سِتَّ كلّ النّساءْ

    تُرى أيَّ شيءٍ سَأهدي إِليكِ؟

    أيكفيكِ قلبي؟

    أتكفيكِ روحي؟

    فأنتِ التي تعرفينَ وأنتِ التي تَشعُريـنَ..

    وأنتِ التي تمسحينَ دموعَ جروحي

    دعيني أنامُ على ركبتيكِ.. كطفلٍ صَغيرٍ

    فإني تعبتُ مِنَ العُمرِ أمّي..

    وناري تحيطُ مِنَ الجانِبَيْنْ

    دعيني أنامُ بحضنِكِ أمي لثانيتينِ اثنَـتـيْنْ

    فإني سأَشكو إليكِ جميعَ هُمومي

    دعي دمعَ حزني وهَمّي..

    وشِعري وقلبي.. يسيلُ مِنَ المقلَتَيْنْ

    أحِبُّكِ يا موطِناً منْ حَنانِ

    يُغنّي..

    فيملأُ كلَّ الدُّنى بالأَغاني

    ويملأُها بالأَماني

    أحِبُّكِ بالصوتِ.. بالصمتِ..

    بالحزنِ.. بالفرْحِ.. بالبحرِ.. بالبرِ..

    بالغيمِ.. بالشمسِ..

    في كلّ شيءٍ فأنتِ كياني

    لِعينيكِ سوف أغَنّي..

    وأكتبُ أحلى قَصيدةْ

    أحِبُّكِ حينَ تكونينَ عنّي بَعيدةْ..

    وحينَ تكونينَ قُربي

    جميعُ النساءِ اللواتي دَخلْنَ فؤادي

    خَرجنَ..

    وأنتِ بقيتِ المليكةَ داخِلَ قلبي

    وأنتِ بقيتِ على العرشِ..

    وحدَكِ داخِلَ قلبي

    *********************



    أفْكارٌ

    هذا أنا.. بجميعِ أفكاري حُزني أنا.. لحَني وَأوتاري
    إِني أحبكِ... يا مُعذّبَتي وأحبُّ في عينيكِ أسفاري
    عيناكِ مُلهِمتانِ لي... أبَدَاً فَصنعتُ مِن عينيكِ أشعاري
    إِني الْتجأْتُ.. إِليكِ سيّدتي فَهَواكِ يكتُبُ.. كُلَّ أقداري
    إِني أحبكِ... والهوى خَطَرٌ قد لا أبوحُ.. بكُلّ أسراري
    غاباتُ صدرِكِ كُلُّها... ثَمَرٌ عَشِقَتْ ثمِارُكِ لِينَ مِنْشاري
    نارُ الهوى.. دَخلتْ لمملَكَتي فَتَكوَّمَتْ نارٌ... على نارِ
    أحْرقتِ كُلَّ قَصائدي غَضَباً وَنسيتِ أحزاني، وأخباري
    إِني سَئِمتُ العَطفَ سيّدتي وَمَللتُ مِنْ قلبي.. وأفكاري
    سافرتُ في عينيكِ دونَ هُدى يا ليتني استكملتُ مِشواري
    فَغَرِقتُ وَحدي في بحِارِهِما وَذَرفتُ مثلَ الطّفلِ أمطاري
    لكنني سَأَعودُ... فانتَظِري لأُعيدَ في عينيكِ.. إِبحاري
    لا تَيْأَسي في الحبّ سيّدتي هذا أنا.. بجميعِ أفكاري
    إِني أحبكِ... والهوى قَدَرٌ وأحِبُّ في عينيكِ أسفاري
    شُكراً لحبكِ… يا مُراوِغَتي فَهَواكِ يكتُبُ.. كُلَّ أقداري

    *********************



    إِلى حبيبةٍ قاسيةٍ
    أحِبّيني..

    وضُمّيني..

    وعيشي في شَراييني

    أنا بالحبّ مجنونٌ.. فكوني مِن مجانيني

    وكوني مثلَ آلافِ الملايينِ

    ومثلَ الوردِ والأَزهارِ في أحلى بساتيني

    فأنتِ الشِعرُ أنتِ النثرُ..

    من قبلِ الدواوينِ

    وأنتِ الماءُ أنتِ النَّارُ..

    أنتِ الدمُّ في أقصى الشرايينِ

    أحِبّيني

    فَنارُ الشَّوقِ تُحرِقُني وَتفنيني

    ونارُ الوجدِ تبدِئـُني وَتُنهيني

    أميتيني على حبٍ.. على حزنٍ وأحييني

    ولا تَنْسَيْ

    قوانينَ الهوى في قلبِ مملكـتي

    ولا تَنسيْ قوانيني

    فتنسيني..

    ولا تَقسي على قلبي ، ولا بالعشقِ تكويني

    أريحيني

    لكي أنسى جروحَ القلب يا قمري ، وضمّيني

    فلن أبقى جَريحاً..

    أو حَزيناً مثلَ أصحابي المساكينِ

    ولن أبقى كقيسٍ أو كمَن _ في الحبّ _ صارَ مِن المجانينِ

    *****

    أحبيني..

    إِلى حدِّ الدَّمار.. إِلى حُدودِ القبرِ والموتِ

    أحبيني فمازالتْ لنا قِصَصٌ

    ومازِلـتِ..

    أحبَّ النَّاسِ يا قمري

    إلى قلبي وأغنِيَتي

    فأنتِ حبيبتي دوماً.. وطولَ العُمْرِ سيّدتي

    أحبيني قليلاً أو كثيراً يا مُراوِغَتي

    أحبيني أيا سيفاً يمزّقُ كلَّ أنسِجَتي

    يمزّقُ كلَّ أوْرِدَتي..

    أحبيني بلا صَمْتِ

    ولا تتقيَّدي بالدّهرِ والوقتِ

    فإني أكره الأَيامَ والأَعوامَ والأَحزانَ يا أنتِ

    فقلبي ماتَ من زَمَنٍ..

    وَلا يأتي

    إليهِ الحبُّ لا يأتي..

    أحبيني.. فقلبي شاشةٌ صُغرى

    بلا لونٍ ولا صوتِ

    وباتَ يَئنُّ في الدنيا..

    بلا وطنٍ بلا مأوى بلا بيتِ

    أحبيني..

    فإنَّ الحزنَ بَكَّاني

    وليلُ الحبّ سَهَّرني وألقاني

    إِلى عينيكِ سيّدتي..

    إِلى وَجَعي وَأحزاني

    إِلى شِعري وألحاني

    ولكنَّ الهوى يَغدو وَينساني..

    ويذبَـحُني وَيدفنني بأشجاني

    فأرداني

    قتيلاً.. في سبيلِ الحبّ أرداني

    وفي عينيكِ..

    بعدَ العمرِ أحياني

    أحبيني ولا تَتَساءلي إنْ كانَ لي وَطَنٌ

    فقلبكِ وحدَهُ وَطَني..

    وهمسُكِ مثلُ ضَوْءِ البدرِ سَهَّرَني

    وشَوَّقَني..

    أنا أحتاجُ سيّدتي

    إِلى قلبٍ مَليءٍ بالحنانِ...

    وبالهوى العذريّ والسُفُنِ

    فلا مرسى بِهِ أنجو مِن الحَزَنِ

    فما أقساكِ سيّدتي! فَحبكِ كادَ يَقتُلُني

    أنا قد عِشْتُ في وَهْمٍ..

    فلن أبقى طَوالَ العمرِ والزَمَنِ

    أنامُ أنا على أذُني

    *****

    أحبيني..

    ولا تتساءلي عن أيّ مُشكلةٍ

    فإني لستُ حلّالاً لِكلّ مَشاكلِ الحبِّ

    وإني مثلُ كلّ الناسِ في حُبي

    وأنتِ الكرُّ أنتِ الفرُّ أنتِ السيفُ..

    أنتِ الترسُ في الحربِ

    ( فوا أسَفي على حبٍ بلا قلبِ )

    ( فوا أسفي على قلبٍ بلا حبِّ )

    مَشاعِرُنا مُعلَّبةٌ.. صَنعناها بأنفُسِنا

    عَواطِفُنا مُكلَّفةٌ..

    وَضِحكـتُنا مُبطَّنةٌ..

    ولهفَتُنا مُثلَّجةٌ ، وبارِدَةٌ ومَيّتةٌ

    وأشواقٌ بنيناها على أسُسٍ مِن الكِذْبِ

    سنشربُ نخبَ قِصَّتِنا التي فيها..

    يَفوزُ الحزنُ والفَشَلُ

    ونكسِرُهُ..

    فما الأَشواقُ ما الأَحزانُ نَصنَعُها؟

    وما العَمَلُ؟

    فليس لقِصَّتي وَلــِحُبِنا أمَلُ

    فكيفَ نعيشُ في مَدٍ وفي جَزْرٍ؟

    وأنتِ البحرُ أنتِ الموجُ سيّدتي..

    وقلبي البَرُّ والطَّلَلُ

    وأنتِ النحلُ أنتِ الوردُ أنتِ الشَّهدُ..

    أنتِ المرُّ والعَسَلُ

    سننهي ما بدأناهُ

    ولن نبقى بمجرى الحبِ..

    لن نبقى بمجراهُ

    فهذا الحزنُ يقتلنا..

    وهذا الحبُّ في صمتٍ قتلناهُ

    وفي قبرِ القلوبِ لقد دفناهُ

    فمِن سوقٍ قديمٍ قد شَريناهُ

    بلا ثَمَنٍ وَبعناهُ

    وقلبكِ ذلك الغَدَّارُ..

    ما أقساكِ سيدتي وأقساهُ!

    دعيني في اللظى وحدي

    فقد غَنَّى

    بقلبي الحزنُ والآهُ

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:59 am

    الشاعر عز الدين المناصرة

    نبذة

    مواليد محافظة الخليل بفلسطين في 11/4/1946
    حصل على شهادة الدكتوراه (ph.D) في الأدب المقارن ـ جامعة صوفيا 1981.
    يعمل منذ يوليو 1995 ـ أستاذا مشاركا بجامعة فيلادلفيا الأردنية
    عاش متنقلا في البلدان التالية :
    فلسطين (1946 ـ 1964)
    الأردن (1970 ـ 1973)
    لبنان (1973 ـ 1977)
    بلغاريا (1877 ـ 1981)
    لبنان (1981 ـ 1982)
    تونس (1982 ـ 1983)
    الجزائر (قسنطينة) (1983 ـ 1987)
    الجزائر (تلمسان) (1987 ـ 1991)
    الأردن (1991 ـ ...)

    صدرت له المجموعات الشعرية التالية:
    يا عنب الخليل 1968 ـ القاهرة
    الخروج من البحر الميت ـ 1969, بيروت
    قمر جرش كان حزينا ـ 1974, بيروت
    بالأخضر كفناه ـ 1976, بيروت
    جفرا, 1981 بيروت
    كنعانيادا, 1983, بيروت
    حيزية ـ ,1990 عمان
    رعويات كنغانية ـ ,1991 قبرص
    لا أثق بطائر الوقواق ـ ,1999 فلسطين
    مجلد الأعمال الشعرية الكاملة ـ (725 صفحة), المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت 1994 (الطبعة الرابعة)

    (باللغة الفرنسية): مختارات من شعره بعنوان (رذاذ اللغة). ترجمة محمد موهوب وسعد الدين اليماني, صدرت عن دار سكامبيت, ,1997 فرنسا.
    (باللغة الفارسية): مختارات من شعره بعنوان (صبر أيوب), ترجمة موسى بيدج, طهران 1997. كما صدرت له الكتب النقدية التالية:
    الفن التشكيلي الفلسطيني, بيروت, 1975
    السينما الإسرائيلية في القرن العشرين, بيروت 1975
    (جمع وتحقيق) الأعمال الكاملة للشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود, دمشق 1988
    المثاقفة والنقد المقارن, عمان 1988.
    الجفرا والمحاورات (قراءة في الشعر اللهجي بفلسطين الشمالية), عمان. 1993
    جمرة النص الشعري, عمان, 1995
    المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب, 1999 عمان.

    جوائز وأوسمة:
    وسام القس, 1993 ـ فلسطين
    جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي 1994 الأردن
    جائزة الدولة التقديرية في الأدب 1995 ـ الأردن
    جائزة (سيف كنعان) 1998 فلسطين

    *****************************



    وجهة نظر

    قال لي

    عن زبد البحر

    بقايا الكلام

    وهو يومئ للنرجسة

    وموضع غمازة الخد

    أنظر إلى مشية الفارسة

    قال لي أنه قارئ الشد

    أكتب عن الخنفساء

    تهرش أطرافك الواهية.

    عن القز والنحل، أكتب عن الساقية.

    في مكاتبها الأبنوس تنم لكي تطعم المتعبين

    عن الطبل والزمر أكتب عن الحاشية.

    تشعلق قلبي طيور الخيام

    أخي، ترجموك إلى كومة من عظام

    أكتب عن الخنفساء

    وهي تدخل في الليل فوق سريرك

    تهرش أطرافك الواهية.

    قال لي - وهو يومئ للراعية:

    عن القز والنحل، أكتب عن الساقية.

    - أراه: لن تتعب الماشية

    في مكاتبها الأبنوس تنم لكي تطعم المتعبين

    قال: وانظر لقبعة الجنرال الموشاة بالمادحين

    عن الطبل والزمر أكتب عن الحاشية.

    قلت : مهلا

    تشعلق قلبي طيور الخيام

    أخي أيها الثلج في طرقات النعاس

    أخي، ترجموك إلى كومة من عظام

    وأنا يانع مثل نعناع مريام صعب المرام

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:02 am

    الشاعرة فدوى طوقان

    فدوى طوقان في سطور



    حياتها :

    ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وفيها تلقت تعليمها الابتدائي ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت من المدرسة لأسباب اجتماعية قاسية، جعلتها تتلقى أول ضربة في حياتها عندما ألقى القدر في طريقها بشاب صغير رماها بوردة فل تعبيراً عن إعجابه بها، وقد وصفت فدوى تلك الحادثة: "كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف، ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة (قولي الصدق)... وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.

    أصدر حكمَه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي كما هدد بالقتل إذا ما تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.

    قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلةً لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم.

    عانت فدوى طوقان قسوة الواقع الاجتماعي الذي قذف بها بعيداً بين جدران البيت السماوي في البلدة القديمة من مدينة نابلس، تنظر إلى نفسها بشيء من الخجل والاتهام، لقد فقدت أحب شيء إلى نفسها (المدرسة) التي أرادت أن تثبت نفسها من خلالها، وحرمت منها وهي في أمس الحاجة لها تصف فدوى طوقان موقف أبيها منها الذي لا يخاطبها مباشرة على عادة الرجال في زمانه- وإنما يخاطب أمها إذا أراد أن يبلغها شيئاً، ثم تقوم أمها بعد ذلك بتوصيل ما يريده أبوها منها، تقول:

    "عاد أبي ذات صباح إلى البيت لبعض شأنه وكنت أساعد أمي في ترتيب أسرة النوم. وحين رآني سأل أمي: لماذا لا تذهب البنت إلى المدرسة؟ “

    قالت: تكثر في هذه الأيام القصص حول البنات فمن الأفضل وقد بلغت هذه السن أن تبقى في البيت . "قال أبي:" حسناً" وخرج!

    كان أحياناً إذا أراد أن يبلغني أمراً يستعمل صيغة الغائب ولو كنت حاضرة بين عينيه، كان يقول لأمي: قولي للبنت تفعل كذا وكذا... وقولي للبنت إنها تكثر من شرب القهوة، فلا أراها إلا وهي تحتسي القهوة ليلاً ونهاراً وهكذا.

    كان أشد ما عانيته حرماني من الذهاب الى المدرسة وانقطاعي عن الدراسة.

    كانت أختي أديبة تجلس في المساء لتحضير دروس اليوم التالي، تفتح حقيبة كتبها وتنشر دفاترها حولها، وتشرع في الدراسة وعمل التمارين المقررة.

    وهماً كنت أهرب إلى فرا

    شي لأخفي دموعي تحت الغطاء، وبدأ يتكشف لدي الشعور الساحق بالظلم.”

    وفي وقت متأخر من ليل الجمعة الثالث عشر من ديسمبر لعام ألفين وثلاثة رحلت فدوى طوقان عن عمر يناهز الخامسة والثمانين من عمرها، بعد رحلة عطاء طويلة أصلت فيها لمرحلة جديدة من تاريخ الشعر الفلسطيني بشكل خاص والشعر العربي بشكل عام.

    علاقة فدوى بأخيها إبراهيم:

    بدأت علاقة الشاعرة بأخيها إبراهيم منذ وقت مبكر من حياتها، وكان بالنسبة لها الأمل الوحيد المتبقي في عالمها المثقل بعذابات المرأة وظلم المجتمع، ورأت فيه الضوء الذي يطل عليها من خلف أستار العتمة والوحشة والوحدة.

    وشكلت عودة إبراهيم من بيروت إلى نابلس، في تموز 1929 ، بعد أن أكمل دراسته وحصل على شهادته من الجامعة الأمريكية ببيروت، عاملاً مساعداً لإعادة بعض الفرح، إن لم نقل الفرح كله، إلى حياة فدوى طوقان، ورأت في قربه منها عاملاً مساعداً في إعادة ثقتها بنفسها، وترسيخ خطواتها على درب التعليم الذاتي الذي ألزمت نفسها به بعد أن أجبرت على ترك المدرسة، تقول:

    “كانت عاطفة حبي له قد تكونت من تجمع عدة انفعالات طفولية سعيدة كان هو مسببها وباعثها.

    أول هدية تلقيتها في صغري كانت منه

    أول سفر من أسفار حياتي كان برفقته

    كان هو الوحيد الذي ملأ فراغ النفس الذي عانيته بعد فقدان عمي، والطفولة التي كانت تبحث عن أب آخر يحتضنها بصورة أفضل وأجمل وجدت الأب الضائع مع الهدية الأولى والقبلة الأولى التي رافقتها.

    إن تلك الهدية بالذات، التي كانت قد أحضرها إلي من القدس أيام كان تلميذاً في مدرسة المطران، تلك الهدية التي كانت أول أسباب تعلقي بإبراهيم ذلك التعلق الذي راح يتكشف فيما بعد بصورة قوية.

    كان تعامله معي يعطيني انطباعاً بأنه معني بإسعادي وإشاعة الفرح في قلبي، لاسيما حين كان يصطحبني في مشاويره إلى الجانب الغربي من سفح جبل عيبال”.

    وبعد إقامة إبراهيم في نابلس بدأ سطر جديد في حياة فدوى طوقان فنذرت نفسها لخدمته والاعتناء به، وتهيئة شؤونه، ورأت في ذلك غاية سعادتها ومنتهى طموحها، وقد بلغ من تعلقها بأخيها أنها كانت تخاف عليه المرض والأذى، فهو الهواء الذي تتنفسه رئتاي كما تقول وكان إبراهيم يبادلها حباً بحب، يأخذ بيدها، ويحاول تخفيف معاناتها، بخاصة عندما عرف بقصتها، وما حل بها من فقدان المدرسة والتزام البيت، تقول: "كان قد علم من أمي سبب قعودي في البيت، لكنه وهو الإنسان الواسع الأفق، الحنون، العالم بدخائل النفس البشرية، نظر إلى ذلك الأمر نظرة سبقت الزمن خمسين سنة إلى الأمام لم يتدخل، ولم يفرض إرادته على يوسف العنيف، لكنه راح يعاملني بالحب والحنو الغامر.

    وظلت تتجمع الأمور الصغيرة لتصبح جسراً ينقلني من حال إلى حال".

    ولم يترك القدر لفدوى هذا السراج الذي لاح مضيئاً في سمائها المظلم، فقد أقيل أخوها من عمله في القسم العربي في الإذاعة الفلسطينية وغادر مع عائلته إلى العراق بضعة أشهر مرض فيها هناك، ثم عاد إلى نابلس ومات فيها، تقول فدوى: "وتوفي شقيقي إبراهيم فكانت وفاته ضربة أهوى بها القدر على قلبي ففجر فيه ينبوع ألم لا ينطفئ ومن هذا الينبوع تتفجر أشعاري على اختلاف موضوعاتها:".

    وانكسر شيء في أعماقي، وسكنتني حرقة اليتم.

    فدوى طوقان والشعر:

    كانت فدوى تتابع أخاها إبراهيم في كتابته للشعر، وتوجيهه للطلاب الذين كانوا يكتبونه، وقد سمعته مرة وهو يحدث أمه عن تلميذين من تلاميذه قد جاءا إليه بقصائد من نظمهما خالية من عيوب الوزن والقافية، فقالت "نيالهم".

    وعندما سمعها إبراهيم، وهي تتكلم بحسرة، كأنها تلومه على عطائه مع تلاميذه وتقصيره معها، فنظر إليها وصمت، ثم قال فجأة: سأعلمك نظم الشعر، هيا معي. كانت أمي قد سكبت له الطعام، ولكنه ترك الغرفة، ولحقت به، وارتقينا معاً السلم المؤدي إلى الطابق الثاني حيث غرفته ومكتبته. وقف أمام رفوف الكتب وراح ينقل عينيه فيها باحثاً عن كتاب معين. أما أنا فكان قلبي يتواثب في صدري، وقد كتمت أنفاسي اللاهثة، دقيقتين، وأقبل علي وفي يده كتاب الحماسة لأبي تمام، نظر في الفهرس ثم فتح الكتاب عند صفحته بالذات، قال: هذه القصيدة سأقرؤها لك وأفسرها بيتاً بيتاً ثم تنقلينها إلى دفتر خاص وتحفظينها غيباً، لأسمعها منك هذا المساء عن ظهر قلب.

    ولم يكن اختيار إبراهيم مجرد اختيار عشوائي فقد اختار لها شعراً لامرأة ترثي أخاها، ثم يقول: لقد تعمدت أن أختار لك هذا الشعر لتري كيف كانت نساء العرب تكتب الشعر الجميل، وبدأت رحلة فدوى طوقان مع الشعر تحفظ القصائد التي يختارها لها إبراهيم، وبدأت تتعلم من جديد في مدرستها التي فتح إبراهيم أبوابها، تقول:

    “ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ، ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة، وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء، خط تلميذة في الثالثة عشرة من العمر، الاسم: فدوى طوقان. الصف: شطبت الكلمة وكتبت بدلاً منها المعلم: إبراهيم طوقان. الموضوع: تعلم الشعر. المدرسة: البيت.

    وبدت مرحلة جديدة في حياة فدوى طوقان، مرحلة تشعر فيها بذاتيتها وإنسانيتها وحقها في التعلم، وتجدد معها ثقتها بنفسها "أصبحت خفيفة كالطائر، لم أعد مثقلة القلب بالهم والتعب والنفس، في لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم. وامتدت مكانه في نفسي مساحات مستقبل شاسع مضيئة خضراء كمروج القمح في الربيع".

    وحاول المعلم أن يختبر رغبة أخته الصغرى في تعلم الشعر، فتوقف عن مراجعتها لفترة محدودة دون أية كلمة عن الدروس، وفي اليوم الرابع راجعته بصوت مرتعش: هل غيرت رأيك؟ ويأتي الجواب منه سريعاً: لم أغير رأيي، ولكنني توقفت لأتأكد من صدق رغبتك في التعلم، سنواصل اليوم الدرس.

    بدأت فدوى طوقان تكتب على منوال الشعر العمودي، ومالت بعد ذلك إلى الشعر الحر.

    آثارها الشعرية :

    صدرت للشاعرة المجموعات الشعرية التالية تباعاً:

    ديوان وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة ،1952م.

    وجدتها، دار الآداب، بيروت، 1957م.

    أعطنا حباً، دار الآداب، بيروت, 1960م.

    أمام الباب المغلق، دار الآداب، بيروت ، 1967م.

    الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م.

    على قمة الدنيا وحيداً، دار الآداب، بيروت، 1973.

    تموز والشيء الآخر، دار الشروق، عمان، 1989م.

    اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م.

    وقد ترجمت منتخبات من شعرها إلى اللغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والفارسية والعبرية.

    آثارها النثرية:

    أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م

    رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م. وترجم إلى الانجليزية والفرنسية واليابانية والعبرية.

    الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.

    الأوسمة والجوائز:

    جائزة الزيتونة الفضية الثقافية لحوض البحر البيض المتوسط باليرمو إيطاليا 1978م.

    جائزة عرار السنوية للشعر، رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1983.

    جائزة سلطان العويس، الإمارات العربية المتحدة، 1989م.

    وسام القدس، منظمة التحرير الفلسطينية، 1990.

    جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة، ساليرنو- ايطاليا.

    جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة - إيطاليا 1992.

    جائزة البابطين للإبداع الشعري، الكويت 1994م.

    وسام الاستحقاق الثقافي، تونس، 1996م.

    جائزة كفافس للشعر، 1996.

    جائزة الآداب، منظمة التحرير الفلسطينية، 1997م.

    نتاج فدوى طوقان الأدبي في الرسائل العلمية :

    أ - الدكتوراه :

    - إنتاج فدوى طوقان الشعري، د. عبد الله الشحام، جامعة مانشستر، انجلترا.

    - سيرة فدوى طوقان الذاتية، مايا فان درفلدن، جامعة أمستردام،هولندا.

    - فدوى طوقان: أغراض شعرها وخصائصه الفنية، د. إبراهيم العلم، الجامعة اللبنانية.

    ب - الماجستير:

    الصورة، أثر الوجدان الإسلامي في إنتاج فدوى طوقان، يحيى الأغا، جامعة القاهرة.

    فرجينيا وولف وفدوى طوقان في السيرة الذاتية لكل منهما (دراسة مقارنة)، سيرين حليلة، جامعة لندن.

    الصورة الشعرية عند فدوى طوقان، خالد السنداوي، الجامعة العبرية.

    فدوى طوقان في سيرتها الذاتية، ناديا عودة، جامعة بون، ألمانيا.

    سيرة فدوى طوقان وأهميتها في دراسة أشعارها، رمضان عطا محمد شيخ عمر، جامعة النجاح الوطنية، نابلس.

    هذا عدا أبحاثٍ ودراساتٍ كثيرةٍ نشرت في الكتب والمجلات والدوريات العربية والأجنبية. وثمة دراسات علمية أخرى صدرت مؤخرا ولم يتسن الاطلاع عليها.

    قالوا عن فدوى طوقان:

    "فدوى طوقان من أبرز شعراء جيلها، وما من شك في أن ما أسهمت به في دواوينها يعد جزءاً هاماً من التراث الشعري الحديث".

    من تقرير لجنة تحكيم جائزة البابطين للإبداع الشعري، 1994م.

    - تميزت فدوى طوقان بروح إبداعية واضحة، وضعت شعرها في مقدمة الشعر النسائي الفلسطيني إن لم يكن في مقدمة الشعر النسائي العربي. "شاكر النابلسي، من مقدمة كتابه "فدوى طوقان تشتبك مع الشعر"

    - فدوى طوقان شاعرة عربية بديعة الأنغام، والتصاوير، والموسيقى، صاحبة موهبة فنية رفيعة بين شعراء وشاعرات الوطن العربي المعاصرين" د. عبد المنعم خفاجي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - كان شعرها صوراً حية لتطور الحياة الشعرية بعد النكبة، ومن يمض في قراءته، ويتدرج معه من حيث الزمان، يجد صورة وجدانية لحياة المجتمع الفلسطيني وتطورها بفعل تطور الأحداث المشتملة عليه". د. عبد الرحمن ياغي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - كانت قضية فلسطين تصبغ جانباً هاماً من شعر فدوى بلون أحمر قان، وكان شعر المقاومة عندها عنصراً أساسياً وملمحاً رئيسياً لا يكتمل وجهها الشعري بدونه". من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - منذ أيام الراحل العظيم طه حسين لم تبلغ سيرة ذاتية ما بلغته سيرة فدوى طوقان من جرأة في الطرح وأصالة في التعبير وإشراق في العبارة "الشاعر سميح القاسم.

    *******************************



    من شواعر الأرض المقدسة فلسطين

    إشراف الأستاذ: خالد خميس فــرَّاج

    إعداد الطالبة: فاطمة سعيــد العلوي

    حياة الشاعرة :

    هي فدوى عبد الفتاح آغا طوقان . ولدت عام 1917 بفلسطين، وتحمل الجنسية الأردنية. تلقت تعليمها الابتدائي في نابلس ثم ثقفت نفسها بنفسها، والتحقت بدورات اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي. وفدوى طوقان كانت عضوا في مجلس أمناء جامعة النجاح بنابلس. وحضرت العديد من المهرجانات والمؤتمرات العربية والأجنبية.

    حصلت فدوى طوقان الشاعرة على عدد كبير من الجوائز، فقد جائزة رابطة الكتاب الأردنيين 1983، وجائزة سلطان العويس 1987، وجائزة ساليرنو للشعر من إيطاليا، ووسام فلسطين، وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 1994. وجائزة كافاتيس الدولية للشعر عام 1996.

    فدوى والشعر :

    تعرفت إلى عالم الشعر عن طريق أخيها الشاعر إبراهيم طوقان. وقد عالج شعرها الموضوعات الشخصية والاجتماعية، وهي من أوائل الشعراء الذين عملوا على تجسيد العواطف في شعرهم، وقد وضعت بذلك أساسيات قوية للتجارب الأنثوية في الحب والثورة، واحتجاج المرأة على المجتمع. ولشعرها مراحل، فقد تحولت من الشعر الرومانسي إلى الشعر الحر ثم هيمنت على شعرها موضوعات المقاومة بعد سقوط بلدها.

    ما صدر عنها من دراسات وبحوث :

    - صدرت عنها دراسات أكاديمية (للماجستير والدكتوراه) في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، كما كتبت عنها دراسات متفرقة في الصحف والمجلات العربية، إلى جانب كتابات أخرى لكل من إبراهيم العلم ، وخليل أبو أصبع ، وبنت الشاطئ وروحية القليني، وهاني أبو غضيب، وعبير أبو زيد وغيرها .

    ومن الكتب الجديدة حول الشاعرة فدوى طوقان كتاب : ( من إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى) ، وهو كتاب جديد يكشف دور الشاعر إبراهيم طوقان في تثقيف أخته عبر الرسائل. وفيه يطالب بها الشاعر إبراهيم أخته الشاعرة فدوى - بمطالب تتعلق باللغة والوزن والصورة، وفي سبيل تطوير أدواتها، وكان المصدر الأول الذي يحقق ذلك هو القرآن .

    وصدر عن دار الهجر للنشر والتوزيع-بيت الشعر-في مدينة رام الله بفلسطين كتاب آخر " رسائل إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى". وعلى هذا الصعيد تكشف الرسائل مدى العنت والجهد الذي يبذله الطرفان للوصول إلى الهدف فهو يرشدها إلى قواعد اللغة والى قوانين الشعر، ويقترح لها فيما تقرأ ، وفيما تكتب ويصحح لها، وحين يطمئن إلى مستوى معقول يدفعها لتدفع بشعرها للنشر.

    الشعر من 1948- 1967 :

    - كانت فدوى طوقان أشهر من عرف في عهد الانتداب من الشعراء وكذلك أبو سلمى الذي استقر في دمشق، وقد تميزت قصائد أبو سلمى بعد 48 باهتزاز الرؤية وفقدان الثقة، أما فدوى طوقان فقد تطورت بشكل مختلف فأغنت الشعر العربي بالشعر الرشيق الذي يعبر عن اكتشاف الأنثى لذاتها .

    مراحل شعـر فدوى طوقـان :

    - فقد نسجت في المرحلة الأولى على منوال الشعر العمودي وقد ظهر ذلك جليا في ديواني(وحدي مع الأيام) و(وجدتها) وشعرها يتسم بالنزعة الرومانسية.

    -وفي المرحلة الثانية اتسمت أشعارها بالرمزية والواقعية وغلبه الشعر الحر وتتضح هذه السمات في ديوانيها (أمام الباب المغلق)و (والليل و الفرسان).

    - بدأت الشاعرة فدوى طوقان مع القصيدة التقليدية العمودية، لتقتنع بعدها بقصيدة التفعيلة، مشيرة إلى أنها تعطي للشاعر فسحة ومجالا أكثر. كما إنها تقول إن قصيدة التفعيلة سهلت وجود شعر المسرح.

    إحدى الأمسيات الشعرية التي حضرتها فدوى طوقان في الإمارات .

    - للشاعرة فدوى طوقان نشاطات على الصعيد العربي والعالمي، وتتحدث الشاعرة فدوى طوقان في أمسياتها عن المعاناة التي لازمتها منذ احتلال اليهود للأرض العربية الفلسطينية، حتى إن كثيرا من قصائدها خرج إلى الوجود من خلال هذه المعاناة. وفي هذه الندوة تقول: إنها مازالت تشعر بالمهانة والإذلال كلما رأت الأراضي العربية تدنس بأقدام اليهود.

    من قصائدها :

    يا نخلتي يحبني اثنان

    كلاهما كـورد نيسان

    كلاهما أحلى من السكر

    وتاه قلبي الصغير بينهما

    أيهما أحبة أكثر؟؟

    أيهما يا نخلتي أجمل؟

    قولي لقلبي ، إنه يجهل

    في الرقصة الأولى

    بين ظلال وهمس موسيقى

    وشوشني الأول

    وقال لي ما قال

    رفّ جناحا قلبي المثقل بالوهم، بالأحلام، بالخيال

    لم أدر ماذا أقول أو أفعل

    في الرقصة الأخرى

    حاصرني الثاني وطوقت خصري ذراعان

    نهران من الشوق وتحنان

    وقال لي قال

    رفّ جناحا قلبي المثقل

    بالوهم، بالأحلام، بالخيال

    وا حيرتي! يحبني اثنان كلاهما كورد نيسان

    كلاهما أحلى من السكر أيهما أحبة أكثر؟

    - وفي ملحمتها (نداء الأرض) تصور فدوى طوقان شيخاً فلسطينياً في لحظة التساؤل المرير عن المصير الذي آل إليه حاله وحال شعبه :

    أتغصب أرضي؟

    أ يسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا

    أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة

    أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

    سأنهي بنفسي هذه الرواية

    فلا بد ، لا بد من عودتي

    كان بعينه يرسب شيء

    ثقيل كآلامه مظلم

    لقد كان يرسب سبع سنين

    انتظار طواها بصبر ذليل

    تخدره عصبة المجرمين

    وترقد تحت حلم ثقيل

    أهوى على أرضه في انفعال يشم ثراها

    يعانق أشجارها ويضم لآلئ حصاها

    ومرغ كالطفل في صدرها الرحب خداً وفم

    وألقى على حضنها كل ثقل سنين الألم

    وهزته أنفاسها وهي ترتعش رعشة حب

    وأصغى إلى قلبها وهو يهمس همسة عتب

    رجعت إلي

    وكانت عيون العدو اللئيم على خطوتين

    رمته بنظرة حقد ونقمة

    كما يرشق المتوحش سهمه

    ومزق جوف السكوت المهيب صدى طلقتين.

    - وتقول فدوى طوقان في قصيدة الأفضال :

    إلي أين أهرب منك وتهرب مني؟

    إلي أين أمضي وتمضي؟

    ونحن نعيش بسجن من العشق

    سجن بنيناه، نحن اختياراً

    ورحنا يد بيد..

    نرسخ في الأرض أركانه

    ونعلي ونرفع جدرانه

    *******************************




    الفدائي والأرض

    كانت فدوى طوقان – في ذلك الزمان العصيب الذي كنا نظنه ذروة المأساة (سبتمبر 1967) فإذا به البداية الكارثية لما نعايشه اليوم في الأرض المحتلة وفي الوطن العربي كله – كانت لا تكتفي بهذه الصرخات الشعرية المدوية ، الرافضة لليل الهزيمة وإعصارها الشيطاني وطوفانها الأسود ، فقد تحوّلت إلى جيش محارب ، طلقاته وذخيرته كلمات مغموسة بدم القلب وعطر الشهداء ، وقصائد متوهّجة بإرادة النضال والبطولة والتحدي ، وانهالت رسائلها الشعرية المقاتلة – التي نجحت في تسريبها سرّاً من نابلس حيث تقيم في الضفة الغربية – إلى أصدقاء لها في القاهرة وبيروت ، ومن العاصمتين تنتقل الرسائل إلى الصحف والإذاعات . بكلماتها في اختراق الأسوار وتوصيل الصوت الفلسطيني الحقيقي إلى كل مكان لتبدّد بعض ظلمات ليل الهزيمة .

    من بين ثنايا هذه القصائد ، وغيرها من شعر فدوى ، كان جمال جديد للعربية يتألق : هو جمال الصدق والعنفوان ، وهو شيء آخر غير جمال البلاغة وروعة الصور والتشبيهات والاستعارات وألوان البيان . جمال مسقّى بنبض الصدق ، واحتراق الحرف ، وزهو اللغة المعبّرة ، وروعة تشكيل القصيدة الشعرية التي يمكن أن تكون تحقيقاً أو رسالة أو وصية أو حوارية أو تصويراً لحادثة أو رجع صدى لموقف أو حالٍ أو كياناً يتشكّل خارج كلّ هذه الأطر والصيغ ، لأن كيان الفجيعة والمواجهة التي تحمل عُرْيها الكامل ، وتلقي بالزيف والتردد والهوان واللامبالاة .

    وما أشدّ حاجة شعرنا اليوم إلى هذا الجمال النبيل الفريد ، جمال الصدق والمواجهة ، وجمال ارتفاع قامة المبدع إلى مستوى لغته القومية ، وارتفاع قامة اللغة التي يبدعها إلى مستوى الشموخ والكبرياء .

    وليبارك الله في عُمر هذا الكنز الجميل : فدوى طوقان ، إنسانةٌ ومبدعة !

    *******************************




    رحلة جبلية - رحلة صعبة

    تروي الشاعرة فدوى طوقان في سيرتها الذاتية "رحلة جبلية – رحلة صعبة"، التي صدرت عام 1985، تروي فيها تفاصيل طفولتها وشبابها ونضوج تجربتها الشعرية وتنتهي بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في حزيران 1967.

    أصدرت فدوى الجزء الثاني من سيرتها الذاتية بعنوان "الرحلة الأصعب" عام 1993، وفيه تروي عن حياتها وحياة شعبها خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي.
    في القطعة التالية تصف فدوى بأسلوب قصصي جميل أولاً ، تعدي أفراد أسرتها عليها في طفولتها الباكرة ، ثم مساعدة أخوها لها وتعاطفه معها في سعيها لقرض الشعر .

    " .... عشر مرات حملت أمي . خمسة بنين أعطت إلى الحياة وخمس بنات ، ولكنها لم تحاول الإجهاض قط إلا حين جاء دوري . هذا ما كنت أسمعها ترويه منذ صغري.

    كانت مرهقة متعبة من عمليات الحمل والولادة والرضاع . فقد كانت تعطي كل عامين أو كل عامين ونصف العام مولوداً جديداً . يوم تزوجت كانت في الحادية عشر من عمرها ، ويوم وضعت ابنها البكر كانت لم تتم الخامسة عشرة بعد. واستمرت هذه الأرض السخية - كأرض فلسطين - تعطي أبي غلتها من بنين وبنات بانتظام .

    أحمد - إبراهيم - بندر - فتايا - يوسف - رحمي .. كان هذا كافياً بالنسبة لأمي ، وأن لها أن تستريح ، لكنها حملت بالرقم السابع على كره . وحين أرادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبثاً في رحمها تشبث الشجر بالأرض ، وكأنما يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي المضاد.

    ولأول مرة في حياتهما الزوجية ينقطع أبي عن محادثة أمي لبضعة أيام . فقد أغضبته محاولة الإجهاض . كان المال والبنون بالنسبة له زينة الحياة الدنيا ، وكان يطمع بصبي خامس . لكني خيبت أمله وتوقعه .

    أصبح لديه الآن ثلاث بنات مع البنين الأربعة ..وتبعني فيما بعد أديبة ثم نمر ثم حنان . فاستكملنا العدد (عشرة).

    لا تحمل ذاكرتي أية صورة لأول يوم دخلت فيه المدرسة . كما أنها لا تحتفظ بذكرى المرحلة الأولية التي تعلمت فيها قراءة الحروف وكتابتها . ولكن الذي أذكره بوضوح هو استمتاعي دائماً بمحاولة قراءة أي شيء مكتوب وقع عليه بصري .

    لم يكن في نابلس أكثر من مدرستين للبنات ، (المدرسة الفاطمية) الغربية و(المدرسة العائشية) الشرقية . وكان أعلى صف هو الخامس الابتدائي . في (المدرسة الفاطمية) تمكنت من العثور على بعض أجزاء من نفسي الضائعة . فقد أثبت هناك وجودي الذي لم أستطع أن أثبته في البيت . أحبتني معلماتي وأحببتهن ، وكان منهن من يؤثرني بالتفات خاص. أذكر كيف كان يشتد خفقان قلبي كلما تحدثت معي معلمتي المفضلة (ست زهرة العمد) والتي أحببتها كما أحب واحدة من أهلي في تلك الأيام . كانت جميلة وجهاً وقواماً ، وكانت أنيقة ، شديدة الجاذبية.

    لا أذكر أن واحدة من معلماتي تركت في نفسي ذكرى جارحة أو أثراً لمعاملة سيئة على مدى السنوات القليلة التي أمضيتها في المدرسة . لقد أشبعت المدرسة الكثير من حاجاتي النفسية التي ظلت جائعة في البيت . أصبحت أتمتع بشخصية بارزة بين معلماتي وزميلاتي . وكان من دواعي سعادتي أن معلمة اللغة العربية بين معلماتي أحياناً تلقي على مهمة تدريس التلميذات المتخلفات في الصف .

    لقد أصبحت المدرسة أحب إليَّ من البيت والمكان الأكثر ملائمة لي . وفي المدرسة عرفت مذاق الصداقة وأحببته . كانت رفيقة مقعدي الدراسي تلميذة في مثل سني اسمها "عناية النابلسي" وكانت أحب صديقاتي إليّ وأقربهن إلى نفسي.

    *******************************




    ذاكرة تليق بفدوى طوقان

    بقلم علي الخليلي

    يليق بفدوى طوقان أن تحمل لقب "سنديانة فلسطين"، و"أم الشعراء"، و "الجبل الثالث في نابلس". ويليق بها أن تحمل اسم "شاعرة العرب" في هذا العصر. ويليق بها أن م تكون الشاعرة العربية في مختلف العصور. ليس ثمة في الذاكرة الشعرية العربية، من ألف سنة إلى الآن، شاعرة بحجم فدوى طوقان. تمتلئ هذه الذاكرة الخصبة بأسماء وألقاب عشرات، وربما مئات الشعراء الذين يتربع على رأسهم "المتنبي"، إلا أن القائمة الطويلة لهؤلاء الشعراء، من الماضي البعيد، إلى الحاضر الراهن، لا تشتمل على امرأة عربية شاعرة في أي عصر، استطاعت أن تخترق الصفوف، وأن تذلل الصعاب الكثيرة، لتتبوأ القمة العالية، سوى فدوى طوقان، في هذا العصر.

    على مدار ثلاثة أجيال، في زمن العتمة والخوف والنكبات، واصلت فدوى طوقان رحلتها "الجبلية الصعبة"، ثم رحلتها "الأصعب"، قصيدة بعد قصيدة، ومعاناةٍ إثر معاناة، على الطريق نحو القمة التي هي قمة شعبها وأمتها وقضيتها الفلسطينية،. ولعلها قمة الإنسانية بشكل عام. القمة في الشعر، والقمة في الإصرار على الوصول إلى الفيض المتوهج في قلب الأرض، وفي قلب الإنسان. والقمة في الانتصار على العتمة والخوف والنكبات.

    سيدة الشعر العربي المعاصر فدوى طوقان، تستريح الآن على هذه القمة، حيث لا شأن للموت في هذا المعنى. ولكنه شأن الحياة المستمرة في حركة قصائدها، جيلاً بعد جيل. شأن الوعي المتجدد بالقصيدة الفلسطينية التي جعلت منها فدوى طوقان ضميراً لفلسطين الوطن، وفلسطين الحق، وفلسطين الحرية والعدل والثورة والاستقلال.

    وإذا كانت الطائرات والدبابات والجرافات الإسرائيلية العدوانية ما تزال تحاول محاصرة هذا الضمير بالقتل والإرهاب والتدمير على امتداد فلسطين، فإن روح القصيدة الفلسطينية، روح فدوى طوقان، تملأ المكان والزمان، خصباً ونماءً وإشراقاً، في مواجهة الخراب والدمار.

    قال موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق: إن كل قصيدة من قصائد فدوى طوقان تصنع عشرة فدائيين، وقد انطوى ذلك الوزير الاحتلالي الاستيطاني واندثر، في الوقت الذي أصبح فيه الفدائيون بالآلاف. فدائيون يصنعهم الشعر، من أجل عشبة خضراء تنمو في شقوق الأنقاض التي تطحنها جرافات إسرائيل. وفدائيون يتذوقون الحكمة والجمال والفرح، من أجل حمامة بيضاء حلمت بها فدوى طوقان. وفدائيون يقدسون الحياة، من أجل أطفال يلعبون ويمرحون، ولا يسقطون برصاص وقنابل إسرائيل. وفدائيون من أجل "رقيّة" اللاجئة الفلسطينية التي يجب أن تعود إلى بيتها، وملاعب صباها، دون قيد أو شرط .

    تطل فدوى طوقان، في كل صباح، على الناس أجمعين، في "الياسمينة" و"القريون" و"باب الساحة" و "المخفية" بنابلس، وفي "خان الزيت" بالقدس، وفي حيفا ويافا وعكا والناصرة. وفي القاهرة ودمشق وعمان وبغداد وبيروت، وتونس. وفي لندن وروما وباريس. وفي كل أرض، حيث لا حدود ولا سدود بين الناس في القصيدة التي تحملهم إلى أعماق إنسانيتهم وشغفهم بالمستقبل الأجمل والأفضل .

    من "وحدي مع الأيام"، إلى "وجدتها"، إلى "أعطنا حباً"، إلى "أمام الباب المغلق"، إلى "الليل والفرسان"، إلى "على قمة الدنيا وحيداً"، إلى كل مجموعاتها الشعرية المتدفقة، تأخذ فدوى طوقان بأيدينا إلى ينابيع الحياة، فنعرف أننا قادرون على الثبات ضد الزلزلة، وعلى الفرح ضد الحزن والكآبة، وعلى الأمل ضد اليأس، وعلى الانتصار ضد الهزيمة. ونعرف أن التطور الذي أحدثته فدوى طوقان في أشكال هذه الينابيع/القصائد ومضامينها، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في العراق، وصلاح عبد الصبور في مصر، وسلمى خضراء الجيوسي في فلسطين، في مرحلة مبكرة، هو أيضاً، تطور لحركة المرأة العربية على وجه التحديد، في مواجهة التهميش والانغلاق والعزلة، وتطور في أشكال المجتمع العربي ومضامينه كلها، على طريق حضاري لا يعرف الخوف أو الانكسار.

    ينابيع باقية إلى الأبد ، لا تجف ولا يسممها الاحتلال أو يدمرها بأنياب جرافاته ومخالبها، وقنابل وصواريخ طائراته ودباباته. ينابيع فياضة تؤكد في كل صبح، وفي ولادة كل طفل، وزنبقة، وسنبلة قمح، وفراشة، وقطرة ندى، أن هذا الاحتلال زائل، وأن القصيدة الفلسطينية المشبعة بروح فدوى طوقان أقوى من همجية جنرالات إسرائيل وترسانتهم العسكرية الوحشية، وأقوى من قيود العزل والاستلاب .

    لنا أن نحزن برحيل سيدة شعرنا كله، ولنا أن نقف معها على القمة، متشبثين بالبذور التي أنشأتها ورعتها فينا، وأن نجعل منها عطاءً مستمراً ملء الكون كله .

    *******************************




    حلقة خاصة مع الشاعرة

    طالما قرأنا دواوينها وقصائدها، حزن روحها المستتر وراء كل حرف وكلمة في تلك القصائد شدنا لشعرها ونحن لم نزل في مرحلة من العمر لا تسمح لنا بالتفكير ماذا سنكون في المستقبل، ومرت الأيام وتخرجنا صحافيات من الجامعة التي كتبت هي نشيدها وكان اليوم الذي جمعنا بها في مقابلة صحافية، دخلنا بيتها استقبلتنا واقفة رغم وضعها الصحي السيئ الابتسامة تعلو شفتيها، وتلوح وراء كل تجعيدة في وجهها قصة من قصص حياتها، وحيدة في البيت الكبير بعد عمر طويل، وحدة تنبئتها وعاشتها حتى وهي بين عائلتها، في وحدي منع الأيام وأنا وحدي مع الليل،وعلى قمة الدنيا وحيدا، وقبل أن نطرح الأسئلة التي بذلنا جهدا كثيرا لتكون على مستوى الشخصية، كان لا بد من دردشة فأخذتنا معها إلى حياتها الأولى التي هي باختصار تأريخ لحياة شعبها، فمن المنزل الذي عاشت به دون أن تتمكن من اتخاذ قرار لإكمال دراستها إلى سنوات الهزيمة والرايات البيض والتي أخرجتها من ذاتيتها، إلى وحدتها في بيت كبير برفقة ذكرياتها ودواوين شعرها، وصورة أخيها إبراهيم صديقها الذي لم تمهلها الدنيا لاكتشاف حلاوة طعم الصداقة معه، بجانبها.
    ولخصت سنوات العمر الطويل بكلمات بخط يدها على غلاف ديوانها الأخير،" اللحن الأخير "

    "أساء ألي الزمان كثيرا كثيرا
    إذ اقتاده في مسار حياتي وحشاً خطير
    وشراً كبيراً كبير "

    وبدأنا بالحديث عن الشعر والانتفاضة والثورات ودور الشاعر في تلك الثورات، كونها عايشت ثورات وجرح فلسطين الأول وإلى الآن، وكيف ناضل الأديب الفلسطيني إلى جانب الثائر جنب إلى جنب.

    * أين فدوى طوقان من الانتفاضة الحالية؟

    - أنا متابعة لما يحدث على الساحة الفلسطينية , لكن بسبب المرض الذي ألم بي "الجلطة" فقد أثرت على بصري, أتابع الأحداث من خلال التلفاز لسماع الأخبار, بالرغم من ذلك فقد كتبت في ديواني الأخير أتحدث فيه عن أحلام السلام المستحيل مع اليهود.

    * ما هي إنتاجاك في هذه المرحلة ؟

    - الواقع أن مرضي اثر علي تأثيرا كبيرا على إنتاجي الأدبي , فلم انتج أي شيء, حيث آخر إنتاج لي كان " اللحن الأخير" وهو مجموعة أشعار عاطفية أتحدث فيها عن عاطفتي في أيام الكبر, والتي اعتبرها أيامي الأخيرة . فلم استطع الكتابة لأنني خائفة من المستقبل , ماذا سيحصل معي وينتابني قلق كبير مما يؤثر كثيرا على كتاباتي.

    كيف ترسم الأديبة الشاعرة فدوى طوقان تصورها للانتفاضة الحالية إيجابا أم سلبا؟

    استمرار الانتفاضة ضروري جدا, فتوقفها يفرح الأعداء كثيرا , يجب أن يكون لدينا نظرة إيجابية حيالها, وان لا نكون سلبيين في تعاملنا مع هذا العدو الشرس, الذي تتكاثف فيه كافة الأحزاب الإسرائيلية بالرغم من خلافاتها الكبيرة من اجل تهبيط عزائم وإخماد جذوة الانتفاضة , ونحن بأشد الحاجة أن يكون لدينا هدف واحد من اجل نيل حقوقنا المشروعة.

    * أن تعاصر الشاعرة ثورات متعددة لكل منها ظروفها وملابساتها , هل يفرض عليها نوعا أو اتجاها معينا للكتابة؟

    - كل ثورة من هذه الثورات وكل مرحلة نضالية كانت تحمل خصوصية في ملابساتها , وفي شخصيتها وقادتها , لذلك كانت الأوضاع تفرض نفسها على كل قصيدة تكتب حسب المرحلة والمكان والأشخاص, حتى أن بعض القصائد كانت تفقد معناها نتيجة لبعض الأحداث السياسية , فمثلا ثورة فوزي القاوقجي في الثلاثينيات ثارت في خيالي ومشاعري فككبت على نظم قصيدة تعكس انبهار الصبية الرومانسية بشخصية قائد الثورة الأسطوري ولكن مع خمود الجماهير له مع مرور الأيام تضيع القصيدة المبهورة . ألا أن أشعار كل هذه الثورات السابقة تحمل في مضمونها نفس الهدف والفكرة , وبما أن الطرف الآخر في هذه القصائد هو العدو الأوحد لنا جميعا يتكرر الكره له في كل بيت وكل مقطع , فان خلود هذه القصائد باق ما بقي العدو وبقيت الروح النضالية موجودة في قلب كل مقاوم.

    * هل هناك فرق بين الوطني المقاتل في ساحة المعركة وبين الكاتب والأديب والشاعر الذي يناضل من اجل نفس القضية؟

    - في اعتقادي أن دور الشاعر والأديب لا يقل أهمية عن دور المقاتل في ساحة المعركة, فالشاعر الوطني الذي ينظم الشعر الحماسي يكون دافعا قويا لهؤلاء المقاتلين للصمود والاستبسال في المعركة, واذكر في هذا السياق أن في خلال حرب 67 قرأت قصيدة في الإذاعة بعنوان " لن ابكي" وكانت هذه القصيدة حماسية لدرجة أن مجموعة من المقاتلين سمعوها وعندما انتهت القصيدة قام أحدهم واحضر مصحفا واخذوا يحلفون عليه واحدا تلو الآخر, أن يقاوموا حتى النهاية وان لا يستسلموا أبدا.

    * حسب اعتقادك هل ما زال شعر المقاومة يعبر عن وضع الانتفاضة الحالية مقارنة بالثورات والانتفاضات السابقة؟

    - محمود درويش, سميح القاسم, توفيق زياد, من ابرز شعراء المقاومة الفلسطينية, كتبوا أشعارا ساعدت كثيرا على دفع المقاومة إلى الإمام ودعم الثورات والانتفاضات السابقة, وأنا ضد من بقول أن شعر المقاومة ذهبت مناسبته لأنه شعر حقيقي وصادق ويصلح لكل ثورة فلسطينية في أي زمان كان, لأنه حالة فريدة من الشعر تخص مقاومة الشعب الفلسطيني ذاته.

    في ظل هذه الانتفاضة وما شملته من حصار واغتيالات هل للأديب أو الشاعر نفسية خصبة للكتابة ؟

    اعتقد أن ما يشاهده الشاعر من أحداث يومية تهز مشاعره وكيانه, وتفتح له آفاق عديدة للكتابة, فأنا عندما كنت اجلس أمام التلفاز واستمع لأخبار الحروب والقتل , أتخيل أن الكرة الأرضية عبارة عن فنجان من القهوة احمله واقلبه واسكب معه كل شعوري وعواطفي وانفعالاتي لم أشاهد , هذه الفكرة ألهمتني قصيدة باسم " هذه الكوكب الأرضي" ألقيتها في مهرجان جرش أهديتها لصديقتي الأديبة حياة الحويطي.

    ومما قلته في هذه القصيدة :

    لو بيدي

    لو أني اقدر أن اقلبه هذا الكوكب

    أن أفرغه من كل شرور الأرض

    أن اقتلع كل شرور البغض

    * في فترة السبعينيات اتهمت فدوى طوقان بأنها شاعرة ذاتية , ماذا تقولين بذلك؟

    - هذا صحيح, فقد كان يتهموني بآني شاعرة ذاتية اكتب شعرا عن تجربتي الذاتية في الحياة , لكن القارئ لسيرتي الذاتية يعرف لماذا كان ذلك, فطريقة نشأتي وتجربتي الشخصية وهي أن الإنسان خلق وحيدا ويتعذب وحيدا ويموت وحيدا وأنا انظر إلى معاناتي فأجد أن لا أحد يتعذب معي فأنا لوحدي , وهذا كله جعلني اكره وحدتي خاصة أن الإنسان والشاعر بالذات لا يتكامل إلا مع الجماعة . وهذا الشعور لم يعد لي إلا بعد حرب حزيران حيث عدت لها, فالاحتلال الإسرائيلي ارجع إلى الإحساس بنفسي ككائن اجتماعي, فقد كنت بسببه التقي بالجماهير الشعبية, عرفت القيمة والمعنى الحقيقي الذي يتحمر في دنان الشعب.

    * هل يمكن اعتبار الطفرات الإبداعية التي حظيت بها الثورات والانتفاضات الماضية ظواهر أخذت بالاندحار مع كل مرحلة؟

    - الإبداعات لا تنتهي بأي جيل والمواهب موجودة, وقد تكون أفضل من شعراء كبار نعرفهم , لكن المشكلة في قلة الثقافة وقلة الاتجاه نحو تعميق الثقافة عند الشعراء والأدباء وزيادة الاطلاع, بالإضافة إلى أساليب قد تكون سياسية تمنعهم من كشف أعمال غاية الإبداع بسبب الموقف السياسي من هذه الأعمال.

    * كيف يمكن للأدب العربي والإسلامي استثماره في مواجهة تشويه الأعمال الأدبية العربية وخاصة الفلسطينية خلال هذه الفترة؟

    - أننا في الوطن العربي والإسلامي نمتلك مخزونا ثمينا من الذخائر الثقافية والأدبية في مجال الشعر والنثر, كل جزئية منها تعبر عن معاناة الشعوب حتى الاحتلال والقهر خاصة الذي يتعرض له الفلسطينية في شتى مراحل ثوراته, وان محاولات الجهات الصهيونية الرامية إلى تشويه هذا الإنتاج الثقافي." هنا توقفت لبرهة من الوقت للاستراحة لأنها شعرت بالدوخة لمدة 10 دقائق ولكنها أبت إلا أن تستمر وبإصرار".وهذه القصائد الخالدة لن تنجح إذا ما وجهت بوقفة مقابلة من قبل الأدباء والمثقفين العرب والمسلمين الذين اثبتوا في الكثير من الدول العربية والإسلامية, وفي مواقف مختلفة خاصة في الانتفاضة دعمهم للمقاومة ومقاطعتهم كافة أساليب التطبيع مع العدو الصهيوني, كما أن ما يتوفر لشعراء وأدباء اليوم من وسائل الأعلام وأساليب النشر يستطيعون بها إيصال ما يريدون من شتى أنحاء العالم يساعد في فضح الممارسات الصهيونية ورد محاولة التشويه التي يتعرض لها الإنتاج الثقافي العربي الإسلامي.

    انظر إليهم في البعيد

    يتصاعدون إلى الأعالي, في عيون الكون هم يتصاعدون

    وعلى جبال من رعاف دمائهم

    هم يصعدون ويصعدون

    كلمات أفردتها فدوى طوقان لأطفال الحجارة, تلك الفئة الأسطورة التي استطاع القليل القليل من الشعراء والأدباء إيفاءهم بعض حقهم في الوصف.

    * فقدان الشعور بالأمومة هل اثر على كتابتك للأطفال الفلسطينيين والأطفال بشكل عام؟

    - الأطفال يشكلون شيئا أساسيا في حياتي وأكن لهم عاطفة قوية, على الرغم من أنني لم انجب أطفالا, وتعلقت بأحد الأطفال وهو الآن ابن لقريبي لدرجة قوية, إذ جاءت أمه يوما لتأخذه فإذا به يحضنني ويصرخ ويبكي فشعرت انه قد دخل قلبي من يومها وأنا اعزه كثيرا, ووضعت صورته على الجدار في معيشتي.

    هذه إن كانت حادثة صغيرة إلا أنها أثرت في كثيرا, إذ أن أجمل ما في الحياة الشعور بعاطفة الأمومة, هذا المستوى الشخصي, من جهة أخرى فان الظاهرة التي عرفت فيما بعد لأطفال الحجارة, أبهرتني وجعلتني افرد لها قصائد كثيرة اعبر فيها عن مدى حبي لهذا الجيل المختلف في كل شيء في طموحه ومقاومته وصبره وبراءته وقدرته على التصدي باعتني القوى العسكرية التي لم تستطع على مجابهتها دول, فكان لأطفال الحجارة دورا رائدا في إذلالها وفضح سياستها أمام العالم.

    فكتبت أيضا من قصيدة "شهداء الانتفاضة"

    لن يمسك الموت الخؤون قلوبهم

    فالبعث والفجر الجديد

    رؤيا ترافقهم على درب الفداء

    انظر في انتفاضتهم صقورا, يربطون الأرض

    والوطن المقدس بالسماء

    * في فترة توقف إنتاجك الشعري هذا كيف ترين الاهتمام ببدوي طوقان الإنسانة؟

    - أنا غنية باهتمام ورعاية الناس لي, فأنا اجتماعية وعاطفية مع الناس أحبهم أتعاطف معهم, ولدي الكثير من الصداقات في هذه الفترة بالذات فترة مرضي شعرت حقا بمدى حب الناس لي ولمست ذلك من خلال الزيارات يوميا كالمطر علي, أما الاهتمام من الجهات الرسمية كان كبيرا فجامعة النجاح الوطنية كرمتني بإعطائي الدكتوراه الفخرية هذا بالإضافة إلى الجوائز المادية التي احصل عليها فالشيخ عبد الله العويسي من الشارقة قدم لي جائزة بقيمة 100الف دينار , وهناك العديد من الجوائز لا اذكرها, فأنا غنية والحمد لله معنويا وماديا .

    *******************************



    قصائد مختارة

    هدية لقاء في حيفا

    "إلى شعراء المقاومة في الأرض المحتلة منذ عشرين عاماً .. " (4 / 3 / 1968)

    على أبوابِ يافا يا أحِبائي

    وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ

    وقفْتُ وقلتُ للعينين :

    يا عينين قِفا نبكِ

    على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها

    تُنادي مَنْ بناها الدارْ

    وتَنعى مَنْ بناها الدارْ

    وأنَّ القلبُ مُنسحقاً

    وقال القلبُ :

    (ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟

    وأينَ القاطنونَ هُنا ؟

    وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي ، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟

    هُنا كانوا ، هُنا حلموا

    هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي

    فأينَ الحُلْمُ والآتي ؟ وأيْنَ هُمُو ؟

    وأيْنَ هُمُو ؟)

    ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ

    ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو

    وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ

    وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ

    غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ ، وكان

    يُحوِّمُ في حواشيها

    يمدُّ أُصُولَه فيها

    وكانَ الآمِرَ الناهي

    وكانَ ... وكانْ ...

    وغُصَّ القلبُ بالأحزان

    كان حمزة

    واحداً من بلدتي كالآخرين

    طيباً يأكل خبزه

    بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبينْ

    قال لي حين التقينا ذات يوم

    وأنا أخبط في تيهِ الهزيمة :

    اصمدي ، لا تضعفي يا بنةَ عمي

    هذه الأرضُ التي تحصدها نارُ الجريمة

    والتي تنكمشُ اليوم بحزنٍ وسكوتْ

    هذه الأرض سيبقى

    قلبُها المغدورُ حياً لا يموتْ

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:04 am

    الشاعر مازن دويكات


    نبذة

    شاعر وكاتب , مواليد عام 1954م في نابلس – فلسطين.

    ـ دبلوم مساحة وحساب كميات. ـ عضو مؤسس في ملتقى بلاطة الثقافي في نابلس.

    ـ عضو هيئة إدارية في اتحاد الكتاب الفلسطينيين.

    ـ عضو هيئة إدارية في مركز اغاريت للثقافة والنشر.

    ـ عمل سكرتير تحرير لمجلة نوافذ الصادرة عن دار الفاروق للثقافة والنشر في نابلس.
    ـ عمل مشرفاً على مجلة الملتقى الأدبية التي تصدر عن ملتقى بلاطة الثقافي في نابلس.
    من أعماله:-
    1- أناشيد الشاطر حسن، قصائد للأطفال، جمعية الأطفال العرب ـ حيفا 1994.
    2- المسرات ـ قصائد ـ ملتقى بلاطة الثقافي ـ نابلس 1996.
    3- مائة أغنية حب ـ قصائد ـ دار الفاروق ـ نابلس 1997.
    4- والحكي للجميع ـ مسلسل إذاعي أذاعته إذاعة فلسطين 1997.
    5- الثيران الثلاثة ـ قصة شعرية للأطفال ـ دار الفاروق ـ نابلس 1998.
    6- صابر الجرزيمي ـ نصوص ساخرة ـ اتحاد الكتاب الفلسطينيين ـ القدس، ودار الفاروق ـ نابلس 1998.
    7- قراءات في جدارية محمود درويش ـ مع آخرين ـ ملتقى بلاطة الثقافي ـ نابلس 2002.
    8- مرايا البعد الثالث ـ نصوص ـ ملتقى بلاطة الثقافي ـ نابلس 2001.
    9- حارس الغابة ـ قصة شعرية للأطفال ـ منشورات مركز أوغاريت للنشر والترجمة 2001.
    10- وسائد حجرية, قصائد ـ منشورات مركز أوغاريت للنشر والترجمة 2003
    11- حرائق البلبل على عتبات الوردة، عمل مشترك مع عفاف خلف ـ منشورات مركز أوغاريت للنشر والترجمة 2004
    12- احتفال في مقهى الخيبة, مجموعة قصصية مشتركة

    *******************************



    المجنون

    وميضٌ يغسلُ الشرفات

    فليهبط غبار مدينة الموتى على الأسوار

    أنت من التراب فعدْ إليه

    وخذْ وصيتك الأخيرة

    من صهيل الغيم في البستان

    من بوح الحمامة فوق سطح الدار

    كيف تكونني وأكونها الأزهار

    من ملأ الإناء بدمعه

    هذي الغمامة أم أنا!

    فكأنني ملئ الحديقة في اشتعالات الخريف

    وكأنها في خامتي الأولى العجينة والخميرة

    والأرض سلتنا الصغيرة

    كم نسينا على طرف الرصيفْ

    أمضي وأحمل تبغ يومي والرغيفْ

    قفْ يا غريب الدار، حدقْ

    زهرتي محنية فوق الأصيصْ

    وتشمني بتويجها العالي

    تقدم أيها الموت الرخيصْ

    وانشرْ على الأحواض أجنحة الرحيلْ

    والآن دعني لحظة

    فوق السياج شذاً أسيلْ

    الأفق مباحٌ

    والأرض مباحه

    والمجنون كهيئة طيرٍ

    مدّ جناحه

    أين يطيرُ وأين يسيرْ

    والفسحة غير متاحهْ

    معصوب الروح أتى

    وافترش الساحة

    في المخلاة رغيفان وتفاحةْ

    وقصيدة شعر

    تنـزف في الليل جراحه

    ارتوت الصحراء فشب على عجلٍ

    قصبُ الواحةْ

    أأنا بوح الناي

    أم حنجرة المجنون الصدّاحة((

    فكأن لي في الأرض متسعٌ

    أعينني كي أقوم إذن وأدفن بذرتي

    رعدٌ يحكُ رحيقها

    تفاحة المجنون ضاحكة

    لقد جُنت شوارعنا

    ومن حملهم على هذا الدمار

    ومن يرمم ما تبقى، زهرة الحمقى

    بكامل طيشها وبهائها

    مطرٌ تدافع في عراء الروح

    قلتُ إذن توقف أيها المجنون، ليس لدي متسع

    أحاول أن أرمم جرة الفخّار

    بئري بعد أن وصلوا تسمم ماؤها

    سرقوا من القطرات زمزمها الجليل

    لا ماء من شهوات " دفنا" سوف ينبجسُ

    إلا بقية دمعة ضنت بها دهراً

    لتذرفها على الشهداء في العرس الأخير

    والنارُ فاتحة على القتلى

    وخاتمه بلا شفتين تتلى

    كلما اشتعلتْ بحقل الثلج سنبلة الشعير

    )أحبكُ " دفنّا "

    و "دفنا " الغزالةُ والناي

    " دفنا " تحددُ لي ما أرى

    فرأيتُ الذي لا يراه سواي

    رأيتُ سيولاً

    من الصور النازفة

    في جداول رعشتها

    ومرايا صباي

    رأيت دمىً خائفة

    أن تعود لخاماتها الأولية

    في نهوند القرنفل والناي

    " دفنا " قفي وانظري

    من وميض دمي

    من خرير الشذى في فمي

    لن ترين سواك

    ولن تلمحي سواي(

    لا عشب في الواد المقدس

    لا أرى إلا الحصى في الضفة الأخرى

    ومن بلع الخرافة ثم صدّقها

    وأين النهر إن وجد الخريرْ

    هذي الخطى للذئب أعرفها

    وأعرف أين ولّى

    من عواء الجرحِ في برية الجسدِ النحيلْ

    ماذا سيسقط من علٍ

    إني أرى الأشياء واقفة

    على قدمين من ورقٍ مجعدْ

    والخريفُ مضى على عجلٍ

    ليرجعَ عن تداعيها المجددْ

    والشتاء آتى على خبلٍ

    ستغسل منْ وهذا البيت أسودْ

    منْ سوف يسقطُ، منْ

    إن الطغاة فقطْ

    أحلى وأجمل من سقطْ

    بدل القذائف فوق غابات النخيلْ

    )أرى ما أشاء لمن ذهبوا

    ومن جلسوا

    في ممر الصنوبر تحت الترابْ

    أرانا على أهبة العيش عشقاً

    ونصعدُ من حجرٍ في السفوحْ

    نعدُّ خيول المدينة قبل الذهاب

    وبعد الإيابْ

    وماذا تبقّى من الروح

    ماذا تبقّى

    رؤوس تدلتْ عن السرجْ

    والعمرُ زهرةُ ثلجْ

    بحقل جروحْ

    سترجع كل الجيادْ

    إلى مستقر الصهيلْ

    ورف الحمامْ

    إلى مستهل الهديلْ

    أرى نقطة الضوء

    عالية في البعيدْ

    سأربطها ثم أجذبها

    بخيوط النشيدْ

    أراها تحاولُ

    والمستقر الوحيد

    ترابُ البلادْ

    ترابُ البلادْ

    ترابُ البلادْ(

    من يحمل التابوت. هل يصلون روما

    من بلاد الزيت والزيتون، أين يتممون صلاتهم

    والشمس في الوادي المقدسْ

    لم تصلْ قوسَ المغيبْ

    فخذوا الصلاة

    خذوا عواءَ ضلوعكم

    وخذوا فحيحَ خشوعكم

    ولربما يصل القتيلْ

    أنتم بدأتم وانتهتْ فينا هزائمكم

    فعودوا إن أردتم

    مرة أخرى إلى حرب الصليبْ

    من ها هنا سترون دمع الأمهاتَ

    وأسرَّة الزوجات، وردَ العاشقات

    وترسلون مع الجنازة

    دمعة أخرى على الأحياء

    إن وصلوا المدينة فوقَ قنطرة الهديلْ

    سترون أولنا نهاراً مقبلاً

    وترون آخركم ركاماً مهملاً

    عودوا إذا شئتم لمغفرة الكهانة

    بعد أن تعلو ملامحكم جداراً ساقطاً

    والأرض تخرجُ من قداستها

    وتهبط تحت أرجلكم بلا أبنائها

    وسيصعدون على سلالم موتكم

    والميت يصعدُ هابطاً

    والأرض تخرج من قميص فصولها

    هذا الربيع بلا أبٍ

    لا أم سوف تهشُ سندسه المريضَ

    عن الحقولِ

    ومن يعيدُ بهاءها العربي في الزمن البخيلْ

    (رأيتُ يداً

    تنحتُ الحزن حتى اكتملْ

    ما الذي يتساقط غير الغبار

    عن الجسد المتهالكْ

    أرى وطناً في الهزيع مضاءً

    لمن وصلوا، كيف لي أن أصلْ

    وهذا الغبار يسدُ المسالكْ

    لنا الحق في شمس هذا النهارْ

    لنا أن نعلق غيمتنا

    في ممر الندى

    كي نفيض رذاذاً بكل مدى

    ولها الحق أن تستدل علينا

    زهور البراري

    ورف الحجلْ)

    من يقرعُ الجرسَ المعلقَ في الأعالي

    في هديل حمامةٍ

    وعلى جناحِ غمامةٍ

    من أيها المجنون ينحتُ رؤية فوقَ المكان

    يعيدُ ترتيب الفصولْ

    وينسقُ الفوضى بمصطبةِ الحقولْ

    فاصدحْ بما ملكته فيك يدُ البصيرة

    إني أرى ما لم يُرى

    هذا مكاني لمْ أجدْ إلاّ هنا حجراً

    تحكَ به جناحيها فراشاتي الصغيرة

    هذا مكانك والوقوف به صلاةْ

    فارفع صلاتك كل ثانية

    وفي كل اتجاه

    إني أرى ما لم يُرى فوق البسيطة

    ورأيت ثعلب وابن آوى تحت دالية

    يعدّون الخريطة

    ضاقتْ على جسدي النحيلْ

    (إلى أين تحملني

    يا جناحي المهيضْ

    سكنتُ الجهات جميعاً

    فلم تحتملني ولم أحتملها

    أنا الضدُ وهي النقيضْ

    سأشعلُ قنديلُ روحيْ

    إلى أن تذوب الذبالة بين أصابعكم

    فأعلنوا أيها الأصدقاء انطفائيْ

    وقولي بأني مريضْ

    مضاءٌ أنا بجنونيْ

    ولي أن أنام على جمرة

    كيْ تَمدَّ دمي بالوميضْ)

    ورأيت "دفنا " في حديقة جسمها

    كانت تحاول جهدها

    دفع الأنوثة عن طريق لصوصها

    ورأيت حلمتها تنقط

    من ثقوب قميصها

    لا شيء أحمله لألتقط الرذاذ

    "جيوب بنطالي ممزقة

    وداعاً للجمال"

    فلم أصل أرض الجزيرة

    والقادمون من الشمال

    دخلوا شراشف مهدها

    سرقوا من النهدين رضعتي الأخيرة

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:06 am

    الشاعر محمود درويش



    نبذة

    بداية حياته :

    محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات ، ولد عام 1942 في قرية البروة ( قرية فلسطينية مدمرة ، يقوم مكانها اليوم قرية احيهود ، تقع 12.5 كم شرق ساحل سهل عكا) ، وفي عام 1948 لجأ إلى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عام واحد ، عاد بعدها متسللا إلى فلسطين وبقي في قرية دير الأسد (شمال بلدة مجد كروم في الجليل) لفترة قصيرة استقر بعدها في قرية الجديدة (شمال غرب قريته الأم -البروة-).

    تعليمه :

    أكمل تعليمه الابتدائي بعد عودته من لبنان في مدرسة دير الأسد متخفيا ، فقد كان تخشى أن يتعرض للنفي من جديد إذا كشف أمر تسلله ، وعاش تلك الفترة محروما من الجنسية ، أما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسيف (2 كم شمالي الجديدة).

    حياته :

    انضم محمود درويش إلى الحزب الشيوعي في إسرائيل ، وبعد إنهائه تعليمه الثانوي ، كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في الجرائد مثل "الاتحاد" والمجلات مثل "الجديد" التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها ، وكلاهما تابعتان للحزب الشيوعي ، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر .

    لم يسلم من مضايقات الاحتلال ، حيث اعتقل أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية ، حتى عام 1972 حيث نزح إلى مصر وانتقل بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجا على اتفاق أوسلو.

    شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر في مجلة الكرمل ، وأقام في باريس قبل عودته إلى وطنه حيث انه دخل إلى إسرائيل بتصريح لزيارة أمه ، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء في وطنه ، وقد سمح له بذلك.

    وحصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها:

    جائزة لوتس عام 1969.

    جائزة البحر المتوسط عام 1980.

    درع الثورة الفلسطينية عام 1981.

    لوحة أوروبا للشعر عام 1981.

    جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982.

    جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.

    يُعد محمود درويش شاعر المقاومة الفلسطينية، ومر شعره بعدة مراحل .



    مختارات من قصائد و دواوين محمود درويش :

    عصافير بلا أجنحة (شعر).

    أوراق الزيتون (شعر).

    عاشق من فلسطين (شعر).

    آخر الليل (شعر).

    مطر ناعم في خريف بعيد (شعر).

    يوميات الحزن العادي (خواطر وقصص).

    يوميات جرح فلسطيني (شعر).

    حبيبتي تنهض من نومها (شعر).

    محاولة رقم 7 (شعر).

    احبك أو لا احبك (شعر).

    مديح الظل العالي (شعر).

    هي أغنية ... هي أغنية (شعر).

    لا تعتذر عما فعلت (شعر).

    عرائس.

    العصافير تموت في الجليل.

    تلك صوتها وهذا انتحار العاشق.

    حصار لمدائح البحر (شعر).

    شيء عن الوطن (شعر).

    ذاكرة للنسيان .

    وداعا أيها الحرب وداعا أيها السلم (مقالات).

    كزهر اللوز أو أبعد .

    *********************************



    لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً

    وقفة مع محمود درويش في جداريته

    د. عادل الأسطة *

    توقفت في مقالة إشكالية القراءة.. إشكالية النص: قراءة في سطر شعري لمحمود درويش. (1) أمام دال النبي في شعر الشاعر، وقد لاحظت أن هذا الدال ذو مدلول متغير، يعود تغيره إلى تغير مواقف الشاعر من ناحية، وتغير استخدام الدال نفسه من جماعة إلى جماعة ومن عصر إلى عصر، وآثرت إلى أن درويش نفسه اعتبر الأنبياء جميعهم أهله، ولكنه أحياناً تحدث عن أنبياء يدّعون الكذب، وهذا الحب للأنبياء والتقدير لهم، وهذا التحذير من الأنبياء أيضاً يرد في العهد القديم، فمقابل أنبياء الله الصالحين هناك تحذير من أنبياء كذبة سيأتون ليضلوا كثيراً، وفي ثقافتنا الإسلامية يُعز الرسول  ويجبل، كما يعز أنبياء الله الصالحين ويجبلون، ولكننا في الوقت نفسه عرفنا مدّعي النبوة مثل مسيلمة الكذاب وآخرين، حاولوا تأليف نص أشبه، من وجهة نظرهم، بالنص القرآني.

    وقد أتيت في مقالتي "وظيفة الشعر والشاعر"(2) على موقف محمود درويش من دور الشاعر ومكانته والتطور الذي طرأ على هذه خلال الأربعين عاماً الماضية، ومع ذلك، تجدني وأنا أتناول جدارية.(3) لم آت على هذا الجانب بالتفصيل، فالإشارة إلى الأنبياء أو التلميح إلى بعض سلوكهم وأدوارهم تبدو واضحة في النص وضوحاً لافتاً للنظر حيث تغري المرء بمواصلة الكتابة عن هذا الجانب، سوف أقف، ابتداءً أمام المواطن التي أشير فيها إلى النبي والأنبياء وأحصيها، لأتناول بعضها بالشرح والتفسير.

    ترد مفردة نبي ورسالة وأنبياء ومسيح في الفقرات التالية:

    1- سأصير يوماً كرمة،

    فليعصرني الصيف منذ الآن،

    وليشرب نبيذي العابرون على

    ثريان المكان السكري!

    أنا الرسالة والرسول

    أنا العناوين الصغيرة والبريد (ص14)

    2- غنيت كي أزن المدى المهدور

    في وجع الحمامة،

    لا لأشرح ما يقول الله للإنسان،

    لست أنا النبي لأدّعي وحياً

    وأعلن أن هاويتي صعود (ص 22)

    3- كنا طيبين وزاهدين بلا تعاليم المسيح (ص 39)

    4- كنا طبيعيين لو كانت نجوم سمائنا أعلى قليلاً

    من حجارة بئرنا، والأنبياء أقل إلحاحاً، فلم يسمع مدائحنا الجنود (ص 40)

    5- خضراء، أرض قصيدتي خضراء

    ولي منها التشابه في كلام الأنبياء (ص 41)

    6- لم نأت ساعتنا. فلا رسل يقيسون

    الزمان بقبضة العشب الأخير. هل استدار؟ ولا ملائكة يزورون

    المكان ليترك الشعراء ما فيهم على الشفق الجميل (ص 46)

    7- باطل، باطل الأباطيل… باطل كل شيء على البسيطة زائل مثلما سار المسيح على البحيرة سرت في رؤياي، لكني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلوّ، ولا أبشر بالقيام (ص92-100)

    وترد الإشارة إلى أنبياء، بذكر الاسم أو بالإشارة إلى أحداث أو عبارات دالة في مواطن كثيرة هي:

    1- ص 17، الربط بين كلام الشاعر وكلام الله (أرض قصيدتي.. كلام الله عند الفجر).

    2- ص 25، استثارة النص لنا قراءتنا عن جبريل والرسول : (أنا من تقول له الحروف الغامضات: اكتب تكن، واقرأ تجد).

    3- ص 43، التلميح إلى المسيح (كأنما الشاعر المسيح)، "علي أن ألج الغياب، وأن أصدق أولا قلبي وأتبعه إلى قاتل الجليل".

    4- ص 48، الإشارة إلى سيدنا نوح وقصته الطوفان: (فلي عمل على ظهر السفينة. لا/ لأنقذ طائراً من جوعنا أو من/ دوار البحر، بل لأشاهد الطوفان/ عن كثب: وماذا بعد؟ ماذا/ يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟)

    5- ص 55، الإشارة إلى المباني وذكر اسم لوط: (فلي عمل على جغرافيا البركان، من أيام لوط إلى قيادة هيروشيما).

    6- ص 61، الإشارة إلى صبر أيوب، حيث يخاطب الشاعر الموت: (ربما أبطأت في تدريب أيوب على الصبر الطويل).

    7- ص 62، تسخير خطاب الله للرسول: (لا تكن فظاً غليظ القلب).

    8- ص 70، الإشارة إلى عيسى عليه السلام: (قال طيف هامشي: "كان أوزيرين مثلك، كان مثلي، وابن مريم كان مثلك، كان مثلي").

    9- ص 84، تداخل صوت الشاعر بصوت الجامعة في العهد القديم: (كل شيء، باطل، فاغتم حياتك مثلما هي).

    10- ص 97، الإشارة إلى قول الرسول  وربط كلامه أنا المتكلم بكلامه: (وقلت: ان مت انتبهت).

    11- ص 101، الشاعر باعتباره مسلماً من المسلمين وله من النص القرآني ما للرسول وللمسلمين: (ولي شبحي وصاحبه. وآية النحاس وآية الكرسي).

    وإذا ما أمعنا النظر في المواطن التي ربط فيها الشاعر مباشرة بين ذاته وبين الرسل والأنبياء، فسنجد أن العلاقة بينهما هي علاقة اتصال وانفصال، وهذه العلاقة التي تتجسد في النص نفيه تتجسد أيضاً في أشعار درويش كلها، فالعلاقة التي كانت، من حيث مهمة كل من الاثنين واحدة، وهي مهمة التغيير، اختلفت في المراحل الشعرية الأخيرة. وإذا كان درويش في بداية حياته يكتب:

    ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب

    ظل طفلاً ضائع الجرح جبان (ديوان- مجلد 1، ص350)

    رابطاً بينه وبين النبي، وهو ما بدا أيضاً في قوله:

    نحن أدرى بالشياطين التي تجعل من طفل نبياً (ديوان- مجلد 1، ص 199)

    وهو ما بدا أيضاً في كثير من قصائد "ورد أقل" (1986) "كلوا من رغيفي، واشربوا من نبيذي" ومن قبل في "مديح الظل العالي" (1983) حيث كان صوت الرسول الذي يحذر من الأخطاء وارتكابها. إذا كان درويش في بداية حياته يكتب هذا، فإنه في "جدارية" يتحلل، غير مرة، من الربط بينه وبين الرسل والأنبياء، على الأقل من حيث إدراكه لمهمته شاعراً.

    حقاً إنه قال في "جدارية":

    "ويشرب نبيذي العابرون على/ ثريا المكان السكري/ أنا الرسالة والرسول"، إلا أنه قال فيها أيضاً: "لست أنا النبي لأدّعي وحيا" و "كنا طبيعيين وزاهدين بلا تعاليم المسيح" و"لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً" و"لكنني نزلت عن الصليب"… إلخ.

    وهكذا نجد النص يحفل بتلك الازدواجية، أعني الربط ما بين الشاعر والنبي، والتحلل من إعطاء الشاعر دور النبي، وهذا ما أقر به درويش في المقابلات التي أجريت معه: "ولأن الشاعر أصبح يعي أنه ليس منقذاً وليس مخلصاً وليس مسيحاً وليس نبياً، فهذه كانت صفات الشاعر الرومانسي، فإن الشاعر الآن هو الفرد الذي يتمتع بعزلته وبكونه معزولاً لكي تتاح له فرصته أن يعيد النظر في فرديته وفي ذاته" (الشعراء، عدد 4، 5، ربيع 99، ص 19).

    يرى درويش، إذن، في دوره السابق شاعراً رومانسياً، وإن كنت شخصياً أختلف معه وأرى فيه شاعراً واقعياً اشتراكياً، لأنه كان حزبياً من ناحية، حيث كان عضواً في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وكان يُسخر منه من أجل أفكار الحزب ومن أجل خدمة البسطاء من ناحية ثانية وبوعي تام، حقاً أن الرومانسيين التفتوا إلى الفئات الشعبية، خلافاً للكلاسيكيين الذين توجهوا إلى الأمراء والنبلاء، إلا أن حزبية درويش ودفاعه في الستينات عن الفكر الماركسي الذي تبناه هو ما يجعلني أصنف انتماءه في تلك المرحلة ضمن الواقعية الاشتراكية، وان رأى دارسون في واقعيته تلك ثورية رومانسية.

    كان درويش في بداية حياته يقول:

    يا قارئي!

    لا ترجُ مني الهمس!

    لا ترجُ الطرب (ديوان محمود درويش، مجلد 1، ص 7)

    ويقول:

    يا رفاقي الشعراء!

    نحن في دنيا جديدة مات ما فات، فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرّة يخلق أنبياءً (مجلد، ص53 و54)

    وكان ينطلق من منطلق الشاعر الثوري الذي يرى في الشعر أداة من أدوات التغيير، فمن يكتب قصيدة في زمان الريح والذرّة يخلق أنبياء. إن الكلمات تخلق أنبياء، وهي سلاح بيد الشاعر يقاتل بها من أجل التغيير. والشاعر، هنا، مثل القائد الحزبي، ومثل النبي، عليه أن يلح إلحاحاً كبيراً على الآخرين حتى يثقفهم ويبعدهم بما ينبغي عليهم أن يفعلوه.

    ولم يتغير موقف درويش إلا بعد أن ترك الحزب، ليدرك بعد تجارب أن لا جدوى من الكلمات إلا رغبة الكلمات في تغيير صاحبها، وهنا تمنى لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً، والوعاظ في وعظهم أقل إرشاداً، والأدباء التعليميين في آدابهم أقل تعليمية، لم يعد الشاعر مثل المسيح، ولقد تخلى بمحض إرادته عن تمثل دوره، فلا المسيح ولا الأنبياء، ولا الشعراء استطاعوا أن يغيروا هذا العالم نحو الأفضل، تماماً كما أن الأحزاب التي كانت تطمح إلى عالم أفضل لم تحقق ما كانت تدعو إليه.

    وقد تكون تجارب درويش التي امتدت أربعين عاماً أو يزيد هي ما دفعته إلى ذلك. لعله اكتشف أن العطار لا يستطيع أن يصلح ما أفسد الدهر، هذا الذي هو أقوى من الجميع، فما من أحد قاتل الزمن إلا قتله، وهو مثل الموت في "جدارية"، انه أقوى من الجميع، فهو القوي قاهر الجيوش، وكان درويش قد صدر مجموعته "أرى ما أريد" (1991) بالأسطر الشعرية التالية الدالة:

    وأنا أنظر خلفي في هذا الليل

    في أوراق الأشجار وفي أوراق العمر

    وأحدّق في ذاكرة الماء وفي ذاكرة الرمل

    لا أبصر في هذا الليل

    إلا آخر هذا الليل

    دقات الساعة تقضم عمري ثانية ثانية

    لم يبق من الليل ومني وقت نتصارع فيه وعليه

    لكن الليل يعود إلى ليلته

    وأنا أسقط في حفرة هذا الظل (ص 5)

    وما من شك في أن هذا يحيلنا إلى ما يقوله درويش نفسه في جداريته، في لحظته الراهنة، وما يقوله الصدى الذي يعبر عن درويش يوم كان شاباً قوياً. إن ما يقوله الآن غير ما كان يقوله شاباً، ولعل تتبع أقوال الصدى في النص ومقارنتها بأقوال الصوت الحافر لدرويش يضعنا أمام الفارق الواضح بين قول درويش:

    ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب

    ظل طفلاً ضائع الجرح جبان

    وقوله:

    لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً

    لقد كبر الشاعر، وهو شاب، وعاش تجارب جعلته يدعو ويبشر ويحرض ويتفاءل من خلال الشعر، وكان مثل المسيح الذي كبر على عرش الصليب، ولكنه في خمسينيات عمره اكتشف عبث ذلك، ومن هنا أخذ يتمنى لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً، وهكذا لم يعد هو شخصياً يلح في أشعاره على التغيير، وأخذ يتساءل عن جدوى القصيدة.



    من أين تأتي الشاعرية؟!

    يتساءل محمود درويش في "جدارية" عن مصدر الشاعرية ويقول:

    من أين تأتي الشاعرية؟

    من ذكاء القلب، أم من فطرة الإحساس بالمجهول؟

    أم من وردة حمراء في الصحراء؟

    لا الشخصي شخصي ولا الكوني كوني

    وقد أحالني قوله هذا إلى عبارة كان قالها في إحدى المقابلات التي أجريت معه، ووظفها شاكر النابلسي في دراسته المعروفة: مجنون التراب: دراسة في شعر وفكر محمود درويش، والعبارة هي: "أنا اعتبر أن المصدر الأول للشعر في تجربتي الشخصية هو الواقع، وأخلق رموزي من هذا الواقع، فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي إلى مرجعية سابقة. أي أنني أحول اليومي إلى رمزي. الواقع هو مصدر رئيسي لشعري" (اللقاء نشر في البيان الخليجية، 20/5/1986).

    وقد تحيلنا هذه العبارة إلى اللقاء الذي نشر مع الشاعر في مجلة "مشارف" في عددها الثالث، يوم سأله عباس بيضون عن بعض الصور الغامضة في مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيداً"، وتحديداً الصورة التي ترد في قصيدة "تعاليم حورية":

    وخبزت للسمّاق

    عرف الديك. أعرف ما يخرب قلبك المثقوب بالطاووس

    وقد قال درويش في اللقاء عن مصدر الصوت ما يلي:

    "الصورة ليست دائماً ذات مرجع ذهني. قد أكون راجعاً من حديقة الحيوانات والطاووس. أعني ألوانه، مروحته اللونية، اخترقتني. من وظائف الشعر ـ وهذا ما تعلمناه من لوركا ـ تغيير الحواس. وقد أكون حينها أكتب هذه القصيدة، ودخل الطاووس فيها. لكني لا أعتقد أن هذا خرب القصيدة. هناك أيضاً المطبوع بعرف الديك". (ص 94)

    وحين يعقب عباس بيضيون قائلاً: "هذه الصورة ممكنة التخيل" يجيب الشاعر: "يعني أن ألوان الطاووس تخترق كأنها تثقبه. ليس عندي دفاع علمي عن هذه الصورة".

    وسنجد أن درويش، فيما بعد، وتحديداً في المقابلة التي أجريت معه ونشرت في الشعراء يقول: إن الكتابة كتابة على الكتابة، ولا توجد كتابة تبدأ من بياض. (الشعراء، عدد 4 و 5، ربيع 1999).

    ومن المؤكد أن كلام درويش هذا لا ينطبق على رموزه وصوره كلها، فقد تكون بعض الصور صدى لقراءاته السابقة، تماماً كما قد تكون بعض العبارات تكراراً لقراءاته.

    سوف أقف، في هذه المقالة، أمام بعض الصور التي وردت في أشعاره، لا التأكيد ما قاله عام (1986) أو لتأكيد ما قاله عام (1999)، وإنما للمشاركة في مساءلة الشاعر عن مصادر صوت وإبداء رأيي في هذا، ولتكن هذه الكتابة ضرباً من إتمام المقابلات أو توضيحياً لما ورد فيها، ولكنني أرغب ابتداء، في الإحالة إلى رأيين نقديين استثاراني وتذكرتهما وأنا أقرأهما وأقرأ أشعار درويش أيضاً، الأول للدكتور حسام الخطيب والثاني للإيطالي امبرتو ايكو.

    في دراسته "تقنية النص التكويني ومغامرة مع نص درويش" يعرف الخطيب النص المشعب بأنه "نص متعدد الأبعاد" وأنه "يؤمن بعداً آخر هو العلاقة بين النصوص المختلفة"، ويضيف بأن هناك بعداً آخر يتمثل في إمكان تواصل الأفراد بعضهم مع بعض وهم يعالجون النص وتضافرهم من أجل تفجير إمكانات النص (الشعر العربي في نهاية القرن، 1997، ص 73).

    "درويش ولغة الظلال"، وتوقفت فيها أمام تعدد المدلول للدال الواحد، ومن ضمن الدوال التي تناولتها دال الفراشة. ولم اعتمد في تفسير مدلول هذا الدال على ما أعرف وحسب، لقد عدت إلى المعاجم اللغوية والمعاجم المتخصصة، وأسعفتني الأخيرة في فهم ما استعصي عليّ اكتشافه، وقد قلت في نهاية دراستي ما يلي:

    "وتحتاج أشعار درويش، حتى تفهم، إلى بحث في الرموز؛ رموز المغررات ودلالاتها، فالشاعر مطلع اطلاعاً واسعاً على الثقافة العربية والإسلامية والإنسانية، وقد مرّ بتجارب غنية ومن المؤكد أن علينا أن نقر بأن ثقافة المرء غالباً ما تجد طريقاً إلى كتابته، بوعي منه أو دون وعي".

    ومن التفسيرات التي قدمتها لدالة الفراشة التفسير التالي: الفراشة هي الفدائي، وهذا حين يذهب إلى فلسطين ليقاتل من أجل تحريرها، يدرك أنه قد يستشهد، بل أن إمكانية استشهاده كبيرة جداً، إنه هنا مثل الفراشة التي تقترب من النار فتحترق. والناس يرون أن الفراشة في سلوكها هذا غبية، ولهذا قالوا: أطيش من فراشة، أغبى من فراشة، فهل الفدائي طائش؟

    والشاعر يقول: للفراشات اجتهادي ـ أي لهؤلاء الفدائيين اجتهادي وقد ورد هذا في قصيدة تتمحور حول الفدائي، وهي "أحمد الزعتر".

    والسؤال الآن: ما هي مرجعية صورة درويش هذه؟ هل المرجعية خياله أم قراءاته التي أثرت فيه؟ وهل كان واعياً لهذه القراءة أم غير واع لها؟

    لقد دفعني إلى كتابة هذا المقال قراءتي الجديدة لقصة حنا إبراهيم "متسللون"، وكنت أنوي أن أكتب عنها مقالة بمناسبة صدور الأعمال القصصية الكاملة للمؤلف، وكنت قرأت القصة من قبل وكتبت عنها في كتابي "اليهود في الأدب الفلسطيني" (1992)، ولم ألتفت وأنا أناقش دالة الفراشة في أشعار درويش إليها، ويبدو أنني نسيت جزئيات القصة وبعض تشابهها، وقد توقفت في قراءتي الجديدة أمام سطر حثني على العودة إلى أشعار درويش ودراسة الخطيب ومحاضرة "ايكو" والسطر هو:

    وربما خامرها (أي سارة) شيء من الشفقة على أولئك المنكودين الذين لا ينفكون يعكرون أمن الحدود، فتشبههم بالفراش الذي يحوم حول الناس فيحترق" (أ.ب، ص 73).

    وتشبّه سارة، كما هو واضح، الفلسطينيين الذين كانوا عام 1948 يعودون إلى منازلهم تسللاً بالفراش، لأن مصير بعض هؤلاء كان القتل والموت، وهذه الصورة تتكرر في أشعار درويش "وكان صديقي يطير ويلعب مثل الفراشة حول دم (نار) ظنه زهرة و"نسافر بحثاً عن الصفر كي نستعيد صواب الفراش".

    هل قرأ درويش قصة حنا إبراهيم هذه؟ وهل ظل يتذكر هذا التشبيه أم أنه نسيه على أنه تشبيه ورد في القصة، ولكنه استهواه فظل في ذاكرته؟، وهكذا وجد التشبيه هذا صورة في أشعار الشاعر دون وعي منه على أنه ورد في نص سابق، نص كتب عام 1954، يوم لم يكن الشاعر يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.

    هنا يمكن العودة إلى جدارية، لقد قرأ درويش القرآن والعهد القديم، وترك هذان الكتابان عليه تأثيراً واضحاً منذ بداية شبابه، ومن يقرأ جدارية يلحظ حضوراً واضحاً للنص الديني فيها، حضوراً يكاد يقترب، أحياناً، من الاقتباس شبه الحرفي. وهنا لا يتردد المرء في القول أن الكتابة هي كتابة على الكتابة، وإذا كنا في بداية هذه المقالة استشهدنا بقول درويش: من أين تأتي الشاعرية؟ فإننا نستطيع أيضاً أن نستشهد بسطر دال تكرر مرتين ونظراً لأن هذا النص غني بعلاقاته وتركيباته وصوره، فيجدر أن يدرس من خلال علاقته بالنصوص الأخرى، لا من خلال أبعاده التاريخية والسيكولوجية والنفسية، ويقترح د. الخطيب أن يستعان بالتكنولوجيا الحديثة بالإسهام في إخراج الأدب من عزلة الرصيف.

    كما أنه يدعو إلى ربط النصوص بعضها ببعض لمعرفة تداخلاتها وتشابكاتها.

    ويأتي (امبرتو ايكو) في كتابه "التأويل بين السيميائيات والتفكيكية" (بيروت 2000) على العلاقة بين المؤلف والنص، وذلك في الفصل الثالث الذي عنوانه "بين المؤلف والنص"، ويكتب عن صلة نصه "اسم الوردة" بنصوص سابقة، كان واعياً لبعضها وهو يكتب نصه، وغير واعٍ لبعضها الآخر، وقد نبهه بعض القراء إلى أشياء لم يكن واعياً لها في أثناء إنجازه النص، ولكن ما قاله القراء كان ممكناً.

    وقرأت تحاليل نقدية يشير فيها أصحابها إلى وجود تأثيرات لم أكن واعياً بها في أثناء كتابتي للرواية، إلا أنني قد أكون قرأتها بكل تأكيد في شبابي، ومارست علي تأثيراً بشكل لا شعوري (لقد قال لي صديقي جيوريجو سالي: قد يكون بين قراءاتي القديمة روايات ديمتري ميروسكوفسكي، واعترفت له بصحة ذلك" (ص 95).

    ويأتي (ايكو) بأمثلة أكثر وهو يناقش هذا الأمر، وهذا يعني ببساطة أن نصه "اسم الوردة" كان يحفل بنصوص أخرى، وعي الكاتب بعضها، ولم يعِ بعضها الآخر، ولكن هذه ربما تركت أثراً على نصه. وهنا نعود إلى سؤال درويش: من أين تأتي الشاعرية؟ ونعود أيضاً إلى رأييه (1986 و 1999). هل المصدر الأول للشعر في تجربته الشخصية هو الواقع، أم أن كتابته هي كتابة على الكتابة؟ هل مصدر الشاعرية التجربة أم القراءة أم كلاهما معاً؟ لقد أنجزت في أيلول 1999، دراسة عنوانها "محمود في جدارية" هو: الواقعي هو الخيالي الأكيد، هذا ما تقوله له الحروف الغامضات، وهذا ما قاله الشاعر عام (1986): "وأخلق رموزي من هذا الواقع"، ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام المقطع: "فرموزي خاصة بي، حيث لا يستطيع الناقد أو القارئ أن يحيل رموزي إلى مرجعية سابقة" ونجد أنفسنا أمام السؤال الصعب: هل هذا صحيح دائماً؟

    لقد استعنت، شخصياً، بمعجم الرموز (ما نفرد لوركر) لتفسير مدلولات بعض الدوال في أشعار درويش، وكان شاكر النابلسي قد استعان بالقراء وهو يشرح بوابات درويش الشعرية ورموزه، وكثير من التفسيرات التي وردت في معجم الرموز، وهذا يختصر الدلالات الرمزية للدال في الأدب العالمي ويوضحها، وكثير مما قاله القراء يتطابق وما أراده درويش، والسؤال هو: هل اختلاق درويش رموزه جاء من الواقع وحسب؟ أم أن الواقع نفسه صدى للماضي، وسواء أقرأ درويش مدلولات الدال الواحد أم لم يقرأها فإن الواقع يقولها، وهكذا يبدو أن ما يقوله صحيح؟

    الذين درسوا الأمثال لدى الشعوب لاحظوا أن هناك أمثالاً كثيرة تتشابه، فهل كانت الدلالات الرمزية للألوان وأسماء تصف المخلوقات والمخلوقات نفسها تتشابه؟! مجرد تساؤل واجتهاد!!

    الهوامش

    1- انظر مجلة "الكلمة" رام الله، خريف 2000، عدد 6.

    2- انظر جريدة "الأيام" رام الله، 4/7/2000.

    3- انظر مجلة "الشعراء" رام الله، خريف 2000، عدد 10.

    * أستاذ الأدب في كلية الآداب بجامعة النجاح الوطنية .

    *********************************



    وطن في قصيدة

    لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.

    والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.

    مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري

    في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره.

    في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة".

    ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه.

    وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:

    "قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت".

    هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.

    وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.

    إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة

    وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967.

    ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان.

    وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.

    هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.

    يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة: "مديح الظل العالي" فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة.

    وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر.

    وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا".

    كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين.



    تحت القصف: (بيروت.. لا)

    أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة.

    فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها.

    وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين.

    لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال.

    كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاريخها، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!.

    اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟

    في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص".

    وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه.

    رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي"

    "إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟"

    هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي.

    وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع: تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.

    وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية".

    وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي".

    اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام".

    وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة.

    *********************************



    الإسرائيلي يحاكم نفسه.. في شعر "درويش"

    إلى قاتل..

    لو تأملت وجه الضحية وفكرت..

    كنت تذكرت أمك في غرفة الغاز..

    كنت تحررت من حكمة البندقية وغيرت رأيك..

    ما هكذا تستعاد الهوية..
    هذه الكلمات تمثل مذكرة ادعاء حاول بها الشاعر "محمود درويش" دفع القاتل الإسرائيلي إلى محاكمة نفسه في إحدى قصائد ديوانه الأخير "حالة حصار" الصادر عن دار رياض نجيب الريس للطباعة.

    وأكد درويش أن هذا الكتاب كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وصرح بأن شارون لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة، هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير، ولكن المشكلة في الدعم الأمريكي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام.. ولكن إذا سقط شارون فمعنى ذلك أن مشروعه في الحل العسكري قد سقط أيضا.
    ويصف حالة الحصار التي عاشها في مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة بقصائد عدة منها:

    الحصار هو الانتظار..

    هو الانتظار على سلم مائل وسط العاصفة..

    الحصار يحولني من مغن إلى وتر سادس في الكمان..

    أيها الساهرون ألم تتعبوا من مراقبة الضوء في ملحنا..

    ومن وهج الورد في جرحنا..

    ألم تتعبوا أيها الساهرون..

    ولكن في غمرة هذا الحصار يظهر الأمل في شعر درويش:

    بلاد على أهبة الفجر..

    لن نختلف على حصة الشهداء من الأرض..

    ها هم سواسية يفرشون لنا العشب كي نأتلف..

    ويخاطب درويش في إحدى قصائده الجنود الإسرائيليين الذين يحاصرون المناطق الفلسطينية قائلا:

    أيها الواقفون على العتبات ادخلوا..

    واشربوا معنا القهوة العربية، قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا..

    أيها الواقفون على عتبات البيوت

    اخرجوا من صباحاتنا نطمئن إلى أننا بشر مثلكم..

    ويتناول محمود درويش في ديوانه الذي يقع في مائة صفحة من القطع الوسط - وقد خصص ريعه للانتفاضة الفلسطينية - تحديد مفهوم واضح للسلام، فيقول في إحدى القصائد:

    السلام نهار أليف لطيف خفيف الخطا لا يعادي أحد..

    السلام قطار يوحد سكانه العائدين أو الذاهبين إلى نزهة في ضواحي الأبد..

    السلام هو الاعتراف علانية بالحقيقة..

    ماذا صنعتم بطيف القتيل..

    السلام هو الانصراف إلى عمل في الحديقة..

    ماذا سنزرع عما قليل..

    ومحمود درويش المولود في "البروة" في "الجليل" بشمال فلسطين المحتلة عام 1948 كان قد وطئ أرض فلسطين لأول مرة عام 1995، وتحديدا إلى "غزة" قبل أن يستقر في رام الله بعد قرابة ربع قرن من المنفى.

    *********************************


    بين حلمي و بين اسمه كان موتي بطيئا
    باسمها أتراجع عن حلمها. ووصلت أخيراً إلى
    الحلم. كان الخريف قريباً من العشب. ضاع
    اسمها بيننا... فالتقينا.
    لم أسجلّ تفاصيل هذا اللقاء السريع. أحاول شرح
    القصيدة كي أفهم الآن ذاك اللقاء السريع.
    هي الشيء أو ضدّه، وانفجارات روحي
    هي الماء والنار، كنا على البحر نمشي.
    هي الفرق بيني... وبيني].
    وأنا حامل لاسم أو شاعر الحلم. كان اللقاء سريعاً.
    أنا الفرق بين الأصابع والكفّ. كان الربيع
    قصيراً أنا الفرق بين الغصون وبين الشجر.
    كنت حملها، واسمها يتضاءل. كانت تسمّى
    خلايا دمي. كنت ألمها
    والتقينا أخيراً.
    أحاول شرح القيدة كي أفهم الآن ماذا حدث...
    - يحمل الحلم سيفاً ويقل شاعرة حين يبلغه –
    هكذا أخبرتني المدينة حين غفوت على ركبتيها
    لم أكن حاضراً
    لم أكن غائبا
    كنت بين الحضور وبين الغياب
    حجرا... أو سحابه
    - تشبهين الكآبة
    قلت لها باختصار شديد
    تشبهين الكآبة
    ولكنّ صدرك صار مظاهرة العائدين من الموت...
    ما كنت جنديّ هذا المكان
    وثوريّ هذا الزمان
    لأحمل لا فتةً، أو عصا، في الشوارع.
    كان لقائي قصيراً
    وكان وداعي سريعاً.
    وكانت تصير إلى امرأةٍ عاطفية
    فالتحمت بها
    وصارت تفاصيلها ورقاً في الخريف
    فلملمها عسكريّ المرور
    ورتّبها في ملف الحكومة
    وفي المتحف الوطني
    - تشبهين المدينة حين أكون غريباً
    قلت لها باختصار شديد
    تشبهين المدينة.
    هل رآك الجنود على حافّة الأرض
    هل هربوا منك
    أم رجموك بقنبلة يدوية؟
    قالت المرأة العاطفيّة :
    كلّ شيء يلامس جسمي
    يتحوّل
    أو يتشكّل
    حتى الحجارة تغدو عصافير.
    قلت لها باكياً:
    ولماذا أنا
    أتشرّد
    أو أتبدّد
    بين الرياح وبين الشعوب؟
    فأجابت:
    في الخريف تعود العصافير من حالة البحر
    - هذا هو الوقت
    - لا وقت
    وابتدأت أغنية:
    في الخريف تعود العصافير من حالة البحر
    هذا هو الوقت، لا وقت للوقت
    هذا هو الوقت
    - ماذا تكون البقيّة؟
    - شبه دائرة أنت تكلمها
    - أذهب الآن؟
    - لا تذهب الآن. إنّ الرياح على خطأ دائما.
    والمدينة أقرب.
    - المدينة أقرب !!‍‍ أنت المدينة
    - لست مدينة
    أنا امرأةٌ عاطفية
    هكذا قلت قبل قليل
    واكتشفت الدليل
    وأنت البقية
    - آه، كنت الضحيّة
    فكيف أكون الدليل؟
    - وكنت أعانقها. كنت أسألها نازفاً:
    أ أنت بعيدة؟
    - على بعد حلم من الآن
    والحلم يحمل سيفاً. ويقتل شاعره حين يبلغه
    - كيف أكمل أغنيتي
    والتفاصيل ضاعت. وضاع الدليل؟
    - انتهت صورتي
    فابتدئ من ضياعك.
    أموت - أحبّك
    إن ثلاثة أشياء لا تنتهي:
    أنت، والحبّ، والموت
    قبّلت خنجرك الحلو
    ثم احتميت بكفّيك
    أن تقتليني
    وأن توقفيني عن الموت
    هذا هو الحب.
    إني أحبّك حين أموت
    وحين أحبّك
    أشعر أني أموت
    فكوني امرأة
    وكوني مدينة‍
    ولكن، لماذا سقطت، لماذا احترقت
    بلا سببٍ؟
    ولماذا ترهّلت في خيمة بدويّة؟
    - لأنك كنت تمارس موتاً بدون شهيّة
    وأضافت، كأنّ القدر
    يتكسّر في صوتها:
    هل رأيت المدينة تذهب
    أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللّه
    قافلةً من سبايا؟
    هل رأيت المدينة تهرب
    أم كنت أنت الذي يحتمي بالزوايا‍
    المدينة لا تسقط، الناس تسقط !‍
    ورويداً... رويداً تفتّت وجه المدينة
    لم نحوّل حصاها إلى لغةٍ
    لم نسيّج شوارعها
    لم ندافع عن الباب
    لم ينضج الموت فينا.
    كانت الذكريات مقراً لحكام ثورتها السابقة
    ومرّ ثلاثون عاماً
    وألف خريف
    وخمس حروب
    وجئت المدينة منهزماً من جديد
    كان سور المدينة يشبهني
    وقلت لها:
    سأحاول حبّك...
    لا أذكر الآن شكل المدينة
    لا أذكر اسمي
    ينادونني حسب الطقس والأمزجة
    لقد سقط اسمي بين تفاصيل تلك المدينة
    لملمه عسكريّ المرور
    ورتّبه في ملف الحكومة
    - تشبهين الهويّة حين أكون غريباً
    تشبهين الهويّة.
    - ليس قلبي قرنفلةً
    ليس جسمي حقلاً
    - ما تكونين؟
    هل أنت أحلى النساء وأحلى المدن
    - للذي يتناسل فوق السفن
    وأضافت:
    بين شوك الجبال وبين أماسي الهزائم
    كان مخاضي عسيراً
    - وهل عذّبوك لأجلي؟
    - عذّبوك لأجلي
    - هل عرفت الندم؟
    - النساء – المدن
    قادراتٌ على الحبّ، هل أنت قادر؟
    - أحاول حبّك
    لكنّ كل السلاسل
    تلتفّ حول ذراعيّ حين أحاول...
    هل تخونينني؟
    - حين تأتي إليّ
    - هل تموتين قبلي؟
    سألتك : موتي!
    - أيجديك موتي!
    - أصير طليقاً
    لأن نوافذ حبّي عبوديّةٌ
    والمقابر ليست تثير اهتمام أحد
    وحين تموتين
    أكمل موتي.
    بين حلمي وبين اسمه
    كان موتي بطيئاً بطيئاً.
    أموت – أحبّك
    إن ثلاثة أشياء لا تنتهي
    أنت، والحبّ، والموت
    أن تقتليني
    وأن توقفيني عن الموت.
    هذا هو الحبّ
    ... وانتهت رحلتي فابتدأت
    وهذا هو الوقت: ألا يكون لشكلك وقت.
    لم تكوني مدينة
    الشوارع كانت قبل
    وكان الحوار نزيفاً
    وكان الجبل
    عسكرياً. وكان الصنوبر خنجر.
    ولا امرأةً كنت
    كانت ذراعاك نهرين من جثثٍ وسنابل
    وكان جبينك بيد ر
    وعيناك نار القبائل
    وكنت أنا من مواليد عام الخروج
    ونسل السلاسل.
    يحمل الحلم سيفاً، ويقتل شاعره حين يبلغه -
    هكذا أخبرتني المدينة حين غفوت على ركبتيها
    لم أكن غائباً
    لم أكن حاضراً
    كنت مختفياً بالقصيدة،
    إذا انفجرت من دمائي قصيدة
    تصير المدينة ورداً،
    كنت أمتشق الحلم من ضلعها
    وأحارب نفسي
    كنت أعلى يأسي
    على صدرها، فتصير امرأة
    كنت أعلن حبي
    على صدرها، فتصير مدينة
    كنت أعلن أنّ رحيلي قريب
    وأنّ الرياح وأنّ الشعوب
    تتعاطى جراحي حبوباً لمنع الحروب.
    بين حلمي وبين اسمه
    كان موتي بطيئاً
    باسمها أتراجع عن حلمها. ووصلت
    وكان الخريف قريباً من العشب.
    ضاع اسمها بيننا... فالتقينا.
    لم أسجّل تفاصيل هذا اللقاء السريع
    أحاول شرح القصيدة
    لأغلق دائرة الجرح والزنبقة
    وأفتح جسر العلاقة بين الولادة والمشنقة
    أحاول شرح القصيدة
    لأفهم ذاك اللقاء السريع
    أحاول
    أحاول... أحاول!

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:08 am

    الشاعر معين بسيسو



    نبذة

    ولد معين بسيسو في مدينة غزة بفلسطين عام 1926 ، أنهى علومه الابتدائية والثانوية في كلية غزة عام 1948 .
    بدأ النشر في مجلة " الحرية " اليافاوية ونشر فيها أول قصائده عام 1946 ، التحق سنة 1948 بالجامعة الأمريكية في القاهرة ، وتخرج عام 1952 من قسم الصحافة وكان موضوع رسالته " الكلمة المنطوقة و المسموعة في برامج إذاعة الشرق الأدنى " وتدور حول الحدود الفاصلة بين المذياع والتلفزيون من جهة والكلمة المطبوعة في الصحيفة من جهة أخرى .
    انخرط في العمل الوطني والديمقراطي مبكرا، وعمل في الصحافة والتدريس .
    وفي 27 كانون الثاني ( يناير ) 1952 نشر ديوانه الأول ( المعركة ) .
    سجن في المعتقلات المصرية بين فترتين الأولى من 1955 إلى 1957 والثانية من 1959 إلى 1963 .
    أغنى المكتبة الشعرية الفلسطينية والعربية بأعماله التالية :

    أعماله الشعرية :

    المسافر (1952م).

    المعركة (دار الفن الحديث، القاهرة، 1952م).

    الأردن على الصليب (دار الفكر العربي، القاهرة، 1958م).

    قصائد مصريّة / بالاشتراك (دار الآداب، بيروت، 1960م).

    فلسطين في القلب (دار الآداب، بيروت، 1960م).

    مارد من السنابل (دار الكاتب العربي ، القاهرة، 1967م).

    الأشجار تموت واقفة / شعر (دار الآداب، بيروت، 1964م).

    كرّاسة فلسطين (دار العودة، بيروت، 1966م).

    قصائد على زجاج النوافذ (1970م).

    جئت لأدعوك باسمك (وزارة الإعلام، بغداد، 1971م

    الآن خذي جسدي كيساً من رمل (فلسطين، بيروت، 1976م).

    القصيدة / قصيدة طويلة (دار ابن رشد، تونس، 1983م).

    الأعمال الشعرية الكاملة / مجلد واحد (دار العودة، بيروت، 1979م).

    آخر القراصنة من العصافير.

    حينما تُمطر الأحجار.

    أعماله المسرحية :

    مأساة جيفارا (دار الهلال، القاهرة، 1969م).

    ثورة الزنج (1970م).

    شمشون ودليلة (1970م).

    الأعمال المسرحية (دار العودة، بيروت، 1979م) يشمل :
    - مأساة جيفارا.
    - ثورة الزنج.
    - الصخرة.
    - العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع.
    - محاكمة كتاب كليلة ودمنة.

    أعماله النثرية:

    نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة (القاهرة، 1970م).

    باجس أبو عطوان / قصة (فلسطين الثورة، بيروت، 1974م).

    دفاعاً عن البطل (دار العودة، بيروت، 1975م).

    البلدوزر / مقالات (مؤسسة الدراسات، 1975م).

    دفاتر فلسطينية / مذكرات (بيروت، 1978م).

    كتاب الأرض / رحلات (دار العودة، بيروت، 1979م).

    أدب القفز بالمظلات (القاهرة، 1982م).

    الاتحاد السوفيتي لي (موسكو، 1983م).

    88 يوماً خلف متاريس بيروت (بيروت، 1985).

    عودة الطائر / قصة.

    وطن في القلب / شعر مترجم إلى الروسية - مختارات موسكو.

    يوميات غزة (القاهرة).

    و شارك في تحرير جريدة المعركة التي كانت تصدر في بيروت زمن الحصار مع مجموعة كبيرة من الشعراء و الكتاب العرب .
    ترجم أدبه إلى اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية ، ولغات الجمهوريات السوفيتية أذربيجان ، أوزباكستان و الإيطالية و الإسبانية و اليابانية و الفيتنامية و الفارسية .
    حائز على جائزة اللوتس العالمية وكان نائب رئيس تحرير مجلة " اللوتس " التي يصدرها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا .
    حائز على أعلى وسام فلسطيني ( درع الثورة ) .
    كان مسؤولاً للشؤون الثقافية في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين .
    كان عضو المجلس الوطني الفلسطيني .
    استشهد أثناء أداء واجبه الوطني وذلك إثر نوبة قلبية حادة آلمة في لندن يوم 23 / 1 /1984 .

    ******************************



    مقال بقلم رشاد أبو شاور

    عام 1984، رحل الشاعر الكبير معين بسيسو في العاصمة البريطانية (لندن)، ولم تكتشف وفاته إلاّ بعد 14 ساعة لأنه كان يعلّق علي باب غرفته بالفندق الذي نزل فيه عبارة: الرجاء عدم الإزعاج.
    رحل معين بسيسو شّاباً في السابعة والخمسين، فهو ولد في (غزّة) بتاريخ 10 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1927.
    كان يريد أن ينام، أن يرتاح، ولكن قلبه الذي أجهد نبض نبضات سريعة، ربّما احتجاجاً علي إرهاق الشاعر له، فمدّ معين يده إلي الهاتف يريد طلب المساعدة، ولكن الوقت كان قد فات...
    عندما فتح باب الغرفة، وجد الشاعر نائماً، ويده ممدودة إلي الهاتف في مشهد جامد.
    مفارقة هذه، أن يموت شاعر فلسطيني في (لندن) عاصمة السياسة التي كانت أس المصائب، وأصل النكبة والخراب في فلسطين، وأن لا يحظي بالراحة، ولا يصل نداء استغاثته بطلب العون، ثمّ ينقل جثمانه ليدفن في القاهرة، محروماً من دخول غزّة ، حتى بعد أن مات، وهذا ما يدّل علي مدى حقد عدونا على الشعر والشعراء.
    كأنما هذه حكاية الشعب الفلسطيني، مع فارق أن شعبنا حي، وأنه يمضي علي طريقه، وأنه يتقوّي بصوت الشاعر، وبالشعر، حداءً لأمل سيتحقق. معين بسيسو، الفلسطيني، الغزّي، المدفون في ثري مصر الطهور، بين من أحبهم، لم تسمح سلطات الاحتلال الصهيوني لجثمانه بالدخول ليدفن هناك في تراب غزة الذي درجت عليه أقدامه، والشاهد الأول لتفجّر موهبته الشعرية.
    حدث في زمن بعيد، أن أخرج أبي يده من تحت عباءته ومدّها وقد طوت كتاباً رقيقاً غير مدرسي، وقال لي محتفياً:
    ـ هذا شعر لمعين بسيسو.
    ثمّ طلب منّي أن أقرأ، فقرأت...
    كان الأب الأمّي فخوراً برفيقه، رغم أنه لا يعرفه، وكان يريد لابنه أن يحفظ هذا الشعر، وأن يصونه في ذاكرته، فهذا الشعر يصل كالمنشورات السريّة، وهو بذور لا بدّ لها من تربة لتخصب فيها، وتربة الشعر هي النفوس، والعقول...
    كبرت، وعرفت من هو هذا الشاعر، وصرت أقرأ شعره دون حّث من الأب، ولكن بحافز منّي، فشعر معين بسيسو يشّد العزيمة، ويقوّي المعنويات، وهو قريب إلي روحي.
    ردد أبي وقد حفظ لفرط ما تلوت علي مسمعه:
    من لم تودّع بنيها بابتسامتها
    إلي الزنازين لم تحبل ولم تلد
    وحفظ عن ظهر قلب:
    أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح
    واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح
    وكان يدخل السجن، ويخرج، وفي يقينه أنه ينبغي أن يكون إبناً لائقاً، شجاعاً ومفتدياً، ومضحيّاً، لتباهي أمّه به، وليعش هو في أفئدة الجماهير مكرّماً، تماماً كما يقول شعر رفيقه معين بسيسو. هذا شعر يشجّع، يغذّي الروح بالإيمان، يدحر الشعور بالعزلة بعيداً عن ضمير المناضل المضحّي، الذي يتعرّض لكّل ما يتسبب له بالأذي، والإحباط.
    صوتان وصلانا من غزّة: صوته وصوت هارون هاشم رشيد، وبشعرهما عشنا مع (غزّة) المأساة والمعجزة.
    شعرهما انتشر موحّداً مشاعر الفلسطينيين، ومنشئاً صلة وصل بينهم، إن في منافيهم البعيدة، أو في مخيّمات اللجوء في الضفّة الفلسطينيّة، وسوريّة، ولبنان.
    صورة معين بسيسو وصلت إلينا كما يليق بالشاعر، فهو يتقدّم المظاهرات، بقميص مفكوك الأزرار عن الصدر، مشرع للاستشهاد، هاتفاً بشعره، رافضاً مع شعبه التوطين في سيناء، فلا بديل عن فلسطين.
    تلك كانت صورة الشاعر، الذي ينتسب إلي سلالة شعراء، حملوا دمهم علي راحاتهم، ومضوا في مقدمّة الصفوف، بكامل عدّتهم: الموهبة الشعرية، الالتزام، حمل المبادئ، الجاهزية للتضحيّة، بمصداقية القول المقترن بالفعل. إن دور شعرائنا التنويري، التثويري، قد دشّن منذ بداية الصراع والاشتباك مع الحركة الصهيونيّة، والاستعمار البريطاني، والمؤامرات المحليّة المتصاعدة علي عروبة فلسطين، وها هم شعراؤنا أحياء يرزقون بيننا: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي (أبو سلمي)، مطلق عبد الخالق، حسن البحيري، نوح إبراهيم الشاعر الشعبي، محمد العدناني، كمال ناصر، فدوي طوقان، علي فودة، فوّاز عيد... ومن بعد، حين وقعت النكبة، وهيمن اليأس، والشعور بالعجز، ارتفعت أصوات شعرائنا، حاضة علي الصبر، والتشبّث بفلسطين، والاعتماد علي النفس، وفاضحة الخيانة وأسباب الهزيمة والكارثة، ومحرّضة علي مواصلة المعركة.
    قد يقال بأن هذا الشعر فيه مباشرة، وتحريض آني، والحق أن تلك المباشرة حملتها مواهب أصيلة ذكيّة، عرفت كيف تغوص في عمق الحدث، وتستخرج منه قيماً إنسانيّة جوهرية لا تموت مع الزمن.
    ما كان صدفة أن عنوان أحد بواكير أعمال معين بسيسو هو (المعركة)، فشعراء فلسطين قديماً وحديثاً يعيشون في المعركة، وفي نيرانها يكتبون، وهم يكتبون عن الوطن، والشهادة، والبطولة، والتضحية، والحب، والمنفي، والعودة التي ستتحقق، وهم يتأملون في مصائر البشر، والحياة، والكون، فهم لا يغلقون علي أنفسهم، وما هو بغريب أن الفلسطينيين كانوا في مقدمة من ترجم عن الغرب روائع أدبية، وفلسفيّة ...
    معين بسيسو شاعر معركة، واشتباك، يحيا، ويتألّق، ويجوهر في الميدان، بين الناس في أتون المعركة... من عرفه في غزّة رآه شاعراً ومناضلاً في الميدان، يتقدّم جموع الفلسطينيين الرافضين للتوطين في صحراء سيناء، والمطالبين بالتسلّح للتصدّي لاعتداءات المحتلين الصهاينة، وكانت آنذاك قد ازدادت علي قطاع غزّة.
    كان معين بسيسو يباهي بأن أهل غزّة أفشلوا مشروع التوطين، وكانوا السبب في صفقة الأسلحة التشيكيّة التي أبرمتها مصر الناصرية، ليتمكن جيشها من الرّد علي الاعتداءات، وتدشين حقبة العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، أي أن هذا التحوّل الاستراتيجي كان فيه دور بارز لفلسطينيي غزة الأباة العنيدين المكافحين.
    من عرفوا معين بسيسو آنذاك، رأوه وهو يشرّع صدره للبنادق، هاتفاً باسم فلسطين، معلياً من شأن البطولة والتضحية. هنا كان صوت عبد الرحيم محمود يتجاوب، يتناسخ، يتواصل في حنجرة معين وكلماته...
    إنه صوت معين بسيسو الذي تحدي قوات العدوان الثلاثي عام 56:
    قد أقبلوا فلا مساومة
    المجد للمقاومة
    لم يكن هذا مجرّد شعار، لقد كان قرار حياة، فيه تتجاوب روح عبد الرحيم محمود:
    فإمّا حياة تسّر الصديق وإمّا ممات يغيظ العدا يستمّد شعر (معين) قيمته من أنه يكتنز معني الحياة، كرامتها، قيمتها، في كلمات قليلة، يقولها شاعر أصيل الموهبة، عميق الثقافة، صاحب مباديء.
    من غزة انتشر صوت معين بسيسو في بلاد العرب، فالتقطه الفلسطينيون، وأنشدوه، وعمموه، وتبنّوه. معين ابن الشعب، وصوت الضحايا، كما وصفه شاعر مصري شعبي:
    يا معين يا صوت الضحايا
    معين هذا تعرّض للسجن، للمنافي، للمطاردة، في عدّة أقطار عربيّة، وحافظ علي صلابته الروحيّة، وتقوّي بالشعر علي المصائب والصعاب. كل من تعرّف بمعين، لمس فيه روح ابن البلد، الطيّب، العفوي، البسيط، الشعبي، القريب إلي القلب، والذي تبلغ فيه حدود البساطة مدي يسهّل علي المخادعين أن يستغلّوا كل هذه المناقب.
    معين بسيسو وفي، وأنا رأيته مراراً يزور مخيّم (اليرموك) قرب دمشق العاصمة السوريّة، ليلتقي برفاقه (الشيوعيين) الغزازوة الذين أقام كثير منهم في المخيم، وكان يعني بهم وبأسرهم بصمت وتواضع ووفاء نادر. هذا الشاعر إبن الشعب، صوت الضحايا، ما في جيبه ليس له، سعادته أن يسمع كلمة طيبة وكفي. في المعركة يجوهر معين، ولذا امتلأ حماسة أثناء معركة (تل الزعتر). كان يكتب ليل نهار، يرسل صوته إلي المحاصرين بين أنياب الانعزاليين الوحوش، يحمل مسدساً ويمشي في الشارع، فهو في (المعركة) وهو يقول الشعر، يندفع في الشوارع ممتلئ الصدر صهيلاً.
    كان يصيح من جذور قلبه:
    الآن، خذي جسدي كيساً من رمل
    الشعر عند معين هو دعم لوجستي، كالذخيرة، كالتموين، به يصمد المحاربون، فالروح بحاجة للغذاء، والشعر غذاء الروح، به تتقوّي وتنتصر...
    عام 82 كان يشارك في مؤتمر أدبي في (طشقند)، وعندما سمع ببدء العدوان علي الثورة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة، بادر بالعودة سريعاً إلي (بيروت) مخترقاً الحصار، ليكون مع الفلسطينيين واللبنانيين في المعركة، إذ لا يعقل أن تكون معركة، ويكون معين بعيداً يتفرّج. منذ لحظة وصوله انخرط (معين) في المعركة شعراً، ونثراً، وبدأ يكتب زاويته (متاريس) حاضّاً علي الاستبسال:
    ولدي محمّد: في ظلي الدامي تمدد
    أو فوق ركبة أمك العطشي تمدد
    وإذا عطشت وجعت فاصعد
    هي الكلمة الشجاعة في وجه الظلم والجور والطغاة ، وقد قالها معين صادقةً، ودفع الثمن مراراً ولم يركع. ولأنه شاعر مقاومة، ولأننا في بيروت قررنا أن نقاوم مع البنادق بالكلمات، فقد أسسنا صحيفة (المعركة) اليوميّة، واقترح بعضهم أن نضع ترويسة علي صفحتها الأولي مقطعاً من قصيدة شاعر المقاومة الفرنسي (أراغون):
    اللعنة علي العدو المحتل
    ليدو الرصاص دائماً تحت نوافذه
    وليمزّق قلبه الرعب
    ولكننا ثبّتنا منذ العدد الخامس مقطعاً من قصيدة معين:
    اقبلوا فلا مساومة،
    المجد للمقاومة...
    في (المعركة) التقي الكتّاب والشعراء من كل الأقطار العربيّة : فلسطين، الأردن، مصر، لبنان، سوريّة، العراق، وقاوموا بكلماتهم، وبعضهم شارك في إذاعة (صوت الثورة الفلسطينيّة)، وكانت تلك أيّاماً مجيدة لتلاحم الكلمة والبندقيّة، تعبيراً عن صمود الناس، والتصدّي للإعلام الصهيوني والكتائبي الانعزالي، وحربهما النفسيّة.
    معين بسيسو كمبدع يتمتّع بموهبة فذّة، وثقافة إنسانيّة فسيحة، وهو لا يكتفي بالتعبير عن رؤيته بالشعر، فقد كتب للمسرح، وقدّمت مسرحياته في القاهرة، ودمشق، وبعض الأقطار العربيّة.
    نثره يعتمد الجمل القصيرة المتوترة، وإذ تقرأه تحسب أن الشاعر يكتب وهو يركض في الشوارع، والأزقّة، والحواري، وفي القطارات، وعلي سطح سفينة تضربها أمواج عاتية، فهو يكتب ويركض من جهة إلي جهة، للتواري عن عيون مطارديه، لا خوفاً ولكن ليكتب ويوّزع ما يكتبه كالمنشورات السريّة، حريصاً علي تأدية دوره علي أتّم وجه للمساهمة في إنقاذ السفينة، وبلوغها شاطئ الحريّة والأمان.
    المرحلة المصرية في حياته صبغت شعره، وذوقه، ومزاجه، فهو ترعرع ونما في أحضان الحركة الثقافية في مصر، وارتبط بصداقات هي الأعمق في حياته، وبخّاصة مع عبد الرحمن الخميسي، الشاعر، والقّاص، والفنان، والممثل، والمخرج السينمائي.
    ودائماً تكلّم بحب عن الخميسي، وهو الذي استضافه مراراً في (بيروت) وقدّمه، وعمل علي إعادة طباعة أعماله الشعرية.
    ثمّة ما هو مرح، وفكه بينهما، وفي حياتهما، فالمقالب لا تنتهي بينهما، معين كان مصري المزاج، والذوق، وهو ما نلحظه في شعره، ومسرحه الشعري، وأسلوب حياته.
    إنه معين، إبن البلد، صوت الضحايا...
    في الملعب البلدي، يوم 21 آب (أغسطس)، تعانقت ومعين، وبكينا واحدنا علي كتف الآخر، فقد ازدادت علاقتنا حميمية أثناء معركة بيروت، وهو ما أشار له في كتابه (88 يوماً خلف المتاريس).
    معين بسيسو كان مؤمنا بطليعيّة الاتحاد السوفييتي، وبدوره القيادي علي الصعيد العالمي، في مواجهة الإمبرياليّة الأمريكيّة.
    كان زائراً دائماً لموسكو ـ بل صاحب بيت ـ التي له فيها رفاق، من الشعراء، والمبدعين الروس (سوفرونوف) الشاعر الروسي، ومن شعوب الاتحاد السوفييتي، ومن بلدان العالم الثالث (فايز أحمد فايز) الشاعر الباكستاني المنفي عن بلده. كان معين محترماً ومحبوباً جداً في (موسكو)، وأذكر أنه عندما زار موسكو بعد معركة بيروت كان الإعلان عنه في نشرة الأخبار الرئيسة مع تقديم ريبورتاج جوانب حياته الأدبيّة والنضاليّة.
    كتب معين (الاتحاد السوفييتي لي)، وهو كان وفيّاً للاتحاد السوفييتي، والكتاب عن رحلاته في جمهوريات الاتحاد السوفييتي الأوروبيّة والآسيويّة.
    في البرافدا كتبوا عن معين، وترجم لنا الدكتور شوقي العمري، وهو شاعر غزّي من تلاميذ ومريدي معين، درس في موسكو وأتقن الروسية كأفضل الناطقين بها، وأكّد لنا بالفم الملآن أن جائزة لينين ستكون من نصيب معين... التقيته في موسكو بعد خروجنا من بيروت، في عام 83، وهناك احتفي بي كثيراً، وكانت روايتي (البكاء علي صدر الحبيب) قد ترجمت مع بعض قصصي القصيرة، فبقيت في موسكو قرابة الشهر ، ولست أنسي اهتمام معين بي.
    القصيدة :
    في المجلس الوطني الفلسطيني بعد الخروج من بيروت، عام 83، قرأ معين قصيدة كانت قد كتبت على عجل، ولقد رأيت أنها أقّل من قيمته الشعرية، فعتبت عليه جداً.
    من الجزائر توجهنا إلي تونس، وذات يوم تلفن له (زياد عبد الفتاح) رئيس وكالة (وفا)، وأخبره بوجودي، فطلب أن يحكي معي، وبطريقته الشعبية اللطيفة طلب مني أن أزوره مع زياد، فقلت له :
    ـ شريطة أن تبدي استعداداً لسماع ما سأقوله لك، لأنه جدّي وخطير، فهل تقبل ؟
    صمت علي الهاتف، ثمّ جاءني صوته:
    ـ تعال...
    أعدت عليه ما قلت، فألّح علي حضوري، وقد لمس جديّة في صوتي، وعرف أنني لا أمزح.
    رحنا إلي نزل (أبو نواس) ، وكان يقيم في غرفة وصالة علي التلة المجاورة، وما أن دخلنا حتى بادرني مستفسراً :
    ـ ماذا تريد أن تقول ؟!
    جلست، وسألته بلهجة هجومية لم يتوقعها :
    ـ هل ما قرأته في المجلس الوطني شعر يا (أبو توفيق)؟!
    سألني بانزعاج:
    ـ وما هو الشعر برأيك ؟
    فأخذت اقرأ له ما أحفظ من شعره، ولعله دهش لما أحفظ، ولما أختار، وختمت بقصيدته المهداة إلي شهيد معركة جبل (صنين) جورج عسل :
    استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى
    استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى
    وأنت بين الماء والندى
    وأنت بين الصوت والصدى
    فراشة تطير حتى آخر المدى
    مدّ يده، وتناول كومة أوراق، وأخذ يقرأ، وأنا لا أستقبل أبداً، فاستنتج أنني لم أعجب بما سمعت، فقال بلهجته المحببة:
    ـ طيّب : اسمع...
    وأخذ يقرأ مقاطع من قصيدته (القصيدة) ، آخر قصائده، قصيدة الوداع.
    صفّقت له واقفاً، وأنا أردد :
    ـ هذا شعر، أي والله هذا شعر يا أبو توفيق...
    أمسية لندن :
    في عام 83 أقيم أسبوع ثقافي فلسطيني في العاصمة البريطانية (لندن)، وكان معين يشارك مع شعراء فلسطينيين آخرين. جاء إلي الأمسية متأنقاً، وكما هو شأنه فشعره ينفر كما لو أنه عرف حصان. جلس بجواري، وكنت أجلس أنا وصديقي ياسين رفاعية وزوجته الشاعرة أمل جرّاح.
    قلت له:
    ـ الليلة ستكون ليلتك، صدّقني...
    استفسر :
    ـ بجد ؟
    ـ نعم يا (أبو توفيق). الليلة ستكون ليلتك، ليلة (القصيدة)، الليلة ستتألّق، وتنال ما تستّحق من ثناء.
    وهذا ما كان. صعد معين، وفي القاعة كان شعراء، سياسيون، فنّانون عالميون، تتقدمهم صديقة الشعب الفلسطيني، الفنّانة البريطانية العالمية (فانيسيا ردغريف)، والصحافي البريطاني الكبير (مايكل آدمز) ، ومئات من حركات التحرر العالمية. استحوذ معين علي الجو، شعراً وإلقاءً، وصفّق له الجمهور واقفاً، صفّق للقصيدة:
    مطر علي الشبّاك
    في لون البنفسج والخزامي
    مطر علي المرآة
    في لون الدوالي والندامي
    مطر علي البحر المسيّج
    زبد وعوسج
    موج يعبئ بالنوارس
    لي المسدس
    كانت تلك ليلة (معينيّة) حقاً، أفرحت معين.
    في تونس، في المؤتمر العام لاتحاد العمّال الفلسطينيين تكررت تلك الأمسية، حيث قرأ معين (القصيدة).
    بعدئذ لم ألتق بمعين، وجاء الخبر الفاجع: رحل معين بسيسو!
    لم تسمح سلطات الاحتلال لجسد معين أن يدفن في غزّة، فدفن في مقبرة آل بسيسو في القاهرة...
    الاحتلال يخاف أجساد الشعراء، لأن الشعراء أمثال معين بسيسو لن يصمتوا بعد الموت، فهم أحياء بشعرهم الذي تتناقله الأفواه، وتردده الحناجر، وتختزنه الذاكرة الجمعية لشعبهم، وأمّتهم.
    الاحتلال يكره الشعر والشعراء، لأن أجساد الشعراء الراحلين ستتحوّل إلي مزارات تتجدد عندها نداءات الحريّة والمقاومة...
    من وقّعوا علي اتفاق (أوسلو) لم يتفطنوا إلي بند ينص علي عودة جثامين المبدعين الفلسطينيين، علي الأقل الذين من مدن وقري الضفّة والقطاع... من العجيب أننا كلّما انتقدنا مسيرة الخراب الاستسلاميّة فلا نسمع سوي : تعالوا ناضلوا معنا!
    طيّب، أيها المناضلون: لماذا (نسيتم) أن تصطحبوا معكم في (عودتكم) المظفّرة جثامين : كمال ناصر (بير زيت)، وحنّا مقبل (الطيبة)، وعلي فودة (علاّر)، ومعين بسيسو (غزّة)، وجبرا إبراهيم جبرا (بيت لحم)، وائل زعيتر (نابلس) وماجد أبو شرار (دورا).
    نحن لا نريد أن نحرجكم، ونطالبكم بإعادة جثامين: غسّان كنفاني، ناجي العلي، سميرة عزّام، وأحمد عمر شاهين، فهؤلاء من: عكّا، الشجرة، الناصرة، الرملة،...
    يا لهذا (السلام) الذي يحرم جثامين الشعراء، والكتّاب، والصحفيين، من حق العودة والدفن في مساقط رؤوسهم !
    شاعر الوحدة الوطنيّة :
    ظلّ معين بسيسو شيوعيّاً حتى رحيله، ولكنه لم يكن متعصّباً، فهو كتب شعراً جميلاً في جمال عبد الناصر، رغم أنه سجن في مصر مع مئات الشيوعيين... وهو رغم أنه علي النقيض مع (الإخوان المسلمين) ، سار هو وشيوعيو غزّة، والقوميون، كتفاً لكتف، معاً، يتقدمون الجماهير، رافضين التوطين، مطالبين بالسلاح للمقاومة.
    في مذكراته (دفاتر فلسطينيّة) يسرد معين ملامح تلك المرحلة في منتصف الخمسينات، ويقدّم رموز (الإخوان المسلمين) بكّل الاحترام، والإنصاف، رغم الخلاف الفكري، معتزاً بروح الوحدة الوطنيّة.
    لقد حافظ شاعرنا الكبير علي صلاته الحميمة مع كل مناضلي تلك المرحلة حتى أيّامه الأخيرة...
    اليوم، ونحن نستعيد ذكراه، ونقرأ شعره، ونحن نري ما يحدث في وطننا فلسطين بكّل فخر ـ ما جاءت به الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة ـ نجدنا مدعوين لصيانة روح الوحدة الوطنيّة التي ميّزت معين، ومنحته إضافة لقيمته الشعرية احتراماً وطنياً، ودوراً قياديّاً.(...)
    هذا هو الشعر، وهذا هو دوره :
    في آخر مقابلة أجراها معه تلفزيون الإمارات العربية ـ المذيع أحمد زين العابدين ـ قال معين: الدور الذي يجب أن ينهض به الشعر العربي الآن هو أن يقف مع الإنسان العربي، يقف مع الأمة العربيّة، يقف مع كل صديق لهذه الأمة، في سبيل نهوضها، وفي هذه المرحلة علي الكلمة أن تكون صادقة، شجاعة، وصريحة...
    معين يفهم الحداثة كما يلي : أنا حينما أقرأ بعض القصائد أحس أنني أقرأ باللغة الهيروغليفية . بعض الشعراء اعتقدوا أنهم حينما يتنكّرون للتراث، للتقاليد الشعرية العظيمة يصبحون شعراء معاصرين...
    وبطريقته التهكمية يسخر ممن يدّعون أنهم يكتبون لأنفسهم : حسناً، إذا أردت أن تكتب لنفسك، أن تكتب شيئاً لا يفهمه الناس، ولا يتفاعلون معه، فاكتب علي المرآة، وانظر فتجد قصيدتك، وتري أيضاً وجهك، وهذا يكفي لتحقيق كل طموحك... معين بسيسو من أوائل من كتبوا القصيدة الحديثة، قصيدة التفعيلة، وهو مع كونه شاعراً جماهيريّاً لا يغيب عن باله سؤال الشعر العظيم.
    قرأت مرّة للناقد السوري الصديق الراحل محيي الدين صبحي أن شعر معين ينطبق عليه مصطلح الشعر الخشن الذي ورد في كتاب (الشعر) لأرسطو، وهذا ما جعل الكتابة عنه صعبة رغم سهولة وبساطة هذا الشعر...
    من جهتي فأنا أشارك محيي الدين صبحي هذا الرأي، فالشعر العظيم لا يحتاج لفّك الطلاسم، ورسم المثلثات، والمكعبات، وتقويله ما لم يقل...
    معين يا صوت الضحايا :
    اليوم نردد مع الشاعر المصري :
    يا معين يا صوت الضحايا
    تملّي صوتك معايا
    ومع معين ننشد :
    قد أقبلوا فلا مساومة
    المجد للمقاومة
    المجد لمقاومة الإنسان العربي في فلسطين، في العراق، في لبنان، المجد للمقاومة الإنسانيّة تتحدّي ظلم أمريكا، وعدوانيتها وحليفتها الصهيونيّة...
    المجد للشعر، للكتابة تنحاز للإنسان، للعدل، للكرامة الإنسانيّة، للحب بكّل تجليّاته...

    ******************************



    إلى طفلتي دالية

    وكمصلوب يحلم.

    الأرض النائية كنجم.

    لو يسمع وقع خطاه...

    أنا أحلم أن نمشي.

    في كفي شعلة أزهار.

    وورائي أعلام الدمية.

    تتلوى فوق الأسوار.

    مصلوبك يا وطني يحلم

    الأرض النائية كنجم

    لو يسمع وقع خطاه...

    وورائي أعلام الدمية.

    أمراس جليد.

    تتلوى فوق الأسوار.

    ألف شتاء قد مر وما زال

    مصلوبك يا وطني يحلم

    لو تلمس قدماه،

    الأرض النائية كنجم

    لو يمشي

    لو يسمع وقع خطاه...

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:09 am

    الشاعر معين شلبية



    نبذة

    ولدت في الرابع عشر من تشرين أول عام 1958 في قرية المغار الجليلية التي تطل على بحيرة طبرية وتحيطها غابة من أشجار الزيتون الخضراء. عشت طفولة معذبة شأن أطفال فلسطين بعد نكبة شعبنا؛ تأثرت بحالات المعاناة التي عشناها حتى رافقتني إلى يومنا هذا، وكانت كافية لأن تجعلني أسيرها ومحكوما بها إلى الأبد.

    أنهيت دراستي الابتدائية في قريتي المغار عام 1972 والثانوية في قرية الرامة عام 1976.

    خلال دراستي الثانوية أصابتني أعراض الشعر الحقيقية وبدأت أتعرف على الثقافات واطلع على شعرها؛ ثم بدأت بنشر قصائدي في المنشورات الوطنية، الصحف الفلسطينية والعربية واختار قراءاتي من الإغريق مرورًا بالمتنبي حتى محمود درويش.

    التحقت بقسم اللغة العربية والإدارة العامة في جامعة حيفا حيث بدأت مرحلة جديدة من الحياة حيث مارست النشاط السياسي، الثقافي، الاجتماعي، والنقابي إلى يومنا هذا.

    شاركت في أمسيات ومهرجانات ثقافية، شعرية، محلية، عربية وعالمية عديدة..خاصة في مصر والأردن وحزت على شهادات تقدير عديدة وأخيرًا على درع تكريم شعراء ومبدعي فلسطين.

    عضو في اتحاد الكتاب العرب وأحد مؤسّسي جمعية إبن رشد للثقافة والفنون.

    تناولت نتاجي الأدبي عدة دراسات نقدية داخل البلاد وخارجها.

    عملتُ بكد وجهد على تحقيق التطلعات الوطنية لشعبنا من خلال المواقع الوطنية العديدة؛ وأعتبر أن حياتي ليست سوى وميض في خوالد المكان والزمان، ولكنها دائمة الصراخ، دائمة السفر، دائمة التخيّل.

    الكتابة، سفر تكويني الخاص، تسوية أخلاقية بين تجربتي الإنسانية وبين هاجس البحث عن سؤال الحرية، الحقيقة والعدالة في جو استثنائي شخصي وذاتي يبدأ من الصرخة الأولى ويمتد نحو التصاعد الغامض المتوتر والقلق الذي لا يتوقف على حال من اجل بناء تجانس كينوني بين الجماعي والفردي، بين الأنا والآخر، بين العشق والمرأة، بين الأرض والوطن.

    ولكن يبقى سؤال الكتابة مبحراً في الأزرق كما يبدو، معاناة لا شفاء منها، دهشة مشبعة بالوعي والهوس، تحك المخيلة، تداعب اللاواعي كي تصل إلى اللذة التي لا أحب الوصول إليها في هذا العالم الغائب، الضيق والسحيق.

    وهكذا، ولدت من رحم المعاناة حاملاً جواز سفر في عالم الفن والجمال، أحك الفضاء الواسع المسكون بالإبداع والظمأ، أعانق رجالا في الشمس، باحثا عن أوراق الزيتون في هذا الزمن الخريفي، راسما جدارية الحياة والموت حاملا سؤال الحرية والحقيقة في عالم مختل، مدهش وغريب.

    كنت ابحث عن الحلم الأول، عن الألم الأول مشعلا الحرائق في كل مكان، محترفا الحزن والانتظار، تائها في سبر غور حالة القدرة على معرفة نفسي وموسيقى الكون.

    كنت ابحث عن الوعي الأول المثير، المغامر العنيد والمشتعل بنار العشق، طارحا السؤال الثقيل: سؤال الحياة والموت.

    في تلك الحالة الاستثنائية، الإنسانية الشاملة في جوهرها المتألق، المتوتر، الحائر والمأزوم، كنت اسأل لأعود مع اقرب عاصفة كي أخترق جدار الذاكرة، وكلما داهمتني هذه الحالة كنت استعيد توازني في عالم لا يرحم. كنت استرخي في غيبوبة الوجع، هناك، على شاطئ البحر، اتألم زرقته وأتمنى الخلاص حتى تفيض الروح دهشة، تمردا ورؤىً.

    هذا الرحيل المستمر، تعبيري عن التجربة الحياتية على حقيقتها؛ يتداخل صراخي في غمار الأحزان، تتشابك الصور المضطربة، يتسع الهامش.. وتمضي غيمة.

    وهكذا استمر هذا الحضور اللامتناهي حتى يومنا هذا.

    لقد أصبت بخيبات أمل عديدة منذ طفولتي الأولى؛ أخذتني حالات الخوف والقلق في غمرة الدفاع عن دفاعي الذي تجلّى إمامي كلمح الوطن. قاومت بشتى أشكال التعبير الإنساني الظواهر السلبية وعبّرت عن انفعالي بتطويعه الطوعي لذاك الصوت الذي يسكن شقوق السؤال.. ولكن هيهات يشبعني هاجس يسكن الأفق.

    سكنت غابات عينيها، سكنت الضلوع، وقلت:

    الحب دائماً...

    واستمر قلبي يرفع صرخات الاحتجاج وهو ينادي:

    القلب لا يتحمل زمنين رديئين. التفت فلم أجد إلا ظلي... وسقطت جميع الأقنعة.أنا ألان وحدي أقاسي عذاب النص، أعانق بشغف ورغبة حرارة المرأة التي ما زالت النيران تشتعل في ثيابها، وتعود كما تعود الدائرة إلى نقطة البيكار، وكأن لسان حالها يهمس:

    أيها الفتى: أنت قد رأيت في غربتك مدنا كثيرة، فخبرني: أية مدينة أطيب؟

    قلت: تلك التي فيها من اختطفت قلبي!

    فدعيه يستدفئ حول بيتك، ونامي.

    الأعمال الشعرية :

    1. الموجة عودة 1989 دار الأسوار للثقافة الفلسطينية - عكا

    2. بين فراشتين 1999 المؤسسة العربية الحديثة - القدس

    3. ذاكرة الحواس 2001 المؤسسة العربية الحديثة - القدس

    4.طقوس التَّوحد 2004 دار الأسوار - عكا

    5.هجرة الأشواق العارية. 2005 دار الأسوار - عكا (تحت الطبع).

    الأعمال النثرية :

    1. تأملات 1992 النهضة للنشر والتوزيع - حيفا

    2. مساء ضيّق 1995 أبو رحمون للنشر - عكا

    3. شطحات 1998 منشورات البطوف - حيفا





    *********************************



    الموجة عودة

    ولماذا أسامح يا أصحاب ؟

    هل أحد منكم يحمل أمتعة الصبح مكاني

    هل من يقرأ في حزني النكبة

    ويشارك في موت الليل مقاساة العتمة

    ويمزق شريانا في أحشاء زماني

    كانت في قلبي تتفتح زهرة

    كانت في روحي زنبقة مرة

    مر العمر ويا ليته... ما مرّ.

    كانت في قلبي تتفتح طفلة

    تتململ في رحم الأحزان.. تعاني

    كانت في روحي أنثى

    ترسم أجنحة الشمس وأعقاب البسمة

    لكن سهاما من قوس أحبائي

    بعثت في عز الصبح إلى روحي ... فأصابت !

    ماذا أفعل يا أصحاب ؟

    هل يوجد من يحمل منكم أتعاب الأمة

    هل أحد منكم يقرأ أسفار البحر

    ويرشف من قاع الكأس بقايا الجمرة ؟

    وتقول الطفلة:

    ماذا أفعل كي تجعلني حبلى!؟

    ماذا أكتب يا أغراب؟

    هل يوجد من يفهم فيكم ما قد أكتب؟

    قد أكتب عنكم كل خطاياكم

    وأعانق فيكم في عز الظهر عذابي

    لتكون الثورة

    لتكون الثورة

    لتكون الثورة..

    ماذا أعمل يا عشاق؟

    هل أحد منكم يعرف طعم الجرح المالح

    في صدر القبلة؟

    هل أحد منكم يعرف كيف يكون الحب

    على جسر العودة؟

    هل أحد منكم يعرف كيف تغيب الروح

    على خصر الخيمة؟

    هل أحد منكم يعرف كيف يجوع القلب

    وتنتحر الشهوة...؟!

    ماذا أفعل يا أحباب؟

    سراب هذا ... هذا سراب

    واصل شهوتك المائية

    واصل أحلام الزوجة

    فغدا ستعانق تلك الموجة

    الموجة عودة

    الموجة عودة

    الموجة عودة.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 116
    تاريخ التسجيل: 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:11 am

    الشاعر هارون هاشم رشيد



    هارون رشيد: قصيدة النثر انقطاع عن التراث وخلع للجذور والهوية

    حوار: مفلح عياش

    الشاعر الفلسطيني «هارون هاشم رشيد» من مواليد حارة الزيتون في غزة هاشم عام 1927، اسم ذو حضور خاص، اقترن بفلسطين وعذاباتها، فوقف شعره تارة على رؤوس أصابعه حزناً على فلسطين وقضية شعبه وتارة أخرى ممتشقاً قلباً لا يتوقف غضباً، وظل طوال نصف قرن وفياً لاختياره مخلصاً في تعبيره بالهم الفلسطيني من خلال تجربته كانسان ابعد عن وطنه ظلما، وعاش مآسي وإحداثا تقلبت على فلسطين خلال عمره المديد.

    هارون هاشم رشيد من شعراء الخمسينيات الذين أطلق عليهم «شعراء النكبة» أو «شعراء المخيم» ويمتاز شعره بروح التمرد والثورة ويعد شاعرنا، شاعر القرار 194 كما وصفه الشاعر عزا لدين المناصرة، فهو من أكثر الشعراء الفلسطينيين استعمالاً لمفردات العودة، العائد، العائدون.. وشاءت الأقدار لهذا الشاعر أن يتعايش ويصاحب اللاجئين منذ اللحظات الأولى لهذه المأساة النكبة، فتفجر شعر هارون من هذه التجربة، وولد ديوانه الأول «مع الغرباء» عام 1954 رصد فيه معاناة فقدان الوطن،

    وتأثيرات النكبة وما خلفته، حتى ذهب بعض النقاد ومن كتبوا عنه إلى اعتباره من مدينة يافا أو من بئر السبع وهما مدينتان تم احتلالهما وتشريد أهلهما عام 1948 فقصائده تبدو وثيقة نفسية وإنسانية ترصد ألم اللجوء وحياة المشردين، وحتى اليوم مازال يستلهم قصائده من ألوان الحياة الفلسطينية، فقد اشبع دواوينه الأولى بموضوع اللاجئين والنكبة. ظل قريباً من الناس بعيداً عن النخبوية والمعارك الطاحنة بين القديم والجديد، بل ظل همه التعبير صريحاً عما يؤثر فيه، قريباً من هموم شعبه وأمته.

    اصدر هارون هاشم رشيد عشرين ديوانا شعرياً بين عامي 1954 ـ 2002 إضافة إلى عدد من المسرحيات الشعرية التي أخرجت على المسرح وطافت عدداً من البلاد العربية، وشكلت احد روافد المسرح الملتزم، وجددت تقاليد المسرح الشعري والذي لم يعنى به إلا فئة قليلة من الشعراء.

    هارون هاشم رشيد ابن الحقبة الناصرية ـ الذي يعتبر نفسه احد جنود هذه المرحلة الأوفياء حتى اللحظة ـ ومندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، والعضو الدائم في اللجنة الإعلامية العربية، كرم بعدد كبير من الأوسمة ونال الجوائز، إلا أن أهم تكريم ناله المكانة العميقة التي احتلها في وجدان وقلوب الناس ممن اتصلوا بشعره أو استمعوا إليه، فهو ليس من طلاب المجد ولا ينظر إلى تكريم أو احتفال، بل يقول كلمته ويمضي، أملا إن تصل إلى قلوب الناس وتفعل في وجدانهم.. بيان الثقافة التقاه في هذا الحوار:

    ـ بداية هل لك أن تحدثنا عن طفولتك ونشأتك والظروف التي أحاطت بهما؟

    ـ الحياة والسيرة الذاتية لكل إنسان فلسطيني متشابهة، وعندما أتحدث عن نفسي كأنني أتحدث عن إي فلسطيني، إنا لست في تفاصيل الحياة الفلسطينية استثناء وشاءت لي الأقدار أن أعيش المأساة من أولها كما فعلت شريحة واسعة من كبار السن من الفلسطينيين، فمنذ الثلاثينيات والإحداث تتوالى، والفلسطيني أيا كان عمره ومكانه ومكانته، اندمج معها، حتى أصبحت جزءاً من كيانه وتفاعلاته الحياتية اليومية،

    لقد أثرت هذه الأحداث على الصغار قبل الكبار حتى تمكنت من أن تنتزع منهم طفولتهم تماماً كما الأجيال التي تلت وعاصرت النكبة وغيرها وانتزعت منهم كل ما يحلم الأب أن يوفره لأطفاله من براءة ولعب بل وطفولة.

    واذكر في عام 36 في احد أيام رمضان أنني كنت مع مجموعة من الأطفال بالقرب من مسجد «الشمعة» نلعب في ساحة اسمها «باب الدارون» في حارة الزيتون بغزة، وقبيل أذان المغرب بقليل حيث اعتدنا على ذلك لقضاء الوقت حتى يحين موعد أذان المغرب لنذهب إلى الإفطار.. ولكن وقبل موعد الأذان مرت دورية بريطانية صغيرة بجانبنا، وفجأة ظهر خمسة ثوار، وأطلقوا النار على الدورية وحدث اشتباك بينهم وبين إفراد الدورية البريطانية أسفرت عن استشهاد اثنين من الثوار وجرح آخرين فيما تمكن الخامس من الفرار.

    وبعد وقت قصير امتلأت الساحة بالمصفحات والمجنزرات وتعزيزات كبيرة من الجنود البريطانيين، فطوقوا المنطقة، وجمعوا الرجال في مسجد الشمعة، وكان والدي وأخي الأكبر يتناولان طعام الإفطار عند شقيقتي خارج الحارة، فنمت وبقية أهلي وحدنا في تلك الليلة.

    اذكر تلك الليلة جيداً لقد أصبحت عتمتها وظلامها وطغيانها جزءاً مني واذكر كيف عانيت خلال هذه الليلة من الخوف والاضطراب.. وفي الصباح طلب منا الجنود البريطانيون مغادرة المنزل حيث قاموا بنسف عدد من البيوت المحيطة بالمنطقة، ومنذ تلك اللحظة أدركت أن هناك مخاطر تتهددني وأسرتي وشعبي، ومنها ومن فجر تلك الليلة بدأ الالتزام، وشعرت إنني خرجت فعلياً من دائرة الطفولة.

    ـ لقد عايشت النكبة، ويطلقون عليك شاعر النكبة أو «شاعر القرار 194» لكثرة حديثك عن اللاجئين ومأساتهم.. كيف اثر هذا الحدث عليك؟ ـ لا استطيع أن انسي تلك اللحظات الصعبة والمأساوية، التي يهجر فيها شعب بأكمله من دياره إلى الشتات، لقد عشت مأساة اللاجئين.. لم لا.. كنت في غزة وكنت احد المتطوعين للمساعدة في نقل وإيواء اللاجئين وكان اللاجئون يصلون في مراكب تسمى الجرو.

    واذكر كيف أن هذه المراكب لم تكن تستطيع الوصول إلى الشاطئ فكان الصيادون يذهبون إلى هذه المراكب في زوارقهم ويحضرون الأسر المهجرة الضائعة إلى الشاطئ الذي يفتقر إلى الميناء، نساء وأطفال وعجزة وشباب وفتيات مشهد جحيمي.. كنت اشعر كم نحن وحيدون.

    كنا نحمل هذه الأسر على أكتافنا إلى الشاطئ ومن ثم نرسلها إلى أماكن الإيواء في المدارس والجوامع، وبعد ذلك شاءت الأقدار أن اعمل مع لجنة لشئون اللاجئين بطلب من ابن خالتي الذي كان عضوا فيها، ومنذ تلك اللحظة بدأت عمليا وبصورة يومية أعيش مع اللاجئين كل لحظات مأساتهم.

    المعظم يشاهد صور خيام اللاجئين.. إنا رأيتها وعشتها تشربت مأساتها لقد مكثوا فترة من الزمن في الخيام حتى جاءت وكالة الغوث وتم نقل اللاجئين إلى معسكرات النصيرات والبريج والمغازي وهي في الأصل معسكرات للجيش لا تصلح للسكن.. وزاد تفهمي للهم الكبير الذي يسكن اللاجئين.

    ـ كان لك علاقات حميمة بعدد كبير من الأدباء والقادة والإعلاميين كيف أثرت هذه العلاقات على الشاعر هاشم هارون رشيد بخاصة في بدايات المشوار وأنت توصف بأنك من جيل الخمسينيات في الشعر الفلسطيني؟ ـ لم أكن أتخيل في يوم ما إنني سأصدر ديوانا شعرياً، فقبل صدور الديوان كانت لدي مجموعة من القصائد، وكنت على علاقة حميمية مع المرحوم صلاح خلف «أبو إياد» الذي كان يدرس حينها في القاهرة وكنت معجباً بأستاذه الدكتور عبدا لمنعم خفاجه ـ وهو من كبار الأدباء والكتاب ـ وخلال إحدى إجازات أبو إياد الذي يسكن في مكان قريب من بيتي في غرفة، قرأ بعض قصائدي وقال لي انه سيحملها إلى القاهرة لنشرها. فقلت له هذا ملف بالقصائد خذه معك شريطة عدم نشرها إلا إذا اطلع عليه الدكتور عبدا لمنعم خفاجه وأجاز نشره.

    وقبل ذلك كان اخذ مني قصيدة «الجولة الثانية» ونشرها في مجلة «المرابطة» وأهداها إلى رئيس رهط الجوالة حينذاك الأخ ياسر عرفات «أبو عمار» وعندما منحت وساماً عام 1990 ألقاها أبو عمار بصوته إمام الجماهير.

    نعود للحديث عن الديوان ففي القاهرة اطلع الدكتور عبدا لمنعم ـ الذي كان عضوا في «رابطة الأدب الحديث» على القصائد وأعجب بها وقال الدكتور عبدا لمنعم لأبي إياد أن هذا الشاعر كبير.

    وقرر الدكتور عبدا لمنعم طباعة ديوان «مع الغرباء» حيث صدر عن رابطة الأدب الحديث وكتبوا عليه شاعر فلسطين القومية، وقدم الدكتور عبدا لمنعم خفاجة لهذا الديوان وكتب العديد من الأدباء المعروفين حول هذا الديوان في مقدمتهم مصطفى السحرتي وعبدا لله زكريا وغيرهم.

    وتناولته صحف ومجلات وجرائد وكتبت عنه دراسات واسعة في غير مكان من الوطن العربي وتم اختيار عدد من القصائد التي غناها محمد فوزي وفيروز وكارم محمود وفايزة كامل وغيرهم.

    وأول شخص كان لي علاقة معه في بداية النكبة كان محمد عبدا للطيف عبدا لله الذي اصدر رواية «لقيطة» فقرأت الرواية وأعجبت فيها فكتبت تعليقا عليها وأرسلتها له، فرد رسالة مطولة فتحت افقا بيني وبينه حتى التقيته عام 1958 في مهرجان شعري على هامش مؤتمر لاتحاد الكتاب العرب الذي كان منعقداً في الكويت.

    وفي الكويت كان لي حضور لدرجة أن محمد مهدي الجواهري أراد رؤيتي وعندما قابلته قال لي: احتراماً لك سألقي قصيدة عن يافا.

    وقد تعرفت على عدد كبير من الشعراء وتوطدت علاقاتي معهم، وفي القاهرة دخلت المجتمعات الأدبية مبكراً، فكانت لي علاقات مع صلاح عبد الصبور ومعظم شعراء وأدباء هذا الجيل.

    ـ أنت شاعر تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة فما هي معايير القصيدة الناجحة لديك؟ ـ الشعر هو شعر عندما يخرج كشعر فالقصيدة الناجحة هي التي تعبر عن صدق الشعور، فالصدق شرط أساسي للشعر، وبقدر ارتقاء القصيدة إلى مستوى الشعور باللحظة وتكثيفها وجدانياً بقدر ما تكون ناجحة.

    والقصيدة الناجحة يتوفر فيها أيضا موسيقى الشعر، وإذا خلت القصيدة من الموسيقى تعتبر نوعاً آخر من الكتابة.

    ـ في هذا الإطار ما رأيك بقصيدة النثر التي يذهب البعض إلى أن فيها نوعاً آخر من الموسيقى؟ ـ هذه القصيدة المزعومة هدفها الانقطاع عن التراث وخلع عباءة الانتماء وقطع الجذور وهذا مرفوض عند من يريد التمسك بهويته وأصالته، وإذا عدت إلى بدايات هذه الحركة وما كشف حول الجهات الممولة لها، فنضع عند ذلك علامات استفهام كبيرة، فكسر وإضعاف اللغة والنحو وشطب الوزن موجة مرفوضة ولا أؤمن بها بل أضع علامات استفهام كبيرة على مشروع قصيدة النثر منذ بداياته.

    ـ في قصائدك تستخدم الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ويبدو قبولك الأخير كامتداد للشعر العربي، مطوعاً إياه للتعبير عن مرادك؟ ـ نعم، إنا لا اعد شعر التفعيلة خروجا، بل امتداد للشعر العربي ولموسيقاه الأصلية، فلم تخرج التفعيلة على شعر التراث، وإنما هي جزء منه، وحركت هذه التفعيلة الإيقاع وأعطته مدى أوسع لذلك فهي تطور مقبول ما دام جوهر الإيقاع موجوداً داخلها.

    وأنا استخدمت التفعيلة مبكراً منذ ديواني الأول «مع الغرباء» وفي عدد من القصائد والمسرح الشعري، وصدر لي ديوان كامل عام 1970 كتب مقدمته المرحوم أبو إياد فالتفعيلة أداة من الأدوات التي يستعملها الشاعر.

    وقبل فترة بسيطة كنت مدعواً للمشاركة في إحدى المهرجانات الشعرية في تونس، وكنت قد حضرت مجموعة من القصائد لألقيها في المهرجان، وبعد نزولي من الطائرة، ركبت سيارة لأتوجه إلى الفندق فتابعت من خلال المذياع ما يحدث في جنين وأصبح كل الورق والقصائد التي انتقيتها لإلقائها في المهرجان ليست ذات قيمة بالنسبة لي، فكتبت قصيدة جديدة ألقيتها وحدها في المهرجان، فدخلت على الحضور ولم أحييهم ولم اشكرهم ولم اقل لهم السلام عليكم، بل قلت:

    حزينا أجيء لكم

    فاعذروني إذا سبقتني إليكم عيوني

    بدمع سخي سخي سخين

    على من فقدتهم في جنين

    اعز الرجال اعز النساء اعز البنين

    هذا شاهد على أن شعر التفعيلة لاقى استحسان الناس، وعبر عنهم، وأنا وجدت أن شعر التفعيلة يطوع المشهد والصورة أكثر وبلائم الشعر المسرحي.

    ـ لو اتهمك البعض انك شاعر كلاسيكي والقصيدة لم تتطور عندك فكيف ترد؟ ـ أؤمن بأن الشاعر الذي يستطيع أن يعبر تعبيراً صادقاً عن لحظته بالأداة التي يستطيعها، وبإمكاني أن الغز واخفي مما يسمى بالتجديد.. وعندي أن الحداثة فيما اكتبه تتحد بوصول ما أريده إلى الآخرين، وما دام يروقهم فهو شعر حديث.

    والأمر الآخر أننا كشعراء فلسطين نركن جانباً الإيغال في الرمزية وغيرها، فنحن لدينا قضية نكتب فيها والشاعر يعبر عن حالته، هل من الممكن أن يأتي شاعر فلسطيني ويجلس في برج ويتكلم عن السريالية والألغاز والصور دون أن يعبر عما يجري من مجازر وقتل وإرهاب بحق أبناء شعبنا الفلسطيني؟ في النهاية الإبداع حالة إنسانية مندمجة مع بيئة الشاعر وفصلها عن هذه البيئة يجعلها كائناً مسخاً لا طائل منه.

    ـ أصدرت عشرين ديوانا شعرياً منذ عام 1954 ولاحظت من خلال تواريخ صدورها أن الفترة الممتدة بين عامي 58 و66 لم يصدر لك فيها إي ديوان شعري فما سر ذلك؟ ـ عام 56 جاء عبد الناصر ومعه خطة لإقامة دولة فلسطينية، حث تشكل إيمان عميق عند عبد الناصر بإيجاد الكيان الفلسطيني وفي هذه المرحلة شغلت عن الشعر في هذا الأمر، مع إنني كنت اكتب أحيانا لكن دون أن انشر ما اكتبه.

    ـ بمناسبة الحديث عن عبد الناصر، أنت ابن الحقبة الناصرية، عايشتها بل كنت موظفاً في صوت العرب، ماذا تقول عن هذه المرحلة؟ ـ منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها عن قيام الثورة في مصر اعتبرت نفسي احد جنودها، وأصبح أملي كبيراً بأن هذا الرجل سيحدث نقلة تاريخية في تاريخ الأمة العربية، وشاءت الأقدار أن أكون في اتون هذه الأحداث، وبحكم عملي اطلعت بشكل مباشر وغير مباشر على خبايا ما يريده عبد الناصر بالحس الذهني أو من خلال رجالات النظام.

    عمل عبد الناصر منذ عام 56 على تأمين سلاح للجيش، فلجأ إلى الكتلة الشرقية للحصول على السلاح وكان له ما أراد بحصوله على أول صفقة من السلاح التشيكي، وكانت هذه الصفقة من الأسباب الرئيسية لحرب 56، إلا أن العدوان الثلاثي لم يكسر شوكة عبد الناصر الذي تمكن من تفجير الموقف الشعبي ضد العدوان والاحتلال.

    كيف عاد الحاكم العام إلى غزة؟ الاتفاقية أن قطاع غزة يصبح تحت السيطرة الدولية «تدويل القطاع» لكن الشعب الفلسطيني رفض هذه الاتفاقية، وخرج بمظاهرات كبرى كانت تنادي وتهتف بعدم التدويل ووصلت إلى أوجها عندما صعد شاب اسمه محمد مشرف إلى سطوح السرايا وقام بإنزال العلم الدولي ورفع مكانه العلم المصري، وعندما نزل الشاب تم إطلاق النار عليه وقتله.

    وبعد عام 56 أعطى عبد الناصر فرصة للفلسطينيين برئاسة الإدارات التي كان يرأسها المصريون وفتح المجال أمامهم للذهاب إلى الكلية الحربية، إضافة إلى الدراسة في الجامعات المصرية، أراد تأهيل الفلسطينيين علمياً وعسكرياً.. وانشأ الاتحاد القومي فانتخبت لجان الاتحاد في محاولة مبكرة لإيجاد الكيان الفلسطيني وافرز من هذه اللجان انتخاب أعضاء المجلس التشريعي ليصبح هناك سلطة تنفيذية وتشريعية.

    ـ ما دمنا في هذا الإطار، كيف تنظر إلى النكبة الثانية التي حلت بالشعب الفلسطيني؟ ـ 1967 لها قصة طويلة وعريضة وليس لها مساس بنا كفلسطينيين فنحن قاتلنا حتى اللحظة الأخيرة وكنت حينها موجوداً في القطاع، عضو في منظمة التحرير الفلسطينية وسقطت الدنيا ونحن نقاتل، واذكر أن الأخوة الذين كلفوا بعمليات الداخل رفضوا التسليم بالهزيمة واستمروا بالقتال، لكن حصل ما حصل.

    ـ تأريخ 67 يشكل بداية اهتمامك بالمسرح، فإضافة إلى انك شاعر فأنت كتبت المسرحية والرواية، هل لك أن تطلعنا على هاتين التجربتين؟ ـ بدأ اهتمامي بالمسرح عام 67، حيث التفت إلى أهمية المسرح في إيصال الرسالة وكتبت أول مسرحية لي عام 1972، وصدرت هذه المسرحية عن الكتاب الذهبي ومثلت بعد ذلك على المسرح حيث أخرجها كمال ياسين ومثلها كرم مطاوع وسهير المرشدي وعرضت في التلفزيون بعد ذلك.

    وبعد ذلك كتبت مسرحية «سقوط بارليف» وهي منظومة على شعر التفعيلة وتحدثت فيها عن مفاهيم مختلفة عن كل المسرحيات التي قدمت وتم اختيار هذه المسرحية من بين عدد كبير من المسرحيات التي تم تبنيها من مصر في ذكرى العبور، وحصلت على المرتبة الأولى من بين ست مسرحيات اختيرت لهذه الغاية، ونفذتها فرقة المسرح القومي المصري عام 74 واستمر عرضها فترة طويلة من الوقت وطافت بلاداً عربية متعددة وكتبت بعدها «جسر العودة» و«عصافير الشوك» و«القصر».

    إما على صعيد الرواية فقد كتبت الرواية في أوائل الخمسينيات وكانت روايتي الأولى هي «دوامة الأعاصير» ودارت أحداثها حول سقوط حيفا، وفي أواخر الخمسينيات كتبت رواية «مولد عائد» وهي رواية تتم أحداثها كلها في لحظات ميلاد امرأة لاجئة في معسكر المغازي وكان زوجها في عملية فدائية ومع كل طلقة من طلقات الميلاد، كان هناك حديث عن خلفية المرأة وتهجيرها من يافا وكان المفروض تمثيل هذه الرواية سينمائيا وقبضت ثمنها لكن حدثت تغييرات ولم يتم عمل الرواية وضاعت النسخة الأصلية مني كما ضاعت من المخرج المصري توفيق صالح الذي كان مقررا أن يقوم بإخراجها. وكتبت رواية أخرى بعد ذلك وهي «سنوات العذاب».

    ـ إضافة إلى انك شاعر وأديب فأنت سياسي وإعلامي ومنذ عقود تتوالى المآسي والأحداث على شعبنا الفلسطيني بشكل خاص وامتنا الإسلامية والعربية بشكل عام، ولكن ما يلمس حاليا انحسار فعلي لدور المثقف العربي في الشارع ولا نلمس تأثيرا لهم على الشارع العربي ماذا تقول في ذلك؟ ـ شيء مريب أن يقابل ما يجري في فلسطين بالصمت من العالم العربي أنظمة وشعوبا وعندما كانت البلدان العربية ترزح تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني وغيرهما وكان يسقط شهيد في المغرب أو الجزائر أو مصر كنا في فلسطين نسمع صوت الأذان في غير موعده وتدق أجراس الكنائس تضامنا وتعبيرا عن حالة الغضب والتضامن وكنت تجد الألوف في الشوارع يطالبون بإنهاء الاحتلال عن إي بلد عربي.

    إما في الوقت الراهن فان المئات بل الآلاف يذبحون في الشوارع في فلسطين والعراق وغيرهما من البلاد الإسلامية والعربية وعلى شاشات التلفزة دون أن يحرك ساكنا لدى الشعوب الإسلامية والعربية.

    ـ أنت مندوب فلسطين الدائم في جامعة الدول العربية ونلاحظ في الوقت الراهن أن الولايات المتحدة الأميركية تشن حملة إعلامية وسياسية مكثفة على الدول العربية وهناك أحاديث عن إعادة تقسيم المنطقة العربية، كيف تقيم السياسة الأميركية إزاء العرب في هذه المرحلة؟ ـ السياسة الأميركية التي تنفذها الولايات المتحدة الأميركية ليست جديدة بل هي قديمة متجددة والمطلوب من العرب والمسلمين إعادة النظر بأوضاعهم وسياساتهم ومواقفهم وإذا ضربت العراق فسنطبق مباشرة المثل القائل «أكلت يوم أكل الثور الأبيض» فالأمر لن يقتصر على العراق بل سيتعداه إلى كل الأقطار العربية الواحدة تلو الأخرى ووجدت الولايات المتحدة فرصتها في إحداث 11 سبتمبر العام الماضي لتنفيذ مخططاتها وأنا واثق أن هناك خارطة جديدة ترسم لهذه المنطقة العربية «سايكس بيكو» جديد. هناك أمر ما سيحدث، فما جرى في أميركا لا يحتاج كل هذا القتل والدمار، أميركا لم تقم لجنة تحقيق في الموضوع بل بدأت بضرب أفغانستان ما يؤكد أن هناك مخطط وإستراتيجية تجاه المنطقة العربية والإسلامية وجدت أميركا في 11 سبتمبر مبررا ووسيلة للبدء بتنفيذها.

    ـ جامعة الدول العربية رأس الدبلوماسية العربية، والكثير يتهمها بالفشل والتقصير في معالجة المسائل العربية أين المشكلة؟

    ـ الجامعة العربية ليست كيانا واحدا وليس العيب فيها ولا في ميثاقها ولا قراراتها فهناك لجان ودراسات على اعلي المستويات وتم اتخاذ عشرات القرارات في كافة المسائل لكن الإشكالية في أن كل دولة عربية تأخذ ناصية بعيدة لها عن الالتزام بهذه القرارات والأغلب لا ينفذون منها شيئا فليس هناك قرار واحد اجمع عليه العرب ونفذوه، فالعيب ليس في الجامعة بل في الأنظمة التي لا تلتزم بما يتم اتخاذه من قرارات وهي جزء من صناعة هذه القرارات ومع ذلك ورغم أن العديد ينتقد ويهجو الجامعة العربية إلا أنها المكان الوحيد الذي مازال يلتقي فيه أفراد الأسرة الواحدة ويجمع شملنا.

    ـ بتقديرك ما المطلوب عربيا للخروج من هذه الحالة؟

    ـ المنطقة العربية تواجه مشاكل خطيرة وكبيرة تحتاج إلى مشروع تنمية سياسية واقتصادية شامل لذلك يجب أن تكون الحلول مستندة إلى حاجات الناس ولا يجب أن نلوم أميركا لوحدها فالعرب منذ سنوات بعيدة وهم يقبلون بالمنطق والسياسة الأميركية لان النظام الرسمي العربي مشرذم ويتصرف الحكام وفق المصالح القطرية الضيقة دون الأخذ بالاعتبار مصالح الشعوب العربية، فبعد غياب الموقف العربي الواحد أصبحنا أسرى السياسة الأميركية وغير مؤثرين وفاعلين في الساحة الدولية وهذا العجز والهوان أعطى إسرائيل فرصة كاملة لتحقيق ما تريد من احتلال للأراضي الفلسطينية وإلغاء للاتفاقيات والقتل والتدمير دون حساب للعرب.

    اعتقد أن هناك أزمة كبيرة في النظام الرسمي العربي فلا يصبح القرار الرسمي العربي جديا ـ وان عارض بالتصريحات والأقوال ـ إلا إذا ارتبط بالموقف الشعبي، فعلى الأنظمة العربية التواصل والترابط مع شعوبها لمواجهة الأخطار المقبلة وتجسيد العلاقة لبناء حالة واحدة بدلا من العداء وتربص كل طرف بالآخر.

    أعماله الشعرية :

    مع الغرباء (رابطة الأدب الحديث، القاهرة، 1954م).

    عودة الغرباء (المكتب التجاري، بيروت، 1956م).

    غزة في خط النار (المكتب التجاري، بيروت، 1957م).

    أرض الثورات ملحمة شعرية (المكتب التجاري، بيروت، 1958م).

    حتى يعود شعبنا (دار الآداب، بيروت، 1965م).

    سفينة الغضب (مكتبة الأمل، الكويت، 1968م).

    رسالتان (اتحاد طلاب فلسطين، القاهرة، 1969م).

    رحلة العاصفة (اتحاد طلاب فلسطين، القاهرة، 1969م).

    فدائيون (مكتبة عمّان، عمّان، 1970م).

    مزامير الأرض والدم (المكتبة العصرية، بيروت، 1970م).

    السؤال / مسرحية شعرية (دار روز اليوسف، القاهرة، 1971م).

    الرجوع (دار الكرمل، بيروت، 1977م).

    مفكرة عاشق (دار سيراس، تونس، 1980م).

    المجموعة الشعرية الكاملة (دار العودة، بيروت، 1981م).

    يوميات الصمود والحزن (تونس، 1983م).

    النقش في الظلام (عمان، 1984م).

    المزّة - غزة (1988م).

    عصافير الشوك / مسرحية شعرية (القاهرة، 1990م).

    ثورة الحجارة (دار العهد الجديد، تونس، 1991م).

    طيور الجنة (دار الشروق، عمان، 1998م).

    وردة على جبين القدس (دار الشروق، القاهرة، 1998م).

    أعماله الروائية :

    سنوات العذاب (القاهرة، 1970م).

    الدراسات :

    الشعر المقاتل في الأرض المحتلة (المكتبة العصرية، صيدا، 1970م).

    مدينة وشاعر : حيفا والبحيري (مطابع دار الحياة، دمشق، 1975م).

    الكلمة المقاتلة في فلسطين (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م).

    ************************************



    هارون هاشم رشيد عقب فوزه بجائزة ((باشراحيل)) الشعرية:
    خيار الانتفاضة سلاح التحرير والمقاومة
    عايشت سنوات النكبة.. فكتبت عنها بدمائي.. وبإحساس المشردين

    القاهرة/صلاح حسن رشيد

    شاعر انصهر بالمقاومة المستبسلة، وعاش سنوات شبابه مطارداً من الاحتلال الإسرائيلي؛ لأنه عشق التراب الفلسطيني، وسطّر بأشعاره ملاحم النضال والصمود، وحكايات المآسي الفاتكة التي لاكتها عنجهية الصهيونية، هذا الشاعر اكتوى بنيران الحصار والدمار، فجاء شعره يحاكي عذابات نفسه وشعبه الأسير.. إنه هارون هاشم رشيد.
    في أشعار هارون هاشم رشيد (77 عاماً) مندوب فلسطين المناوب بجامعة الدول العربية، يلوح الحلم الفلسطيني المتجسد على أرض الواقع، بعد سنوات القهر والمذلة والهوان، فتياً مورقاً مخضراً، فهو القائل:
    أنا لن أعيش مشردا
    أنا لن أظل مقيدا
    أنا لي غدٌ وغدا
    سأزحف ثائراً ومرددا
    أنا لن أعيش مشردا
    التقيناه في ((فلسطين المسلمة)) أثناء تكريمه وفوزه بجائزة ((باشراحيل)) الشعرية مؤخراً بالقاهرة، رصداً لأدب المقاومة وتجذره في الوجدان الفلسطيني كخيار البقاء والوجود مع عدو لا يعرف سوى لغة الدم والقوة، وطرحنا عليه رؤيته لما يدور على الساحة الدولية، وكيف يرى مستقبل القضية في ظل التهميش الدولي الأمريكي لها، فكان هذا البوح الشعري المضفور بالرؤية السياسية الجامعة.

    - بداية، نعرف أنكم من الشعراء الذين أخلصوا للقضية وللمقاومة، حتى آخر نفس وطلقة.. نريد معايشة لعبق الشعر الفلسطيني الحي المعايش لآلام وآمال القضية منذ بواكيرها؟!!
    * لقد عشت مأساة فلسطين والنكبة شاباً في العشرينيات، ورأيت بأم عينيَّ.. جحافل التتار الجدد تدمر الأقصى والقدس، وتصادر الأراضي الفلسطينية والبيوت لصالحها.. رأيت الدمار الإسرائيلي بحق المواطن الفلسطيني البسيط، الذي أصبح بين عشية وضحاها أسيراً محتلاً ذليلاً، لا يملك إرادته، ولا حريته!! لذلك كثر الشهداء من أبناء شعبنا، من شتى التيارات والتوجهات، كانت دماؤهم تبني دولة الاستقلال والحرية، ومن أجسادهم نُسجت قلائد التحرير، ولذلك قلت لأم الشهيد التي رأيتها وأحسست بمشاعرها المتلاطمة:
    أنا لا أريدك.. تذكرين فتاكِ بالدمع السخينِ
    بالحزنِ.. بالأنَّاتِ.. بالأشجان.. بالصوت الحزينِ
    بتلهف القلب الطعين.. وبالتوجُّع.. والأنينِ
    إني أريدكِ.. تذكرين فتاكِ.. بالثأر الدفينِ
    بالوثبة الكبرى غداً.. في موكب النصر المبينِ
    هو في الرُّبَى الخضراء.. في زهو المروج الناضرهْ
    في شطِّ ((يافا)) في ذُرَى ((حيفا)) وفوق الناصرهْ
    هو في ((الكويتِ)) وفي ((الحجاز)) وفي ربوع ((القاهرهْ))
    في موكب المستبسلين وفى الدماء الفائرهْ
    هو في النفوس الناقماتِ وفي القلوب الثائرة
    هو في سنابلنا.. وملءُ جفوننا.. ملء الثمرْ
    هو في الندى، في الزهر، في الأنسام في ضوء القمرْ
    سترينه، أُماهُ، في غدنا المُخَضبِّ بالدماءْ
    في يوم معركة الخلاص الحقِّ، معركة الفداءْ

    -إذن.. هل ما زال خيار المقاومة والانتفاضة هو المطروح في الرؤية الحاكمة لدى النخبة الفلسطينية؟! وماذا عن مشاريع ((السلام والمعاهدات))؟!
    * إن خيار الشعب الفلسطيني هو المقاومة، وضرورة المقاومة، فمنذ بداية النكبة عام 1948، بل ما قبلها، ونحن لا نهادن، بل نقاوم الاحتلال وأعوانه، من أجل استرداد كرامتنا، وعودة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم، وفي ظل تعنت (إسرائيل) اليوم، وعدم اكتراثها بقرارات الشرعية الدولية، وتطاولها على القانون الدولي.. لم يكن أمامنا سوى تفعيل الانتفاضة.. والمقاومة، والرد بقوة على (إسرائيل)!! إننا لن نجبن ولن نستكين.

    - لكن تلوح اليوم بوادر الانقسامات الداخلية التي تُحَرِّك أوارها وتذكيها (إسرائيل) في الخفاء؟! ما رأيكم؟
    * هذه مجموعة من أصحاب الأهواء، الذين لا يمثلون القيادة ولا الشعب، ولذلك لم يستجب لآرائهم المغلوطة أي تيار فاعل على الساحة، صحيح هناك اختلافات في التوجهات والآراء، ولكن هذا من قبيل إثراء الآراء وبلورتها أملاً في تحقيق ديمقراطية القرار المبني على رأي الشعب الفلسطيني بكامل فصائله.

    - لقد أدانت محكمة العدل الدولية جدار الفصل العنصري الإسرائيلي العازل، وأيدت ذلك أيضاً الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. فكيف ترون المستجدات القادمة بالنسبة لهذا الأمر؟
    * (إسرائيل) كيان همجي إرهابي لقيط، بلا دولة ولا ديموقراطية، إنها تمثل القهر والغدر والقتل، ولهذا فلا أتصور أنها ستستجيب لذلك؛ فكم من آلاف القرارات الدولية التي ركلتها (إسرائيل) بحذائها، ولم يجرؤ الرأي العام العالمي ولا الشرعية الدولية على إدانتها أو مهاجمتها!! إن (إسرائيل) تملك واشنطن، ومن هنا فهي تملك العالم!!

    - وما الرسالة التي توجهها لشارون وعصابته؟!
    * أقول له: مهما قتلت ودمرت فلن نستسلم، ولن نتقبل العزاء في شهدائنا إلا بعد انجلائك عن أراضينا، وطردك من القدس والديار الفلسطينية، وأقول له مخاطباً الشهيد الفلسطيني:
    نحن لن نقبل فيك العزاءَ
    قبل أن نبلغ بالثأر الرجاءَ
    مَنْ نُعَزِّي فيكَ يا فارسنا
    والمُلِمَّاتُ تجاوزنَ العزاءَ
    أنُعَزِّي مَنْ؟ فلسطين التي
    لم تزل ترسف في القيدِ استياءَ
    أنعزي مَنْ؟ شبابًا أقسموا
    أن يردوا ضربة الحقد جزاءَ
    أم نُعَزِّي أمّةً شرَّفتها
    بالبطولات سُمُواً وعلاءَ
    أَنُعَزِّي؟ لا فحاشا إننا
    لم نزل نحمل للثأر الولاءَ
    لن نُعَزّي قبل أن نبلغَه
    دامياً، يقطر بالنصر انتشاءَ!

    - وبعد كل هذا، ماذا تتمنى؟!
    * تحرير فلسطين والقدس، وإزالة الجدار العازل العنصري رمز إرهاب (إسرائيل) ودمويتها!! فإرادة الشعوب أقوى من أي جدار! وملاحم النضال الفلسطينية اليومية شاهد حق على قرب انهيار هذا الجدار على يد سواعد أطفال فلسطين الأبية العربية المسلمة!!

    ************************************



    احتفى به نادي الصحافة في أمسية شعرية مميزة أمس

    هارون هاشم رشيد لـ(الوطن) : قصائدي الغزلية ستظل في أدراجي ما بقي وطني تحت الاحتلال

    كتب ـ حسن المطروشي :

    في أمسية احتفالية مميزة احتضنها نادي الصحافة مساء أمس ألقى الشاعر الفلسطيني البارز هارون هاشم رشيد باقات عذبة من قصائده التي اقتطفها من عناقيد حدائقه الشعرية الغناء وجاء حاملا عبيرها وعبقها ليداعب بها قلوب عشاق الشعر والكلمة في السلطنة حيث شهدت الأمسية حضورا جماهيريا نوعيا مكثفا قدم فيها الشاعر هارون هاشم رشيد عددا من القصائد الجميلة التي يزخر بها رصيده الشعري الذي يمتد إلى قرابة نصف قرن من الزمان أنجز خلاله الشاعر حوالي عشرين مجموعة شعرية إضافة إلى أعماله المسرحية والمغناة والرواية وغيرها مما جعله ذاكرة جيل شعري عربي عاصر الكثير من التحولات على عدة أصعدة وتحفظ أجيال الوطن العربي قصائد الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد عن ظهر قلب كونه يأتي ضمن الأسماء الشعرية التي تدرس المقررات المدرسية في أرجاء العالم العربي.
    في تفاعل فريد مع الحضور قدم الشاعر هارون هاشم رشيد خلال أمسيته بنادي الصحافة مساء أمس قصائد كتبها خصيصا للسلطنة تؤرخ لأحداث ومواقف تفاعل معها الشاعر فجادت قريحته شعرا رقراقا عبر من خلاله عن تفاعله مع هذا الحدث أو ذاك مثل قصيدة الموسوعة (بدوي أنا .. إلى فتية عمان) والتي أكد الشاعر للوطن أنها كتبها بمناسبة رحلة السفينة العمانية (صحار) التي أبحرت في الثمانينيات من القرن الماضي إلى ميناء كانتون بالصين عبر طريق الحرير تيمنا بالرحلة التي قام بها قديما البحار العماني الشهير احمد بن ماجد كما قرأ الشاعر إحدى قصائده في هذا المجال بعنوان (وطن الاباة عمان).
    بعد ذلك فتح الجرح الفلسطيني ليغترف من نزيفه قطرات ملتهبة بلون الدم الذي يسفك يوميا على ارض فلسطين وبحرارة الدموع التي تنهمر من محاجر اليتامى ومآقي الثكالي والمشردين من أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات القاسي وقد وجدت هذه القصائد آذانا مرهفة ولامست قلوبا نابضة وداعبت مشاعر جياشة مما جعل الجميع في حالة توحد وانسجام عبر من خلاله الشاعر بالحضور إلى مشاهد من الإبداع الأصيل المنقوع بلون المأساة والفجيعة على الوطن السليب والشعب المناضل الصامد بين ربوعه متمسكا بترابه وعقيدته وتاريخه وقضيته العادلة.
    وكان الشاعر قد أكد لـ (الوطن) إعجابه العميق بالسلطنة وعبر عن تقديره لحسن الضيافة وطيب الوفادة والاحتفاء الذي يحظى به منذ أن وطئت قدماه ارض السلطنة.
    وقال الشاعر هارون هاشم رشيد: انه لا ينشر أو يقرأ قصائده الغزلية في الأمسيات حاليا مبررا ذلك بقوله: نحن الآن في فلسطين نقاتل على ظهور الجياد حيث يسقط الشهداء وتثور الانتفاضة مطالبين بحقوقنا العادلة كبشر وعندما أرى وطني محررا من نير الاحتلال وارى شعبي ينعم بالحرية فعندئذ سوف أقوم بنشر وقراءة قصائدي الغزلية والى ذلك الحين فسوف تبقى قصائدي في أدراجها المقفلة أن معشوقتي وقضيتي الآن هي فلسطين.
    يذكر أن الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد يزور السلطنة حاليا بدعوة من وزارة الإعلام وتأتي استضافة نادي الصحافة له ضمن البرنامج الثقافي الذي اعد له تزامنا مع فعاليات مهرجان مسقط الدولي التاسع للكتاب.

    ************************************



    وردة علی جبين القدس

    (عبد الهادی سليمان غنيم ابن معسکر النصيرات فی قطاع غزة بطل عملية الحافلة رقم 405 علی طريق القدس الذی يواجه حکما إسرئيليا بستة عشر مؤبدا )

    " اللهُ اکبرُ " .. فُجِّــرَت تَتَــرَددُ وَ القُـدسُ شاخِصَةُ المآذنِ تَشهَدُ

    " اللهُ اکبرُ " ..يَوم أطلَقَـها الفَتی عبرَت إلی أُمِ الشَـهيدِ، تُزَغردُ

    قـالـت لهـا: ثاراتُنا لمّـا تَـزَل نِبراسَ ثَورتنا، يُضیءُ، وَ يُوقـد

    مَـن قـالَ أَنّا قَد نَسيـنا ثَأرَنا أَو أَنّنا عـَن ثَـأرِنـا نَتَـرَدَّدُ؟

    عَـينٌ بِعينٍ، لَـن نُغيِّرَ نَهجَنـا سِـنٌ بِسِـنٍ، شِـرعَـةٌ تَتَجَـدَّدُ

    " اللهُ اکبرُ " ..يَومَ فَجََّرَها الفَتی رَفَّت، کَطير فِی السَّـماءِ يُغَـرِّدُ

    حَمَلَت جِراحاتِ الاَسی وَعَذابَه وَتَنَقَّلَت، تَروی الحَکايـا، تَسرُدُ

    مِن أينَ؟مَن هذا الفَتی؟ماإسمُهُ؟ وَ لِمَن أَطَلَّ صَبـاحُهُ المُتَوقّـدُ؟

    حَملَ العَذابُ شـهورَه وَ سِنينَهُ وَ أَتی کَما السَّيفِ المُهَنَّدِ يُجرَدُ

    مِن شاطِئِ الاحزانِ حَيثُ تَرعرَعَت روحُ البُطولَةِ،... وَجهُهُ المُتَمَرَّدُ

    ومِن " النُصَيراتِ " الَّذی قاسَی الفَتی لَيلاتِهِ، دَوَّی النَفيرُ المُـرعـدُ

    إِنَّ " النُصيراتِ " الحَبيبَ مُکَبـَّلٌ بِسَلاسِلِ الغَزوِ الرَّهيبِ، مُقَيَّـدُ

    وَ جراحُهُ، لمّـَا تَـزل مَفـتُوحَةً ما مِن يَدٍ تَأسُـو الجراحَ تُضَمّدُ

    مازالَت الدُورُ التی عَن أهـلِها سُلِخت، تَثـيرُ حَنينَهُ، وَ تُجَـدِّدُ

    هُوَ کانَ، لمّـا أُسِّسَت أکواخُه وَ أُقيمَ يحلمُ بِالرجوعِ، وَ يُوعَدُ

    العـائدونَ بِـهِ عَلی ميعـادِهم يَتَرقَّبـُونَ مَتی يَحينُ المَوعِـــدُ

    نَشَأ التَلاميذُ الصِّـغارُ تَوالـياً أجيالُ فی حِضنِ الشَّقاوةِ تُولَدُ

    يَتَعَلـَََََّمُونَ صبــاحَ کُـلّ تَرَقُّـبٍ أنَّ الجِهادَ هُو الطـريقُ الاوحَـدُ

    وَ بِأنَّ مَوطِنَهم، لَهُم أبَدا، وَ إن طالَ الطريقُ بِهم، وَ عَزَّ المَقصَدُ

    کانَ الشِّتاءُ يزورُهم، فَيثيَـرهُم وَيُؤرقُ الليلَ الطويلَ، وَ يُسهدُ

    والموتُ، مِنجَلُ حاصِدٍ مُستکلِبٍ جَـوال يَنتزعُ الحياةَ، وَ يَحصـدُ

    عَيشُ اللجوءِ، وَ مَن يُکابِدُ بؤسَهُ يَدری لِماذا اللاجِئو نَتَمَـرَّدوا

    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 27, 2014 11:06 am