لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:44 am



    أحمد دحبور

    توفيق زياد

    جميل عياد الوحيدي

    جورج فرح

    حسن البحيري

    حكمت العتيلي

    حنا ابراهيم إلياس

    حنا أبو حنا ولد

    راشد حسين

    ريتا عودة

    سالم جبران

    سميح القاسم

    طارق علي الصيرفي

    عز الدين المناصرة

    فدوى طوقان
    جزء أول - جزء ثاني

    مازن دويكات

    محمد القيسي
    جزء أول - جزء ثاني

    محمود درويش
    جزء أول - جزء ثاني

    معين بسيسو

    معين شلبية

    هارون هاشم رشيد

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    أحمد دحبور (1365 هـ - ) (21/4/1946م - )

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:45 am

    أحمد دحبور (1365 هـ - ) (21/4/1946م - )

    نبذة تاريخية

    ولد أحمد خضر دحبور في "حيفا" بالشمال الفلسطيني، وبعد نكبة عام 1948م اضطر أهله للهجرة إلى لبنان ومنها إلى سورية، نشأ ودرس في مخيم للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة "حمص". انضم إلى إحدى حركات النضال الوطني الفلسطيني وكرّس شعره لقضية الوطن المغتصب. عمل مديراً لتحرير مجلة "لوتس" حتى عام 1988م ومديراً عاماً لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطيني وعضو في اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين. استقر في تونس منذ عام 1983م.

    يكتب الشعر الحر، ويتراوح أحياناً بين الشعر والنثر محاولاً توليد أوزان خاصة في القصيدة الواحدة، ويغلب على شعره الحس التجريبي الذي يؤدي به إلى الغموض، كما يميل إلى الاسترسال في البث مما جعل أكثر قصائده تغرق في الطّول غير المبرّر فنياً وموضوعياً.

    أعماله:

    1-الضواري وعيون الأطفال / شعر (مطبعة الأندلس، حمص، 1964م)

    2-حكاية الولد الفلسطيني (دار العودة، بيروت، 1971م).

    3-طائر الوحدات / شعر (دار الآداب، بيروت، 1973م).

    4-بغير هذا جئت / شعر (اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، 1977م).

    5-اختلاط الليل والنهار / شعر (دار العودة، بيروت، 1979م).

    6-واحد وعشرون بحراً / شعر (دار العودة، بيروت، 1980م).

    7-شهادة بالأصابع الخمس / شعر (1982م).

    8-كسور عشرية / شعر (1992م).

    9-ديوان أحمد دحبور / تتضمن مجموعاته الشعرية السبع الأولى (دار العودة، بيروت، 1983م).

    البداية



    الشعر الفلسطيني و اللاجئون

    أحمد دحبور*

    مقدمة

    ما من مرة سمعت فيها بنشاط إنساني يتعلق باللاجئين، إلا وتبادر إلى ذهني سؤال متسرع: وهل يوجد في الدنيا لاجئون سوانا؟.. ثم أستدرك أن التشريد والتطهير العرقي واللجوء الجمعي هي من أكثر الظواهر الناجمة عن العدوان والاستعمار شيوعاً. في أفريقيا، في آسيا. بل إن أوروبا عرفت ذلك النوع من التشريد، ولم تكن البوسنة والهرسك إلا مثالاً، من غير أن يغيب عن الذاكرة العادلة تلك المآسي التي صنعها النازي مشرداً ملايين اليهود والمسيحيين على حد سواء. أما الأيام الراهنة فتقص علينا بالدم والألم أنباء الشعب العراقي. وكان للفلسطينيين حصة، بطبيعة الحال، في هوجة التشريد التي شهدها العراق.



    وإذا كان ما تقدم صحيحاً. وهو صحيح ما في ذلك شك. فمن أين يأتينا الإحساس بأن اللاجئين كلمة خاصة بالفلسطينيين؟ وقد أضغط على الذاكرة فتنفرج عن صور قاتمة مليئة بالدموع والحسرة كان الأهل يعرضونها على مسامعنا حتى نكاد نراها. فكأنهم كانوا على موعد مع معنى اللجوء منذ لحظة الهجرة الأولى. أيعود ذلك إلى إحساسهم منذ يوم النكبة أن الأيام السبعة التي وعدهم الحكام العرب بإعادتهم إلى بيوتهم خلالها، ستمتد سبعة بعد حتى تصل إلى عشرات السنين؟



    وقد أزيد فأتذكر أول يوم سمعت فيه باسم الشاعر إبراهيم طوقان، متبوعاً بأنه فلسطيني من نابلس. فاستغربت سائلاً عمتي المتزوجة في نابلس ـ وكانت تزورنا باستمرار في مخيمنا، جنوب مدينة حمص السورية ـ كيف يكون إبراهيم طوقان شاعراً وهو ليس لاجئاً مثلنا؟ فاللاجئ في مخيلة الطفل الذي كنت هو الفلسطيني بالضرورة، وطبيعي أن أكون قد طرحت سؤالي البريء على عمتي، قبل هزيمة 1967. أي قبل وقوع نابلس تحت الاحتلال. فكأن الاحتلال واللجوء هما من العلامات المميزة ـ في وعيي الطري البسيط يوم ذاك ـ للشعب الفلسطيني الذي إليه أنتمي. وكان علي أن أتذكر دائماً، وبصورة يومية، صفوف تلاميذ مدرستنا الابتدائية وهم ينشدون فلسطين ويؤكدون أننا عائدون. فيما كان أساتذتنا يخطبون بغضب ووعيد. أما في البيوت فكان آباؤنا وأمهاتنا يبكون. وعلى المستوى الشخصي كانت أمي تعيد لي رسم صورة الأرض من منظور الأعجوبة والفاجعة والفرح المأمول البعيد الذي أسمه حيفا.. ولا أذكر، عندما بدأت أقرزم الشعر، وأنا على مقاعد الابتدائية، أنني كتبت من الكلام الذي صادفه الوزن شيئاً قبل.



    نحن أبناء المجيدة نحن من حيفا الشهيدة

    ومع رنين هذه الكلمات الساذجة البريئة، تطور السؤال فيما بعد: كيف كانت ظاهرة اللاجئين في الشعر العربي الفلسطيني؟ وحتى لا يكون هناك التباس ـ من أولها ـ أشدد على أنني أقصد ظاهرة اللاجئين وتداعياتها، وليست ظاهرة النكبة بالمطلق، غير غافل عن أن مأساة اللجوء هي العلامة الكبرى في حقل هذا الحدث التاريخي الأسود.



    توقع ومواكبة:

    منذ وعد بلفور عام 1917، أصبح الهاجس الأكبر لدى النخب السياسية والثقافية الفلسطينية هو الخوف على الأرض. بل إن شاعراً مثل إبراهيم طوقان، كان يشير صراحة، قبل وقوع الحرب العالمية الثانية. بخمسة أعوام، إلى احتمال طرد الشعب الفلسطيني من أرضه. وكان طوقان يحذر من مظاهر الرفاهية المخادعة في فلسطين، فهي ليست إلا قشرة براقة تخفي وراءها الكارثة:



    ليست فلسطين الرخية غير مهد للشقاء

    عرضت لكم خلف الزجاج تميس في حال البهاء

    فاليوم أمرح كاسياً وغداً سأنبذ في العراء



    وفي قصيدة ثانية، يشير إلى أن خطر الاقتلاع يهدد الفقراء والأغنياء معاً:



    فلا رحب القصور غداً بباق لساكنه ولا ضيق الخصاص

    وتوفي إبراهيم طوقان عام 1941، قبل أن تتحقق نبوءته السوداء بسبع سنوات. ومن المفارقات أن يكون رحيله في الشهر الخامس الميلادي الذي شهد عام 1948 وقوع النكبة وولادة ظاهرة اللاجئين الفلسطينيين. وإذا كان الموت لم يمهل هذا الشاعر الكبير ليواكب مأساة اللاجئين التي سبق الآخرين إلى التنبؤ بها، فإن صديق عمره أبا سلمى، عبد الكريم الكرمي، قد عاش هذه المأساة. فلجأ ـ وهو ابن طولكرم الذي كان في حيفا ـ إلى دمشق. ومن هناك أرسل قصائد الحنين والتفجع والأمل إلى كل فلسطيني وعربي:



    إلى أمتي وأرضنا تنتظر؟ طال السرى وما أطل القمر

    أسأل عن أهلي ومن يسمعني أين بقايا الأهل؟ هل هم بشر؟

    الغرباء في ربوع أهلهم يبكي على أهلي الدجى والحجر



    ولسوف تستولي الفجيعة، من خلال ظاهرة اللاجئين، على المشهد الشعري الفلسطيني، ولا سيما في تلك السنوات العجاف التي سبقت ظهور منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل المقاومة. وكانت الإشارة إلى اللاجئين تبدأ بعناوين مجموعات بعض الشعراء. فهذا أبو سلمى يصدر ديوان "المشرد"، أما يوسف الخطيب، فإن عنوان مجموعته المميزة المبكرة، هو "عائدون". ولعل أول مجموعة فلسطينية تنطلق من مأساة اللاجئين، كانت للشاعر هارون هاشم رشيد، وهي "مع الغرباء"، وقد صدرت عام 1954. وهناك مجموعات تشير عناوينها إلى الجرح الفلسطيني بصورة مطلقة، مثل "فلسطين على الصليب" للشاعر معين بسيسو، و"حيفا في سواد العيون" للشاعر حسن البحيري، و"كلمات فلسطينية" للشاعر الحيفاوي حسن النجمي. أما الشاعرة فدوى طوقان، فهي وإن لم تخصص عنواناً مباشراً في مجموعاتها الشعرية للاجئين، إلا أنها كتبت القصائد المتميزة التي تناقلتها الأجيال العربية من مقاعد الدراسة إلى أطروحات البحث، فهي صاحبة القصيدة الشهيرة "مع لاجئة في العيد" التي تقول فيها:



    أختاه هذا العيد رف سناه في روح الوجود

    وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيد

    وأراك ما بين الخيام قبعت تمثالاً شقياً

    متهالكاً، يطوي وراء هموده ألماً عتيا

    يرنو إلى اللاشيء منسرحاً مع الأفق البعيد

    وتنهي القصيدة بصرخة مباغتة، معتبرة هذا العيد، خارج فلسطين، ليس إلا "عيد الميتين".



    واللافت في الشعر المبكر الذي كتبه الفلسطينيون حول النكبة واللاجئين، أن النداء يتجه إلى الأخت الفلسطينية. وهي إعادة إنتاج لفكرة الثأر وإثارة الحمية من خلال الحرائر اللواتي يحرضن الفرسان على حماية الأرض والعرض. وإذا كان هذا الخطاب يتميز بالشجن والأسى، فإنه فيه أملاً بالعودة مشوباً بالحزن الرخيم، كما في أنشودة هارون رشيد الفيروزية الشائقة:



    سنرجع يوماً إلى حينا ونغرق في دافئات المنى

    سنرجع أخبرني العندليب غداة التقينا على منحنى



    وهي لحظة مركبة محيرة. فبقدر ما فيها من ثقة الرجوع، يئن فيها صوت المشرد الجريح.



    صورة اللجوء:

    على أننا ملزمون، قبل متابعة أوديسة اللجوء الفلسطينية، أن نرصد البدايات، وكيف صور الشعراء لحظة الخروج من الوطن. وهي لحظة مرتبطة بالأسرة، حيث يتنادى الأب والأم والأولاد، وكل منهم خائف على الآخرين، كما في هذا المشهد البسيط الذي سجله عبد الرحيم عمر في قصيدة "الرحيل عن جيوس".



    عبد الرحيم

    لبِّ استغاثة فاطمة

    ... ما هكذا كنا أردنا الخاتمة



    أما توفيق صايغ، هذا الفلسطيني الأوديبي المنكود، فإن لحظة الخروج من طبريا، ستظل تلازمه طيلة حياته. وهو ما عبر عنه من خلال قصيدته الطويلة "معلقة توفيق صايغ". وأخطر ما في هذه القصيدة، من ناحية اللاجئين، أن المشهد عند الشاعر لا يأخذ طابعاً سياسياً أو وطنياً بالمعنى العام للكلمة. بل هو يأتي تلقائياً من خلال كشف الحساب العاطفي الطويل بين الشاعر وأمه. فهو يذكر بسالتها وقلقها عليه وعلى أخوته، فيذكرها، أو يناجيها فيما يتذكر معها:



    من غرز الوتد الجديد ـ وغرس الشتلات وسقي الحبق ـ من حث من أضرم الإيمان ـ غير قلبك المنهك الصامد؟ ـ يوم تركنا الديار ـ ولم نحمل معنا ـ سوى الذكريات والمخاوف ـ وقام بين الديار وبيننا ـ سيف مديد عنيد.



    وإذا كان الوطن الذي يبتعد عن أنظار اللاجئين، يحل عميقاً في قلوبهم، مرسخاً صورته من خلال الأسر المشردة المذعورة، المتنادية ـ مع ذلك ـ إلى التماسك بفعل قوة الروح عند الأم، فإن الابتعاد عن الوطن سيخلق واقعاً جديداً. لقد ولت أيام اليسر والبحبوحة. وها هي سلمى الخضراء الجيوسي التي كانت تردد مع أمها ذلك الغناء المزدهي بصفد: صفد يا عالية في رأس تلة، تجد نفسها، وهي لاجئة، جديدة العهد بالغربة، لا تستطيع أن تمنح المتسول صدقة، لأنها أصبحت في حاجة إلى تلك الدريهمات التي كانت تتصدق بها عن سعة وبسعادة:



    منذ ذاك اليوم لم أمنح قروشي سائلاً

    فبنو عمي أمسوا لاجئين

    وإذا كانت إهانة اللجوء قد حرمت الشاعرة من ترف تقديم الصدقة، فإنها قد حالت بين الشباب والمرح. وقد تساءل عصام حماد عن معنى التشبيب والرقص والضحك، وهو يجول بين الثاكلات والمنكوبين:



    أأرقص في مأتم الثاكلات وأضحك في النكبة الغامرة؟



    ويلتقط هارون هاشم رشيد سؤال الطفل البريء، المتوجه إلى أبيه اللاجئ، مستغرباً أنهم يعيشون خلافاً للآخرين، غرباء مشردين، وذلك في إحدى الفيروزيات الشائقة:



    لماذا نحن يا أبتي؟ لماذا نحن أغراب

    أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحباب؟



    أما أبو سلمى فإنه كان يجيل عينيه في المنفى، فلا يرى البلاد، وإذا كان الأصحاب والأحباب الذين سأل عنهم الطفل في قصيدة هارون موجودين، فإنهم يتساقطون حول أبى سلمى كأوراق شجرة في خريف. بعيدين عن التراب الذي هم منه ولكنهم لا يعودون إليه حسب القول المقدس: من التراب أتينا وإلى التراب نعود، وقد بكاهم أبو سلمى حتى التحق بهم:



    كيف تبكي؟ وهل هناك دموع؟ ذهب الأهل والهوى والربيع

    كل يوم أحبه تتهاوى وقبور غريبة وجموع

    لا التراب الذي يضم شظاياهم تراب ولا الربوع ربوع



    حتى القبور غريبة؟ ذلكم ما انتهى إليه جيل، بل أجيال من الفلسطينيين الذين لا يملكون إلا عناد الانتظار أو نقمته حسب تعبير جبرا إبراهيم جبرا في قصيدته "بيت من حجر":



    وبين الليل والليل لا ـ نعرف إلا الانتظار ـ رباه جد علينا، ـ جد علينا، ـ بنقمة الانتظار..

    والانتظار يتطلب معجزة البقاء على قيد الحياة، فكيف حقق الفلسطينيون هذه المعجزة؟



    التفجع والحنين:

    يلتقي الشعراء الفلسطينيون، الذين وعوا فجيعة النكبة من حيث العمر، على حس الفجيعة المشوب بالدهشة والاستنكار. يقول يوسف الخطيب:



    وأنا الذي وطني ارتحال الشمس ملء الأرض،

    لكني بلا وطن

    منذا يصدقني؟



    فيما يرفض حسن النجمي فكرة السؤال عن الوطن: "من أين؟... أتسخر من رجل؟ أبأطول رمح تطعنني؟". ولكنها الحقيقة. واللاجئون موزعون على المنافي. ويلفت النظر في هذه الظاهرة، على المستوى الشعري، أن اللجوء الفلسطيني أخذ بعداً رمزياً بموازاة وطأته الواقعية. وإذا كان أمثال أبى سلمى وحسن البحيري ومحمود الحوت قد ذاقوا مرارة الاقتلاع والتهجير مباشرة، بمغادرتهم حيفا ويافا، فإن آخرين مثل هارون هاشم رشيد وفدوى طوقان ويوسف الخطيب مثلاً، هم من غزة ونابلس والخليل، وهي مدن بقيت في يد العرب طيلة الفترة بين نكبة 1948 وهزيمة 1967. ولكن هذا لا يعني أن زلزال النكبة لم يعصف بهم، وأن مأساة اللاجئين لم تزعزعهم. على أن أشعارهم في ذلك لم تقف عند رصد لحظة اللجوء وتصويرها، بل حولت الخيمة إلى رمز للهزيمة التي يجب تجاوزها. وحين يكون الجرح على هذه الدرجة من الفداحة، فإن الألم ـ قبل التعالي على النكبة والبحث عن سبل التغلب على عواملها ـ سيأخذ مداه في الحنين إلى فلسطين، لا كفردوس أندلسي مفقود، بل كوطن لا تزال صورته ماثلة في الروح. وسيكثر في هذا الشعر مناجاة البلبل والعندليب والورد كرموز مجردة بدل وصف الأحياء والطرقات. لنقرأ، على سبيل المثال، من شعر يوسف الخطيب في هذا المجال:



    لو قشة مما يرف ببيدر البلد

    خبأتها بين الجناح وخفقة الكبد

    لو رملتان من المثلث أو ربا صفد

    فهذا حنين تاريخي وليس مجسداً. لهذا نراه ينتشر على غير مكان من الوطن:



    المثلث، صفد. بينما نرى شاعراً مثل حسن البحيري كان في مدينته حيفا، وهو يحفظ صورة شاطئها وكرملها وشوارعها، لا يكف بعد النكبة عن وصف مغانيها، وهو يسميها جوسق الإلهام. وهو يمحضها حنينه المباشر:



    حيفا وأنت مزاج الروح في رمقي وعمق جرح الهوى في موجعي الخفق

    وصفو وجه غدير الغاب متشحاً غلالة من بقايا روعة الشفق

    وقصة النبع تحكيها جداوله لنفح طيب غصون الزنبق العبق



    فالغدير والغاب والنبع والجداول والزنبق هي عناصر طبيعية معينة، عرفها الشاعر وافتقدها في مهجره القسري. إن هذا لا يعني أن الشعراء الذين لم يهاجروا مباشرة، أيام النكبة، كانوا أقل حماسة وحنيناً. ولكنها المقارنة بين المجسد والمجرد. بل إن المجسد كالنبع والغدير وما إلى ذلك، سيلتحق بالمجرد في الشعر، من حيث هو مادة للحنين والتفجع تجعل الشعر الفلسطيني الذي واكب هذه المأساة يأتي من روافد مختلفة ـ حسب موقع كل شاعر جغرافياً ـ ويصب في نهر القضية التي تشمل الجميع. وسيكثر في هذا الشعر ترديد الخيام وتشخيص معاناة اللاجئين ويقينهم أنهم عائدون. كما في قول هارون هاشم رشيد:



    أخي مهما أدلهم الليل سوف نطالع الفجرا

    فلسطين التي ذهبت سترجع مرة أخرى



    ويذكر أن كثيرين من الشعراء العرب غير الفلسطينيين قد كتبوا في هذا. ولعل قصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب "قافلة الضياع" من أشهر الأمثلة على ذلك.



    معاناة المنفى:

    كان ولا يزال جرح الهجرة من الوطن هو الأعمق والأكثر إيلاماً، لدى الشاعر ـ وغير الشاعر ـ الفلسطيني. وإذا كان فيه مهانة وطنية وقومية، فإنه فيه، إلى ذلك، ألماً واقعياً ملموساً يتعلق بتبعات المنفى. فاللاجئ الفلسطيني ليس مجرد مواطن خسر أرضه ولو إلى حين، بل إنه بخسارة الأرض خسر أمانه الشخصي، حتى أنه أصبح عاجزاً عن التنقل بين البلاد كباقي البشر. وسيفاجئنا ـ ولماذا يفاجئنا؟ ـ توفيق صايغ المتهم بوقف شعره على التداعيات النفسية والباطنية، أن مشكلته كفلسطيني قد نهضت في وجهه، في وقت مبكر، بعيد النكبة بسنة أو اثنتين، من خلال جواز السفر المطلوب منه وهو لا يملكه:



    اقتراب ولا دخول ـ وسعي ولا وصول ـ ولا تحمله فلا دخول



    وينزل فوج ويصعد فوج. يتبدل الموظفون، ويعبر الجميع إلا الفلسطيني الذي يتساءل: "ماذا وشي بي؟ من وشي؟ ما تهمتي فأدفع تهمتي؟".



    وفي مناخ الهجرة المتبلد، يحق للشاعر الفلسطيني أن يتساءل عما إذا كانت هذه الحياة حياة حقاً. تقول دعد الكيالي: أهذي حياة؟ نعيش الحياة ولسنا نعيش وتمضي الحياة. وتأتي كلثوم عرابي على معنى قريب في قصيدة "لاجئة":



    أسائل ربي: ماذا جنيت لأرقد أرضاً كساها التراب

    وأسكن في خيمة من قماش رخيص وأرقب هذا الذباب؟



    على أن المخيم والذباب والفقر والبطالة، ليست إلا مقدمات لما يلي من فواجع وإهانات ومذابح. فالفلسطيني ليس منسياً كما قد يتبادر إلى أذهان حتى المتشائمين. إنه في البال كمطلوب متهم بلا تهمة. حيث عليه أن يتهذب عشرين تهذيباً ـ على حد تعبير الشاعر مريد البرغوثي ـ بعدد الحكام العرب:



    فإن أغضب واحدهم

    أحل دماءك القانون

    وإن أرضيت واحدهم

    أحل دماءك الباقون



    وعلى هذا، يملك شاعر مثل علي الخليلي أن يسخر حتى الدمعة، من واقع كهذا، فيصف الروح الفلسطينية المستباحة بالنفس المطمئنة أمام الباب المغلق: "وحدك وحدك تشربين وحل أحذيتهم الممزقة ـ وتفقدين خيالك الواسع كله فجأة ـ فتتحولين إلى قارضة". وليس هؤلاء الذين يهينون النفس الفلسطينية، اللاجئة غير المطمئنة، إلا الأهل، حيث الإهانات والخطر. بل إن العرافة في قصيدة فدوى طوقان تحذرها من غدر الأخوة بلا مواربة:



    لكنما الرياح في هبوبها

    تقول حاذري:

    أخوتك السبعة



    أما اللاجئون في ديارهم. أهلنا الذين بقوا في الوطن بعد النكبة، فشردهم الاحتلال من بيوتهم، وحرم عليهم مدنهم، فإن لمعاناتهم وقعاً آخر، إنهم مهاجرون مقيمون في لحظة واحدة قد تكون الأغرب في التاريخ. وها هو سالم جبران يمر بمدينة صفد، المدينة الفلسطينية، كما أنه فلسطيني، ولكنه عنها غريب:



    غريب أنا يا صفد

    وأنت غريبة

    تشير البيوت هلا

    ويأمرني ساكنوها ابتعد



    وفي هذا الجو الكابوسي تنطلق صرخة محمود درويش التاريخية: سجل أنا عربي، ويناجي أم الأيتام الفلسطينية أمام حبال الغسيل: فلسطينية الميلاد والموت، ويؤكد توفيق زياد أنهم صامدون ـ كأننا عشرون مستحيل، فيما يهزج سميح القاسم: مثلما تنبض في الأرض الخصوبة ـ هكذا تنبض في قلبي العروبة.



    لقد استطاعت الثقافة الفلسطينية، والشعر في طليعتها، حراسة الروح الوطنية الفلسطينية، فلم تتآكل بفعل الهجرة واللجوء، بل التقى الماء بالماء، الداخل بالخارج وحق لمحمود درويش أن يقول بكل زهو وكبرياء:



    ما كنت أعرف أن تحت جلودنا ميلاد عاصفة وعرس زلازل



    التحدي والاستجابة:

    كان لمخيم اللجوء، من وجهة الأعداء، مهمة محددة. هي أن ينقرض الفلسطينيون وينتهوا. وتمكنت روح الإبداع العنيدة من أن تطلق رسائل الحياة، فيقول شاعر مثل محمد القيسي من داخل المخيم:



    ترى من يخبر الأحباب أنا ما نسيناهم؟

    أما عز الدين المناصرة، فيناشد التربة الفلسطينية أن تعين الجسد الفلسطيني على المقاومة: ويا عنب الخليل الحر كن سماً على الأعداء. ويطلق خالد أبو خالد صرخته من "على الصليب" في الكويت، فتكلفه الصرخة أمانه وإقامته، ويطرده الحكام مع رفيقة عمره وبناته في ليلة ما فيها ضوء القمر، ويعترف للوطن بالألم ويعاهده على الاستمرار في العناد:



    ويا وطني

    أصارحك القول إنا تعبنا

    ولكننا ما انعطبنا



    ومن خلال هذه المعاناة. ومن داخل ظلموت القهر، تنطلق صرخة شاعر الغضب الفلسطيني يوسف الخطيب، فيزأر متوعداً مكابراً:



    تحديت أن شعبي يباع، وأمتي شتات، وأن أغلي الحصى قوت أطفالي

    لأبتدرن الصبح قبل اشتعاله وأورث في عمق السكينة زلزالي



    والزلزال تعبير أثير لدى الشاعر الفلسطيني. هو ليس زلزالاً لفظياً يتوعد أعداء أقوياء متمكنين من احتلال أرضنا، بل هو مراجعة لمنطق المنطقة العربية في وضعها الراهن. فاللاجئ قنبلة موقوتة ـ لا كما يقول وزير خارجية العدو هذه الأيام بخطاب ديماغوجي، بل بما هو محاكمة لواقع ترفضه الحياة ـ في وجوه حكام مستسلمين، وصفهم الشاعر كمال ناصر بالعلوج، قبل أن يشيع هذا التعبير مؤخراً:



    وفلسطين والجراح دوام كل علج عنها بها مشغول



    وليس بعد ذلك إلا الثورة. فقد عنف الفلسطيني نفسه بما فيه الكفاية. وحاكم واقعه المضني، وأعلن بلسان يوسف الخطيب:



    أنا حاقد، أنا مجرم أنا سيء حتى تعود إلى ذويها الدار



    وسيبدو اللاجئ الفلسطيني كما لو كان ثائراً عبثياً. بل إنه أشبه بدون كيشوث لأول وهلة وهو يحاكم الواقع الظالم ويتحدى الطغاة حافياً لا يملك غير إيمانه وعناده، لكن قوة الحياة ترسله إلى العنوان الصحيح، فيتساءل معين بسيسو وهو يعي الجواب ويؤمن به:



    فإلى أين إلى أين

    يا طالب رأس القيصر يا حافي القدمين



    وحافي القدمين هذا، هو الذي سيعيد كتابة المعادلة. وإذا كان اللاجئ توفيق صايغ لم يستطع الدخول، قبل نصف قرن لأنه لا يحمل جواز سفر، فإن اللاجئ في أرضه، الذي صرخ ذات يوم: سجل أنا عربي، هو الذي سيقول لا بصوت محمود درويش وحده، بل بصوت اللاجئين جميعاً من خلال محمود درويش:



    كل قلوب الناس جنسيتي

    فليسقطوا عني جواز السفر



    وهكذا تمكن الشاعر الفلسطيني من أن يجعل الفلسطينية هوية نضالية، وأصبح الحضور الفلسطيني في العالم رمزاً لنضال المعذبين في الأرض، من القرن العشرين إلى الألفية الثالثة. إنها مسيرة شديدة التركيب والتعقيد، جمعت صوت الفرد إلى صوت الجماعة. المرأة إلى الرجل. قصيدة البيت إلى قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر. وتماهي الذاتي مع الموضوعي في نشيد متواصل، هو بامتياز صوت العربي الفلسطيني وإسهامه الفني الكبير.



    ماذا عن الخصوصية؟

    والخطر الأكبر الذي يهدد الشاعر، أي شاعر، عندما يجد نفسه حبيس لحظة جمعية، هي لحظة احتباس الذات أو اندغامها في صوت الجماعة. ويزيد الأمر تعقيداً أن المتلقي يتعامل مع الشاعر وكأنه حادي الركب، وليس شاعراً له خصوصيته التي لا حظ للشعر بعيداً عنها. وقد لاحظنا أن فكرة اللجوء بحد ذاتها تغري الجميع بالنشيد أو النشيج. وعلى هذا فلا يمكن أن يكون الموضوع أساساً لحكم القيمة. إننا لا نملك إلا الانحناء بالتحية للمعاناة الإنسانية. ولكن الفن شأن آخر. وبهذا الاعتبار يحتاج الناقد الممحص إلى معيارين: الأول تاريخي اجتماعي وهو ما يمكن أن يوضع فيه الجميع حسب الموضوع السياسي الاقتصادي. والثاني أدبي فني يخضع لمقاييس نقدية فكرية، وهو ما يعنينا إذا كنا مشغولين بالأدب حقاً. وفي هذا المجال يمكن البحث عن نواظم مشتركة شغلت الشعراء الفلسطينيين الذين كتبوا في ضوء فجيعة اللاجئين. ففكرة الاقتلاع، وتصوير لحظة اللجوء، ومعاناة الغربة، ومرارة المعاناة، وعناد المنكوب استعداداً للثورة، ثم الثورة وأسئلتها.. هذه كلها وغيرها أسئلة تشكل مادة للشاعر الفلسطيني ـ وغير الفلسطيني أحياناً ـ لكنها غير كافية لتجعل المتعامل معها شاعراً. فهناك أشكال التعبير التي تمنح كل شاعر خصوصيته. وقد اهتدى الشاعر اللاجئ إلى القصيدة الدرامية في فترة ما، حيث جعل من هذه المسيرة الأليمة مادة لتطور الشخصية في القصيدة. كما اهتدى إلى أشكال مختلفة مغايرة تميزت فيها كهرباء الغضب وشحنة التوتر. وهذا لا يعني أن القصيدة الدرامية المشحونة بالغضب والتوتر مقصورة على الشاعر الفلسطيني، فالفن أكثر تعقيداً من أن يحيطه تصور محدد. وتبقى على مهمة النقد ومكر التاريخ أن يقولا كلمة الفصل في هذه التجربة الفريدة المتميزة التي قدمت أسماء نوعية يستحق كل منها وقفة خاصة.


    عدل سابقا من قبل Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:47 am عدل 1 مرات

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    أحمد دحبور

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:46 am

    البداية



    طبيعة صامتة

    تطلب الياسمينة ماء،

    ولا ماء،

    لا ضوء يكفي ليغسل وجه المكان

    تضمر المزهرية،

    والعطر يرسله الياسمين إلى لا أحد

    وكأن الزمان

    يتجعد في المزهرية -

    لو جاءت المرتجاة لهش لها ..

    وانفرد

    لم تجيء،

    لم تضيء شمعه،

    لم تمر على المزهرية، منا، يدان

    كل ما كان أني هنا وهناك،

    جفاء ذهبت مع الياسمين،

    ويمكث، حيث تركت، الزبد.

    البداية



    إضراب

    أضرب الشباك، لكن الفضاء

    لم يزل يهب، من مستقبل الشباك، أو يأتي إليه

    أضرب العصفور، لكن الغناء

    لم يزل يقتاد طفلا حالما من أذنيه

    أضرب الغيم، ولكن الشتاء

    حدد الموعد،

    والمزراب يغري العتبه

    ما الذي تطلب هذي الكائنات المضربة؟

    كيف إضراب ولا إغلاق؟

    لا إعلان حتى في جريدة

    إسترح وارتشف المرة،

    لا خوف من العصيان،

    لا أخبار عن مزرعة الفلفل في هذا المساء

    كل ما في الأمر أن الحبر والصبر معا، والموهبة

    عجزت أن تقنع الأشياء بالتجريد،

    أو تدخلها في تجربه

    هكذا لن تصبح الأشياء موضوع قصيدة

    البداية



    رهين الجثتين

    مرأة أم صاعقة ؟

    دخلت، في، من العينين،

    واستولت على النبع،

    ولم تترك لدمعي قطرتين

    - أنت لن تجترحي معجزة،

    حتى ولو أيقظت شمسا تحت هدبي

    غير أني منذ أن أصبحت نهرا،

    دارت الدنيا على قلبي،

    وأنهيت إلى نبعي مصبي

    فاستحمي بمياهي مرتين

    نحلة أم عاشقة

    دخلتني من طنين مزمن في الأذنين

    تركت روحي رمالا

    وأعارتني نخيلا وجمالا

    وحلمنا أننا نحلم بالماء فيزرق التراب

    - لن تميتيني كما شاء الأسى،

    أو تنشريني في كتاب

    غير أني منذ أن أضحيت صحراء،

    نزعت الشمس عني

    وجعلت الماء، في الرمل، يغني

    فاغرفي مني سرابا باليدين

    هل دمي صاعقة أم عاشقة؟

    أم هي النار التي توغرها حرب اثنتين؟

    هكذا أمسيت،

    لا في الحرب،

    لكن في حرب،

    وانتهاكات،

    ونار عالقة

    من يدي يسقط فنجاني على ثوب صديقي

    هو ذا يسمع من صوتي اعتذاراتي،

    ولم يسمع طبول الحرب في رأسي،

    ولم يبصر حريقي

    بعد، لن أضحك أو أعبس،

    حتى تشهد الحرب التي في جسدي -

    واحدة من طعنتين

    فأواري صاعقة ميتة فوق رمال العاشقة

    أو أجاري جسدي الهارب -

    من موت إلى موت..

    وأين؟

    ربما يندفع النبع إلى وجهي،

    وقد تنتشر الصحراء في رأسي،

    وقد يختلط الأمر على طول الطريق

    إنني أصغي إلى الداخل،

    أنشد إلى الحرب التي تمتد،

    - من قلبي إلى صدغي -

    فهل حرب ولا موت؟

    أم الحي الذي يعلن هذا..

    في مكان منه يخفي جثتين؟

    البداية



    الأحجية المكشوفة للمطر والنار

    أذكر، أن الجبل العظيم كان يمشي

    والمطر الذي يروِّي القمح لا يبلل الأطفال

    أذكر أن جارنا الحمّال

    توجني بكعكة،

    وقال لي: كن ملكاً في الحال

    وهكذا وجدت نفسي ملكاً . . والذكريات جيشي

    أذكر أن الجبل العظيم كان يمشي

    من شفتيْ أبي إلى خيالي

    وكانت الثمار في سلالي

    كثيرة،

    والنار مُلك دهشتي وطيشي

    وعندما تجمع الأطفال والذباب حول بائع الحلاوهْ

    ولم أجد في البيت نصف قرش

    وعندما أمي بكتْ،

    (تنكر حتى الآن أنها بكتْ)،

    وعندما انسحبتُ من ملاعب الشقاوة

    عرفت أن الجبل العظيم ليس يمشي

    عرفت: كنتُ ميتاً. . والذكريات نعشي

    ساعتها. . وظفتُ ما أملكه من نار

    ليحرق الذاكرة – الغشاوه

    وقبل أسبوعين كان المطر المُنْسَح

    يسوط وجه طفلة وهو يروِّي القمح

    معذرة يا سادتي . . فلست بالثرثار

    إذا زعمت أنني حدثتكم عن فتح

    (عمان 18/2/1970)

    البداية



    الشوكة المُزمنة

    قالت له عصفورة الأيام:

    خطوط كفيّك بلا نهايه

    تبدأ من كفيك، أو من صفحة الغوايه

    قلبك مفتوح بمصراعيهِ

    والغول – في الحكايه

    ترميك بالنهار والظلام

    أو ان لا يوقظك الرعد، ولا

    تملك أن تنام

    سحابةٌ مرّتْ على عينيه

    ولم تزلْ عصفورة الأيام

    تقول ما أدركه، من قبل، وهو خائف

    فالنهر يدنو واثقاً اليه

    وجمرة العواطف

    تنقله عن حطب الآثام

    أعرف هذا الضوء مجنوناً، تعودّتُ

    عليه من زمن

    أعرف كيف يرسم المرأة أحياناً

    على شكل الوطن

    فمرّة يرسمها أما

    ومرة حمّى

    (جزء من قصيدة من ديوان "اختلال الليل والنهار" ص 16-19)

    البداية



    أبو خليل*
    اسلم.. فأنت أبو خليل
    اليوم يومك،
    لا رحيل ولا بديل
    والآن ظهرك للعراء..
    وفي يديك امانة،
    فاضرب.. فداك المستحيل
    واذكر، وهم يتقدمون إليك
    أنك آخر الأحياء في زمن قتيل
    فاضرب.. سلمت أبا خليل
    بغداد ليست، أيها النشمي، أرضا، أو مجرد عاصمة
    فاضرب يجاوبك الصدى
    بغداد أسباط وأوراس وصنعاء ونيل
    كن باسم بغداد الردى
    وليسقط الشيطان والثعبان والعدوان
    عند تراب نعليها
    وقل: من تحت أخمصنا السبيل
    بغداد مرآة
    يرى فيها الغزاة حقول زيت عائمة
    وترى عيون الأرض في المرآة
    وجها للحياة
    ووردة ومقاومة
    فاضرب.. سلمت أبا خليل
    اليوم يومك
    منذ أن رواك دجلة والفرات
    وكل يوم كان يومك
    خبىء الحلوى لأطفال الحياة
    أمامك الدنيا
    وخلفك ملجأ في العامرية
    نصب عينيك المخيم في جنين
    وسيد الشهداء، يبرح كربلاء
    ليستدير إليك حتى يطمئن على الأمانة
    طمئن الدنيا عليك
    وجرع الشيطان والعدوان والثعبان
    كأسا من زعاف السم والموت الوبيل
    واضرب.. سلمت أبا خليل
    في البيت أطفال
    وفي بستان عمرك أم سرك
    لا يزال هناك وقت للزنابق
    للعصافير الندية
    للبكاء على ضحايا العامرية
    للخنادق
    لا يزال هناك وقت للحياة
    وعندما يتقدمون إليك
    فكر في الحمام الأبيض المنشور ملء الريح
    يحرس كوكبا وثياب أطفال على حبل الغسيل
    فاضرب.. قليلا أو كثيرا صبر ساعة
    هي ساعة لكن فيها ألف جيل
    وتجدد الأيام وردتها
    وتزدهر الأغاني في الشوارع لا الإذاعة
    ويكون وقت للعيال وأمهم
    ويكون فجر ينتقيه أبو خليل



    * أبو خليل هو اسم التحبب الذي يطلقه العراقيون على كل فرد من قواتهم المسلحة.

    البداية



    قمر الظهيرة

    رويدًا

    إنه قمر الظهيرة في مدى بصري

    وإن أُحرز مكافئة

    فليس أقل من ألا أكف عن الظنون

    أراه وحدي والعيون ترى جنوني

    ليس لي هذا الجنون

    ولست أزعم أنني أنشأت معجزة

    ولكني أرى قمري

    لهم أن يضحكوا

    ويُظَنُّ بي أني نسيت الشمس في وعر الطفولة

    ربما أنسى

    ولكني أرى مالا يرون الآن

    فليمضوا إلى أيامهم

    ولأمضِ من صيفي إلى مطري

    على أني وحيد

    والعزاء معلَّق في سلة عبث الهواء بها

    فلا أعلو إليها وهي لا تدنو إلي

    لعل فاكهةً هناك

    لعل أعنابًا وأبوابًا ستفتح لي

    فأمسك ذيل أمي

    وهي تضحك حين أخبرها

    بأني ألمس الوحي

    كأني أدخل الدنيا

    كأني لم أكن فيها

    وأدرك أنني لا أملك الإقناع

    أمي أمس من ماتت

    وها أنا لم أمت إلا قليلاً

    وانبعثت

    فكيف أني بي أعزِّيها؟!

    إذن أين الطريق؟

    وهل أعود من الكهولة

    أهتدي بدمي الذي ينمو مع الثمر؟

    لماذا ليس لي عينان كالبشر؟

    لماذا لا أرى الأيام تولد من لياليها

    فأحزن إن دعا سبب إلى حزن

    وأهجس إن دعا قلق إلى ظن

    وأسبق حين يغريني السباق

    وإن تعبت؟

    فإن لي أني أحاول

    أي عفريت تعرض لي

    فصرت سواي

    لست أريد إلا أن أنام

    وأنفض العفريت والأقزام

    رويدًا إنه قمر الظهيرة

    لست أريده لي

    وأريد كالأولاد قمح العيد

    يُقْبل من جنوب الصيف ثانية

    لنصغر مثلما كنا، ونسرق من شوال

    خطُّه أحمر

    ويركض خلفنا الفلاح

    ينجو سائر الأولاد.

    لكني أقصر في الهروب

    ومن يقصر عادة يخسر

    لماذا الخوف لي والقمح للأولاد

    كيف أكون منهم إن رجعت

    فهل سأقهر في خوفي

    هل سأخرج من يدي ضعفي

    وأدخل في الجموع كأنني منهم

    وأخجل من دموعي

    لا أريد سوى كما يحيون أن أحيا

    ولكني أرى ما لا يرون

    تعبت أو تعبت بي الرؤيا

    البداية



    جنسية الدمع

    صباح من الغبش الحلو يفتح باب النهار

    نهار من الصحو إلا بقايا الغبار

    مدارس من أمل,و الأمل

    ترجل عن حلم في عيون الكبار

    إلى فرح يرتجل

    فمن أين خوذة هذا المسربل بالبقع السود؟

    كيف انطوى العشب تحت الفتى و تلون بالزهر؟

    خل كان يدري اله الجنود,

    بما سوف يدري إذا أطلقوا النار؟

    اسمع صفارة, و أرى صوت حوامّة في السحابة,

    يرمي الجنود حروف الكتابة بالجمر,

    فالحال في حالة....... و يئن المضارع,

    والشارع الآن جملة حرب,

    دريئتهم كل راس و قلب,

    أصابوا النهار,

    إصابته غير قاتلة,

    فالرصاصة في كتف الفجر,

    و النهر يجري

    و روح العصافير تسري

    و ما هي إلا دقائق,

    ما هي إلا رقائق من شجر الورد و الصبر,

    حتى يطير الجناحان,

    والنهر يجري فلا يملا البحر,

    يصعد من رئة البحر البحر قوسا قزح

    و ما هي إلا حدائق كانت نساء,

    و أزواجهن, و طفلين

    حتى يسيل الصباح دماءً,

    تغذي مجنزرة بالوقود

    فيربض فيها اله الجنود و يضحك

    تبكي ملائكة غادرت قبر يوسف,

    تعجز عن أن ترد الكلام الذي ,

    لم يصل, بعد,إسماع تلميذتين

    فأسمع دمع السحابة,

    من رامة الله تسري إلى طولكرم

    ونابلس و الخليل

    إلى خان يونس

    من صخرة القدس حتى رفح

    و تبكي ملائكة جاورت قبر يوسف

    سيدنا الخضر في بئر زيت

    سيدخل في كل موت

    و يخرج من نخلة ضربت موعدا ً للقيامة في عمق دير البلح

    و نعرف جنسية الدمع منذ بكى آ دم,

    يا فلسطين,

    يا دمعة الله،

    للحزن أن يترجل يوما ً, ليدخل,من بيت لحمك,طفل الفرح

    و نعرف ماذا يخبئ, في الدمع,هذا القطار

    ولكن أيرجع من ذهبوا؟

    لقد ذهبوا ليعيدوا النهار

    و لكنهم ذهبوا

    و لسنا نكابر...بل هدنا التعب

    سنفقدكم كلما هدأ البيت

    هم عودونا:إذا حضروا يزهر الصخب

    سنفقد من يكسر الصحن,

    ينكسر الشر فينا

    ولا ينتهي الشغب الحلو,

    يا روحهم انت... يا شغب

    عزاء,و كيف العزاء بمن ذهبوا؟

    أنزعم,في غفلة,أنهم هربوا؟

    وعند المساء يجيئون بالكتب المدرسية,

    و القدس,

    و الفرح و المرتجي... والنهار

    سيبعث أصغرهم بكراريس إخوته.. ويدور الشجار

    و نضحك,

    نفتح نافذة فنرى أفقا ً لا تعكره البقع السود,

    يمضي الجنود و يبقى الصغار

    سنكتشف البحر,

    نسرح في السهل,

    نصغي لنبض الحصاة بقلب الجبل

    و نوقظ,من نومه,جبلا غارقا في الأمل

    سنفعل هذا و اكثر,نضحك ...نبكي

    سيصبح هذا ربابتنا...و سنحكي

    و لكن لماذا يباهتنا الدمع؟

    يا أملا ذهبوا ليجيئوا به...فلتجئ

    و يا قمرا ذهبوا يقطفون لنا ضوءه..فلتضئ

    ويا غد...

    فلنبتدىء يا غد الغد يا غدنا

    لقد نام عمرا,و آن له أن يفيق الجبل

    وآن لنا.....

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    لشاعر توفيق زياد

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:49 am

    ا


    لشاعر توفيق زياد


    نبذة

    -ولد توفيق أمين زيَّاد في مدينة الناصرة في السابع من أيار عام 1929 م .
    - تعلم في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة ، وهناك بدأت تتبلور شخصيته السياسية وبرزت لديه موهبة الشعر ، ثم ذهب إلى موسكو ليدرس الأدب السوفييتي .
    - شارك طيلة السنوات التي عاشها في حياة الفلسطينيين السياسية في إسرائيل، وناضل من أجل حقوق شعبه.
    - شغل منصب رئيس بلدية الناصرة ثلاث فترات انتخابية (1975 – 1994)، وكان عضو كنيست في ست دورات عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومن ثم عن القائمة الجديدة للحزب الشيوعي وفيما بعد عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة .
    - رحل توفيق زياد نتيجة حادث طرق مروع وقع في الخامس من تموز من عام 1994 وهو في طريقه لاستقبال ياسر عرفات عائداً إلى أريحا بعد اتفاقيات أوسلو.
    - ترجم من الأدب الروسي ومن أعمال الشاعر التركي ناظم حكم.

    أعماله الشعرية :

    1. أشدّ على أياديكم ( مطبعة الاتحاد ، حيفا ، 1966م ) .
    2. أدفنوا موتاكم وانهضوا ( دار العودة ، بيروت ، 1969م ) .
    3. أغنيات الثورة والغضب ( بيروت ، 1969م ) .
    4. أم درمان المنجل والسيف والنغم ( دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .
    5. شيوعيون ) دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .
    6. كلمات مقاتلة ( دار الجليل للطباعة والنشر ، عكا ، 1970م ) .
    7. عمان في أيلول ( مطبعة الاتحاد ، حيفا ، 1971م ) .
    8. تَهليلة الموت والشهادة (دار العودة ، بيروت ، 1972م ) .
    9. سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة ( مطبعة الحكيم ، الناصرة ، 1973م ).
    10. الأعمال الشعرية الكاملة ( دار العودة ، بيروت ، 1971م ) ، يشمل ثلاثة دواوين :
    - أشدّ على أياديكم .
    - ادفنوا موتاكم وانهضوا .
    - أغنيات الثورة والغضب .
    11. الأعمال الشعرية الكاملة ( الأسوار، عكا، 1985م ) .

    أعماله الأخرى :

    1. عن الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة ( دار العودة ، بيروت ، 1970م ) .
    2. نصراوي في الساحة الحمراء / يوميات ( مطبعة النهضة ، الناصرة ، 1973م ) .
    3. صور من الأدب الشعبي الفلسطيني / دراسة ) المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1974م . (
    4. حال الدنيا / حكايات فولكلورية ( دار الحرية ، الناصرة ، 1975م ) .





    أُحِبّ .. ولكن

    أُحِبّ لو استطعت بلحظةٍ

    أن أقلب الدنيا لكم : رأساً على عَقِبِ

    وأقطع دابر الطغيانِ

    أحرق كل مغتصبِ

    وأوقد تحت عالمنا القديمِ

    جهنماً ، مشبوبة اللّهبِ

    وأجعل أفقر الفقراء يأكل في

    صحون الماس والذهبِ

    ويمشي في سراويل

    الحرير الحرّ والقصبِ

    وأهدم كوخه .. أبني له

    قصراً على السُحُبِ

    أحبّ لو استطعت بلحظةٍ

    أن أقلب الدنيا لكم رأساً على عقبِ

    ولكن للأمور طبيعة

    أقوى من الرغبات والغضب

    نفاذ الصبرِ يأكلكم فهل

    أدى إلى إرَبِ ؟؟

    صموداً أيها الناس الذين أحبهم

    صبراً على النُوَبِ !!

    ضعوا بين العيون الشمس

    والفولاذ في العَصبِ

    سواعدكم تحقق أجمل الأحلام

    تصنع أعجب العَجَبِ





    أناديكم .. أشد على أياديكم

    أناديكم

    أشد على أياديكم..

    أبوس الأرض تحت نعالكم

    وأقول: أفديكم

    وأهديكم ضيا عيني

    ودفء القلب أعطيكم

    فمأساتي التي أحيا

    نصيبي من مآسيكم.

    أناديكم

    أشد على أياديكم..

    أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي

    وقفت بوجه ظلامي

    يتيما، عاريا، حافي

    حملت دمي على كفي

    وما نكست أعلامي

    وصنت العشب فوق قبور أسلافي

    أناديكم... أشد على أياديكم!!





    السكّر المرّ

    أجيبيني !!

    أنادي جرحك المملوء ملحاً يا فلسطيني !

    أناديه وأصرخُ :

    ذوِّبيني فيه .. صبّيني

    أنا ابنك ! خلّفتني ها هنا المأساةُ ،

    عنقاً تحت سكين .

    أعيش على حفيف الشوقِ ..

    في غابات زيتوني .

    وأكتب للصعاليك القصائد سكّراً مُرّاً ،

    وأكتب للمساكين .

    وأغمس ريشتي ، في قلب قلبي ،

    في شراييني .

    وآكل حائط الفولاذ ..

    أشرب ريح تشرين .

    وأدمي وجه مغتصبي

    بشعرٍ كالسكاكين .

    وإن كسر الردى ظهري ،

    وضعت مكانه صوّانة ،

    من صخر حطين .. !!

    فلسطينيةٌ شبّابتي ،

    عبأتها ،

    أنفاسي الخضرا .

    وموّالي ،

    عمود الخيمة السوداءِ ،

    في الصحرا .

    وضجة دبكتي ،

    شوق التراب لأهله ،

    في الضفة الأخرى .





    بأسناني

    بأسناني ،

    سأحمي كلّ شبرٍ من ثرى وطني

    بأسناني .

    ولن أرضى بديلاً عنه

    لو عُلّقت

    من شريان شرياني .

    أنا باقٍ

    أسير محبتي .. لسياج داري ،

    للندى .. للزنبق الحاني .

    أنا باقٍ

    ولن تقوى عليّ

    جميع صُلباني

    أنا باقٍ

    لآخذكم .. وآخذكم .. وآخذكم

    بأحضاني

    بأسناني

    سأحمي كلّ شبرٍ من ثرى وطني

    بأسناني





    جسر العودة ..

    أحبائي !!

    برمش العين

    أفرش درب عودتكم ،

    برمش العين .

    وأحضن جرحكم ،

    وألُمّ شوك الدّرب ،

    بالجفنين .

    وبالكفين ، سأبني جسر عودتكم ،

    على الشطّين

    أطحن صخرة الصّوان ،

    بالكفين .

    ومن لحمي ..





    المصلوب

    أحبائي !

    أنا بالورد والحلوى

    وكل الحبّ أنتظرُ

    أنا ، والأرض ، والقمر

    وعين الماء ، والزيتون ، والزهر

    وبيّاراتنا العطشى ،

    وسكّتنا ،

    وكرمُ دوالْ

    وألف قصيدة خضراءُ

    منها يوزرق الحجر

    أنا بالورد والحلوى

    وكل الحبّ أنتظرُ

    وأرقب هبة الريح التي

    تأتي من الشرقِ

    لعلّ على جناح جناحها





    هنا باقون

    كأننا عشرون مستحيل

    في اللد , والرملة , والجليل

    هنا .. غلى صدوركم , باقون كالجدار

    وفي حلوقكم

    كقطعة الزجاج , كالصبار

    وفي عيونكم

    زوبعة من نار

    هنا .. على صدوركم , باقون كالجدار

    ننظف الصحون في الحانات

    ونملأ الكؤوس للسادات

    ونمسح البلاط في المطابخ السوداء

    حتى نسل لقمة الصغار

    من بين أنيابكم الزرقاء

    هنا غلى صدوركم باقون , كالجدار

    نجوع .. نعرى .. نتحدى

    ننشد الأشعار

    ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات

    ونملأ السجون كبرياء

    ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل

    كأننا عشرون مستحيل

    في اللد , والرملة , والجليل

    إنا هنا باقون

    فلتشربوا البحرا

    نحرس ظل التين والزيتون

    ونزرع الأفكار , كالخمير في العجين

    برودة الجليد في أعصابنا

    وفي قلوبنا جهنم حمرا

    إذا عطشنا نعصر الصخرا

    ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل

    وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل

    هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل

    كأننا عشرون مستحيل

    في اللد , والرملة , والجليل

    يا جذرنا الحي تشبث

    واضربي في القاع يا أصول

    أفضل أن يراجع المضطهد الحساب

    من قبل أن ينفتل الدولاب

    لكل فعل :- ... إقرأوا

    ما جاء في الكتاب





    المُغَنّي

    وأعطي نصف عمري ، للذي

    يجعل طفلاً باكياً

    يضحك

    وأعطي نصفه الثاني ، لأحمي

    زهرة خضراءَ

    أن تهلك

    وأمشي ألف عام خلف أغنية

    وأقطع ألف وادٍ

    شائك المسلك

    وأركب كل بحرٍ هائج ،

    حتى ألم العطرَ

    عند شواطئ الليلك

    أنا بشريّة في حجم إنسانٍ

    فهل أرتاحُ

    والدم الذكي يسفك !!

    أغني للحياة

    فللحياة وهبت كل قصائدي

    وقصائدي ،

    هي كلّ ..

    ما أملك !





    تعالوا

    تعالوا أيها الشعراء

    نزرع فوق كل فم

    بنفسجةً .. وقيثاره

    تعالوا أيها العمال

    نجعل هذه الدنيا العجوز

    تعود نوّاره

    تعالوا أيها الأطفال

    نحلم بالغد الآتي

    وكيف نصيدُ أقماره

    تعالوا كلكم .. فالظلم ينهي

    بعد دهرٍ طال

    مشواره

    وأنتم قد ورثتم

    كل هذا الكون

    روعتُهُ ،

    وثروتُهُ ،

    وأٍسرارَه !!





    نيران المجوس

    على مهلي!!

    على مهلي!!

    أشد الضوء.. خيطا ريقا،

    من ظلمة الليل

    وأرعى مشتل الأحلام،

    عند منابع السيل

    وأمسح دمع أحبابي

    بمنديل من الفل

    وأغرس أنضر الواحات

    وسط حرائق الرمل

    وأبني للصعاليك الحياة..

    من الشذا

    والخير،

    والعدل

    وإن يوما عثرت، على الطريق،

    يقيلني أصلي

    على مهلي

    لأني لست كالكبريت

    أضيء لمرة.. وأموت

    ولكني ..

    كنيران المجوس: أضيء..

    من

    مهدي

    إلى

    لحدي!

    ومن...

    سلفي

    إلى ..

    نسلي!

    طويل كالمدى نفسي

    وأتقن حرفة النمل.

    على مهلي!

    لأن وظيفة التاريخ...

    أن يمشي كما نملي!!

    طغاة الأرض حضرنا نهايتهم

    سنجزيهم بما أبقوا

    نطيل حبالهم، لا كي نطيل حياتهم

    لكن..

    لتكفيهم

    لينشنقوا..!!

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    لشاعر توفيق زياد

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:53 am

    أشد من المحال

    يا أخوتي ! هذا التراب ترابنا

    رغم الليالي

    أرويته بدمي ودمعي

    طول أيامي الخوالي

    ورضعت من ثدي الجبال الشمّ،

    والقمم العوالي

    عزمي وأقدامي،

    وصبري للشدائد، واحتمالي

    زيتهُ . . من ماء قلبي

    زيتهُ . . ذزب اللآلي

    ومن الأماني المسكراتِ

    عبير زهر البرتقال

    يا أخوتي ! الأرض تهتفْ

    بالنساء وبالرجال

    هيا نلبي . . إننا

    شعب أشد من المحال !!






    مرج بن عامر

    1ـ العُصارة

    وعرفتَني لما أتيتكَ

    بعد غيبتيَ الطويلة ،

    مستفيض الشوق زائر

    أبكي بلا دمع

    وأسحب خطوتي

    في خطو مفجوع وقابر

    ونظرت نحوي ..

    هذه النظراتُ

    في قلبي .. خناجر

    علقت أنفاسي عليها

    ـ غير مختارٍ ـ

    وعلقت الخواطر

    وهممت أن تنهض

    فشدّك ألف قيدٍ

    محكم الحلقات قاهر

    وفقدتَ صوتكَ

    إذ هممت تصيح بي

    وفقدتُ صوتي

    وأنا الذي عوّدتُ صوتي

    أن يطوف ..

    على المنابر

    لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

    إني شربت ..

    عصارة المأساة ،

    يا مرج بن عامر !!

    2ـ محرّمات

    أرضي ..! ترابي ..!

    كنـزيَ المنهوبُ ..! تاريخي ..

    عظام أبي وجدّي

    حرمت عليَّ ، فكيف أغفر ؟؟

    لو أقاموا لي المشانقَ ..

    لست غافر

    هذي قرانا السُّمرُ

    أضحت كلُّها دِمَناً

    وآثاراً عواثر

    آحادُها بقيت ،

    وما زالت

    تحارب بالأظافر

    شدَّت على أعناقها أنيابـهم

    تمتصُّ من دمها

    كواثر

    لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

    حتى المقابر بُعثرت ..

    حتى المقابر ..

    3ـ قطعن النصراويات

    (من أغنية شعبية قديمة)

    النصراويّات الجآذرُ

    كم قطعن مداكَ

    في خطو الأكابر !

    زمرٌ على الطرقاتِ

    فيهنّ الحبالى والبنات البكرُ

    كالزهر المسافر

    والمرضعاتُ ..

    صغارهن على الظهور ،

    على الخواصر

    يَنقُلْنَ أكوام الغلالِ ،

    من الحقول ..

    إلى البيادر

    يسهرنَ حول النّار ،

    ينشدن الأغاني

    دون آخِر

    عن حرب تركيّا ،

    وأسراب الفرارييّنِ ،

    عن ظلم العساكر

    وعن الخواتم ، والأساورِ ،

    كيف بيعت

    لاقتناء سلاح ثائر

    لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

    إن كان لصُّ الأرضِ وحشاً كاسراً ،

    فالعزم فينا ألفُ كاسِر

    4ـ الظاهرة والعمق

    لا تحكِ لي ! لا تحكِ لي

    أنا قادمٌ

    من حيث تُغتال الضمائر

    وتذوب في الأغلالِ

    أيدٍ حُرّةٌ

    ويوسوس الفولاذُ

    في أقدام صابر

    أنا قادمٌ

    من حيث كل فمٍ

    عليه حارسٌ

    والمخبِرون على الستائر

    حيث استوى في الحُكمِ

    شرطيٌّ

    وقديسٌ

    وتاجر

    حيث الجريمة فرَّخت

    في كلّ مأمورٍ

    وآمر

    حيث العيون السُّودُ

    تثقبُ بالرصاصِ

    وبالخناجر

    حيث الرجال بلا طعامٍ

    والنساءُ بلا رجالٍ

    والجمالُ بدون شاعر

    حيث الحدود خنادق

    والبحر زيت كله

    والأفق بالفولاذ عامر

    وحديقة الأطفال

    صارت مصنعاً للكُرهِ

    وانغمّت البصائر

    حيث الصّدى والظلّ

    ينكر أصلهُ

    ويسوط خالقه مغامر

    أنا قادم

    من حيث

    تلتهب الضمائر

    حيث المآسي تصنع الأبطال

    والشكوى

    علامة كل خائر

    حيث الشوارع زاحفات بالرجالِ

    مواكباً

    من دون آخر

    حيث البحيرات التي

    أمواجها أعلام شعبٍ

    لن يهاجر

    وحناجر الأطفال

    والعمال

    والشعراء

    تملأ

    أفقَ عالمنا

    بشائر

    *

    *

    لا تحكِ لي .. لا تحكِ لي !

    أأنا الذي نيّبت

    تخدعني المظاهر .. ؟!

    الضؤ والمأساة

    قالا لي: لعنتَ ، إنفذ

    إلى عمق الظواهر

    لا شيئ يبقى نفسه

    والدّهر

    دولاب ودائر

    ولكل ليل آخرٌ ،

    مهما بدا ..

    من دون آخر ..

    5 ـ شوق العواصِف

    يا جذر جذري !! إنني سأعود حتماّ

    فانتظرني . انتظرني في شقوق الصخر ،

    والأشواك ، في نوارة الزيتون ، في

    لون الفراش ، وفي الصدى والظل ،

    في طين الشتاء وفي غبار الصيف ،

    في خطو الغزال، وفي قوادم كل طائر..

    شوق العواصف في خطاي ،

    وفي شراييني ..

    نداء الأرض .. قاهر

    أنا راجع فاحفظنَ لي

    صوتي .. ورائحتي .. وشكلي

    يا أزاهر

    إحفظن لي

    صوتي .. ورائحتي .. وشكلي ،

    يا أ .. ز .. ا .. ه .. ر !!



    فلتسمع كل الدنيا

    فلتسمع كل الدنيا ... فلتسمع

    سنجوع .. ونعرى

    قطعا .. نتقطع

    ونسفّ ترابك

    يا أرضا تتوجع

    ونموت .. ولكن

    لن يسقط من أيدينا

    علم الأحرار المشرع

    لكن .. لن نركع

    للقوة .. للفانتوم ... للمدفع

    لن نخضع

    لن يخضع منا

    حتى طفل يرضع






    ارفعوا أيديكم

    فارفعوا أيديكم عن شعبنا

    لا تطعموا النار حطب

    كيف تحيون على ظهر سفينه

    وتعادون محيطاً من لهب .. ؟؟

    فارفعوا أيديكم عن شعبنا

    يا أيها الصم الذين

    ملئوا آذانهم قطناً وطين

    إننا للمرة الألف نقول :

    نحن لا نأكل لحم الآخرين

    نحن لا نذبح أطفالاً ولا

    نصرع ناساً آمنين

    نحن لا ننهب بيتاً

    أو جنى حقلٍ

    ولا نطفي عيون

    نحن لا نسرق آثاراً قديمه

    نحن لا نعرف ما طعم الجريمه

    نحن لا نحرق أسفاراً

    ولا نكسر أقلاماً

    ولا نبتز ضعف الآخرين

    فارفعوا أيديكم عن شعبنا

    يا أيُها الصّم اللذين

    ملئوا آذانهم قطناً وطين

    إننا للمرة الألف نقول :

    لا وحقّ الضوء ..

    من هذا التراب الحُرِّ

    لن نفقد ذرّه !!

    إننا لن ننحني ..

    للنار والفولاذ يوماً ..

    قيد شعرَه !!





    يا شعبي

    يا شعبي يا عود الند

    يا أغلى من روحي عندي

    إنا باقون على العهد

    إنا باقون

    لن نرضى عذاب الزنزانة

    وقيود الظلم وقضبانه

    ونقاص الجوع وحرمانه

    ألا لنفك وثاق القمر المصلوب

    ونعيد إليك الحق الحق المسلوب

    ونطول الغد من ليل الأطماع

    حتى لا تشرى لا تشرى وتباع

    حتى لا يبقى الزورق دون شراع

    يا شعبي يا عود الند

    يا اغلي من روحي عندي

    إنا باقون على العهد

    إنا باقون





    الكلمات

    غير الخبز اليومي

    وقلب امرأتي

    وحليب الأطفال ــ

    أنا لا أملك شياّ

    وسوى الشعر

    وايقاد النار

    وتشخيص الآتي

    أنا لا أملك شياّ

    وسوى أرض بلادي

    وسماء بلادي

    وزهور بلادي

    أنا لا أعبد شياّ

    وسوى الشعب الكادح

    والناس البسطاء العاديين

    وأيديهم ــ

    لست أقدس شياّ

    لو عشت شقياً

    سأموت سعيداً

    لو قدرت كلماتي

    أن تفرح بعض الناس

    لو أمكن أن يقرأها

    في المستقبل

    طفلٌ

    في كراس





    انزلي يا مطرة

    إنزلي يا مطره

    إنزلي عَ الشجره

    يبس الزرّعُ ومات الضّرعُ

    والأعين جفّت ،فانزلي يا مطره

    واطلعي يا قمره

    اطلعي عَ الشجره

    من جناحَي قُبّره

    زمن مرّ وصاب

    وليالينا ثقيلة

    كبُرَ الهمّ وأضنانا العذاب

    وعطاشى نحن والدّرب طويله

    فمُنا جفّ به حتى اللعاب

    لكن الحلم الذي في القلبِ

    يبقى كالشهاب

    والأمانيُّ .. عذابُ .. سكّره

    وطريق الفقراء الثائرين

    وقلوب الشرفاء البَرَرِه

    هي مَنجانا الأخير

    فاطلعي يا قمره

    وانزلي يا مطره

    إنزلي ...

    يا ...

    مطره ..





    أمة فوق الصليب

    علّقونا أمةً كاملةً فوق الصليب

    علّقونا فوقه -

    حتى ..

    نتوب

    هذه النكسة ليست

    آخر الدنيا ..

    ولا نحن عبيد

    فامسحوا أدمعكم

    وادفنوا القتلى

    وقوموا من جديد

    أيها الناس الحزانى

    أنتم الدنيا

    وأنتم منبع الخير الوحيد

    أنتم التاريخ

    والمستقبل الباسمُ

    في هذا الوجود

    فتعالوا

    نشبك الأيدي بالأيدي

    ونمشي في اللهيب

    فغدُ الأحرار إن طال

    وإن طال –

    قريب





    شهيدة

    هذه الطفلة ، في جبهتها

    خمسُ رصاصاتٍ

    وشمسٌ

    وشهادة

    عينها قبَّرةٌ حمرا

    وخدّاها عباده

    سقطت زنبقةً من ذهبٍ

    في شارع الحرية الطالعِ

    من قلب المدينه

    شارع الحريّة الطالعِ

    من قلب الزقاقاتِ ،

    ومن قلب المتاريس الحصينة

    سقطت تهتف للنّصر

    كياناً .. وسيادة

    فهي في القلب هتافٌ

    وعلى العنق قلادة

    وهي عنوان كتابِ

    وهي ..

    تاريخ ..

    ولادة

    البداية



    أتحدى

    لا دمي تشربه الأرضُ

    ولا روحي تهدا

    فاقتلوني - أتحدّى

    واصلبوني - أتحدّى

    وانهبوا كسرة خبزي - أتحدّى

    واهدموا بيتي وخلّوه حطاما - أتحدّى

    وكلوني واشربوني - أتحدّى

    وطني أنت المفدّى

    والأماني التي تقطر شَهدا

    وطني الحرقة والوجد الذي

    يأكل عمري

    والهوى والضوء في عيني

    والشوق الذي يملأ صدري

    هذه الأرض بلادي

    وسماها ولعي

    حاضري .. مستقبلي .. مهدي ولحدي

    ودمي .. لحمي .. فُؤادي .. أضلعي

    وهي أمي وأبي وهي

    أبنائي وجدّي

    وتراثي .. وأغانيّ .. وأعلامي ومجدي

    بيتي العالي وعنوان التحدّي

    وأنا الناس الحزانى

    وأنا الشعب المعذّب

    وأنا العاصفة الهوجاء

    في وجه المظالم

    وأنا النهر الذي يجري ويجري

    جارفاً كلّ الطغاة

    وأنا بركان عشقٍ للوطن

    وأنا الخضرة والشمسُ

    وقطرات الندى

    فاقتلوني - أتحدى

    واصلبوني - أتحدى

    لا دمي تشربه الأرضُ

    ولا روحي تهدا .




    كلمات .. للوطن

    مثلما كنت ستبقى يا وطن

    حاضراً في ورق الدّفلى ،

    وعطر الياسمين

    حاضراً في التين ، والزيتون ،

    في طور سنين

    حاضراً في البرق ، والرعد ،

    وأقواس قزح

    في ارتعاشات الفرح

    حاضراً في الشفق الدامي ،

    وفي ضوء القمر

    في تصاوير الأماسي ،

    وفي النسمة .. في عصف الرّياح

    في الندى والساقية

    والجبال الشمّ والوديان ،والأنهر

    في تهليلة أمّ ..

    وابتهالات ضحيّة ،

    في دمى الأطفال ، والأطفال ..

    في صحوة فجرٍ

    فوق غاب السنديان

    في الصّبا ، والولدنه

    وتثنى السوسنه

    في لغات الناس والطير ،

    وفي كل كتاب

    في المواويل التي

    تصل الأرض

    بأطراف السحاب

    في أغاني المخلصين

    وشفاه الضارعين

    ودموع الفقراء البائسين

    في القلوب الخضر ،

    والأضلع ،

    في كل العيون

    مثلما كنت - ستبقى

    يا وطن

    حاضراً ..

    كلّ زمانٍ ..

    كلّ حين .

    مثلما كنت ستبقى يا وطن

    حاضراً في كل جرحٍ

    وشظيّة

    في صدور الثائرين الصامدين

    حاضراً في صور القتلى

    وعزم الشهداء

    في تباشير الصباح

    وأناشيد الكفاح

    حاضراً في كل ميدانٍ وساح

    والغد الطالع ..

    من ..

    نزف ...

    الجراح

    نحن أصحابك فأبشر يا وطن

    نحن عشاقك فأبشر يا وطن

    ننحت الصخر ونبني ونعمّر

    ونلوك القيد حتى نتحرر

    نجمع الأزهار والحلوى

    ونمشي في اللهيب

    نبذل الغالي ليبقى

    رأسك المرفوع .. مرفوعاً

    على مرِّ الزمن

    نحن أصحابك ..

    عشاقك ..

    فابشر ،

    يا وطن .. !!




    ازرعوني

    ازرعوني زنبقاً أحمر في الصدرِ

    وفي كل المداخل

    واحضنوني مرجة خضراء

    تبكي وتصلي وتقاتل

    وخذوني زورقاً من خشب الورد

    وأوراق الخمائل

    إنني صوت المنادي

    وأنا حادي القوافل

    ودمي الزهرةُ والشمسُ

    وأمواج السنابل

    وأنا بركان حبٍّ وصَبَا

    وهتافاتي مشاعل

    أيها الناس لكم روحي ،

    لكم أغنيتي

    ولكم دوماً أقاتل

    فتعالوا وتعالوا

    بالأيادي والمعاول

    نهدم الظلم ونبني غدنا ..

    حرّاً وعادل

    أيها الأطفال ..

    يا حبقاً أخضر ..

    يا جوق عنادل

    لكموُ صناّ جذور التين والزيتون

    والصخر

    لكم صُنّا المنازل

    أيّها الناس الحزانى

    أيّها الشعب المناضل

    هذه الأعلام لن تسقط

    ما دُمنا .. نغنّي ونقاتل




    أماماً وأعلى !

    أماماً .. !!

    أماماً .. !!

    وأعلى

    فأعلى .. !!

    بلادي .. نفديك بالروحِ

    شبلاً فشِبلا

    ونمشي كعاصفة النارِِ

    شيخاً وطفلا

    ليبقى لواؤك

    فوق السِّماك وأعلى

    بلادي تبقين في الكون

    نجماً معلّى

    وتبقين دوحة عزٍ

    فروعاً وأصلا

    حملناك فوق الأكفِّ -

    تباركت حملا

    وشلناك مأساة شعبٍ

    أبى أن يذلاّ

    بلادي عبدنا ربوعك

    طوراً وسهلا

    نقشناك في دفتر القلب

    فصلاً ففصلا

    رسمناك

    زيتونةً ..

    دوالٍ ونخلا

    رسمناك عشباً ، سحاباً

    بيوتاً وأهلا

    ومرج عناقٍ تفتح

    ورداً وفلاّ

    وتسبيح قُبّرةٍ

    رقدت تتفلّى

    عبدناك صحوة فجرٍ

    وشمساً وظلاّ

    وشوكاً وصبراً

    وزعترةً تتجلّى

    وشاطئ بحرٍ تقدّس

    صخراً ورملا

    أماماً

    أماماً ..

    وأعلى

    فأعلى ..!!

    ويا نجمة الصبح غيبي -

    بلادي أحلى

    ويا جنة الخلد روحي -

    بلادي أغلى

    أماماً .. !!

    أماماً .. !!

    وأعلى

    فأعلى .. !!

    بلادي .. بلادي ..

    لياليك بالنصر حُبلى

    وأنت تراث الجدود الذي

    ليس يبلى

    وأنت التي كل يومٍ

    تصيرين أحلى

    وأنت التي كل يومٍ

    تصيرين أغلى

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    الشاعر جميل عياد الوحيدي

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 9:57 am




    الشاعر جميل عياد الوحيدي



    نبذة

    ولد عام 1930 في بئر السبع بفلسطين.

    ولد في أراضي عشيرة الوحيدات جنوب قرية الفالوجة, من أعمال غزة بفلسطين, وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة الفالوجة, وبعض علومه الثانوية في مدرسة المجدل, وأتمها في الكلية الإبراهيمية بالقدس. ثم حصل على شهادة امتحان المعلمين الأدنى عام 1957, وعلى شهادة امتحان الدراسة الثانوية عام 1962, وعلى شهادة الليسانس في التاريخ عام 1967.

    عمل مع حكومة الانتداب البريطاني لعدة شهور, ثم عمل معلم مدرسة, ثم مساعد مدير, ثم مديراً في مدارس وكالة الغوث الدولية منذ 1950 وحتى 1990 حيث تقاعد.

    كان له شرف المشاركة في القتال في بعض معارك النقب عام 1948, إلى أن جرح في معركة بئر السبع, ووقع أسيراً في قبضة العصابات الصهيونية.

    دواوينه الشعرية : آلام وآمال 1985 - أعطني سيفاً 1992.

    مؤلفاته : في التراث والإنسان : نظرات في تاريخ عشيرة الوحيدات.

    ممن كتبوا عنه: حسني أدهم جرار في كتابه: قصائد وأناشيد للانتفاضة, وروكس بن زائد العزيزي في صحيفة الرأي الأردنية, وكمال عبد الكريم الوحيدي في صحيفة العرب القطرية, وغيرهم.

    عنوانه : مخيم البقعة - ص.ب 47 - الأردن.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:00 am

    الشاعر جورج جريس فرح



    نبذة

    من مواليد حيفا ـ فلسطين ـ عام 1939 ومن سكان شفا عمرو حاليا .

    أنهى دراسته الثانوية في " الكلية الأرثوذكسية العربية " في حيفا عام 1959م .

    درس المحاسبة وإدارة الأعمال ، عمل موظفا حتى عام 1969م , ثم مديرا لمكتب تأمين حتى عام 1980م , ثم مديرا في بنك العمال حتى 1994م حيث استقال ليزاول الأعمال الحرة في مجالات الخدمات التجارية , الإعلان , الطباعة والنشر .

    كتب الشعر في سن مبكرة ، كما كتب القصة القصيرة , المقالة ، وكلمات الأغاني .

    أصدر مجموعته الشعرية الأولى بعنوان " بدء الحصاد " عام 1985م والثانية " صوت يبحث عن صداه " عام 1991 وقد تأثرت مجموعته الأخيرة بأحداث الانتفاضة الفلسطينية بشكل خاص .

    نشرت الصحف العديدة والمجلات الكثير من إنتاجه وتم تلحين وغناء العديد من كلماته .





    الليل والحب وحبيبتي !
    لحبيبتي في الحبِّ شَرطٌ أوَّلُ
    شرطٌ أساسٌ
    عنهُ لا تتنازَلُ
    أن أربطَ الليلَ بأطرافِ النهارِ
    بسِحرِها أتغزّلُ
    واطَوِّلُ...!
    لحبيبتي والليلِ أسرارٌ
    ولغزٌ أجهلُ
    في الليلِ يطغى عِطرُها
    يتدلّلُ
    يتسلّلُ
    في جوفِ أعماقِ الوريدِ
    ويوغِلُ...
    والعِطرُ عندَ حبيبتي لا يُمْهِلُ
    لا يعرفُ الإبطاءَ في ما يفعَلُ
    وأنا شديدُ الحسِّ
    لا أقوى على عطرٍ يبرّح بالفؤادِ
    ويقتلُ...!
    وا حيرَتي...
    ما حيلتي
    وأنا الذي،
    من غيرِ خمرٍ،
    أثملُ

    *********************



    هاتوا الصّغارَ أضمُّهُم
    هاتوا أياديكُمْ
    إذا تَعِبَتْ وأضناها العَمَلْ
    هاتوا أقَبِّلْها
    وأغسِلْها
    بدمعٍ في المُقَلْ
    هاتوا كواهِلَكُمْ
    فقد حمَلَت مدى العُمرِ الثِّقَل
    والأرضُ منكُم لم تَزَلْ
    مِعطاءَةً
    منذُ الأزلْ
    هاتوا معاوِلَكُم
    أزيِّنْها
    بشاراتِ الظَّفَرْ
    هاتوا مواجِعَكُم
    أطيّبْها
    بزيتٍ من شجَرْ
    زيتونِنا الطفّاحِ من جوفِ الحجَر!
    هاتوا صِغارَكُمو
    أضمّهمو
    إلى الصدرِ العَطِرْ
    هاتوا
    لأطبعَ فوقَ جبهَتِهِم قمَرْ
    فهُمُ البدايةُ
    والنهايةُ
    والحكايةُ
    والخبَرْ
    وهمُ القضيَّةُ
    والهويَّةُ
    والمسيرةُ والأمَلْ!

    نسرٌ أم حمامة
    لاجتماعِ الطَّيرِ،
    ما قبلَ الصَّباحْ،
    أقبَلَتْ، مذعورَةً،
    أسرابُ أصحابِ الجناحْ..
    جَدوَلُ الأعمالِ مَقصُورُ الكلامْ:
    نزعُ شاراتِ السَّلامِ عنِ الحَمامْ!
    حيثُ أنَّ الناسَ قد مَلّوا الوُعودْ
    فالحَكايا جاوَزَتْ كلَّ الحُدودْ
    كلَّ يَومٍ يملأُ الدُّنيا بَشائرْ
    عن سَلامٍ قادِمٍ كالطَّيرِ طائرْ
    ناعقًا قالَ الغُرابْ:
    يا طُيورْ
    آنَ أن يَرعَى القَضِيَّة
    نسرُنا حامي الحَميّةْ
    فهْوَُ أوْلى بالوظيفَةْ
    مِن ذوي النَّفسِ الضَّعيفَةْ
    فيهِ لَو رُمنا الحقيقَةْ
    كلُّ ما تَبغي الخليقَةْ
    فالمعالي مَطلبُهْ
    والبَرايا تَرهبُهْ،
    فاجعَلوا النَّسْرَ الإماما
    واعزلوا الآنَ الحَماما
    لم يَطُلْ ما كانَ مِن أخذٍ ورَدّْ
    قرَّرَوا بالأمرِ عَنْ عَزْمٍ وجِدْ
    مِنْ عَلى أنقاضِ جُثمانٍ وَجِيفَهْ
    تمَّ تتويجُ الخليفَهْ!
    وانفضَّ جمعُ المؤتمَرْ
    واستغرَبَ النّاسُ الخبَرْ...
    عامٌ مَضَى
    أو بَعضُ عامْ
    والهمسُ في الأنحاءِ قام:
    هل يا ترى ضاعَ السَّلامْ؟
    حتّى الأبَدْ؟
    مَنْ مُرجِعٌ بِيضَ الحَمَامْ؟
    أينَ المَدَدْ؟
    مَن ذا الذي يأتي بها؟
    مِن بَعْدِ طولِ غِيابِها؟
    هل مِنْ أحَد؟
    هل مِنْ أحَد؟!!!

    *********************



    الشرقية...

    هم ابتلوها وقالوا بـأنَّ فيهـا البليَّـة

    وكبلوها وشـدّوا قيودَهـا القهريـة

    غنيمةً جعلوهـا وسلعـةً وهديّـة...

    يا ويحَهم صوّروهـا منبـوذةً سلبيّـة

    قالوا: لها نصفُ عقلٍ، فهل تكون ذكيَّة؟

    ليست كما وصفوها لكونهـا شرقيـة

    لكنّهم غيَّبوها عن موكـبِ البشريّـة

    واليومَ يُطلَبُ منها أن تدحـرَ الغربيـة

    في العلمِ والفهمِ حتى في جوهرِ الحريّـة

    يا قومُ لا تظلموها وتجعلوهـا ضحيّـة

    فـإن فيهـا كنـوزًا وثـروةً وطنيَّـة

    واستنهضوها بحثٍّ وحِكمَـةٍ ورويَّـة

    ومهّدوا الدَّربَ حتى تسيرَ فيـهِ أبيَّـة

    مرفوعةَ الرأسِ فكـرًا وقـدرةً أدَبيَّـة

    تجنوا ثمارًا، لعمـري، لذيـذةً وشهيّـة

    من يزرع الجهلَ يحصِد بيـادرَ الأميّـة!

    *********************



    فإذا كانَ اللقاء…
    لو أباحَ الناسُ لي مِن كلّ مُغرٍ
    أيَّ شيءٍ غَيرَها،
    ما اخترتُ شيّا ...
    غيرَ جُودِ الدهرِ في يومٍ عليّا
    مُنصفًا،
    لتعودَ مُلهمتي إليّا..
    كان قبلَ البُعدِ ممتنِعًا عصيّا
    دمعُ عيني،
    صار مدرارًا سخيّا،
    أرقُبُ النسماتِ
    إنْ حَمَلَتْ عبيرًا
    مِن شَذاها العذبِ،
    أو عِطرًا زكيّا
    أضفرُ الكلِماتِ عِقدًا لؤلؤيّا
    أجمعُ النَّجماتِ ما بينَ يديّا
    ناسجًا حُلَّةَ عيدٍ للقاءٍ
    ليسَ كالأعياد،
    وضّاحِ المُحيّا،
    فإذا كانَ اللقاءُ، بُعَيدَ هَجرٍ،
    سوفَ ألبسُها كِساءً سَرمَديّا
    رافلاً بالشَّوقِ،
    مُزدانًا بحبٍّ
    لم يزُرْ مِن قَبلُ قلبًا آدميّا!

    *********************


    صورة

    صورةٌ بالصمتِ ترويعن سُويعاتٍ عِـذابِ

    عن نعيمٍ صارَ طيفًـاوسرابًا في سـرابِ..

    هي ذكرى عن هوانـالم تذق مثلـي الهوانـا

    خاطبتنـي، ذكرتنـيكل ما بالأمسِ كانا...

    عاتبتني، كيفَ ضاعتأمنياتُ الحـب منـا

    بعدما كنّـا وكانـتقاب قوسيـنِ وأدنـى

    كيف صانت ما أضعناوهي بعض الشيء عنّا؟

    قلتُ: أي هيهياتِ أنّامثلها في الحفظِ كنّا..

    بينما الصورةُ تـرويوشجون القلبِ ثارت

    هبَّت الريـحُ علينـاومع الهبّاتِ طـارت!

    *********************



    بلادي

    دموع العين اسكبها

    إذا عطشت، واسقيها

    دماء القلب أنزفها

    سمادا في أراضيها

    لتبقى خصبة خضراء

    لئلا تبتلى بالقحط والمحل

    وأشجار بها شماء

    لتبقى صلبة السيقان والأصل

    لئلا تنحني للريح أو تكسر

    لئلا ترتضي بالذل أو تقهر

    بلادي،

    أمي الأخرى

    وحب بلادي الأكبر

    *********************



    خواطر الميلاد

    1- تحية لبيت لحم :

    وافى من الشرق القصي ليسجدوا

    للطفل في المهد الوديع مجوس

    قالوا قدمنا إذ علمنا أن في

    هذي الديار سيولد القدوس

    في مهد فقر كل عرش دونه

    ميلاد خير ترتجيه نفوس

    يا بيت لحم اليوم هبي وافرحي

    إذ أنت عن دون البلاد عروس



    2- صلاة العيد :

    رباه علمنا حياة تواضع

    وتسامح ومودة وإخاء

    رباه يسر خبزنا وكفافنا

    حتى تقينا منّة البخلاء

    رباه بارك أرضنا وجهودنا

    وأزرع بذور الخير في الأنحاء

    واجعل علاقات الشعوب ببعضها

    دنيا سلام دائم وصفاء.



    3- هدية العيد:

    يا إخوتي في الأرض يا كل البشر

    أحلى الأماني في حلول العيد

    في أمسيات العيد كم يحلو السمر

    في شرب كاس أو سماع نشيد

    الله أسأل أن تظل حياتكم

    أيام سعد في ليالٍ غيدِ

    هذي تحياتي لكم وهديتي

    ضمنتها شعري وصدق قصيدي.

    *********************



    ذات يوم

    ذات يوم كان طفل هاهنا

    يلهو وطفلة،

    كان كل الكون مزمارا وطبلة

    ليس إلا!

    كان هذا حين كنا برعمين

    عابثين...

    كان ليل إذ سهرنا

    ذات يوم،

    قد غفا السمار لكنا بقينا

    ساهرين،

    كم سهرنا دونما ندري بأنا قد كبرنا

    وغدونا ذات ليل عاشقين؟

    ذات يوم كانت الدنيا مساء

    والتقينا مثلما اعتدنا اللقاء

    غير أنا لم نجد شيئا نقول

    عقرب الساعات قد مل الدوار

    والثواني مثل أجراس المآثم

    هل ترانا قد سئمنا ليل أيام الشتاء

    فافترقنا

    غير ما كنا التقينا

    ذات يوم !

    *********************


    صوت يبحث عن صداه

    كان شوكا كل دربي عندما الليل اعتراه

    غير أني سرت، لم آبه، ولا أصدرت آه...

    رحت أمشي في طريقي رغم أني لا أراه،

    ذاك إيمانا بأني بالغ يومًا مداه...

    أيُّ ليلٍ دون فجرٍ، دونما صبحٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِِ تلاه ؟

    فارقبوا في الأفق فجري، ربّما لاحت رؤاه

    أين أصحابي وقد كانوا معي في مبتداه؟

    أين من قالوا: تقدّم، ما لنا درب سواه ؟

    هالهم ليلٌ وشوكٌ فانثنوا ، وارِفقتاه...

    صرت وحدي حيت زاغ الكل في كل اتجاه،

    لم يعد ظلّي رفيقي، ما الذي ظلي طواه ؟

    ها أنا أوشكتُ، لكن متعبًا، والجسم واه،

    ساعدوني خطوةً للفجر، كي نلقى سناه

    لم يعد ليلي رهيبًا، لا ولا عادت دُجاه ،

    فاجمعوا أشلاءكم يا إخوتي في مُنتهاه،

    واخرجوا نستقبل النورَ الذي اشتقنا بهاه...

    هل أنا أسمعتُ قومًا هَمّهُم طعم الحياة

    أم ترى أصبحت صوتًا طاف بحثًا عن صداه؟

    *********************



    حكايات جدّي

    كان جدّي

    مثل حاسوبٍ، وأغزر

    يحفظ الأشياء عن غيبٍ

    فلا يحتاج دفترْ،

    يستقي الأخبار من أوثق مصدرْ

    ثم يرويها انسيابًا

    ليس يعثرْ،

    ينبش التاريخ منْ

    أيامه الأولى البعيدة

    ليس يقرأ

    في كتابٍ أو جريدةْ

    فهو لم يذهب لكتّابٍ

    ولم يعرفْ قراءةْ

    وهو درويشٌ وسيمٌ

    بالبساطة والبراءةْ

    كان جدّي

    يتقن التفصيل بالقول الوجيزْ

    كان كلّ الحيّ مشغوفًا

    بذيّاكَ العجوزْ

    ضارب الأمثال حلاّل الرموزْ

    لم أزل أذكر منهمْ

    جارنا عبد العزيزْ...

    كان هذا يستزيد الجد أكثرْ

    وهو يطري هاتفًا :

    الله أكبرْ

    باشتداد البرد في كانونَ

    بعد وقد النار في الكانون

    كان الجدّ يجمع الجيران حولهْ

    ثم يمضي قائلاً ما شاء قولهْ

    يقتفيها من أبي زيدٍ وعنترْ

    عَبْرَ هولاكو

    وتاتارٍ وبَربَرْ

    ذات ليل ٍ

    قال: يا عبد العزيزْ

    دالت الأتراك قبل الانكليزْ

    قل لمن يبكي على أطلال خولةْ:

    صال جنكيزخان صولةْ،

    لم تدم للظلم دولةْ

    *********************



    ولدي

    يسألني ولدي عن كمَدي

    والجرح النازف في كبدي

    يا ولدي، جُرحي موروثٌ

    فاحذر ما يورثُ في بلدي

    يسألني ولدي عن بلدي

    والعَلَمُ الضائع من أمَدِ

    يا ولدي عَلمي لم يَبْرَحْ

    منتظرًا حلّي من عقدي

    يسألني ولدي عن عقدي

    عن تلك ال"تنهش في جسدي"

    يا ولدي عقدي أنكرُها

    كي تخلوَ أنتَ من العقدِ

    يسألني ولدي عن جلدي

    عن سرِّ الأمل المتَّقد

    يا ولدي أمسي مشتعلٌ

    نورًا يهديكَ بفجر غدِ

    *********************



    أتوق

    أتوق لبقعة في الأرض يهوى شَمْسَها ظِلّيْ

    أتوق لقطرة الظلِّ

    قبيل الصبح، عند الفجرِ قد عَلَقَتْ

    على أوراق لوزتنا

    كبلّور النّقا الحر

    أتوق لبئر ساح الدارْ،

    أتوق لنقطةٍ من ماءِ تلك البئرِ في الحَرِّ

    وقيلولةْ

    بظلّ التينةِ الخضراءِ في تمّوز أو في آبْ،

    أتوق لشُلّة الأصحابْ،

    ولقمة "كبةٍْْ نَيّهْ"

    وتبّولة

    أتوق لعودة الراعي بأغنامهْ

    وأنغامه،

    وصوت الناي والموّال بعد العصرْ،

    أتوق لشطحة في الوعرْ،

    أتوق لعودةٍ في العمرْ

    لعودِ الحَرثِ والنوْرَجٍْ

    وتل القمحِ في البيدرْ...

    أتوقُ لليْلنا المُمْطِرْ

    وقرصِ الجمرِ في الأوجاقْ

    يعانق ركوةَ القهوةْ

    بحَبِّ الهالِ في البَكرَجْ

    أتوق لجدّتي تروي

    أتوق لكلمة حلوةْ

    أتوق ل " قربّت تُفْرَجْ"

    *********************



    الأثقال الخفيفة

    حين أمسى موطنُ الإنسان للإنسان غُربهْ

    حين أفنى في ظلام اللّيلِ نجمُ القطبِ قطبهْ

    أدركَ المظلومُ دربهْ

    لم يعد بالموتِ يأبهْ

    لقمةٌ في الذُّل صعبَهْ

    شوكة الأيام حربَهْ

    قد تناسى العاشق الولهانُ في الأحداثِ حبَّهْ

    مذ غدا تهليلةٌ للطفلِ صوت البندقيَّة

    حين تاهت أمّه في الأرض بحثًا عن هويَّةْ

    في المتاهات العتيّةْ

    وغدا الجاني ضحيّة

    في مفاهيم البريةْ

    صارت النيران تُصلي في حروف الأبجديةْ

    حين يغدو البطش والتنكيل من صلب الوظيفة

    والبطولات الشريفة

    حين يأبى حاكم إطعام محكوم رغيفه

    تصبح الأشعار أشباحا مخيفة

    تصبح الكلمات أقوى من قذيفة

    تصبح الأثقال أحمالا خفيفة

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    الشاعر حسن البحيري

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:02 am


    الشاعر حسن البحيري

    نبذة

    من مواليد 1921م في مدينة حيفا .

    اضطر إلى ترك حيفا لينضم إلى جموع الفلسطينيين الذين تشردوا في الشتات عام 1948م وكان من بين الذين ذهبوا إلى سوريا .

    عقد البحيري صداقات مع الشعراء السوريين والشعراء العرب الآخرين .

    أصدر البحيري عدداً من المجموعات الشعرية كرّسها جميعاً للقضية الفلسطينية والتعبير عن الحنين العميق للوطن المضاع ، منها "الأصائل والأسحار" ( 1943) و" أفراح الربيع" ( 1944) و" ابتسام الضحى" ( 1946) و"حيفا في القلب" ( 1973) و" لفلسطين أغني" (1979) و"الأنهار الظماء" ( 1982) و" جنة الورد" ( 1989) .

    منح البحيري عام 1990 وسام القدس تقديراً لإنجازه الأدبي .

    *********************




    الـداء والـدواء

    على هامش وعد "بلفـور"..

    الدهر بالحــدثان شـدا ومضى وصـار الأمر جداً

    واربد وجه العيش في زمن على الجـور استبـدا

    وتصارعت هوج الريـاح فراعــت الأطواد هـدا

    وتراكم الغيـم الحبـي على عبــوس الأفق ســدا

    وتلفــت الثقــلان في عكر الدجــى للنور نشدا

    وانصاع بعد الليـل نور من مسيل الجــر فدا

    وعلت تباشير الصبــاح فبــدت الظلمــاء بدا

    والعيش بدله الجديــدان المطــارف فاستجدا

    والكون زلزل والحيـاة تطاحنت عكســاً وطردا

    وأراكمو في غفوة السكرات ما زلــتم عبــدي

    لا تملكون سوى الكــلام يساء في الحفــلات سردا

    فثريكم في غمرة اللـذات يمضــي العيـش رغدا

    ما همه الوطن المبيـــع ولا شجــاه الأمــر ندا

    فإذا دعته اللذة الهوجــاء فاض لهــا وأنــدى

    فإذا دعا الوطن الجــريح حمــةً أعــطى فأكدى

    وإذا دعــــــته اللذة الهوجــاء فاض لها وأندى

    وخطيبكم كالديـــك في فلق الصبــاح إذا تبدى

    متســـنم عود المنابر كي يفـــوق علـيه ندا

    شفتاه تصطرعــــان بالأقوال فهو يسـوق عردا

    وضميره مــيت فليس يهزه شعـــب تـــردى

    يا من جعلتم خــــادع الأقوال للتصفيـق قصدا

    وغفـلتمو لاهيــن عن هول يحيـق بكم وشدى

    هاكم عداكم في حمــاكم شمروا ومضــوا ألـدا

    شبانهم تمشي بسيــف فنائكم وتصــول جندا

    وشيوخهم تبدي الحــجا وتكن في الأطـواء حقدا

    بعتم لهم إرث الجــدود وما رعيتــم فيه عهدا

    عهداً دم الشهــداء مار على صحيفــة مـردا

    ويل لكم.. أبأرضـــكم تتوثب الأعـــداء شدا

    وعيونكم – عشيت – قصارهــا بفيـض الدمـع تندى

    *****

    يا أيها الباكون يجرون الدموع جـــوىً وسهداً

    رفداً من الجفنين يستتلي على الخديــن رفـدا

    ما نال ذو حق هوى بالدمع يغـرق منه خدا

    فالحق يؤخذ بالصفاح تؤدهــا الأبطال أدا

    والمجد يبنيه القوي وما بنى ذو الضعـف مجدا

    يا من جهرتم بالكلام فأز في الأفــــواه رعدا

    لا يمحي جرح العروبة مــن فؤادٍ كاد يردى

    بالقول نمقه اللســان فسـال للأسماع شهدا

    أو بالمنى رفـت على سنة يراح بها ويغدى

    أو بالتشكي من صروفٍ سيرت نحساً وسعـدا

    جرح العروبة طـبه عمل من العلم استمـدا

    وحصين خلق لا تروعه المفــاسد أن يبدا

    والعلم نبــراس الألى نهدوا إلى العلياء نهدا

    والخلق أس الصـرح يعمده بناة المجد عمدا

    *****

    أين الذي أعددتمــوه لتنقذوا الوطــن المفدى

    الشعب يثقله الضنـى وينوء بالأغــلال جهدا

    والفـقر يغمـره بما يُبكي فؤاد الصخر وجدا

    والجهل يلبسـه من الآلام والأسقــام بردا

    واليأس دون مـناة في سُبُل الحيــاة يقوم سدا

    أين الملاجئ تسعـدون بها الألى حرموه جــدا

    أين المصـانع تلبسون حديدهــا حلقاً وسردا

    أين الفيالق تصرعــون ببأســها الخصم الألدا

    أو ما أتاكــم قول ذي الصمصامــة البتار حدا:

    " كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استـعدا"

    إن شئتمو سبل الحيـاة تنمــروا شيباً ومردا

    فهي الصلال تألبــت وتقلبـــت ناباً وجلدا

    لا تخدعنكم السياســة تجعل الأشــواك ورداً

    كي تركنوا لمنى سراب لاح للصاديــن بـردا

    فلرب شهد في كؤوس رضابــها بالسـم مدا

    *****

    قومي: أجــدوا فاز مشتمل ردا صبر أجدا

    واستعذبوا ورد الردى يا طيبــة بالعز وردا

    جدوا وشدوا واستبدوا مات شعــب ما استبدا

    وتدرعوهــا مــرةً قدت من الأفنــاد قدا

    وتساندوا وتعاضــدوا وتكاتفــوا قلباً و زندا

    وامضوا بعزمٍ صــادق يأتج كالنيــران وقدا

    وابنوا صروح المجد في غاب العلا واحموه أسدا

    واسترجعوا ما ضـاع من أوطانكم غوراً ونجدا

    أولا فإن المـوت مـن عيش الونى أهدى وأجدى

    والعبد يرضيه الهـوان ولا يبـالي أن يصـدا

    والحر يأبى أن يضام ولا يطيق العيش عبدا!!

    *********************




    حيفا في سواد العيون

    المصدر : ديوان "حيفا في سواد العيون"

    دمشق : أوائل تشرين الثاني 1950

    يحق لحسن البحيري أن يهيم عشقا في بلاده، أو ليست فلسطين ؟! فكيف إذا كانت مهد مولده وممشى صباه عروس المدائن " حيفا " ، بقدر الحب تأتي اللوعة ، فيسافر في ذكرياته وتنزف أيامه الماضية قصائد ولا أروع ، فنعيش في حيفا دون أن نعيش ، ونبكي عليها ولم نرها إلا من خلال عيونه ، ولا يظل الأمر هكذا بل نهيم بوطن غادرتنا محسوساته ولم تغادرنا أحاسيسه ، لعيني حيفا وسواد عيونها التي أرمدت في أيام الاحتلال ، هو لا يبكي أطلالا ، ولكن يذكر عهدا وحسب الوفي أن يذكر اشتياقه ويكتبه في دفتر الأيام ...

    يوم غادرت مسقط رأسي مدينتي الحبيبة ((حيفا)) ، بعد ظهر الخميس في 23 نيسان عام 1948م لم يكن ليمر في توهم خيالي إني أغادرها إلى غير رجعة .. فلقد ركبت البحر إلى "عكا" (نحو ست عقد بحرية) على أن أمضى فيها ليلتي ، ثم أعود بعد أن يخفُ جحيمُ الموت .. ولكن : تقفون والفلك المحرك دانب وتقدرون فتضحك الأقدار!

    ما أَشرقتْ عينــاكِ إلاَّ خْاننـــي

    بصَبابتي .. صبري .. وحُسْنُ تجملي

    وتَحسَّستْ كفّـايَ من أَلـَم الجــوى

    سهماً مغارسُ نَصْلـهِ في مقتلـــي

    وتسارعتْ من مُهْجَتــي في وجنتـي

    حُمْر المــدامع جــَدولاَ في جَدولِ

    فَلقد رأيـتُ بلحظ عينـــكِ إذ رَنـــَتْ

    والِتّيهُ يَكْحَلُهـا بمِيـــل تَـــدلُّلِ

    (( حيفا )) وشاطئـها الحبيبَ، وسَفحـهَا

    وذُرىً تعـالتْ للسِّـاكِ الأَعْـــزَلِ

    ومُنىً تقَضــتْ في فَسيـح رِحابـها

    وهوىً تولَّــى في الشبــاب الأولِ

    ورأيتُ هَيْمَنــَة الأَمــانِ مُطَمـأَنَ

    اللهفــاتِ من غَدْرِ الصُّروفِ الحُوَّلِ

    بِظِلالِ أهـدابٍ تــَرِفُّ غَضــارةً

    كظلالِ أَهْـدابِ الغمــام المثْقَــلِ

    وذكرتُ من عُمــر النعيم مَضـاءه

    بِصِبىً على رُودِ الليــالي مُعْجَــلِ

    والعيْشُ بُسْتـانٌ وبَسْمــَةُ ســعدهِ

    فجرٌ بأفراحِ المشــارق يَنجلــي ..

    والنجــم يَسحبُ من مَشارفِ اُفْقـِهِ

    ذيلَ الإباءِ إلى مَشــارِفِ مَنــْزلي

    عينٌ رأيـتُ بِسْحــرِها وفُتونــها

    أحلامَ عَهْـدٍ بالصَّفــاءِ مُظـــلّلِ

    ولمحـتُ بين سوادِهـا وبياضــِها

    ظِلَّ الصَّنَوْبَرِ في أعالي (( الكَرْمـلِ ))

    فعلى جفــونكِ لاحَ طَـيفُ ربيعـه

    والحُسْنُ يوطئه بســاطَ المُخمَــلِ

    والسَّوْسَنُ المطلــولُ بَيْن صخـوره

    خَفِــقُ العِطافِ على أغاني البُلْبـلِ

    ومَضاجعُ الأحبــابِ في أحضـانه

    بَيْنَ الخَمَائلِ من حَريـرٍ مَوصْــلي

    والرّيح ُ تَشْــدو في مَلاعبِ دَوْحـهِ

    نَغَمــاً تنـام له عيونُ العُـــذَّلِ

    جَبَلُ أَطــَلَّ على مرابــع أُنْســهِ

    قَمَري . . وغـابَ وَتِمُّه لم يكُمــلِ

    وغَرَســْتُ بين شعافــِهِ وشِعابِــهِ

    زَهـْر الصِّـبا وَرَوَيْتُه من سَلْسَلـي

    ورعيتــه بالرُّوح من لَفــحٍ .. ومن

    نَفْحٍ ومن غِيَـر الزمــانِ النُّــزَّلِ

    فنَما على جُهــْدِ الضَّنى .. وعَنائــِه

    وزكا على جُرحٍ عَسيـرِ المَحْمَــلِ

    حتى استوى سُوقاً .. وَهَدْهَدَ خاطــري

    مَجْنىً .. وأكمامُ الرًّجـاءِ بَسَمْنَ لـي

    قَطَفـَتهْ كـفٌ غيـرُ كفّــى عَنْــوَةُ

    وجَناهُ من أرضي غريـبُ المِنْجــلِ

    فإذا رنــوتُ إلى لحــاظـكِ تائـهاً

    من سِرِّها في جُنـْح ليْــلٍ أَلْيَــلِ

    مُتَــعَثِّرَ اللحظَاتِ ، مَشْدُوهَ الأســى

    أَهْفـو لِحَــظٍ مُدْبِــرٍ أو مُقبــِل

    وأنــا أَرُودُ بِلَهَفْتــي وصَبابتــي

    أَلَقَ السَّنى من وَجْهــكِ المتهــلِّلِ

    فَتَلَفَّتــي ، لا تَعْطِفــي جِيدَ الحَـيا

    عنّي ، ففي عينيكِ غايةُ مأْمَلـي ....

    *********************




    قلمٌ لمْ يفارقُه الحنين

    بقلم : سمير عطيه

    كانت الدواوين الثلاثة التي أصدرها الشاعر قبل نكبة فلسطين ، كافية لينقش اسمه في جبال الكرمل قبل أن يضطر لمغادرة الوطن . خمسون عاما قضاها بعد ذلك بعيدا عن وطنه ومدينته ورغم ذلك ظلّ وفيّا يغني لفلسطين ويضع "حيفا في سواد العيون "في الأيام التي كانت حبلى بالثورات في فلسطين، وُلد الشاعر حسن البحيري في " وادي النسناس " أحد أودية جبل الكرمل في مدينة حيفا عام 1921، ورغم اليتم الذي عاشه، وقساوة زوج الأم فيما بعد، ظلّ الشّاعر متمسكا بأمله في أن يحتضن القلم والدّفتر حتى ولو كان ذلك خلف أسوار المدرسة التي حُرم منها فيما بعد .

    الظروف القاسية التي عاشها لم تكن لتتغلب على رقة روحه ومشاعره، ولم تكن لتحاصر حلمه، وكان مدينة حيفا بسهولها وجبالها هي محضن الحب الذي لجأ إليه الشاعر، فكان أن أصدر ثلاثة دواوين شعرية وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره. ولعلّ رغبته في أن تتم طباعة هذه الدواوين في القاهرة هي باب الشهرة التي مكنت القراء والنقاد من الاهتمام بشعره، خاصة وأنّ هذه الدواوين قد سلمت من أعمال التخريب والنهب من قِبل الصهاينة عند احتلالهم لمدينة حيفا.

    وإذا توقفنا عند هذه الدواوين الثلاثة فسنجد كيف أثّرت مدينة حيفا بجمالها الخلاب على الروح الرّقيقة للشاعر الذي سكب هذه الرقة في كؤوس الدواوين شعرا عذبا. فديوانه الأول "الأصائل والأسحار" الذي طُبع عام 1943، وديوانه الثاني "أفراح الربيع" والذي طبع في العام الذي تلاه، وأخيرا ديوان "ابتسام الضّحى"، والذي تمت طباعته قبل النكبة بعامين فقط "1946م"، كل هذه العناوين التي تأخذ من طبيعة المدينة عناوين لأعماله الشعرية، فتقرِّبه من أبناء المدرسة الرومانسية، ونقول تقربه لأنه لم يُحلق في فضاء الطبيعة تاركا جرح الوطن النازف دون أيّ ضماد، ولعلّ قصيدة " الشرق...أو أرض البلاد " التي جاءت في ديوان الشعري "ابتسام الضحى" تعطي صورة واضحة عن هذه المشاعر تجاه الوطن :

    أرضَ البلادِ نَعِمتِ تحتَ لوانا وبقيتِ ما بقيَ الزَّمانُ حِمانا

    ويقول فيها مخاطبا بلده :

    وَلَتَبْقينَّ لنا على طولِ المَدَى روْضاً غرسْنا فيهِ زهـر َمُنانا
    لا تسْتَهِنْ يا غَـربُ إنَّـا أُمَّةٌ كُتِبَ اسمُها لِذُرَى العُلا عُنوانا

    هذه الصورة التي استقاها من تجربة التاريخ، وحركة الزَمان المتواصلة، وتلك الوقفة التي رأى من خلالها صورة مجد أمته الذي مضى، لا تتركه بعيدا عن الشعراء العرب الكبار في تاريخ الشعر من أمثال البحتري وابن زيدون وأحمد شوقي. ولذلك لم يكن غريبا أن يُعيد الشاعرُ القارئَ إلى دروس الماضي، ومدرسة التاريخ، وهو فيذلك يحاول رمي طوق النجاة لأبناء شعبه وأمته وهو يراهم وسط أمواج " الاستعمار الانجليزي " المتلاطمة، والعواصف "الصهيونية" التي كانت تعصف بالوطن آنذاك، وهو في ذلك التوجه يتجاوز حوادث الزمن إلى دروس تمتد في عمرها طويلا لتعيش في نبض الشعوب وهكذا يرسم فهمه لرسالة الشعر والأدب:

    فلكٌ يدورُ...وحادثاتٌ تنْثَني.... وقوابلُ الأيّامِ غِبْنَ بيانا
    لا يخدَعَنَّكَ أنْ صَفا وجهُ الزَّمانِ الجهْمِ فهوَ مُلَوَّنٌ ألوانا
    لا تأمَنَنَّ الدَّهرَ في وثباتِهِ....فالدَّهرُ يلبسُ كلَّ يومٍ شانا
    لا تغفونَّ على نشيدٍ خادِعٍ...قدْ سَجَّعتهُ لكَ المنى ألحانا
    فلنوقِظنَّكَ منْ سُباتِكَ يقظةً...تَذَرُ الزَّمانَ وراءَها حسرانا

    ورغم أنه يصور لنا جراح وطنه في مناسبة العيد، إلا أنّ المفارقة العجيبة أنّ ذكرى العيد قد ظلّت تؤرّق نفسه، وتجدد الحزنَ في نفسه ففي هذا الديوان يكتب بيتين من الشِّعر، يكون لهما ما بعدهما:

    يُهنئِّنُي بالعيدِ منْ ظنَّ أنَّ لي...سوى برءِ أوطاني الجريحةِ عيدا
    أَرَى الشَّرقّ مَطْوِيَّ الفُؤادِ عَلى الأسَى...فَلا عيدَ إلَّا أنْ أراهُ سَعيدا

    لقد كانت مناسبة العيد حاضرة في ذات الشّاعر، وكانت مناسبة لمحطات يتوقف عندها الشاعر على امتداد عمره، فنراه في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين يكتب رسالة في عيد ولكن في هذه المرّة من دمشق العاصمة التي استقرّ بها بعد ضياع وطنه .

    ومما يوجع القلب في قراءتنا لهذه الدواوين التي سبقت نكبة الوطن، أنّ ابتسام الضّحى الذي رآه شاعرنا في جبل الكرمل قد تبدّل "عبسا وجهما"، أماّ أفراح الرّبيع التي كانت في ديوانه الآخر فلم تمض عليها الأيام وبعض السنوات حتى تحولت إلى أتراح الدّيار ومواجع، والأصائل والأسحار لم تدم في زمن الشاعر كتبدل أوقات كلها تلدُ إبداعا وشعرا، ولذلك يتوقف الشاعر عن النشيد سنوات طويلة بعد النكبة بلغت خمس وعشرين عاما، ليطلق حنينه إلى مدينته التي تركها مرغما،، ويترك قصائده تسافر مع أطيار السنونو في ديوانه " حيفا في سواد العيون "بعد أن تركها حبيسة القلب والأوراق زمنا طويلا، وفي هذه الإطلالة الحزينة والكئيبة الأولى منذ ضياع وطنه، تتزاحم الكلمات في ديوانه من غير نشاز، وتطفو على سطح المشاعر أشواق وأشواك، ورغم أنه يترك عنوان الديوان لمدينته "حيفا " إلا أن القصيدة الأولى في الديوان والتي سبقت المقدمة تكون لفلسطين، الأم والوطن والفؤاد المكلوم:

    أيا فلسطينُ يا عُمقَ الأسى غُصَصا...ويا سُهادَ الضَّنَى نَاْيا وحِرمانا
    على تَوَالي اللَّيالي في تُجَهُّمِها...والعُمرُ يمضي بها غَمّا وأحْزانا
    إنِّي لَأسْمَعُ- والآلامُ تَصْهَرُني...فالجرحُ يَسْعَرُ في جنْبيَّ نيرانا
    مِنْ كُلِّ ما فيكِ من سَهلٍ ومن جبلٍ...ما باتَ يرثي بِهِ أهلاً وأَعوانا

    لقد تركت الفاجعة أثرها، ولعل الشاعر من أقدر الناس على نقل مشاعره إلى النّاس، وكان الشاعر حسن البحيري من هؤلاء، فها هو ينكأ الجراح الفلسطينية، ويُعيد شريط الذكريات، وتمرُّ عليه الأشواق بكل أطيافها، ولحيفا نصيب، أو ليست هي التي في سودا العيون؟؟ وبين جوانح الصدور؟

    "حيفا" وأنتِ مِزاجُ الرُّوحِ في رَمَقي...وعُمقُ جُرْحِ الهَوى في مُوجَعي الخفقِ
    يَشُدُني لكِ شوقٌ لو غَمستُ لَهُ...يراعَ شعريَ في صَوْبِ الحيا الغَدِقِ
    ورحتُ بالحبِّ والذِّكرى أُصَوِّرُهُ... دمعاً على الخدِّ أوْ حرْفاً على الورقِ
    لجفَّ حبري ولم ْأبلغْ قرارةَ ما...ضمَّتْ جوانحُ صَدري منْ لَظَى حُرَقي

    وكأنّ الشاعر لم يكتفي بقصائده المعبرة، وكأنّ الفاجعة أكبر من أيّ قصيدة، وأعظم من كل الكلمات، فالإهداء الذي تصدّر هذا الديوان ينبض بالأنين، ويفيض بالحنين، فتراه ينثر الحروف والكلمات على صفحات الورق، وهو بعد أن يكتب يختم بأبيات شعرية ويعود إلى شاعريّته، ولكن للنثر في شخصية هذا الأديب نصيب، ففي الإهداء في ديوان "حيفا في سواد العيون" خير مثال على ما نقول، خاصة وهو يخاطب الوطن المنكوب:

    ( وأنتِ يا فلسطين ، يا ذات التُّراب الأقدس ... يا أوّل ما جال في رئتيَّ من أنفاس الحياة إني لم أغادرك طائعا ولا مختارا ، ولكنها أعاصير المقادير هبّت عليَّ عاصفةً ، راجفةً ، عاتية ... بعد ظهر يوم الخميس ، في الثاني والعشرين من شهر نيسان ، عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف ، فانتزعتني منك انتزاعا ..! ولعلِّي كنت يومئذ آخر من أُكرهَ على مغادرة أوّل أرض مسّ جسمي ترابُها ...) .

    أرأيت أخي القارئ كيف يصف الشاعر تمسكه بأرضه ؟؟ إنه آخر من أرغمه الصهاينة على ترك بيته ، لأنه ظلّ متمسكا به ، متشبثا بحلمه ، متعلقا بوطنه . وفي هذه الكلمات أيضا نقرأ تأثره بالشعر العربي في قول الشّاعر :

    بلادٌ بها شقَّ الشَّبابُ تمائمي...وأَوَّلُ شيءٍ مسَّ جلدي ترابُها

    ويمضي في دموعه الشعرية ليصل إلى حيفا وما تحمل في نفسه من أشواق يكابدها ليل نهار، ولعل ّ في الأبيات ما يُغني عن أيّ شرح أو تعليق !!

    ما أَشرقتْ عينـاكِ إلاَّ خْانني بصَبابتي.. صبري.. وحُسْنُ تجملي
    وتَحسَّستْ كفّايَ من أَلَم الجوى سهمـاً مغارسُ نَصْلهِ في مقتلـي
    فَلقد رأيتُ بلحظ عينكِ إذ رَنَتْ والِتّيهُ يَكْحَلُهـا بمِيــل تَـــدلُّلِ
    (حيفا) وشاطئها الحبيبَ، وسَفحهَا وذُرىً تعـالتْ للسِّماكِ الأَعْـــزَلِ
    عينٌ رأيتُ بِسْحرِها وفُتونهـا أحلامَ عَهْـدٍ بالصَّفـاءِ مُظــلّلِ
    ولمحتُ بين سوادِها وبياضِها ظِلَّ الصَّنَوْبَرِ في أعالي (الكَرْمـلِ)

    ولعلها من القصائد المتميزة في الأدب الفلسطيني في موضوع "التغزل بالوطن" ، وطلب الوصال معه وكأنه صب عاشق ولهان يبحث في عيون حبيبته عن الأمل :

    فإذا رنــوتُ إلى لحــاظـكِ تائـهاً من سِرِّها في جُنـْح ليْــلٍ أَلْيَــلِ
    مُتَــعَثِّرَ اللحظَاتِ، مَشْدُوهَ الأســى أَهْفـو لِحَــظٍ مُدْبِــرٍ أو مُقبــِل
    وأنــا أَرُودُ بِلَهَفْتــي وصَبابتــي أَلَقَ السَّنى من وَجْهــكِ المتهــلِّلِ
    فَتَلَفَّتــي، لا تَعْطِفــي جِيدَ الحَـيا عنّي، ففي عينيكِ غايةُ مأْمَلـي....

    الخذلان :

    لم تغب العروبة عن شعر البحيري ، فكانت في أولى دواوينه كما رأينا، ورأينا كيف امتدت قوافيه لتقف عند حدود التاريخ ومدرسة الأيام ، وملاحم البطولة والأمجاد للأجداد . ولكنّ ما جرى على أرض فلسطين كان عظيما ، وخذلان بعض العرب لأهلهم في فلسطين لم يمر سريعا عند الشاعر ، فها هو يحكي بكل لوعة وأسى عن خذلان القريب ، ولأنّ ظلم ذوي القربى أشد مرارة فإنّ هذه القصيدة تأتي طبيعية في سياق التاريخ والأحداث وردة الفعل النفسي ، كيف لا والشعر أحاسيس ومشاعر ورقة وعذوبة ، يخدشه الأسى ، ويجرحه التخاذل:

    أما فيكُمْ ملوكَ العُرْبِ ذو هَدْيٍ ولا مُرْشَدْ
    يخِفُّ لِنُصرةِ الإسلامِ لمّا صاحَ واستَنجدْ
    وَدَوَّى غوثه الملهوف يحمله الصَّدى الأَسْودْ
    وأنتمْ في ظلالِ اليُمن غُصنُ مُناكمو وَرَّدْ
    تُعزُّونَ الأَسى بالقولِ لا أَجدى ولا أنجدْ
    فلو أبصرتمو "صهيونَ" لما هَبَّ واستَأسدْ
    وصَالَ على كريِم العِرْضِ صولةَ غاشمٍ أنكدْ

    وفي ذكرى وعد بلفور، وما تحمله من دلالات خطيرة وآلام عظيمة في وجدان الفلسطيني، يعود الشاعر ليترك وصاياه إلى النّاس، تحمل معانيه تجاوزا للحادثة على معاني أعمق وآفاق فكرية وإنسانية أوسع:

    يا منْ جهدتمْ بالكلامِ فأزَّ فى الأفواهِ رَعدَا
    لا يمَّحي جرحُ العروبةِ منْ فؤادٍ كادَ يرْدَى
    بالقولِ نمقَهُ اللِّسانُ فسالَ للأسماعِ شَهدا
    يا أيُّها الباكونَ يُجرونَ الدُّموعَ جوىً وسُهدا
    ما نالَ ذو حقٍّ هوى بالدَّمعِ يَفْرُقُ مِنْهُ خَدَّا
    فالحقُّ يُؤخَذُ بالصِّفاحِ تَؤُدُّها الأبطالُ أدَّا
    والمجدُ يبنيهِ القويُّ ومَا بَنى ذو الضَّعفِ مجدا

    فلسطين دائما :

    ظل الوطن هو البطل الحقيقي في معظم قصائد الشاعر الذي امتدت حياته منذ النكبة وحتى وفاته في عام 1998 خمسة عقود كاملة . ومن ديوان (لفلسطين أُغنّي) مروراً ب (جنة الورد) و(سأرجع) وليس انتهاء بديوان (لعيني بلادي) يرسم شعر حسن البحيري صورته في وجدان المستمعين، ويترك فلسفة الحب تنتشر بشكل جديد حين نقرأ ديوان ( ظلال الجمال..قصائد حب)، ففيه قصيدة (حبيبتي فلسطين) التي تفيض رقة وعذوبة وشوق إلى دياره.

    وقصيدة (دمعة في ربيع الكرمل) الذي يرى من خلالها دمعة المشتاق، ولوعة المفارق لأحبته .

    البحيري والشعراء:

    قد يظن البعض أنّ الشاعر في مهجره بدمشق انزوى يبكي على وطنه الضائع ومدينته المغتصبة، ولكن من يملك مثل روح الشاعر لا يمكن أن يقبل بالقعود، خاصة وأنه يرى الأمة تمر في منعطف خطير.

    من هذا المنطلق زاول شاعرنا العديد من الأعمال، وتقلب في مختلف الوظائف في المجال التعليمي والإذاعي. ومن خلال عمله الإذاعي أخذ يبث أشواق المغتربين إلى الوطن عبر شعره، ويدعو على تخليص الدّيار من المحتلين.

    أما من حيث علاقاته مع غيره من الشّعراء فقد عقد البحيري صداقات مع الشعراء الفلسطينيين والسوريين والشعراء العرب الآخرين، وكان من ضمنهم الشاعر الإماراتي سلطان العويس حيث كانا يتفقان في حبهما للشعر العربي المتمسك بقوة الألفاظ وجزالتها.

    مكانة الشاعر:

    بلغ عدد الدواوين الشعرية للشاعر حسن البحيري خمسة عشر ديوانا شعريا بالإضافة إلى رواية كتبها قبل النكبة وطبعا قبل عدة سنوات من وفاته (رجاء-1990). كما أن ترجم بعض قصص الأطفال عن الإنجليزية، إضافة إلى عدد من المخطوطات .
    قال عنه الدكتور محمد عطوات مؤلف كتاب الاتجاه الإسلامي فـي الشعر الفلسطيني المعاصر : ينطلق الشاعر في الاتجاه الديني من تصور ديني في نظرته إلى الكون والإنسان والحياة ، وفي نظرته إلى القضايا والأحداث ، والأشخاص والمشكلات ، وفي تعبيره عن العواطف والمشاعر . ومن أبرز شعراء هذا الاتجاه في فلسطين، حسب التسلسل الزمني خمسة شعراء من بينهم حسن البحيري .
    أما الدكتور محمد الجعيدي فقد اعتبره من رواد التجديد حين قال في كتابه مصادر الأدب الفلسطيني الحديث: وفي هذه الفترة" الثلاثينيات" يمكننا أيضاً أن نعتبر من بوادر التجديد قصيدة "أحلام البحيرة" النثرية لحسن البحيري . ونجد عند الدكتور رياض آغا تفصيلا في جانب آخر حين يقول في إحدى دراساته: لم يكن شعر المنفى كما سماه يوسف الخطيب، أقل شأناً من شعر المعتقل، وقد أتيح لي أن أعرف عن قرب صناجة فلسطين (حسن البحيري) رحمه الله، وكان في أواخر أيامه يعمل مدققاً للغة العربية في هيئة الإذاعة والتلفزيون السورية، وكنت يومها أحد المسئولين في الهيئة، وأذكر غيرته على اللغة، وحزنه الشديد حين يقع خطأ نحوي على ألسنة المذيعين والمذيعات، وكنت أشاركه هذا الحرص على لغتنا العربية، لأنها الوطن الأم الذي إن فقدناه فقدنا انتماءنا إلى العروبة، وكان البحيري مغرماً بالجرس الشعري.

    ونذكر سريعا بعض المؤلفات التي تناولت سيرة الشاعر وعطائه الأدبي ومنها: الوطنية في شعر حسن البحيري من تأليف : صبري دياب، وكتاب .. الشاعر حسن البحيري : صورة قلمية في رحلة إلى الأعماق من تأليف الدكتور حسني محمود.
    رحم الله شاعرنا، فقد أخلص في حبّه لوطنه ، وجعل من قلمه نشيدا يغني للديار، ويتغنى بالأبطال المدافعين عن حياض الوطن وكرامة الأمة ومقدساتها:

    ثاروا.. ولَيسَ لِنارِ ثَورَتِهِمْ علَى الباغي خُمودُ
    فَهُمُ الزَّلازِلُ والنَّوازِلُ والصَّواعِقُ والرُّعودُ
    وصَدَى بُطولَتهِمْ علَى فَمِ كُلِّ عاصفةٍ نَشيدُ

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:05 am



    الشاعر حكمت العتيلي



    نبذة

    ولد الشاعر العتيلي في 8/8/1938 في بلدة عتيل قضاء طولكرم، وانتقل بعد دراسته الابتدائية هناك إلى طولكرم، لينهي دراسته الثانوية وينتقل من طولكرم إلى دار المعلمين، في عمان، لتؤهله ليصبح مدرسا للغة العربية. حصل لدى تخرجه على مهنة معلم في مدينة معان الأردنية، لكن لم يطل به المقام هناك، حيث عين مدرسا للعربية في أرامكو بالسعودية، وهناك عين بعد زمن ليس طويلا محررا لمجلة قافلة الزيت التي تصدر بالعربية، حيث أمضى ما مجموعه خمسة عشر عاما.

    انتقل في مطلع عام 1976 مع عائلته إلى سان دييجو في جنوب كاليفورنيا، ليمضي هناك خمسة عشر عاما أخرى من الغربة. وفي بداية تسعينيات القرن الماضي انتقل إلى منطقة لوس أنجيلوس، حيث التقى بمجموعة من الشعراء والكتاب والصحفيين، وأسس معهم المنتدى الثقافي العربي الأمريكي، الذي مازال قائما حتى الآن، وانضم الشاعر إلى تجمع الكتاب والأدباء الفلسطينيين في بداية تأسيسه وساهم بتأسيس لقاء الأربعاء في منطقة لوس أنجيلوس الذي ظل يساهم فيه سبع سنوات طويلة زاخرة بالأدب والشعر والثقافة.

    اقترن الشاعر العتيلي بالفنانة التشكيلية أمل عتيلي وأنجب منها (جاد, عادل, سرى)، وكانت زوجته أمل خير معين له في رحلة شقائه الطويلة والتي ظلت ملازمة له منذ كان شاباً يافعاً إلى أن انتهى به المقام على فراش المرض.

    شكل صدور مجلة " الأفق الجديد " المقدسية، عام 1961، جامعة أدبية ينهل من رحابها عطشى الأدب، في الأردن وخارجه، على أيدي الرواد الأوائل، كما على أيدي جيل جديد من الأدباء والشعراء. ولعل من أبرز الأسماء التي وقف أمامها محبو الشعر، طويلاً وبكثير من الإعجاب ، حينذاك ، كان اسم الشاعر حكمت العتيلي، الذي قلما خلا عدد من مجلة الأفق الجديد من قصيدة جديدة له، والذي امتد اسمه إلى خارج الأردن، واحتلت قصائده صفحات منيرة من كبريات المجلات الأدبية المتخصصة كـ"الآداب" و"الأديب".

    صدر للشاعر حكمت العتيلي ديوان وحيد في منتصف ستينيات القرن الماضي حمل اسم (يا بحر) عن دار الآداب في بيروت. وبسبب سنوات غربته القاسية، لم يتسن للشاعر التواصل مع قرائه ومحبيه على الرغم أن لديه ما يقرب من ستة دواوين شعر جاهزة للنشر، نشر بعض قصائدها في مجلات ثقافية متخصصة مثل (إبداع)، (جسور)، (أخبار الأدب) كما واصل كتاباته النثرية والشعرية في صحف مهجرية كان أهمها صحيفة (الوطن) الأسبوعية التي تصدر في لوس أنجيلوس.

    منذ أكثر من سنتين بدأت صحته بالتدهور التدريجي، نتيجة مرض السكر، الذي استطاع أن يدمر طاقة كليتيه، بعد ذلك بدأ كل شيء لديه بالانهيار، منذ عام وهو يقيم إقامة شبه دائمة في المستشفى، الذي دخله قبل ستة أشهر تقريبا حتى رحيله.

    كان المرحوم في غيبوبة دائمة منذ أكثر من شهر ونصف، إلى أن سكت نبضه، لكن ظلت نوارس شعره تحلق في سماء بلدته عتيل وغربته الطويلة.

    توفي يوم الخميس الموافق 23 فبراير/شباط في لوس أنجيلوس بجنوب كاليفورنيا، الشاعر الفلسطيني حكمت العتيلي، الذي حمل هموم أمته العربية عامة وشعبه الفلسطيني خاصة، حتى آخر لحظة في حياته. وقد توفي العتيلي عن عمر يناهز السابعة والستين عاما.

    *********************



    عاشق البحر .. على سرير المرض

    الأحد ١٩ شباط ( فبراير ) ٢٠٠٦م
    بقلم عيسى بطارسه

    بين سرير طبي يقبع في منتصف غرفة صغيرة تستسلم لرائحة الأدوية الثقيلة، ولمجموعة كبيرة من الأجهزة، مختلفة الوظائف التي تحشر نفسها، وتحشر زوايا الغرفة فيما بينها، وبين غرف العناية المركزة، في أكبر مستشفيات مدينة ويتير في جنوب كاليفورنيا، تعثرت رحلة عمر الشاعر الفلسطيني حكمت العتيلي. وخرجت أو أخرجت مرغمة عن مسار سبعة وستين عاما، لتقف بلا حول أمام الفاصل الصغير بين الموت والحياة.

    ورغم الحب الذي يحيطه به أفراد عائلته، وأصدقاؤه ومحبوه، فلقد قرر أو قرر له أن يدخل شبه غيبوبة، لم يخرج منها حتى هذه اللحظة، وبعد مرور أكثر من خمسة أسابيع.

    لا أحد من سكان الأرض يعرف أين ومتى ستصب هذه الغيبوبة، ومن أي الأبواب سيخرج حكمت العتيلي في نهايتها، لكنه من المؤكد أنه يقف يوميا، وجها لوجه أمام الأذرع السوداء العنيدة الفولاذية، هو نفس الموت الذي صرخ في وجهه منذ أكثر من أربعين عاما:

    يا سارق الأحباب ..

    أنت !

    خرج من زيارة من زياراته الكثيرة لنفس المستشفى، قبل عامين وفي يده قصيدته الأخيرة الجميلة الدامعة العينين المتشبثة بالحياة التي يقول فيها:

    مازال في القنديل زيت،

    ما زال لي امرأة

    وأولاد

    وأحباب وبيت،

    لكأن في قلبي صهيل صاخبُ

    لكأن ألفا من جياد ٍ

    في دمي تتواثبُ".

    هل نضب زيت القنديل هذه المرة يا حكمت؟

    هل تعب الصهيل في قلبك، وانكفأ على نفسه؟

    وهل كفت الجياد عن التواثب، وانضمت لأحبائك الذين يقفون أمام الوقت والساعات والدقائق بقلوب مكسورة خائفة مرتعشة لا تعرف ما تتوقع، ولا أين سيوصلها ويوصلك الدعاء ولا اللهفة ولا الدموع ولا الطب الذي يرفع يديه قليلا قليلا كل يوم حائرا فيما يفعله أمام هذه الانهيارات المتوالية.

    وماذا ظل لدينا غير: يا رب ..)

    كان ذلك في نهاية عام 1990، حيث كنا نتناول العشاء في منزل صديقنا يعقوب خوري، في مدينة ليكوود في منطقة لوس أنجيليس، يقيمه احتفاء بالصديقين الكبيرين الزائرين من الأردن الأديب فخري قعوار والناقد نزيه أبو نضال، عندما فوجئنا بمضيفنا يقول بدون سابق إنذار، أنه ذهب ليلة الأمس هو وحكمت العتيلي الي اجتماع الصندوق العربي الفلسطيني. توقفت يدي باللقمة في منتصف طريقها إلى فمي، لدي سماعي اسم حكمت العتيلي، ونظرت بشكل عفوي إلى وجه صديقي فخري، حيث كان بدوره يحملق في وجهي، كأنه يريد أن يسألني إذا كنت سمعت ما سمع، سبقني فخري إلى سؤال مضيفنا: هل قلت حكمت العتيلي؟

    ـ نعم، حكمت العتيلي، هل تعرفه؟

    ـ حكمت الشاعر؟

    قال يعقوب وقد قلب يديه بحيرة

    ـ شاعر؟ لا علم لي بذلك!

    تدخلت وفي نيتي حسم الموقف

    ـ هل معك رقم هاتفه؟

    قال فخري دون أن يعطيه فرصة للجواب

    ـ هل ستلتقي به قريبا؟

    ـ بعد يومين في اجتماع الصندوق

    سألته عن علاقة حكمت بالصندوق، فقال أنه رئيسه لهذه الدورة

    قال له فخري

    ـ أرجو أن تسأله إذا كان هو الشاعر حكمت، وأن تخبرنا بأسرع وقت ممكن!

    بعد يومين، اتصل بنا يعقوب من ليكوود وقال أنه سأل حكمت عن قضية الشعر، وأنه أي حكمت استغرب ذلك وقال أنه لم يخبر أحدا منذ قدم من سان دييجو، فكيف عرف ذلك، وقال له صديقنا أن فلانا وفلانا وفلانا سألوني عنك، وأردف أنه لم يبد عليه أنه يعرف أيا منكم.

    قال فخري لأنه في الحق لا يعرفنا، لكننا نعرفه حق المعرفة.

    على شواطئ قصائد حكمت العتيلي، وقفنا نمعن النظر في أمواجه وأنوائه وقواربه ونوارسه، ونرى في الكثير من صوره المستحدثة الحية النابضة المعبرة، ما يدعو للانبهار.

    ولعل قصائد حكمت العتيلي، هي ما أنار لي، ليس حبي المطلق للشعر وحسب، بل حسمت لي ترددي في مراحلي الأولي بين كتابة القصة أو كتابة القصيدة.

    قر قرارنا تلك الليلة أن ندعو الشاعر حكمت، لنتعرف اليه عن قرب، وليتحفنا ببعض من شعره، الى العشاء الذي يقام بعد يومين، وداعا للضيفين العزيزين، مع نخبة من الناشطين والصحفيين والكتاب في المنطقة. ولقد كنت أحفظ لشاعرنا عن ظهر قلب، مقاطع من قصائده وجدت لها منذ ثلاثين عاما، مستقرا في ذاكرتي كما في قلبي:

    عيناكِ كالزمان كالبحار،

    كرحلة طويلة بلا قرار،

    يخوضها من مطلع النهار،

    لمطلع النهار،

    مسافر حزين

    في قلبي يا بحرُ حملتك غنوه ،

    في عيني صلاةً ودعاءْ

    وأتيتكَ أرجوك ثباتَ الخطوة،

    ونشدتك لي أملاً ورجاء.

    قل للنورس أنا

    سنغسلهُ بندى الفرحةِ ان جاءْ

    أنا سنصلي كي يرجع

    صبحاً ومساءْ

    ولدتني أمي ذات نهار مشمس،

    فعشقتُ الشمس أنا

    مذ ولدتني أمي،

    ورأيت أبي يغرس أشجار الزيتون الغضه فيما يغرس

    فجرى حب الزيتون بدمي .

    ولي في الدار أشيائي الصغيرةُ،

    مثلما للبحر أشياؤه:

    أعاصيري، هدوئي، ضجتي، صمتي،

    وأمواجي، حياتي، غربتي، موتي!

    ولكني مللت الدارَ، بحراً مله ماؤه .

    إذا كان الشاعر محمود درويش قد لقب على أيدي بعض النقاد بعاشق التراب، فحكمت العتيلي هو عاشق البحر والنوارس بلا منازع. فأنت تكاد تسمع هدير البحر، أو اصطفاق أجنحة النوارس على الماء في كل ما كتب حكمت العتيلي من شعر، طوال حياته، فهو عاشق وفي لهذا العشق، أمين له، وقد يقوي هذا الهدير وقد يخف مثله مثل خفق أجنحة نوارسه، حسب موضوع القصيدة.

    دنا الشاعر إيليا أبو ماضي من البحر قليلا حين قال في طلاسمه:

    "قد سألت البحر يوما

    هل أنا يا بحر منكا؟

    هل صحيح ما رواه

    بعضهم عني وعنكا؟

    أم ترى ما زعموا زورا وبهتاناً وإفكا؟

    ضحكت أمواجه مني وقالت .. لست أدري"

    أما حكمت العتيلي، فلم يكتفِ بالوقوف أمام البحر، ومغازلته مغازلة الخائف، بل دنا منه أكثر، لمسه بأصابعه، غمس رموش عينيه بمائه المالح، ليتسنى له أن يرى في العمق أكثر، وأن يصغي السمع لأنفاس البحر، على نحو يتيح له أن يترجمها بدقة لا متناهية، وأن يرقب عن قرب تلك الأعماق الغامضة الرهيبة القاتلة حينا، الثائرة حيناً، الحنونة حينا آخر:

    "في عينيك رأيت الحزن نديا كالنعناع البري

    حزنا دفاقاً أي حنان فياض قدسي

    ولقد قلت حزنا يا بحر

    وصرخت عطبنا يا بحرُ

    وليس صدفة أن ديوان شعره الوحيد الذي صدر له، في منتصف الستينات، عن دار الآداب البيروتية، يحمل اسم يا بحر.

    صافحته كما لو كنت أعرفه منذ دهور، وصافحني وهو لا يعرفني. كان خفيض الصوت، هادئ السمات، في عينيه وحشة غربة طويلة، ربما سكنتهما نتيجة لهذا الرحيل المتواصل، وعدم الاستقرار الأزلي الذي عاشه شاعرنا العتيلي منذ مراحل حياته المبكرة. ربما منذ اضطرته دراسته أن يرحل عن قريته عتيل وهو بعد في مطلع مرحلته الثانوية، ليستقر في مدينة طولكرم، كما سيظهر لاحقاً.

    عندما تأملت وجهه، كادت عشرات الصور الشعرية التي أوقفتني أمامها مذهولاً، منذ زمن طويل، الحائرة الثائرة الباكية الشاكية المتمردة المؤمنة، جميعها ترفرف حوله مثل مجموعة من الفراشات التائهة، لا يراها أحد غيري، حتى هو نفسه. صحيح أن صديقي فخري، كان يعشق شعره مثلي، لكن شيئا ما خاصا، كنت أحس أنه يصبغ همومي وأحلامي بنفس اللون الذي كان يصبغ به هموم وأحلام حكمت.

    قرأ لنا قصيدة، يبحث فيها عن حبيبته، في مدينة كبيرة مزدحمة، ربما كما هي لوس أنجيليس. كان صوته يميل إلى الهمس، ولاحظت أنه لم يرفع رأسه من الورقة التي تحمل قصيدته، ليرى وقع ما يقرأ في عيون مستمعيه. وطوال الجلسة كان يجيب على أسئلتنا باقتضاب، ولكن بعمق.

    في القصيدة عاد الشاعر بلا حبيبته، وعدت أنا وفي نيتي أن حكمت سيكون في هذا المغترب، صديقي الأقرب.

    ولد الشاعر حكمت العتيلي، في 8/8/1938، في بلدة عتيل قضاء طولكرم. يقول عنها الشاعر دائما، أنها مركز الكرة الأرضية بلا منازع. في عتيل أنهى حكـــــمت دراسته الابتدائية فقط، حيث أتم دراسته الثانوية في مدينة طولكرم. تفتحت براعمه الشعرية مبكرة، وبدا لديه اهتمام خـــاص باللغة العربية نحوها وصرفها، دفعه لهذا الاهتــــــمام، إضافة إلى جده لأمه، معلموه الذين توسموا فيه نبوغا من نوع خاص.

    بعد مرحلة الثانوية، أتم دراسته في دار المعلمين في عمان، وفيها كلفه أستاذ اللغة العربية، فائز علي الغول برئاسة تحرير مجلة القلم، التي فتحت له نوافذ أدبية فسيحة، وأهلته ليصبح مدرسا للغة العربية، وقد تم تعيينه، في مدينة معان الصحراوية، حيث عاش قسوة تجربة الغربة، والبعد عمن يحب، وعما تعود عليه، خفف من غلواء قسوة التجربة، مجموعة من الأصدقاء المعلمين، الذين نشأ بين بعضهم وبين حكمت العتيلي، صداقات حقيقية جميلة، كثيرا ما نراها تطل برأسها في بعض قصائده حتى المتأخرة منها.

    من معان خطفته وظيفة مدرس أخرى للغة العربية، لموظفي شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في المملكة العربية السعودية، ثم عين في نفس الشركة، بعد وقت قصير، محررا لمجلة قافلة الزيت، التي تصدرها أرامكو باللغة العربية، حيث قضى خمسة عشر عاما هناك، في انقطاع شبه كامل عن الحركة الأدبية في العالم العربي، إلا في إجازاته القصيرة التي كان يمضيها في ربوع الوطن.

    خلال هذه السنوات الجافة من عمره، كان ينشر قصائده في المجلات العربية، ولا يتاح له أن يراها مطبوعة، حيث كانت كل الصحف والمجلات والنشرات التي تصدر خارج المملكة ممنوعة من دخولها.

    بعد مرحلة أرامكو، هاجر بعائلته المكونة من زوجته الفنانة أمل عبد المجيد، التي صممت له غلاف ديوانه الوحيد يا بحر وما لبثت أن دخلت قلبه، لتصمم لهما طريق الحياة، وترسم أجمل ثلاث لوحات تزين عشهما، وهي ولديهما جاد وعادل وابنتهما الوحيدة سرى، الذين ولدوا جميعهم في السعودية. هاجر إلى أمريكا، في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، حيث أقام خمسة عشر عاما أخرى في مدينة ساندييغو في جنوب كاليفورنيا، وفيها حصل على شهادة الماجستير في الإدارة العامة، قبل أن ينتقل إلى ضواحي مدينة لوس أنجيليس، ليتم له فيها أن يلتقي بمن كون معهم ما أسموه بالمنتدى الأدبي.

    بعد أن توطدت صداقتنا، أنا والشاعر الصديق حكمت العتيلي، وبدأت هذه الصداقة تنسج حولنا خيمة، إن لم تكن تصد أوجاع الغربة، وهمومها، فقد كانت تلقي فوقها وشاحا يخفف من حدة ألوانها الفاقعة. وقليلا قليلا تصبح الأشياء في ظل قصيدة جميلة جديدة، لا بأس بها. وبدأنا نعود للحياة وتعود الحياة إلينا، على الأقل شعريا. وبدأنا ربما للمرة الأولى، في هذا المغترب، نفقد الإحساس بلا جدوى وباللامبالاة.

    بعد حين انضم إلى موكبنا الصغير، الذي يبحر ضد تيار الغربة، الشاعرة الفلسطينية المبدعة سلوى السعيد، وانضم إلينا القاص الفلسطيني الشاب نظام المهداوي، الذي يصدر جريدة أسبوعية باسم الوطن، حيث شكلت لمنتدانا الثقافي منبرا هاما، وقفزة نوعية مهمة. وكان معنا كذلك الناقد السوري اللبناني، والقاص إنعام الجندي، وانظم إلينا الاقتصادي العراقي الدكتور صاحب ذهب، وهو محب للشعر، يكتب القصيدة الكلاسيكية، ولكن ليس علي نحو متواصل، كما انضمت إلينا أيضا الكاتبة السورية الدكتورة وفاء سلطان، ومن مصر الموسيقي والصحفي صلاح كناكري.

    وجد كل منا نفسه في منتدانا الشهري هذا، الذي كنا نقيمه في بيت واحد منا على التوالي مرة كل شهر، نستمع فيه إلى إبداعاتنا. لقد شكل عطفة جديدة مهمة لكل منا، ووقفة نحتاجها تجعلنا نحس بإنسانيتنا، وبتواصلنا مع الحياة، كل ذلك بعد سنوات من الإحساس بالضياع المطبق.

    بعد أن دبت الحياة في أوصالنا المتجمدة بدأت شاعرية حكمت العتيلي، تعود إلى طبيعتها الثرة، وبدأت تشكل ينبوع عطاء لا يشحب، يغيب عني يومين أو ثلاثة، فيجيئني صوته على الهاتف فرحا مشرقا ليسمعني ملحمته مملكة القش :

    يمضغون القات في مملكة القشِ

    كأن القات ترياق الحياة.

    ويحنون لعهد الجاهليه،

    ويصلون لعشرين مليك وأمير وصنم

    ويجافون الأله!

    فألو الأمر هنا،

    يعتنقون الوثنيه،

    وألو الأمر هنا

    قد وسموا كل الجباه

    مثلما توسم بالكي الغنم(...)

    *********************



    للبحر هذا الكأس !

    1-

    للبحر هاجسُهُ،

    ولي كالبحر هاجسْ

    وله نوارسُهُ،

    ولي دأبُ النوارسْ!

    وله نفائسُهُ..

    وكم أحرزْتُ منه على نفائس!

    2-

    للبحرِ هذا الكأسُ!

    عاشَ البحرُ هذا العاشقُ الأزليُّ!

    هذا الناسكُ الوثنيُّ،

    هذا العابدُ الأوحدْ!

    كم من إلهٍ عمّد البحرُ الوفيُّ،

    ونصّب البحرُ الأبيُّ..

    على رعاياهُ التي لولاهُ لم تؤمنْ ولم تَرْتدْ!

    للبحرِ هذا الكأسُ!

    أجذلَ من نسيم الصبح يلقاني..

    ببسمته التي ارتسمتْ على شفتيه مِثْلَ هلالْ!

    متلهفا ألقاهُ،

    يهتفْ بي،

    بصوتٍ غير مشحون ولا عالٍ ولا مُتعالْ:

    (بالحضنِ!

    ها قد عُدْتَ يا ولدي!

    تعالَ تعالْ!

    عَتقَ النبيذُ وأترعَ السّاقي الكؤوسَ وأنت في المنفى..

    ولا مِنْ صاحبٍ من بعد ما ودّعتَ أوفى!

    بالحضن!

    هيّا ادخلْ إلى مقصورتي كي نحتسي نخبَك!

    ونخطَّ في سفرِ الهوى فصلا يوثّق للورى حبيّ وحبَّكْ!)

    فأغذ خطوي غير هبّابٍ،

    وأعبرها،

    وأخشعُ،

    ثم أركعُ،

    ثم أسجدْ!

    وأهيبُ بالرّيح العتية أن تسوق الماشطات على عَجَلْ:

    (سَرِّحنَ موْجَ البحر يا أبهى الحواري،

    إن أمشاطَ العقيقِ على لْجَيْنِ الشطِّ تنتظرُ!

    غَسِّلنَ وجْهَ البحرِ بالأَرَجِ المعتّقِ..

    إن أحقاق الطيوبِ بمسْكها العبّاقِ تنهمرُ!

    زَيّنّهُ..

    حضّرْنَهُ!)

    وأظلّ أدعو، أبتهلْ،

    وأفيقُ من إغماءتي جَزِعاوَجِلْ!

    للَّه دُّر الماشطاتِ فإنَّهُنْ..

    في خفّةٍ وبراعةٍ من سِحْرِهنّ..

    غَسّلْنَهُ،

    سرّحنَهُ،

    لبسنَهُ أحلى الحللْ،

    فغدا محيطا مكتمِلْ!

    وبدا كأروع ما يكون، ومدّ لي..

    يده التي التمعت بقفاز الزّبدْ،

    أمسكتها بتشبثٍ لا ينثني أو يتئدْ!

    سرنا أنا والبحر مبتهجين باللقيا!

    خِدْنينِ لا نلوي علي شيءٍ من الدنيا!

    3-

    للبحر ديدنُهُ

    ولي كالبحرِ ديدنْ!

    وله على الأيام معدنهُ،

    ولي معدنْ!

    وله هو الباقي طوالَ الدهرْ..

    شِيمٌ تناقِضُ بعضَها:

    مدٌّ يليه الجزرْ!

    عسر يليه اليسرْ!

    غضب يليه صفاءْ!

    ضحك يليه بكاءْ!

    ريحٌ تهبُّ كما تشاءْ

    طورا رخاء،

    طوْراً بلاءْ!

    وأنا.. أنا العبْدُ الفقيرُ الأعزلُ،

    ألراحلُ المستعجلُ،

    شيمي العتيدةُ كلُّها..

    مقدورة منذورة لا تُبْدَلُ!

    أودسة فردية الأبعادْ!

    بالموت تبدأ لحظة الميلادْ!

    أعيى فؤادي كنهها!

    4-

    للبحر هذا الكأسُ!

    ليت الريح تسمح أن أراقصها على شرفِهْ!

    أو ليتها تذور رماد الروحِ في قلبِ العبابْ!

    البحر مينائي، وفي كنََفِهِ..

    أوَدْعتُ آخرَ ما كنزتُ من الرغابْ!

    للبحرِ هذا الكأسُ!

    موتي هنا عرسٌ بهيجُ الأنسْ!

    نغَمٌ له جِرْسٌ، ورَجْعٌ واصطخابْ!

    للبحر أول كأسْ!

    للبحرِ آخر كأسْ!

    أوّاهُ.. قد نَفَذَ الشرابْ!

    *********************



    أحلام محمد الدرة

    1-

    كان محمّد..

    لمّا استشهد،

    أَنضرَ،

    أصغر..

    من بُرعمِ وردْ!

    أحلى،

    أَطلى..

    من قطرةِ شَهْدْ!

    وله -كانت- أحلامٌ يانعةٌ غضَّه!

    ملأى بجيادٍ من فضّهْ،

    ومراكبَ ماسٍ، تمخرُ أمواجاً نورانيّه!

    ورفوفِ نوارسَ سحريّه..

    آتيةِ من جزُرٍ ذاتِ شواطئَ من مرجانٍ ولآلي!

    لا يسكنها غيرُ الأطفالِ!

    جُزُرٍ مفْعمةٍ ببراءتهمْ!

    جَذْلى بشقاوتهمْ!

    تزْخَرُ بالفرحِ الطّفليَّ،

    سعادتُها بعضُ سعادتهمْ!

    وله -كانت - فلسفةٌ واضحةٌ جدا:

    (وطني لا أرضى عنه الخلدا..

    بدلاً.. أبدا، أبدا!

    ودمي للقدسِ فِدى!)

    كانَ يرى..

    أرتالَ القصْفِ الهمجيَّ،

    وهي تدكُّ قُرى..

    غافيةً في ذُعرٍ قسريِّ!

    كان يرى أشْتالَ الزّنبقِ تُحرَقْ!

    وعروقَ الريحانِ تُمزّقْ!

    وغِراسَ الزّيتونِ الثّكلى تُغتالُ!

    وقبابَ معابدِ بيت المقدسِ تنهالُ:

    فيصلّي، يدعو كنبيِّ أمييّ:

    ( يا ربّ، بحقّ المصحفْ!

    أرجوكَ إلهي أن تُوقفَ هذا القصفَ المُجْحِفْ!)

    ويظلّ يصلّي حتى تحرقَ خدّيهِ دُموعُهْ!

    والقصفُ الهمجيُّ الغادرُ لا يتوقفْ!

    والجرحُ العربيُّ النّاعِرُ ينزِفْ!

    كانَ محمّدُ يعرفْ..

    أن لا رَيبَ بأنّ إلهُ البيتِ سيحمي بَيتَهْ!

    والإبنَ.. المهدا!

    لكنْ لا البيتَ حماهُ اللهُ!

    غفرانَ اللهِ! ولا المهدَ حماهُ يسوعُهْ!

    بل حلَكَ الليلُ، وكَلكَلَ وامْتدّا!

    وملاكَ الموتِ بعينيهِ رآهُ..

    يتنقلُ بين رياضِ الأطفالِ، يوزع مَوْتَهْ،

    ويُغيرُ على الدّورِ، ليحصدَ أحلامَ العُزّلِ حصْدا!

    فبكى، في صمتٍ لهنيهاتٍ ثمّ تماسكَ.. ألغى صَمْتَهْ!

    شيّعَ أحلامَ طفولتِهِ، وتحدّى!

    أقسَمَ أن بحجارتِهِ سيُقاومْ..

    دبّاباتِ الجيشِ الغاشمْ!

    أنْ يصمدَ، أنْ يتصدّى!

    وإن استشهدَ.. يا لَيْتَهْ!

    2 –

    لم يرمِ محمّدُ أحجاراً ظُهرَ اليومْ!

    فلقدْ رُفِعَ أذانُ الجمعهْ،

    وتسارع كلُّ القوْمْ:

    نحو المسجدِ، في حيّ القلْعَهْ!

    كان محمّد في جانبِ والدِهِ، ظِلّهْ!

    كان يقيمُ عزيزاً، في قلبِ جَمالَ،

    وفي المُقْلَهْ!

    كان الأملَ الواعدَ والموعودا..

    بِغدٍ حُرِّ، كانَ الحلُمَ المنشودا..

    بالأرضِ المغسولةِ مِنْ وضرِ المحتلِّ!

    كانَ القَهرَ يمورُ ويغلي،

    يرفضُ أن تبقى القدسُ رهينهْ!

    في قبضةِ طُغمةِ أو غادٍ مجنونهْ!

    كان جمالُ يردّدُ:

    ( من أجل محاميدِ الأرضِ سَنوري نارَ الثّوره!

    حتى تشرقَ في أرضِ فلسطينَ الحرّةِ، شمسٌ حرّه!)

    ثم انهمَرَ رصاصُ الأوغادِ!

    صاح جمالٌ: (إنّا عُزّلُ!

    هذا أصغرُ أولادي!

    لم نفعل شيئاً!

    لم نفعل شيئا!)

    لكن لم يكُ غير رصاص الأوغادِ يجيبُ!

    قال محمّد: ( يا أبتاهُ أُصِبْتُ!

    ولكنْ لا تأس فإنّ الأسعافَ قريبُ!)

    إلا أنّ نوارسَ بيضاءَ تحلّقُ فوقهما،

    وجياداً من فضّه،

    تسحبُ مركبةً من ماسِ نُورانيٍّ

    كانت أَقربْ!

    حملتهُ،

    تهادتْ صُعُداً!

    يا للموكبِ، يا للموكبْ!

    3-

    كان محمّد..

    لمّا استشهد،

    أسطعَ إشعاعٍ بثّتهُ الشمسُ!

    كي تمحو هذا الليلَ الجاثمَ فوقَ القدسِ..

    تَباركتْ القدسُ!

    *********************



    هدير الريح

    إلى الغالية أمل، وإلى الأعزّاء سلوى وكلاديس وعيسى ونظام ونويل

    1. عمتِ مساءً أيتُها الرّوحُ!
    العينُ سِراجٌ نوّاسٌ، والقلبُ حزينٌ مجرُوحُ!
    ماذا تجدي الآهُ، وفيمَ يُهدهِدُنا مرُّ اللومْ..
    حينَ يُكلكِلُ ليلُ الشّجوِ، ويُطفئُ قِنديلُ التّبّانةِ
    آخرَ ومضاتِ السّهرِ استِعداداً للنّومْ؟
    ماذا تجدي الدّمعةُ في زمنٍ يَرزحُ بالهمّْ؟
    سيّدتي أيتُها الرّوحُ ..
    جئتُكِ ملتَاعاً علّكِ تخفينَ عن القلبِ نُدوبَ اللوعَه
    علّكِ عن عينيّ المجهَدَتينِ تلمّينَ بقايا الدّمعه
    يا أيّتُها الراضِيةُ المرضيّةِ ضمّيني بحنوِّ الشّطِ على بَطريقٍ مجروحِ
    فكي كلَّ قيودِ اللوعةِ عن مِعصميَ المقرُوحِ
    مدّي لي سُلمَ أقواسٍ قزَحيّه
    زيني بالبشرى مِعراجي نحو أواوينٍ قُدسيّه،
    بي توقٌ للملكوتِ الأعلى لا يعدِلُهُ تَوقُ
    ويُعششُ في أصقاعِ فؤادي للحريّةِ شوقٌ يغمُرهُُ الشّوقُ!
    ضقتُ بآلامي فالقلبُ عليلٌ والموطنُ مأسُورُ
    وجناحي مَنتوفٌ، نزّافٌ، مكسورُ
    رُحماكِ ملاذي سيدتي الرّوحَ وعمتِ مساءَ
    ورفلتِ بِقفطانٍٍ يتلالا ويشعُّ ضياءَ
    قولي لي هل قربُتْ لحظتنا، هل صَدقَ الوعدُ،
    وهل أزفَ المكتُوبُ، وهل جاءَ!
    * * *
    2. أسألُ بحري الهادئَ فيمَ تلاشى الصّخبُ؟
    ولماذا البَحارةُ قد هجَروا المركبَ، أين تولّوا، ذَهبوا؟
    ولماذا يتداعى زبدُ الموجِ وينقلبُ ..
    محضَ هباءٍ لا بُشرى في طيّاتِه؟
    كيفَ الموجُ العاتي يُسلَبُ من غلواءِ حياتِه؟
    كيفَ يموتُ البحرُ وتصمِتُ حتى زُمَرُ البطريقِ الغَجريّه؟
    يغدو البَحرُ الموّارُ بُحيرةَ مِلحٍ عاقِرْ
    سَبخَةَ طينٍ وأُجاجٍ، لا بحارٌ يمخرُها،
    أو يعبُرها قطُّ مُغامر!
    رُحماكَ أنيسي وَرفيقي ونجيّيِ الأوحدْ !
    أرجو أن تُعتقني، ألاّ تهجرني مهما نورُ المركبِ ناسَ،
    ومهما كنـزُ العُمرِ تبدَدْ
    وبحقِّ الرّفقةِ أن ترحمَني أنواؤكَ، أمواجُكْ،
    وتظلَّ كفينيقٍ ما أسرعَ ما يتَجدّدْ ..
    لحظةَ يحتَرقُ،
    ويمين اللهِ لكم يابحري أحتاجُكْ
    وأنا يعصرُ قلبي القلقُ،
    وأنا أحلامي تُوأدْ !
    * * *
    3. أسألُ ليلي أن يتراخى ويُخفّفَ وطأه،
    فلكم طالَ الليلُ، لكم جرّعني مرّاً عِبأه!
    أذكرُ لما كان الليلُ سميري،
    لما كان يُغسّلني بطيُوبٍ وعُطورِ،
    ويكحّلني بالدّيجُورِ،
    ويسخّرُ لي القمرَ الساطِعَ
    يمسحُ ناعرَ جُرحي بالنّورِ،
    كان الليلُ نديمي، شاهدَ حبي،
    نبضَ عُروقي، دقةَ قلبي!
    كان بُراقي أسرجُهُ بالشّوقِ وأرقى سمتَ العلياءِ،
    كان الليلُ حبيبي ورَجائي!
    في أيامِ الحبِّ الأولى كانا ..
    تغريبةَ عمري الضوّاعةَ سحراً وحنانا!
    واليوم تلبّدَ في أفقِ الرّوحِ بشجوٍ قاتلْ،
    يتثاقلُ، يقصم ظهري تَبريحا!
    يا ليلُ، حبيبي الهاجِرَ يا طوداً مُتثاقِلْ ..
    هلاّ أشفقتَ فلا تمعنُ بي تجريحا
    * * *
    4. عِمتِ مساءً سيدتي أيتها الرّوحُ،
    العينُ سراجٌ نوّاسٌ، والقلبُ حزينٌ مجروحُ
    واللهفةُ غامرةٌ، ولِنيرانِ اللهفةِ لو تَدرين تباريحُ!
    أيّان يُدمدِمُ إعصاري؟ ومتى تهدرُ ياروحي الرّيحُ؟!

    *********************



    لؤلؤة الكلام

    1- رحلت فدوى!
    ورقاء قلسطينَ الأشجى تحنانا، والأعذب نجوى!
    عذراء الشعر العربيّ وآيته الفيّاضة بالتقوى!
    أسلمت الرّوح لبارئها، وانقادت للحقّ بنفس رضوى،
    لم تطلب تصريحا من محتلّ، لم تتوخ لرحلنها الأبدية فتوى!
    أطبقت الجفنين، وأسلمت الرّوح ليارئها، ومضت.. فدوى!
    ***
    2- جبل النّار نعاها مكسور القلب، ينوء ببلواه ولا..
    من يدفع عنه البلوى!
    عيبال يواسي جرزيما بمصاب فلسطين ويضرع بالشكوى!
    لمَ ترحل لؤلؤة القول؟ وكيف ينوس الوهج الأقوى؟
    بعدك فدوى..
    من للشهداء يضيء شموع الذكرى..
    ويوزّع في أعراس شهادتهم أصناف الحلوى؟
    بعدك فدوى..
    من للأشبال يعلّمهم أن الأرض هي الجوهر وهي الأصل،
    هي القيمة وهي الجدوى؟
    وهي المنزل وهي المأوى؟
    بعدك فدوى..
    من مِن نور العينين يحيك لأرض الأحرار جداريّة حبّ..
    ترويها أجيال المستقيل فيما يروى؟
    من لعيون أيامى القدس، يكحّلها بالأمل الصّافي، فتقرّ، وتطفح صفوا؟
    وتموتين! لماذا..
    وفلسطين تئن أنينا،
    وعواصم أمّتنا تلهو لهوا؟
    وتموتين.. ألا لا كان الموت يفرّقنا،
    يثقلنا شجنا،
    يشجينا شجوا!
    يا قمرا نوّر سود ليالينا!
    يا عطرا ضاع بشرفات مساكننا!
    يا صوت كرامتنا!
    يا رعد إرادتنا إذ بالغضب السّاطع دوّى!
    ما متّ..
    وما صدق النّاعي!
    بل خالدة أنت..
    خلود الأرض الظمأى للحرّيّة يا فدوى!
    جعل الله لك الجنّة مثوى!

    *********************



    جنين

    1- بستحي الموتُ، وهو يعجّلُ خطوتَه في حواري المخيّم

    من ناطحات سحابِ المخيم تركلُهُ بمداساتها!

    تتدمّر.. لا تنحني!

    تتفجّرُ.. لا تنثني!

    تتحداهُ واقفةً غير آبهةٍ ببراكينهِ!

    كلّ نافذةٍ من نوافذها أفقٌ!

    كلّ أنّةِ مُحْتضِرٍ.. شفقٌ!

    كلّ شهقةٍ شبلٍ قضى.. ألقٌ!

    وجنينُ الوديعةُ تبذر ما اكتنَزَتْهُ لِفاقَتِها.. قمْحَها!

    كلُّ حبّة قمحٍ شهيدٌ!

    تصير جنينُ بَيَادِرَ مجْدٍ تروِّي ثراها الدّماءُ، ولا تتهاوى..

    أمام صريرِ الجنازيرِ،

    لا تسْتبيها صواريخُ حقْدِ الغزاةْ!

    جنين وإنْ قد تَرَصّدها الموتُ ليست سوى قلعة للحياةْ!

    * * *

    2- أيّها الموتُ إنّ جنينَ لَقَبْرُكَ.. لا قبرُنا!

    وهْيَ ذعرُكَ.. لا ذعْرُنا!

    إنّها فجرُنا!

    مُهْرُنا!

    طائرُ الرّعدِ يُومِضُ في ليلنا!

    دوْحةُ النّبْلِ، كعبةُ أرواحنا!

    عَبَقُ الفلِّ، نفْحُ جنانِ الخلودِ التي وعدَ اللهُ أبرارَنا!

    وجنينُ عذابُكَ،

    بل وعقابُكَ..

    لا الحقدُ لوّثَ أخْمصَ أقْدامها،

    لا ولا البغضُ قد نال َ من عزْمِها!

    بل أفاقتْ غداةَ حسبْتَ بأنّك قد غلْتها،

    ضمّدت أرضَها!

    ساندتْ بعْضَها!

    ومشتْ بخطىً ثابتهْ،

    نحو غايتها.. غيْرَ ملتفِتَهْ..

    للوراءْ!

    إنّ منْ رامَ حرّيةً ليس يثنيهِ بحْرُ دماءْ!

    * * *

    3- هي ذي روضةُ المجْدِ خضّبَها دمُ عشّاقِها!

    لبست حلّةً من نقاءِ الجليلِ تزيّنُها يانعاتُ الشّقائقِ،

    هذا الصّباحُ صباحُ زفافِ الشّهبدِ إلى حلْمِهِ!

    مهرجانُ إيابِ الطّريدِ إلى قومِهِ!

    كرنفال العصافير تحْدو بيادرَها!

    والبساتيِن تهفو لأشجارها!

    والبيوتِ تحنُّ لأبوابها،

    والقبورِ تمور بأصحابِها..

    من ملائكةِ الشّهداءِ، صغارا كبارا!

    جنينُ منارةُ ثورتِنا!

    غدُنا!

    وَعْدُنا..

    وبشارةُ فجرٍ أطلّ لَسَوْفَ يصيرُ نهارا!

    إنّها صرخةُ الحقِّ تعلو جهارا!

    * * *

    4- لستُ أبكي جنينَ.. جنينُ فَخارُ العصورْ!

    غير أني بكيْتُ مدائنَنا..

    عارمات الخَنا،

    خانيات القصورْ!

    يتهجّدْنَ في صمتهنَّ..

    وما بعْدُ قدْ صمَتَتْ في جنينَ القبورْ!

    ويْحَ أمَّتِنا المسْتباةِ أحاقَ بها الصمتُ والموتُ..

    أيّانَ يومُ النُّشورْ!

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:08 am


    الشاعر حنا إبراهيم إلياس




    نبذة

    ـ حنا إبراهيم إلياس (فلسطين).
    - ولد عام 1927 في قرية البعنة- الجليل.
    - تخرج في مدرسة عكا الثانوية.
    - عمل في شرطة فلسطين منذ 1945، وانتسب إلى عصبة التحرر الوطني التي وافقت على مشروع تقسيم فلسطين عام 1947، فلاحقته السلطات العربية ثم الإسرائيلية فعمل في مختلف أعمال البناء حتى 1969، عمل بعدها مديراً لمطبعة الاتحاد الحيفاوية، ثم انتقل عام 1974 ليعمل محرراً في صحيفة الاتحاد حتى 1978، حيث انتخب رئيساً لمجلس البعنة المحلي، وانتسب عام 1989 إلى الحزب الديمقراطي العربي، ورأس تحرير صحيفة الديار حتى 1993، وهو اليوم الناطق الرسمي باسم الحزب الديمقراطي العربي، والرئيس الفخري لمؤسسة الأسوار العكية للثقافة والنشر.
    - دواوينه الشعرية: أزهار برية 1972- ريحة الوطن 1978- الغربة في الوطن 1980- صوت من الشاغور 1982- ذكريات شاب لم يغترب 1988- هواجس يومية 1989- نشيد للناس 1992- شجرة المعرفة 1993.
    - تناول النقاد العرب في فلسطين أعماله الأدبية من قصة وشعر ومنهم: نبيه القاسم، ومحمد حمزة غنايم، وحبيب بولس، ومحمد علي طه، وحصلت الطالبة عيريت غتروير على درجة الماجستير من جامعة تل أبيب عن أعماله القصصية 1988.
    - عنوانه: قرية البعنة 20189 الجليل الغربي- فلسطين ص.ب 219.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:09 am


    الشاعر حنا أبو حنا



    نبذة

    ولد في الرينة – الناصرة/ فلسطين المحتلة 1928 .
    عمل مديرًا للكلية الأرثوذكسية العربية ، حيفا وهو يقيم فيها ، وقد قال محمود درويش عنه " منه تعلمنا ترابية القصيدة " .



    أعماله الشعرية:
    * نداء الجراح (مكتبة عمان، 1969م).
    * قصائد من حديقة الصبر (عكا، 1988م).
    * تجرَّعت سمَّك حتى المناعة (حيفا، 1990م)


    الدراسات:
    - عالم القصة القصيرة (مطبعة الكرمل، حيفا، 1979م).
    - روحي على راحتي: ديوان عبد الرحيم محمود . تحقيق وتقديم (مركز إحياء التراث العربي، الطيبة، 1985م).
    - دار المعلمين الروسية (في الناصرة 1994م).
    - رحلة البحث عن التراث (حيفا، 1994م).
    - الأدب الملحمي.
    - ديوان الشعر الفلسطيني.



    الترجمات :
    - ألوان من الشعر الروماني / ترجمة (دار الاتحاد، حيفا، 1955م.(
    - ليالي حزيران / رواية مترجمة عن الأدب الروماني (دار الاتحاد، حيفا، 1951م).

    أدب السيرة :
    ظل الغيمة دار الثقافة ، الناصرة 1997
    خميرة الرماد ، مكتبة كل شيء - حيفا 2004
    مهر البومة - مكتبة كل شيء ، حيفا 2004

    *********************



    يتلثم ‏كانون
    تنزع الأرض معطفها الأصفر
    تشرع تينةٌ في طقوس التعري
    تنفض ريشها
    تلحق السرب عصفورةٌ
    تصهل في الدم شرنقة الورد
    يستعر الجوع للعاصفة
    يتلثم كانون.. يجمر عينيه
    يتحزّم بالفضة.. بجذوع الشمس
    من فاصلة البرق يهل
    مدٌ.. مدَدٌ
    يا بحر زنود البرعم
    مـدٌ..مدَدٌ
    مد.. مدد
    يا فولاذَ الحلـم
    مد.. مدد يا راعي الغيم
    يا شاطئ رفح.. يا قمة عيبال
    يا بوابات القدس انفرجي
    تشرع نافذة
    يتوارب باب
    وتلوح مجاديف القمر الناريـه
    تتفتح شفاه محاره
    قنبلة الشوق تتك..
    تلثغ زمجرة
    أتحسس صوتي يغسل بـحّـته
    في ساقيه الشرر القُزحي
    أتحسس صوتي يشحذ ظله
    فوق براري السهد
    صوتي يتعملق
    يا حجل الجرمق
    كانون تلثم- يحتضن الجمر
    تتفتح سنبلة الجرح
    وترف إلى شفة شفة
    قِرّب أذنيك من الأرض
    تسمع حشرجة الصمت
    لا يصمت نهر الدم
    دالية الحلم تعرش خلف الشباك
    يتجلى عملاق بهاء فوق ذري كنعان
    رب العاصفة، إلهُ الخصب
    بعثته عناة
    نبوّت البرق: "السائق" في يسراه
    وبيمناه
    النّبوتُ "الطارد"
    وهدير الرعد صدى شفتيه.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:12 am


    الشاعر راشد حسين



    نبذة

    - ولد راشد حسين في قرية مصمص من قرى أم الفحم سنة 1936، وانتقل مع عائلته إلى حيفا سنة 1944 ، ورحل مع عائلته عن حيفا بسبب الحرب عام 1948وعاد ليستقر في قرية مصمص مسقط رأسه .

    - واصل تعليمه في مدرسة أم الفحم ، ثم أنهى تعليمه الثانوي في ثانوية الناصرة .

    - بعد تخرجه عمل معلماً لمدة ثلاث سنوات ثم فُصل من عمله بسبب نشاطه السياسي .

    - عمل محرراً لمجلة "الفجر" ، " المرصاد " والمصوّر ، وكان نشطاً في صفوف حزب العمال الموحد .

    - ترك البلاد عام 1967 إلى الولايات المتحدة حيث عمل في مكتبة منظمة التحرير هناك ، وسافر إلى دمشق عام 1971 للمشاركة في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، كما عمل فترة من الزمن في القسم العبري من الإذاعة السورية .

    - عاد إلى نيويورك عام 1973 حيث عمل مراسلاً لوكالة الأنباء الفلسطينية " وفا " .

    - توفي في الأول من شهر شباط عام 1977 في حادث مؤسف على أثر حريق شبّ في بيته بنيويورك ، وقد أعيد جثمانه إلى مسقط رأسه في قرية مصمص حيث ووري هناك .

    - منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في عام 1990.

    أعماله الشعرية :

    مع الفجر (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1957م، ط2: القاهرة، 1957م).

    صواريخ (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1958م).

    أنا الأرض لا تحرميني المطر (الاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيين، بيروت، 1976م).

    كتاب الشعر الثاني / يضم المجموعتين الأولى والثانية (لجنة إحياء تراث راشد حسين ( دار القبس العربية، عكا، 1978م).

    قصائد فلسطينية (لجنة إحياء تراث راشد حسين، القاهرة).

    ديوان راشد حسين / الأعمال الشعربة الكاملة (بيروت).

    الترجمات :

    - حاييم نحمان بياليك: نخبة من شعره ونثره / ترجمة عن العبرية (دار دفير للنشر، تل أبيب، 1966م).

    - النخيل والتمر؛ مجموعة من الأغاني الشعبية العربية، ترجمها بالتعاون مع شاعر يهودي من العربية إلى العبرية.

    - العرب في إسرائيل: تأليف صبري جريس / جزءان، ترجمة الشاعر من العبرية إلى العربية ( مركز الأبحاث، بيروت 1967م).

    *********************



    السخرية والمرارة في شعر راشد حسين

    الثلثاء ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٥
    بقلم الدكتور فاروق مواسي

    لا شك في أن الأدب العربي عرف أعلامًا كانت روح السخرية بادية في أدبهم،فمن القدماء كان الجاحظ وابن الرومي..... ومن المحدثين : المازني والحكيم ومارون عبود والشدياق وأسعد رستم وعرار .......

    أما الأدب الساخر في شعرنا الفلسطيني فقد أرسى قواعده راشد حسين ، فهو يجذب انتباهنا في ديوانيه الأولين (مع الفجر) و (صواريخ) بهذه الخطرات أو الومضات التي تشع بألمه ، وتتوهج بمأساته. وها هو يخاطب ابن عمه في الأردن:

    القرية العزلاء يا ابن العم تقرئك السلام

    وبيوتها الوسنى تحيي بنت عمتها الخيام

    فتحية القرية (العزلاء) و (الوسنى) عرَضها راشد بنوع من الحيادية المتألمة، كما توحي (بنت عمتها) بجو السخرية الذي كان قد عمد إليه المتنبي - حين وصف بدر بن عمار وهو يصرع الأسد:

    سمع ابن عمته به وبحاله
    فنجا يهرول منك أمسِ مهولا

    وإهداء السلام كان طريقة شائعة جدًا قبل حرب حزيران ، ولذا يركز عليه الشاعر مرة أخرى، فالشاب الجريح يكتب رسالة ساخرة من الميدان يقول فيها:

    والأذرع المتناثرات هنا هنالك في الطريق

    والليل والموتى وأفواه الخنادق والحريق

    يهدينكم حلو التهاني والتحية والسلام

    فانظر إلى كلمة (حلو) في البيت الأخير تجد أن الشاعر هنا يتدخل ليركز على صورة الألم فأشبعها بمعنى مناقض تمامًا:

    إن الشاعر يختار مواقع المأساة كالخيام السود ، حيث اللاجئون يعيشون في المهجر والغربة:

    لن تصير الخيمة السوداء في المهجر قصرا
    وصديد الجرح والإعياء لن يصبح عطرا
    وجيوش القمل لن تصبح أغنامًـا فتقرى
    ودموع اليتم لن تصبح للأيتام خمرا
    وثمة فتاة بين الخيام ماتت ولم يسعفوها:
    دفنوها في ظلام الليل سرًا دفنوها
    لينالوا مؤن الطفلة من قوت جهنم
    والأنكى أنهم يطالبون هذا اللاجئ أن يقعد ويسكن:
    ومضوا عنه وقالوا:
    عش سعيدًا في جهنم

    فالشاعر نقل صورة من حياة اللاجئين الذين يتقبلون الإعانات والإهانات ، وأنت عندما تقرأ أن جيوش القمل لن تصبح أغنامًا تعرف أن هذه بديهية، ولكن سرعان ما تخطر على بالك صور تدعوك لتعمق المأساة واستغوارها:

    .... هل فمنا يبدو اذا جعنا مخيف
    ليفر الخبز من رؤيتنا
    أم على أفواهنا خطوا حذار اللاجئين

    ثم تسأل هذه الطفلة أبعد من ذلك:

    فلماذا يقلق البدر وصحبه
    أتراهم جوّعوا؟

    وبالمقابل فالشيخ ساهر مع خيالات الشقاء، وعندما يؤذن المؤذن ويقول:

    (حي على الفلاح) يرد الشيخ ميؤوسًا:

    لقد ضحك الفلاح على الصلاح

    من خلال هذه اللقطات التي أوردناها نقل لنا الشاعر صورًا من مآسي اللاجئين، وقد جسّم هذه الصور بشكل ساخر ومرير. أما الطرف الآخر وهو الجندي فسينال الأوسمة. ولكن على أي فضل؟ لندع الجندي يتحدث:

    وننال أوسمة
    على تيتيم أطفال الأنام

    والجندي هذا يطلب في رسالة لأبيه أن يخبر زوجته:

    قولوا لها إني بخير تحت أغطية رقيقــه
    سأظل أنشدها وأكسب يا أبي ثمن الطعام

    فمثل هذه الصورة التي يَلسع فيها راشد تدلنا على كراهية الحرب في نفس الشاعر. هو يقرع ناقوسًا ويحذر من المصير المفجع.

    ومثل هذا الجندي جندي آخر تقترب منه دودة مترددة ، فيخاطبها قائلا:

    يا جارتاه ستنحنين على فم
    ما قبلته سوى معطرة الفمِ
    قلبي عشاؤك فانهمي وتنعمي
    فلأنت أولى من لهيب جهنم

    وإذا سخر الشاعر من أمثال هذين الجنديين ، ومن المصير ، فإنه لا يغفل المتواطئين من بني جلدته ، فيشفي غليله منهم :

    إذا مستعمر طلب المطايا
    أناخوا فالظهور لها رحاب
    وإن عز الركاب أطل تاج
    يقول: أنا لسيدي الركاب

    وقد تبدو هذه الصورة الساخرة حادة ، لكنها لا تقتصر على هؤلاء كما نقم السياب من (المخبر) ، بل إنه يرى أن الناس كلهم هم رقيق ، لأنهم يتشاغلون عن القضية ، ثم لا يلبث أن يتشاءم من سكان الأرض قاطبة، فقد أعلن عن مزاد لتصدير الأباليس الرجيمة إلى السماء:

    وستشتري بعض الملائكة الكبار الأتقياء

    ثم تقدم مسرحية الشقاء لسكان السماء ، حيث رايات الإخاء ، وها هم يرقصون على وصايا الأنبياء ، وينتشر النفاق والرياء ....فالسر هو أساس يعمر به الكون؛ وعندما زال الشر لم يجد السجان له عملاً ، ولم يجد الكاهن من يصغي له ، وأقفل الخمّار حانته وتوصل الشاعر إلى القول:

    لو لم يكن إبليس في أرضنا
    لم يدر بعض الناس ما يأكلون

    أما العرب الذين بقوا في الأرض مع راشد فقد نقل لنا الشاعر صورًا مما عانَوه:

    فأطفال صندلة الذين قُتلوا يثيرون مشاعره ، فيقول قصيدته التي أشهرته – حسب رأيي – وهو يخاطب مرج ابن عامر، ومجرد خطابه للسهل الذي يحمل اسما كأسماء الأعلام يوحي بأكثر من معنى، وها هو يسأله في تجاهل العارف:

    مرج ابن عامر هل لديك سنابل ؟
    أم فيك من زرع الحروب قنابل ؟
    أم حينما عز النبات صنعت من
    لحم الطفـــولة غلـــة تـــتمايـــل ؟
    أحسبت أقلام الرصاص بنادقــــًا
    وبـــأن صبيتنا الصغار جـحافل ؟
    أم أن أوراق الدروس وثائق
    أم في الحقائــــب عــدة وحبائل؟

    ومثل هذه الصور وهذه التساؤلات تجسم المأساة ، وتشيع المرارة ، وتدع الشاعر يتخلص من سَـورة هزئه إلى حميّا غضبه:

    قالوا القنابل عبقري صاغها
    صدقوا.. ولكن عبقري سافل

    ويطالب الشاعر في أكثر من موقف أن نـتساوى بسوانا ، فعن أخيه فتحي يقول:

    وعروقه كعروقكم دماء لا عصير

    وجملة (لا عصير) فيها وخز لمن يظن أنه من دماء لا تقع تحت تصنيف الدماء المعهودة طبيًا. وعندما يسأل أحدهم: لماذا لا تكتب عن الموشاب والكيبوتس ؟ يتعرض له راشد شارحًا عن نظام التصاريح الذي عانى منه طويلاً وحال دون تحقيق ذلك:

    هل يمدح الأزهار من لم يدخل البستان؟

    وتتمثل روح السخرية أيضًا في جو قريته ، حيث يحصل الأعمى ( أبو رباب) على إنذار من ضريبة الدخل ، فهذا النظام لا يرعوي عن مطاردة حتى ضرير على لقمة عيشه:

    ولربما طعن التفاؤل خنجر مر الحساب
    انذار دائرة الضرائب للضرير (أبي رباب)

    روح السخرية في غزلياته:

    لعل العبث النابع من خفة ظل عند الشاعر نجده في كل قصيدة غزل، فعندما يطلب من قلبه أن يصوم عن هواها يجيبه القلب:

    وكيف يصوم فؤاد فتى
    وما أطعموه وما سحّروا
    إذا كان لا بد من أن أصوم
    فإني على قبلة أُفطر

    وهذه الفتاة التي يرى المقدسات على صدرها يطالبها بلفتة ذكية أن ترحل معه:

    وأن المسجد الأقصى أقيم على ربى صدرك فما لعجيبة الإسراء لا تأتي على فكرك ؟

    والشاعر يخاف على خازن جهنم- مالك- من مكر النساء:

    وأخاف ألا يوقد النيران يا ربي لهنه
    فاجعله يا رباه امرأة لتـأمن مكـرهنه

    فاستعمال الكلمات المقدسة والأجواء الدينية في معرض الحديث عن المرأة يحمل في جوانبه سخرية طريفة ..... وعندما تسأله إحداهن أ شاعر؟) يقول لها:

    ........خليه في سرحـــــــاته
    لو كان جدي في الحياة سألته
    أأحب جدتها قبيل وفاتــــــــه ؟

    ثم يستطرد في وصف الجو حتى يخلق لنا نوعًا من المفارقة:

    أشعار قيس أصبحت قرآنه
    فتلا لها تسعين من آياتــــه
    ورمى العمامة جانبًا متبرمًا
    وأحل قبعة على شعراته

    ثم يتدخل الشاعر ويخلص الحبيبة من بين يدي الجد المتهالك العاشق ... ويقول لنا:

    لولا هربت لزجّني في سجنه
    ولضم صاحبتي إلى زوجاته

    ولا نلومن الشاعر على هذا الحب الذي أخذ منه:

    قل لهذا القلب يصبحْ حجرا
    ثم لمني إن أنا أحببته

    ولا شك أن صورًا أخرى كثيرة فيها تتردد وفيها نوع من الدعابة كقوله:

    إنه معلم أربعين ثرثرة ، أو إنها نهبت ما ربحه من المطبعة ، أو يهزأ بها لأنها تسأله عن رقم صندوق البريد في القرية......

    الانفعال عند راشد حسين:

    لعل الانفعال أيضًا ظاهرة من ظواهر البساطة يقولها كأنها مسبة ، وهو بهذه الشتيمة ينال من الطغاة أكثر من مرة:

    وهوى الطغاة أذلة فأعزهم
    كلب وأكبرهم حمار ينهق

    وتتكرر أكثر في ديوانه الثاني على غرار:

    وتراجع الطاغي فخير رجاله
    جرو ينوح وثعلب يصطاد

    ومثل هذا الشعر يذكرنا بهجاء المتنبي لابن كيغلغ:

    وإذا أشار محدثُا فكأنه
    قرد يقهقه أو عجوز تلطم

    ويمتزج الانفعال بالسخرية لدى راشد:

    أضناكم داء السيادة فانثنت
    لتعالج السقماء يا (أسياد)
    جئتم إليها زائرين وقلتم
    لا ترهبونا إننا (رواد)
    يا أحمق الرواد حان رحيلكم
    فمع السلامة أيها (الرواد)

    ففي قوله " مع السلامة " طرد ، وفي تكرار " أيها الرواد" سخرية لاذعة، بالإضافة إلى وضع الكلمات بين أقواس ، فهذا من شأنه أن يلفت نظرنا إلى التهكم الذي عمد إليه.

    المفارقة والصورة:

    ألمحنا سابقًا إلى عامل المفارقة بأنه من أبرز دواعي السخرية عند الشاعر ، وتمثل أحيانًا بصورة قريبة إلى الكاريكاتير يرسمها الشاعر... يقول الشاعر على لسان وزير:

    وأنا الوزير
    لما انحنى البواب مرتعش الفؤاد لمقدمي
    صافحته وكأنني البواب وهو (معلمي)

    وأنا يطل علينا بصورة أخرى صوتية لا نملك إلا إن نتخيلها.... فالعم سلامة:

    الراء نون عنده رغم الخليل وسيبويه

    وسرد القصة الساخرة لا يقف أحيانًا عند لقطة أو ومضة ، بل يتعدى ذلك إلى القصيدة كلها - كما في (من شاب جريح إلى والده) و (قاضي الهوى) و (لغة الأفيون) ، وفي هذه القصيدة الأخيرة يخاطب الشاعر الفلاح الذي خُدع ثم صحا:

    قالوا لك الحقل المبارك والمزارع الغدير
    ولك الزهور الحالمات وما ملكن من العبير
    ولك اخضرار التين والزيتون والأمل الوفير
    ولك الحسان الحور في يوم القيامة والحرير
    أنت الشجاعة والقناعة.......أنت إنسان قدير
    اصبر فرزقك في السماء وفي السما رزق كثير

    وعلى هذا النسق يستمر الشاعر في السخرية من هؤلاء الإقطاعيين الذين يزينون الحياة للفلاح.

    مما تقدم نرى أن الشاعر يستعمل السخرية ، وقديمًا قيل )شر البلية ما يضحك) - يستعملها تنفيسًا وتعبيرًا عن مرارته. وتبرز هذه السخرية في المفارقات - أي بإظهار الصورة وعكسها ، ويطيل الصورة أحيانًا حتى ليكاد يقنعنا بأنه جاد في وصفه.

    إن الشاعر في وطنياته يخز ، وفي غزلياته يعبث ، وفي كلتيهما هو ماكر . أما في أدائه فهو يشبع الكلمة دلالة شعبية وصورة ذكية.

    *********************



    ضد

    ضد أن يجرح ثوار بلادي سنبلة

    ضد أن تدرس أختي عضلات البندقية

    ما الذي يصنعه حتى نبي أو نبية

    خيول القتلة

    ضد أن يثمر ألغاما فؤاد الشجرة

    ضد تحويل حياض الورد في أرضي

    ضد ما شئتم... ولكن

    ورفاقي

    ضد أن يثمر ألغاما فؤاد الشجرة

    ضد أن تصبح أغصان بساتيني مشانق

    ضد تحويل حياض الورد في أرضي

    مشانق

    ضد ما شئتم... ولكن

    بعد إحراق بلادي

    ورفاقي

    وشبابي

    *********************



    رسالة من المدينة

    وأذكُرُ أنَّكِ كُنْـتِ طَرِيَّـة

    وشاحاً على دَرْبِ رِيحٍ شقيةْ

    تلمّيـن معطفَـكِ الفستقي

    على كنـزِ قامَتِكِ الفستقيةْ

    وقلتُ أنا : مرحباً .. فالتفتِّ

    وأمطرتِ ثلجاً وناراً عَلَيَّـهْ

    وكانتْ رموشُ النجومِ بعيداً

    تُحاولُ جَرْحَ الغيـومِ العتيةْ

    وكنتِ بِحَرْبَـةِ رِمْشٍ طَرِيٍّ

    تُريدين جَرْحَ معاني التحيـةْ

    وَسِرْتِ بَعِيدَاً ورأسكِ نَحْوِي

    وفي النظراتِ معانٍ سخيـةْ

    وشوقٌ بعينيـكِ أنْ ترجعي

    كأشـواقِ لاجئةٍ يَافَوِيَّـةْ

    وأعلمُ أن الهوى هبَّ صدفـة

    كهبـة ريح على باب غرفـة

    وأن الشبـاب بغير غـرام

    كدارٍ من الماس من غير شرفة

    فليتك تدرين معنـى الربيع

    يُجَدِّل زهراً ليكرم صيفـه

    ومعنـى أصابـع رمانـةٍ

    ترفُّ على البرعم الطفل رفـة

    ومعنـى السحاب يريق دماه

    فيسقي الزهورَ ويصنع حتفـه

    لأدركتِ معنى وقوفي الطويل

    على باب دارك أول وقفـة

    وخلفتُ ريفي الذي تكرهين

    لأغرق نفسي بليل المدينـة

    هناك وجدتُ وحولَ الشتاءِ

    على صدرِها طينةً فوق طينةْ

    وينهبُ مَنْ شـاءَ ألوانَـها

    كنهبِ الخريفِ ستائرَ تينـةْ

    تَعَرَّتْ كماسورةٍ من زُجَاجٍ

    فألقيتُ فيها مُنَايَ الثمينـةْ

    وكنتِ بِمعطفِكِ الفستقـيّ

    تَسيرين عبرَ خيالي حزينـةْ

    قِطاراً من العِطْرِ مَاضٍ يقولُ :

    هبُونِـي مَحَطَّـةَ قلبٍ أمينةْ

    فأسألُ قلبِي : ألستَ أمينـاً

    فيهتف : داستْ عليَّ المدينـةْ

    هنا في المدينةِ تَمْشِي النِّعَالُ

    على كلماتِي .. على قِصَّتِـي

    هنا الكلماتُ بغيرِ معـانٍ

    توابيـتُ مَوْحُولَـةُ الجبهـةِ

    وفي كلِّ زاويةٍ ألفُ حُـبّ

    رَخِيصٍ كحاضريَ الْمَيِّـتِ

    لِماذا جَنَيْتِ عَلَـيَّ لِماذا

    رَمَيْتِ إلى وَحْلِهَا مُهْجَتِـي

    سَئِمْتُ المدينةَ .. قَلْبِي يَموتُ

    سآتِي إليـكِ .. إلى قَرْيَتِـي

    أُعَلِّـقُ قلبِـي على لَـوْزَةٍ

    فَوَانِيسُهَـا حُـرَّةُ الْمَنْبَـتِ

    أنا عائدٌ هل تُرى تَذْكُرين

    فتدرين ما السِّرُّ في عَوْدَتِـي

    *********************



    عكا والبحر

    الى الاصدقاء الذين عرفتهم عكا

    حلم الرعاة ورقصة الريحان و الارض الندية

    وسنابل القمح الخجولة في ملاءتها البهية

    ورحيق ازهاري, واحلام الشباب العسجدية

    هي كل ما عندي ... فهل ترضى بها عكا هدية

    يا حلوة البسمات يا عكا ! رو يدك يا طهورة!

    البحر قبل راحتيك , و جاء يسألك المشورة

    فهو الأمير أتاك يخطب ود قلبك يا اميرة

    رفقا به و بقلبه ! لا تجرحي أبدا شعوره!

    أرأيت سورك هازئا بالبحر لم يأبه لحبه

    حتى خرجت اليه أنت لتسمعي خلجات قلبه

    أم قد رفضت رجاءه , فخرجت ثائرة لحربه

    فبنيت أبياتا على كبد الرمال لقطع دربه؟

    اني لأخشى ان رفضت مشاعر البحر النبيلة

    ان ينثني كبرا ويخطب قلب جارتك الجميلة

    وجمال حيفا ان تكن نقضته نسبتك الاصيلة

    فثراؤها نسب يشرفها , ويكرمها فضيلة

    العفو يا عكا فما قولي سوى خطرات شاعر

    ما كنت سمسارا لحب البحر مأجور المشاعر

    فتقبلي من قريتي العزلاء رائحة الأزاهر

    و وداعة الأطفال طاهرة , و أغنية البيادر

    *********************



    بالأغاني

    بالأغاني حَرّروني.. بالأغاني

    رسموني بدمي القاني، على كلِّ المباني

    كتبوني.. لخّصوني

    وأذاعوا كلّ عمري وبلادي

    في ثوانِ

    ثم... لما اعتقلوني،

    بالأغاني اعتقلوني...

    بالأغاني

    كيف أصبحتُ أغاني

    كيف أصبحت شعاراتٍ على كلّ المباني

    كيفَ أصبحتُ عناوين جرائِدْ

    كيف أصبحتُ احتفالاتٍ على كلّ الموائدْ

    كيف صاروا سُفناً خائنةً

    وأنا صرتُ مواني

    كيف أصبحتُ أغاني

    بالأغاني حَرّروني

    بالأغاني اعتقلوني

    بالأغاني

    قائلُ الشعر مُغامرْ

    وأنا شِعرٌ

    وكلّ الناس في عَينيَّ شاعرْ

    جَرِّبوا أَْن تقتلوني

    أبداً لن تجدوني

    بأغانيَّ، أنا أقتل عرشاً

    وعلى ذوقي أنا، تمشي الأغاني

    فلتكنْ حرب أغاني

    بالأغاني/... سوفَ أغتالُ أغانيكم

    جميع الكذبِ فيكم

    بالأغاني

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:17 am


    الشاعرة ريتا عودة



    نبذة

    شاعرة وقاصّة فلسطينيّة
    من مواليد النـّاصرة
    حاصلة على شهادة اللقب الأول في اللغة الانجليزية والأدب المقارن

    صدر لها :
    ثورة على الصمت (قصائد نثرية) 1994
    مرايا الوهم (قصائد نثرية) 1998
    يوميات غجرية عاشقة (ومضات شعريـّة) 2001
    ومن لا يعرف ريتا (ومضات شعريـّة) 2003
    قبل الإختناق بدمعة ( أمواج دمعيّة )2004
    أبعد من أن تطالني يد( مجموعة قصصيّة ) قيد الطبع

    *********************



    خمس ُ لوحات ٍ لجنون ِ لحظة

    (1)

    أفـْـتــَقـِدُكَ

    وأشعرُ أنــّي بدأتُ أفقِدُ

    بَعـْضَ نَـبـْضَ إحساسي بكَ

    وأنـــَّكَ

    تتسربُ منَ الذ ّاكرة

    كما الرّمل

    فأتورط بالتفكير بكَ

    للتكفير عن

    غيابِ وشم ِ ملامـِحِكَ

    عن جسدِ الحُلم

    (2)

    أفـْـتــَقـِدُكَ

    وأكبــِتُ وَخــْزَ حنينـِي

    وأكتبُ جنونَ اللحظة

    رموزا هيلوغرافيــّة

    على جناحيّ سنونوة ٍعاشقة

    تحملها إليكَ

    وترحل

    تبحثُ لكَ عن عُنوان

    خلفَ الطرقات ِ المستحيلة

    والنوافذ المُوْصَدة

    وأنتظرْ ..

    أخشى أنْ ..

    تكونَ قـَدْ ..

    أسقــَطــْتَ جنينَ حُبــّي

    من رَحـِم ِ العاطفة

    (3)

    أفـْـتــَقـِدُكَ

    ويهزمــُنـــِي ضعفي

    وحاجتي إليكَ

    لتكونَ لي وطنـــًا

    يُهدينـــــي مساحاتــِهِ

    من جنوبــِها لشمالـِها

    ويدًا

    تأتينــــي كلَّ غروب ٍ

    بعِقــْدِ فــُلّ

    (4)

    أفـْـتــَقـِدُكَ

    وأجتهدُ أنْ

    أمحو بصماتِكَ

    عن خلايا شغفي بــِكَ

    فتنبعثُ ذبذباتُ صوتــِكَ

    من حضن ِ الماضي :

    " أ ح ِ بُّ كِ "

    لـِتــُبـَعـْـثـــِرَنــــِي

    " أحـِبـــُّــكِ "

    وتــُلــَمـْـلــِمـَنـــِي !

    (5)

    أفـْـتــَقـِدُكَ

    وأتأرجحُ هذي اللحظة

    ما بينَ لونــَيّ الفرح ِ والحُزن

    أستجديكَ وأدْعـُوكَ :

    تعالَ

    لتأتي معكَ ألوانُ الطـّيف

    ِ تعالَ

    لم نَعُدْ أنا وأنتَ

    خطــَّين ِ متوازيين

    نحنُ قلبان تائهان

    حولَ محور دائرة

    تعالَ

    لستَ حُـلمــًا

    أنتَ أكبرُ من كُلّ أحلامي

    لستَ لــُغتي

    أنتَ أكبرُ من كلِّ اللغاتِ

    تعالَ

    قد تكونُ المسافة ُ شاسعة

    ما بينَ حلمنــا والواقع

    مع ذلك

    ها أنا أمارسُ أولى الخطواتِ

    فتعالَ .. تعالَ .. تعالْ

    *********************



    فلسطين صرخة آخر الليل!!

    موجوعة هذي الحجارة

    في أيدي

    صغار العصافير

    موجوعة هذي الصخور

    من مناقيـــــر النسور

    موجوعة ظلالنــــُا

    على خريــــطة

    الصقور

    : ياأيها الوجع

    آن الأوان

    لاعلان

    هـُوية النـَّدى

    : ياأيها الوجع

    آن الأوان

    لعودة

    فقراء الفـــَرَاش

    المُــرهــَق

    من قهر الشتات

    آن الآوان

    لتنمو وتتكاثر النوارس

    على ضفافك

    يا فلسطين

    فأنت الحلم الأكبر

    المُلقى على

    كفة المَوازين

    وأنتِ الأخضر

    الممتدّ عبر قحط

    المـَعايير

    وأنتِ صـَرخةُ

    آخر الليل

    يا فلسطين!

    *********************



    ناديت

    ناديتُ .. ناديتُ

    لعلّكَ ترحم حُزني وآلامي

    لعلّكَ تُدركُ أنّي

    وحدي قادرةٌ على

    منحِكَ كلّ الدفء كلّ الحنان

    ناديتُ .. ناديتُ

    لعلّكَ يوما تتوقفُ عن

    مُطاردة فراشاتِ الحقل

    لعلّكَ يوما تكُفّ عن الرّكض

    فوقَ الطرق

    لعلّكَ تُدركُ وحدَكَ أنّكَ

    لا تزالُ وسوفَ تظلّ

    في بحث مُتواصل عنّي

    .. ناديت

    لم تسمعني إلا الرّيح

    لم يَسْكُنّي إلا المطر

    *********************



    الحقيقة والظل

    "الظل"

    في القلب فراشة

    صغيرة صغيرة

    منسيّة

    بينَ دفاتر صمتي

    تُرفرفُ تُرفرفُ

    داخلَ جُدران قلبي

    لتنفض عنه وعنّي

    غُبارَ العُزلة

    تتنقلُ باصرار

    بينَ مدن مللي

    لتُشعِلَ فيها

    كبرياء الثقة بالنفس

    تتمردّ تتمردّ

    على صمتي

    تثيرُ إرادتي

    تُضيءُ شمسَ ايجابيتي

    تزرعُ اشجارَ وُجودي

    " الحقيقة"

    أحاولُ رويدا رويدا

    فتحَ أبواب قلبي

    أحطّمُ شيئا فشيئا

    قضبانَ العُزلة

    وأخرُجُ عن حُزني

    بحثا عن

    حزن الإنسان الآخر

    أخرجُ عن صمتي

    وأنا أعلن بكبرياء

    ملء صوتي

    عن ميلادي أنا

    ك:

    "كيان"

    *********************



    مَدْخَل

    أسيرُ

    حول أسوار اللغة

    ثلاث عشرة مرّة

    فتسقط أسوار الكلمة

    وأبتدئ رحلتي

    عبر فيض النّور

    *********************



    ومضات متفرقة

    صرخة إعراب

    إلى متى

    يظلّ الإنسانُ الصادقُ

    ضميرا مستترا

    وتظلّ الأقزام

    المشبّهة بالأفعال

    تنصب وترفع

    ما تشاء

    !! .. متى تشاء

    *********

    علاقة

    اكتشفتُ

    أنّ بحرَ مشاعركَ

    مُعْرَب

    فتمنيتُ

    لو لم تكنْ

    علامة بنائي أنا

    السّكون

    *********

    توأم الرّوح

    كأنّني

    ولدتُ يوما توأما

    نصفُهُ الأوّل

    أنا

    ونصفُهُ الثّاني

    أنت

    *********

    همسة ماطرة

    حينما

    جاءني صوتُكَ

    دونما استئذان

    أحسستُ أنّني شجرة

    تستقبلُ عُصفورا

    جاء ببراءة

    ليبني عشّا

    على أغصانِها

    الخضراء

    *********

    حروف الأبجديّة

    نثرتَ

    داخلَ أتلام أفكاري

    ...بذورا

    ... بذورا

    وبعدَ المطر

    نمتْ على أوراقي

    أشجارٌ

    منَ الأبجديّة

    *********

    قيثارة صامتة

    حينَ تُبعثرُ

    دفء يديكَ

    على أوتار القيثارة

    تتمنى

    لو لم تُوْلد صامتة

    لتعرفَ كيفَ

    تُبادلُكَ

    هذا الحنين

    *********

    سندريلا

    تمنيتُ

    مرارا مرارا

    تمنيت

    لو أنّ حذائي

    يرتدّ عن قدمي

    سهوا

    ليتوهَ أميرٌ ما

    في رحلةٍ بحثِ مُضن

    عنّي

    *********

    زقزقة الهاتف

    أعتبُ عليك

    كيفَ يغمَضُ لكَ جَفن

    لتبحثَ عنّي

    داخل سراديب الخيال

    وصوتي يُعَشّش

    ! داخلَ أسلاكِ الهاتف

    *********

    وجع المَدى

    أمُدُّ يدي اليكَ

    فتبعثرُني الرّيح

    ويكويني

    صمتُ المدى

    أصُدُّ يدي عنكَ

    فيبكيني الهمسُ

    الجريحُ

    ويضيعُ صوتي

    والصّدى

    *********

    الوداع

    عندما

    غابَ وجهُكَ

    داخلَ الزقاق الطويل

    ...رويدا

    ... رويدا

    حسدتُ الزقاقَ

    لأنّهُ

    عانقَ ولو لحظة

    خُطواتِكَ المُهاجرة

    *********

    لماذا

    تقولُ وداعا

    أما كانَ بإمكانِكَ

    تجميلَ الفراق

    باحتمالِ لقاء..؟

    *********************



    اغتراب

    رماد سيجارة

    يعانق حضن منفضة

    ...وأنا

    خلف النافذة

    وحيدة

    اتلّهى بجريدة

    ذَوَتْ على شفتيها

    كلُّ الكلمات

    وشارع

    يحتلّهُ

    عويل ثرثرة

    وصدى خطوات

    *********************



    لقاء يتجدد

    نلتقي صُدفة

    تتفجّرُ براكينُ شوقي

    تُشرقُ شمسي

    يُشرقُ قمري

    تُسافرُ مراكبُ فَرَحي

    تُسافِرُ قطاراتُ عطري

    .. أتمنى لو

    أخبِرُكَ .. أن

    لا رجُلَ على الأرض سواك

    !... أتمنى

    تقولُ وداعا

    !.. وتترُكنِي رمادا

    *********************



    مرايا الوهم

    أما آنَ لي أن

    احرّرَ من قارورة العطر

    ... جسدي

    أحرّر من توابيت القبيلةِ

    ... وجعي

    أحرّر من مشنقة الغبَن

    ... عُنُقي

    ومن مرايا الوهم

    ... وجهي

    لأبحثَ عن صوتي

    في ثرثرة النّوارس

    لأمواج البحر

    وأرسم بطاقة كِياني

    في وشوشة الورق

    لأمواج الحبر ..!!

    *********************



    كلمة

    في البدء كانت :

    "كلمة"

    اقتحمتْ نوافذ وجودي

    كما الإعصار

    وفكّتْ أزرارَ مشاعري

    دونما اعتذار

    أيقظتْ نوارسَ أفكاري

    فانطلقتْ تُغرّدُ

    خلفَ أسوار جسدي

    كصفارّة إنذار

    منحتني تأشيرة دخول

    لمدن الدّهشة

    وأسرار الكتابة بالنّار

    غسلتني بصابون اللهفة

    وعمّدتني بعطر الإنتظار

    ثمّ...

    استراحتْ

    في اليوم الثامن

    *********************



    أنا امرأةٌ أخرى

    إلى الشاعر نزار قباني ردّا على قصيدة إلى امرأة لا تقرأ ولا تكتب

    أنا امرأة

    تقرأ وتكتب

    وتتذوّق سفرَ الكلمة

    فوق آفاق اللغة الثائرة

    ****

    أنا امرأةٌ أخرى

    مجبولة

    من طين الأرض

    مولودة

    من براكين التعب

    ووجع الأحلام

    التائهة

    ****

    قلبي أنا

    زورقُ كبرياء

    حينَ تشتدّ العاصفة

    قلبي أنا

    نداءٌ متواصل

    للقلوب الحائرة

    ****

    أيّا شاعر النساء

    في عصر الظلمة

    ألم تعلم بعد

    أنّي أنا

    أنا

    استثناء القاعدة

    *********************



    يوميّات غجريّة عاشقة

    همسة

    هذي جراحي َ

    فادخلوها َ

    آمنين

    **********

    وِلاَدَة

    كُلَّمَا

    كَتَبْتُ

    أُولَدُ

    مِنْ

    جَدِيدٍ

    **********

    اعتراف

    عَاشِقَةٌ أَنَا

    لاَ لِرَجُلٍ مَا

    إِنَّمَا

    لكلِّ مَفَاتِنِ

    اللُغَةِ

    **********

    ذَاكِرَةُ الْقصِيدَة

    أَتَقَلَّبُ

    عَلَى جَمْرِ الْقَصِيدَة

    أُقَلِّبُ أَلْبُومَ الرُّوح

    فَتَنْقَلِبُ قَارُورَةُ الْقَلْب

    لِيَتَدَفَّقَ الْحُلُمُ

    عَلَى الْوَرَق

    **********

    فَوْضَى الذَّاكِرَة

    أُبَ عْ ثِ رُ

    أَوْرَاقَي بِفَوْضَى

    وَأَسْتَلُّ مَا أَشَاءُ

    مِنْ جِرَاحِي

    لأُعَمِّدَ الذَّاكِرَة

    بِحنان حُضُورِكَ

    الْمُقَدَّس

    **********

    دُمُوع الْقَصِيدَة

    لاَ تَغْتَسِلْ

    بِمَطَرِ حُزْنِي

    كَيْ لاَ تُصَابَ فِي

    لَحْظَةِ احْتِرَاقْ

    بِعَدْوَى الْكِتَابَة

    مِنْ عمقِ الأَعْمَاقْ

    **********

    مملكة الحلم

    خَيَالٌ

    لاَ شِفَاءَ مِنْهُ

    يَظَلُّ يُلْبِسُنِي

    غَارَ الْكَلِمَات

    **********

    فَضْفَضَة

    أَحْلُمُ لِكَيْ أَحْيَا

    أَحْيَا لِكَيْ أُحِبَّ

    أُحِبُّ لِكَيْ

    أَزْدَادَ إِنْسَانِيَّةً

    أَزْدَادُ إِنْسَانِيَّةً

    لِكَيْ تُحِبَّنِي أَكْثَر

    **********

    مَدِينَةُ الأَحْلاَم

    أَسْبَحُ فِي بَحْرِ الْكَلِمَات

    كَسَمَكَة

    أَصْطَادُ فَيْرُوزَ اللُّغَة

    وَلاَ تَصْطَادُنِي

    صِنَّارَةُ الضَّجَر

    **********

    أُسْطُورَة

    أَسْدَلْتُ حُلُمي

    فَزَلَّ قَلْبُ فَارِسِي

    وَتَسَلَّقَ جُدْرَانَ حُزْنِي

    بِلَهْفَةٍ.. بِشَغَفٍ

    لِيَفُكَّ أَسْرِي وَيَتَعَثَّرَ بِحُبِّي

    **********

    زَخَّةُ حُبّ

    بَلَّلَتْنِي زَخَّةُ حُبِّكَ الْمُفَاجِئ

    وَأَنَا أَتَسَفَّع

    عَلَى شَاطِئِ اللَّهْفَة

    تَغَلْغَلَتْ

    فِي دَوْرَتِي النَّفْسِيَّة

    وَصَارَ حُبُّك

    حَالَةً مُزْمِنَة

    **********

    أجنحة الحلم

    لاَ تَدْخُلْ قَفَصَ قَلْبِي

    كَطَائِرٍ أَلِيف

    كُنْ حُرًّا حُرًّا

    طِرْ عَالِيًا عَالِيًا

    لأَنِّي هكَذَا فَقَطْ

    مُمْكِنٌ أَنْ أَعْشقك

    **********

    عقَارِبُ الْقَلْب

    إِنَّهَا الثَّالِثَةُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ الْحُبّ

    وَقَلْبِي قُنْبُلَةٌ مَوْقُوتَة

    لاَ أَقْوَى عَلَى إِبْطَالِ مَفْعُولِهَا

    مَا زِلْتُ ثَمِلَةً مُنْذُ الْبَارِحَة

    مُنْذُ احْتَسَيْتُ نَبِيذَ انْبِهَارِي بِكْ

    حَتَّى آخِرِ قَطْرَة

    **********

    خَاتَمُ الشِّعْر

    لِنَزْرَعَ حُبَّنَا جَنِينًا

    فِي رَحِمِ الرُّوح

    كَيْ نُؤَثِّثَ مَعًا

    شِقَّةَ الْحُلُم

    وَنْسْبُكَ خَاتَمَ الشِّعْر

    وَنُوَزِّعَ عَلَى القُرَّاء

    بِطَاقَاتِ فَرَح

    **********

    حَبِيبَتُه

    أَغَارُ مِنْ أَشْعَارِي

    لأَنَّهَا تَسْكُنُ عَيْنِيْك

    دُونَمَا تَأْشِيرَةِ دُخُولٍ

    تُدَاعِبُ رُوحَكَ وَيَدَيْك

    تَغْفُو كَقِطَّةٍ

    عَلَى وِسَادَةِ قَلْبِك

    تَتَدَثَّرُ بِأَحْلاَمِك

    فَتَنْسَانِي

    **********

    شَبَكَةٌ الرُّوح

    مُخْتَالاً تَأْتِي

    كَمَا الشِّبْلُ

    تَدْخُلُ شَبَكَةَ الرّوحِ

    تَطْلُبُ أَنْ أَصْطَادَك

    وَقَدْ تَمَّ اصْطِيَادُنَا

    فِي شَبَكَةِ الْحَيَاةِ

    !!.. حَبِيبِي

    **********

    زَوَاجٌ رُوحِيّ

    أُعْلِنُنَا

    رَجُلاً وَامْرَأَةً

    أَمَامَ مِحْرَابِ الْعَاطِفَة

    فِي السَّرَّاءِ وَفِي الضَّرَّاء

    نُبْحِرُ فِي زَوْرَقِ الْحُبِّ

    يَدًا بِيَد

    نَسْتَقِلُّ قِطَارَ الرُّوحِ

    قَلْبًا بِقَلْب

    أَطْفَالُنَا أَشْعَارُنَا

    :شِعَارُنَا

    اصْطِيَادُ أَشِعَّةِ الحلم

    الآنَ

    وَكُلَّ آن

    آمِين

    **********

    إِخْتِنَاق

    أُجَفِّفُ كَلِمَاتِك

    بَيْنَ أَوْرَاقِ

    حَوَاسِيَّ الْخَمْس

    عَلَّهَا تُرَوِّينِي

    كُلَّمَا قَهَرَنِي

    العَطَش

    وَازْدَادَ شَوْقِي

    إِلَى الْهَوَاءِ

    **********

    عَلاَقَة

    كَخَطَّيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ الْتَقَيْنَا

    وَكَانَ لِقَاءُ الصَّيْفِ بِالشِّتَاء

    كَمُثَلَّثٍ مُنْفَرِجِ الزَّوَايَا افْتَرَقْنَا

    وَكَانَ الأَلَمُ غَانِيَةً سَمْرَاء

    تَرْقُصُ بِحُرْقَةٍ فِي دَائِرَةٍ

    مِنَ دُمُوعٍ عَلَى أَمَلِ لِقَاء

    **********

    أَنْتَ أَمِ الْقَصِيدَة

    لَطَالَمَا

    لاَحَقْتُ خُطُوَاتِ رَجُلٍ مَا

    بِصِنَّارَتِي

    لاصْطِيَادِ قَصِيدَةٍ مَا

    وَحِينَ أَحْبَبْتُ

    صَارَتِ الْقَصِيدَةُ

    تَصْطَادُ ضَعْفِي

    وَتَصْطَادُ قُوَّتِي

    **********

    صَمْتٌ قَاتِل

    بَكَى الْعُصْفُورُ

    وَنَاحَ

    أَمَّا الشَّجَرَة

    فَظَلَّتْ صَامِتَة

    **********

    مَحْلُولُ الرُّعْب

    بَعْضُ الْقُلُوبِ مَغَائِرُ رُعْبٍ

    تَدْخُلُهَا مَرَّةً وَمَرَّة

    بِفَرَحِ اكْتِشَافِ خَبَايَاهَا

    وَتُغَادِرُهَا مَذْعُورًا

    مُشْبَعًا بِمَحْلُولِ رُعْبٍ

    مُكَوَّنٍ

    مِنْ ذَرَّةِ أُكْسِيدِ مَكَائِد

    وَذَرَّتَيْ ثَانِيَ أُكْسِيدِ دَسَائِس

    **********

    حَظْرُ تَجَوُّل

    تَسَلَّلْتُ بِحُرِيَّة

    إِلَى مَدِينَةِ أَفْكَارِك

    فَاسْتَوْقَفَنِي جُنْدِيٌّ عَابِر

    عَلَى بَوَّابَةِ أَسْرَارِك

    ! "وَصَرَخَ: "هُوِيَّة

    وَحِينَ أَدْرَكَ أَنِّي عَرَبِيَّة

    صَادَرَ أَحْلاَمِي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:19 am



    مَنْ أنْتَ..؟

    أيُّهَا الْوَجْهُ الْغَجَريُّ َ

    الصَّاعِدُ مِنْ ضَبَاب ِ الْحُلُمْ

    تَقْرَعُ بَابَ الأمَلْ

    تُبَاغِتُنــِي

    وَأنـَا أتَثَاءَبُ

    فَوْقَ وسَادَةِ الضَّجَرْ

    تَخْلَعُ حُزْنَكَ الْقَديم

    عَلَى أعْتـَاب ِ انْتِظَاري

    وَتَنـْتـَظـِرُ

    شُرُوقَ الْقَمـَرْ

    تُرَاودُنـِي عَنْ احْتِضَاري

    بـِسـَلام ٍ فـَيــْروزيٍّ

    واحْتِمَالاتِ قُبَلْ

    قـُلْ لِي

    قَبْلَ أنْ تَعْشَقَ زَهْرَ اللَّيْمُون ِ

    قَلْ يَا تَوْأم حُلُمـِي

    الْمُشْبَع ِ بــِرَائـِحَةِ الْبَحْرْ

    مَــنْ أنــْتَ...!!


    *********************



    رؤيا

    قَطْرَةٌ

    وَقَطْرَةٌ

    وَقَطْرَةٌ

    تَتَسَاقَطُ مِنَ الْمِحْبَرَة

    يَنْهَضُ الْحُلُم

    فَيُشْعِلُ

    مِصْبَاحَ الرُّوح

    صَبَاحٌ

    مَسَاءٌ

    وَلَيْلٌ

    يَمُرُّ

    وَأَنَا هُنَا وَهُنَاك

    أَنْظُرُ وَأَنْتَظِرُ

    وَلاَ يَأْتِي وَلاَ

    أَحَد

    فَتَهْوِي فِي نَبَضِي

    اللَّهْفَة


    *********************



    2- ومضاتٌ متفرقة

    تـَحْذيــِر

    : قـِيـِلَ

    " أعْذَبُ الشِّعـْرِ أكْذَبـُهُ "

    : وَأقُولُ

    بَريئــةٌ أنــَا "

    " مِن نــَزيـِفِ حِبــْري

    ********

    لصوصيّة

    الحياةُ قنديلٌ

    لكن

    من سرقَ زيته



    ********

    مَكِيدَة

    أصْعَبُ الَقصَائِد

    تلْكَ الّتي تُداهمُِكَ

    أثْنــَاَء الـ...

    فَتَحْتــَار

    أيُهُمَا َتخْتـــَار

    ********

    شِيزُوفْرينْيـــَا

    قَرَنْفُلَةً مَزْهُوَّةً

    بــِشَمْسِهَا

    كَانـــَتْ

    .. قَطَفَهَا

    وَعَلى رَفٍّ مـــَا

    في مَنْزلٍ نــــَاء

    .. خَلَّفَهـــــَا

    مِنْ غَيْر مـــَا

    مـــَاء

    وَإلَى الآنْ هِيَ

    أنــــــَا

    ********

    رسالة

    لَقَدِ اقْتـَرَفـْتَ

    جـَريـمـَتـَكَ الأخِيـرَة

    بحَقِّ قـَلبـِي

    فَأرْدَيــْتــَنــِي

    صــَديــِقــَة

    ********

    إنسـِجَـام

    أنا الخُطْوَة

    أنـْتَ الطـَّريق

    ********

    حُلُم عَلَى مُفْتَرَقِ القَصِيدَة

    :كَذَبَ مَنْ قَال

    الــطّيُورُ عَلَى أشْكَالِهَا"

    " تَــــقَعُ

    ها أنـَا، مَا أنـْتَ

    طَائـِران تـَوْأمـَان

    لـَمْ نَــــقـــَع

    يـوْمــًا فِـي جُـــبّ

    حَلّقْنـــــــــَا

    فِي فَـضَـاءِ الكِتَـابــَة

    تـُطـْعِـمـُنـِي حَبــّةَ قـَمْـح ٍ

    أطْعِـمُـكَ حَبَّات ٍ وَحَبَّاتْ

    بــِمُنْـتـــَهَى

    الـحَــبّ

    ********

    هَنـْدَسـَة

    إلـْتـَقـَيْنـَا

    فَصـَارَ حـُبـًّا

    قـَائـِم

    الزَّاوِيــَة

    مُتـَسـَاوي

    الأَضـْلاَع

    ********

    خَـاتَـمُ الشِّعْر

    لِنَزْرَعَ حُبَّنَا

    جَنِينًا فِي رَحِمِ الرُّوح

    كَيْ نُؤَثِّثَ مَعًا شِقَّةَ الْحُلُم

    وَنْسـْبـُكَ خـَاتَمَ الشِّــعْر

    وَنــُوَزِّعَ عَلَى القُــرَّاء

    بــِطـَاقَــاتِ الفَـرَح

    ********

    أيَجُوزُ عُبُور النّهْر مَرّتَيْن؟

    قُلْتُ لَكَ

    قَدْ تَعُودُ مَسَاءً

    مُشْتَاقًا

    مُلْتَاعًا

    فَأكُونُ أنـَا

    وَلا تَكُونُ القَصِيدَة

    وَحينَ عُدْتَ

    كَانَت القَصِيدَة

    وَلَمْ أكُنْ أنـَا

    أنـَا

    ********

    بَيْضَاء كَالثّلْج

    تَمْتَّدُ يَدٌّ عَبْرَ الْمِرآة

    تُكَفْكِفُ الْعَبَرَاتِ

    التِّي بَلَّلَتْ زُجَاجَهَا

    وَتَنْقِشُ عَلَى جَبيـنِهَا

    رُمُوزًا مَا

    مِنْ شَاعِر مَفـْتـُون

    ********

    لا أمْلِكُ إلا أن أحْلُـم

    أعـْرِفُ أنَّ القـَلبَ

    سَيـَتـْعـَبْ

    وَأنَّ الغـُروُبَ يَقـْتَـرِبُ

    يَقـْتَرِبْ

    مِنْ شـَظـَايَا الـحُلـم

    المُغـلـَقْ

    لكنّي لا أمْلِكُ أمَلا

    إلا أنْ أحْلُــُمْ

    أنـِّي بـِحُـبّ مَـلائـِكِــي

    ســَأغْـرَقُ إنْ يَومـًا أغـْ....رَقْ

    فالسّاكِتُ عن الحُلمِ

    يا أنا

    أحْمَقْ

    ********

    ضَرْبــَةُ جَزَاء

    أمْس ِ

    تَسَلَّلْتَ بــِشَقَاوَةٍ

    إلَى مَلْعَبِ أ َفْكَاري

    غَافـَلْتَ حَارسَ الْمَرْمَى

    وَسَدَّدْتَ حُلُمًـا

    إلَى شَبَكَةِ مَشَاعِري

    فـَصَفَّقَ قـَلْبـِي بـِجُنُون

    أمَّـا عَقْلِي

    فَشَهَرَ فِي وَجْهــِكَ

    بــِطـَاقـَة ً حَمـْرَاء

    ********

    الوَجـْهُ الآخـَرُ للحُـبّ

    أَعْشـَقُ

    فَتـَتـَوَهَجُ القـَصـِيدَة

    ********

    أَيـْنَ المَفـَرّ ؟

    أَسـْتـَقـِلُّ القـِطـَارَ

    وَأُسـَافـِرُ فـِي رِحـْلـَةِ

    نـَقـَاهـَةٍ مـِنْ قـَدَرِكَ

    فـَأَجـِدُكَ وَقَد

    شَـغـَلتَ المـَقـْعـَدَ الشـَّاغـِر

    فـِي قـَلْبـِي

    وَفـَي يـَدِكَ تـَذْكـَرَة

    بـِاتجـَاهٍ وَاحـِد

    ********

    لـَنْ أرْحـَلَ عـَنْكَ

    حِيـِنَ تـُقـْلِعُ بـِي

    الطـَّائـِرَة

    بـَعـِيدًا عـَنْ مـَطـَارِ حـُبِّكَ

    سـَأُتـَوِجـُكَ مـَلـِكـًا

    عَلـَى عـَرْشِ كُلِّ قـَصـِيـدَة

    جـَديـِدَة

    ********

    حـُبّ مـُفَـخَخّ

    كُنْتَ كَمـَا السّيَارَة

    المُفَخَخّة أمَامَ شُرْفــَة

    فَحِـينَ دَنَــــوْتُ

    لأتَحَسَسَ نَبْضَ حُلمِكَ

    انْفَجَرَتْ

    وَكَانَ مَوْتـِي أنِّـي

    كُنْتُ شّاهِدَةَ العَيَانِ

    الوَحِيــدَة

    عـَلَى نَـصّ غــَدْركَ

    ********

    إصـْرَار

    وُلـِدْتُ

    دَاخِلَ قِطَارٍ مُسَافـِرٍ

    مُنـْذُ الشَهْقـَة الأُولـَى

    نـَحـْوَ الحـُلُم

    وَقَد مَلـَّتِ المـَحـَطَّاتُ

    صـَبـْري

    وَطـُولَ انْتـِظـَاري

    ********

    عَلَى قَارعـَةِ الْحـُلم

    وَقَفْنــَا عَلَى بَابِ الْحُلُم ِ

    دُونَـمـَا رُخْصَة

    بُولِيصَةِِ تَأمِين ٍ وَأحْزمــَة

    فاسْتَوقَفَنــَا شُرطِيُّ مُرُور

    وَحَرََّرَ لَنــَا مُخَالَفـَة

    جَرّاءَ حُلْم مُجْهـَض

    عَلَى الْقَارعـَة

    ********

    تَعَاقُبِ الْفُصُول

    أيُّهَا الرَّبـيــع الذِّي

    سَيَسْكُنُنِي

    حَتَّى أقْصَى الْغُرُوب

    لا تَغـْرُب

    لأنَّكَ حِينَ تَعُود

    لَنْ أكُون

    ********

    حِوَارُ الخَرَائِب

    ماذا تَقُولُ شَجَرَةُ الزَّيْتُون

    لِحِجَارَة المَنْزل التِّي تَتَسَاقَطُ

    عَلَى غُـصـُونـِهـَا

    وَهِيَ تُوَاجِهُ إبَادَةً قَصْريَّة !؟

    ********

    هَامِش

    تُهْمَتـــُكَ أنــَّكَ

    قَد تُشْبــِهُنــِي

    تـُهـْمـَتـِـي

    أنّي لا أُشْبـِهُ نَفْسـِي


    *********************



    مـَرَايـَـا

    نَظـَرَ الأوّلُ

    فـِي عَيـْنَي إمـْرَأة

    رَأى مِرْآةً عَكَسَتْ ذَاتـَهُ

    "!قَالَ: " أنْتِ إمـْرَأةٌ فَاتِـنَة

    نَظَرَ الثّانِي

    فِي عَيْنَيّ ذَات ِ الْمَرْأة

    رَأى مَا رَآهُ الأوّلُ

    حِينَ عَكَسَتِ المِرْآ ة ذَاتـَهُ

    "!! فَقَالَ: " كَمْ أنـْتِ إمـْرَأةٌ مَاكِرَة

    نَظَرَ الثّالِثُ فِي عَيـْنَيّ تِلْكَ المَرْأة

    رَأى مَا لَمْ يـَرَهُ الأوّلُ وَلا الثّانـِي

    حِينَ نـَزَفَتِ المَرْأةُ المَوْجَ

    مِنْ مَرَايــَـا عَيـْنـَيـْهـَا

    فـَهـَتـَفَ: " أيتـُهَا المَرْأة

    كَمْ أنْتِ عَذْبـَة!!

    "! ..وَكَمـَا البَحْر.. حَالـِمَة


    *********************



    أأنــَا أنـَا

    أحـَاولُ

    .. أنْ أصـْعـَدَ.. أصـْعـَدَ

    فَأسْقُطَ

    فـَوْقَ مَقْعَد ٍ مُقْعَد ٍ

    دَاخِل عَتْمَةِ حَوَاسّي

    : أرَاقـِبُ حـَرَكـَةَ ذَاتــِي

    ! .. أأنـَا .. أنـَا

    أمْ أنـَا.. لا تَسْتـَقِرُّ عَلَى.. أنـَا

    أمْ لَحْظَةَ إدْرَاكِي لِكَنْهـِي

    تَسـْتـَقِيــلُ أنــَا مِنَ الأنـَا

    وَأعُودُ مـُنـْهـَكـَةً

    أنـَا تـِلْوَ أنـَا

    أنـَا تـِلْوَ أنـَا

    وَيـُعـَاودُنـِي

    القُنُوط

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:24 am

    وَجْهٌ لِلأمَل ِ وَآخـَر

    هِيَ نـِـهـَايـَة:

    فِي الثّانـِيـَةِ عَشْر لـَيـْلا

    حِينَ كَانَتْ كُلّ النّقَاط ِ فَوْقَ الحُرُوف ِ

    أتـَى الوَجْهُ الذّي اعْتـَادَتْ أنْ تـَرَاهُ

    قـَرّرَتْ أنْ تـُحَدّقَ فِي مـَخـَالـِبـِهِ

    زَادَ النـّـزيـِفُ.. زَادَ.. زَادَ

    وَفـَرّ هُوَ بـَاحـِثـًا عَنْ آخَرَ يـَسْكُنـُهُ..

    ظَلّتْ تـُرَاقـِبـُهُ

    إلَى أنْ أتَى الوَجْهُ الآخـَرُ لـَهُ

    وَرَاحَ يـُحَررّ

    كُلّ النـّقَاط ِ عَنْ كُلّ الحـُرُوف ِ

    فِيـمـَا يـُقـَاربُ الثـّانـِيـَةَ عَشَر لَيـْلا

    حِينَ رَأتْ أنْ تـِلْكَ

    هِيَ بـِدَايـــَة

    *********************



    وَمـَنْ لا يعرفُ ريتــا

    ريتــــا

    زَيتــُونـَة شـَهـِيـَّة

    نـَاحـَتْ

    مـَخـَاضـًا خـَلـْفَ مـَخـَاضٍ

    عـَبْرَ عـُصـُورِ الصـَّمـْتِ الفـَاضـِح

    :وَحْدَهــــــَا

    تَحَــدَّت عـَذَابَ المـِقـْصـَلـَة

    :وَحْدَهــــــَا

    تحـَدَّتْ ضـَبـَابَ المـَرْحـَلـَة

    :وَحْدَهــــــَا

    نـَادَتْ كُلَّ فـِئـَاتِ الطـُّيُورِ التـِّي

    رَحـَلــَتْ

    لَحـْظـَةَ حـَرَثَ البــُلـْدُوزَرُ أرْضَهـَا

    عـِرْ ضـَهـَا

    :وَحْدَهــــــَا

    مَـدَّتْ أشـْلاءَ جـُذُورِهـــَا

    فـِي التـُّرْبــَة الخـصـْبـَة

    فـَانـْتــَفـَضـَــــــتْ

    الأرْضُ شُـمـُوخـًا وَعـِزَة

    :وَحْدَهــــــَا

    رَفَـعـْتْ حـِمــْلـَهـَا

    حُــلــْمــَهــَا

    عَلـَى كـَتـِفَـيّ كُلِّ القَضـِيـَّة

    وَلَم تَـــرَ عـَيـــْن

    وَلَم تَـسـْمـَعْ أُذُن

    وَلَمْ يَعــْرفْ أحــَدْ

    مَـن هــِيَ ريتـــــا

    (هـَل عـــَرَفَ أَحــــــَد؟)

    *********************



    دَوّامـــــَة

    وَعَــدْتَــنـِـي

    بــِصَدَاقـَة غـَلـِيـظـَة

    وَغِـبـْتَ

    فَـكَــانَ غـِيـَابـُكَ

    أغْـلَظَ من هـذي الصّدَاقـَة

    ثمّ عُـدْتَ

    تَــسْتـَجْدي حَريرَ العَلاقَـة

    : فَقـُلـتُ

    أتَسْـألـُـنِي عَن ِ الغِيــَابِ)

    وأنــْتَ

    مَنْ مــَزَجْـتَ عَنــَاصِـرَهُ

    : حين قُـلْـتَ

    أنّ المخبـرينَ وَجـَدُوا ريــتـَا

    (! "مَيـّتـةً في قـَلبــِكَ "

    وَجَــلَسْــتَ

    تَــتَــأمَلُ ثـَاني أكْسـِــيـد الغـِيـَاب

    النـَاتِـج عـَن

    كيــمـيــَاء مَا قُـلْـتَ حـينَ مَـزَجْـتَ مَا مَـزَجْـتَ

    وَغِـبْــــــــــــــــــــــــتَ

    ثُمَّ عـــــــــــــــــُدْتَ

    تـَتـــَربـَصُ ثـَانــيـَةً بـِطُـيـُور الصّــدَاقـَة

    التّي لمـَّا تُـحَلّق في فَـضـَاء هذي العـَلاقَـة

    وَغِـــــــــــــبْــــتَ

    ثُمّ عُــــــــــــــدْتَ

    ثُمّ غِـبْــــــتَ

    ثُمّ عُــــدْتَ

    ثُمّ

    ثُمّ

    ثُمّ

    .

    .

    .

    *********************



    المُعَادَلاتُ الصَّعْبـَة في العِشْق

    لَو افـْتَرَضـْنـَا أنـّنـَا

    قَد قَسَّمـْنـَا مَسـَافـَةَ

    سـُهُولِ عِشْق غَجـَري

    ÷

    سُرعـَةِ غـَدْر بَـدَوي

    لكـانَ النـَّاتـِجُ

    " زَمـَنَ العَلاقــَة "

    وَلَو افـْتـَرَضـْنـَا أنـَّنـَـا

    ضـَرَبنـَـا سـُرْعـةَ النِفـَاق

    X

    زَمــَنِ العـَلاقــَة

    يَكونُ النـَّاتـــِجُ

    مَســـَافـَة

    بَل

    مَسَافـــَات

    مـَا فـَاتــَه مـِن حـَريــِر العـَلاقـَة

    بَعْدَ أوجـــــَاع الفُـرَاق

    *********************



    ؟؟؟؟؟!

    أضَعُ اللَّوْنَ عَلَى اللَّوْنِ

    عَلَى اللّوْحــَة

    أضَعُ الْخَطَّ عَلَى الْخَطِ

    أبْحَثُ لَهُ عَنْ هَيـْئــَة

    أرْســـُمـُهُ سَمَـــــاءً

    مـــَاءً .. هـــَوَاءً

    يَمْتَزجُ الأحْمـَرُ بالأزْرَقْ

    تَتَأوَهُ باقي الألوان

    عَبـَثًا ..تَتَذَمَرّ ُ..تَتَلَوَى

    أتـــْرُكُهـَا تَـــجـــِف ُّ

    وَأعـــود ُ

    أطِـــلُّ عَلَى عَالـــَمــِهَا بــِحُرْقــَة

    فَتـــُطلُّ عَليّ

    بــِعَلامَةِ تـــَعَــجُبّ خَضــــــْرَاءْ !

    وخَمْسُ عَلامــَاتِ اسْتِفــــْهَام

    صَـــــفـــْرَاء ؟؟؟؟؟

    *********************



    أحبــّكَ إلى ما بعـد الحُلـم

    1

    أصنعُ من حـُلمي

    لحظة

    بينَ أحبـــُّكَ ولا أحبــُّكَ

    كي أحبـــــّكَ

    أبعدَ

    من كلِّ احتمالات

    كهذا انفجار

    2

    أصنعُ من حـُلمي

    مشهدًا

    كي أحبـــــّكَ

    حروفــًا , نقاطـًا

    وفواصلا

    و أحبـــــّكَ

    فصلا ًفصلا

    إلى ما بعد إسدال ِ

    الســــِتار

    3

    أصنعُ من حـُلمي

    قنديلا

    كي أحبـــــّكَ نورًا

    ينتشلُ عويلَ ظلــِّي

    عن ظـــَلام ِ الجدار

    4

    أصنعُ من حـُلمي

    يــَدًا

    تمتــــــَدُّ

    عــَبـــْرَ المـــَدَى

    تصيـــرُ لبـــَردي

    نــارًا

    ولمنفاكَ

    وطنــًا وديــار

    5

    أصنعُ من حـُلمي

    ظلا

    يــَتـْـبــَعــُنــــِي

    لا يــُتـــْعــِبـــُنــي

    ولا يــَتـــْعــب

    حتـــّى لو

    تمطــَّى انتظارٌ

    أو تثاءبَ حــِصـَار

    6

    أصنعُ من حـُلمي

    لحنـــًا

    وأ ُنـــصـــِتُ ..

    لأحبـــَّكَ همســــًا

    بعدما

    ضجَّ بكَ الفــِكــْرُ

    ليلَ ..نــَهــَار

    7

    أصنعُ من حـُلمي

    ســُنبــلة

    أقطفــُهــَا وأُخفيها

    بينَ ضفتيّ دفتـــر

    كي لا

    تحسدني عليها عينٌ

    ولا يــَطالــُها

    مــِنـْــقــَار

    8

    أصنعُ من حـُلمي

    خمرًا

    وأحبـــُّكَ ماض ٍ ,

    مضارع

    وأمــْرًا

    فـَقــَدْ يأتي

    الــغــَدُ

    دون أن يأتــي

    بالمزيد والمزيد

    من حكايا شهرزاد

    لشهريار

    9

    أصنعُ من حـُلمي

    حـُلــمــًا آخــَرَ

    كي أحبـــــّكَ

    إلى ما بعدَ ما

    سيأتي به الحلم

    من انبهار

    أو انكســـَار

    *********************



    يحـِــقّ لي كلّ ما يحِــقّ لكم

    (1)

    يحـِــقّ لي

    أنْ أوقــِدَ القصيدة

    بقليل ٍ منَ الحـُبّ

    وكثير ٍ منَ الحـُلم

    فأبجديتــي

    قابلة ٌ دوما

    للألقْ

    (2)

    يحـِــقّ لي

    أن أستعيرَ

    من صغار العصافير

    أحلامها

    كي أغرّدَ

    فألف زغرودة

    تروادني

    على أوردة من وَرَقْ

    (3)

    يحـِــقّ لي أن أموتَ

    وأنبعثَ من رماد

    ِ الحــُبّ

    لأغــرقَ وأغـرقَ

    وأعشقَ

    رقــّة َ الغـَرَقْ

    (4)

    يحـِــقّ لي

    أن أعيشَ شيهانة

    حينَ ثلاثــــًا

    تــُنكرنــي

    القبيــــــلة

    وتــُرديني قتيـــلة

    القلق , الأرق

    (5)

    يحـِــقّ لي أن أهوي

    في اغراءات ِ

    الشــَفــَق

    لأرى

    فعيني الثالثة

    قلم ٌ نــَزقٌ

    يهوَى

    فــَضَّ بياض

    الحبر

    ليفيضَ البحرُ

    نوارســـًا

    تـُسبّحُ ربَّ

    الفــَـلـَق

    (6)

    يحـِــقّ لي كلّ ما يحقّ

    للشعراء

    ولا يحقّ لغيرهم

    من بهاء النبوؤة

    من مطلع القصيدة

    وحتــّى آخر رَمَق

    *********************



    3- ومضات متفرّقة

    صمــت

    لـنصمتَ قليلا

    لنـُنـْصتَ طويلا

    :هاهـُم

    إنَّّ

    وأنّ

    وليتَ

    ولعلّ

    يهرولون إلينـــا

    ونحن

    وحيدان وحيدان

    *********

    تــوأم الحــُلـــُم

    أشتهي أن تظلَّ حلما

    كي لا أفقدك

    ولا أدري لمَ كلَّما

    لمحتُ عاشـِقـَيـْن ِ

    أفـتـَقـِدُك

    *********

    أمـــَل ٌ رَمـْـلــِيّ

    منذ تـوقدَ حلمُنــا

    ونحن نكدّسُ أكياسَ الرّمل

    ِ على أبوابهِ والنـَّوافذ

    كم منَ الرّمل ِ

    بقيَ في صحاري

    الـكوْن ..!؟

    *********

    انتمـــَاء

    قدرُكَ أن تكونَ مبتدأ

    وقدري أن أكونَ لكَ خبرًا

    وقدرُنــــَا

    ألا ّ نكون َ يومًا معًا

    في جملة ٍ مفيـــدة

    *********

    إلهام

    ذهبتُ للبحر لم أجد حورية ً

    ذهبتُ للحقل لم أجد قمحا

    ذهبتُ إلى القصيدة

    : وجدتكَ أنتَ

    بحرًا وحقلا

    *********

    ازدواجيــّة

    التجـأتُ لكفـِّكَ

    عـَدوًا خلفَ

    قمح ِ حـَنـَان ٍ

    فاكتشفتُ أنّها

    قادرة ٌ

    أيضـًا على الصَّـفع ِ

    *********

    إختنــَاق

    أمْـلــكُ أمَلا

    لكن

    لا أملك نافذة ً

    أ ُطـِلُّ منـها

    عليـه

    *********

    ضــَيـــَاع

    مــَرَّ بــِي الأمــَلُ

    فأبــْصــَرتـــُهُ

    كــَفــيفـــًا

    تمـــَامــًا

    كـَمـَا فــَرَحــِي

    *********

    صـِرَ ا ع

    يُحاصرُني الحزنُ

    فأحاصرُه ُ حتـّى آخر رَمَــق

    حقــًا: البقاءُ دومًا للأقوى

    *********

    أحلامُ سـِنْدْريـِلا

    لا زالتْ

    تمسحُ الغبار َ

    وتحلـمُ

    أن تتحرّرَ

    من نصّ أسطورة

    ألا تكون مسحورة

    أن يُبصرهَا فارسُها

    فيهيمُ شوقــًا لأنــَاهُ

    فيما يُشبهُ

    الثانيّة عشر ليلا

    أو ما يُقارب

    *********

    الحبر أبقى

    كــَفاكَ عويلا

    على حلم ٍمٍَســْكـُوب

    كـَفـْكـفْ دَمعـَكَ

    : واكتـُبنـي

    الحبـرُ أبقـَى

    مِن الحُـــبّ

    *********************


    أحبكَ.. والبقية تأتي

    أحبـــّكَ

    يا بعضي وكلــّي

    ونجم جبـــيني

    أوسع من كلّ مدى

    أبعد من كلّ اتجاه

    أنقى من كلّ اعتراف

    وأكثر حدّة من وابل شجن

    أحبـــّكَ

    وأدركُ أنّّي

    لا أستطيع الذهابَ إليكَ

    مع ذلك سأذهبُ

    فقلبك صراطي المستقيم

    الذّي عليه سأسير وأسيـر

    حتـّى لو كانَ في ذلك

    حتفي وحتفك

    فأنا أحبّكَ حتـّى أقاصي التعب

    وأتحدى بك كلّ مقاصل العتَب

    فقد أيقظت طائر حُبّ يتيم

    اشتدّ به وَهنُ الوَسَن

    أحبّكَ

    أرضًا خصبة لسنابل الحنين

    وأعدُكَ أن نلتقي

    كالتقاء جبل بـ جبل

    ولتتغيّر بعدنا معالمُ الوطن

    فللحبّ بقيّة

    لا بُدَّ أن تأتي وستأتي

    مهما تمهَّلَ

    مخاضُ الزمن

    *********************



    العَامّ ُ الأوّل على حبّنَا

    (1)

    حين يُراودني الحزنُ عن نفسي

    أهرعُ للبحر ,

    أسألُ الرّياحَ أنْ تجري كما يشتهي القلب ,

    كي أبحـِرَ إليــكَ

    فالرحلة التي تمتــّدُ ألف ميل

    حتــّى شواطئ الحلم الشهيّ ,

    تبـــدأ دومــًا بنبـــضة :

    " أحبـــّـك "

    (2)

    لا أقلّ من بــَحــر ,

    أهديـــكَ في مطلع العام الأوّل على حبــّنـــا

    فأنتَ أكثر من البحر صخبــًا ,

    حينَ تعصفُ بصخرة الحلم أمواجُ الغيـــِـرة

    فتــُخــَلــِّفَ فيها أكثرَ من ثــُــقــب !

    وأنتَ أكثرُ من البحـر حيـــِـرة ,

    حينَ تستكينُ حروفــُـكَ كقط ّ قــُربَ مدفأة

    لتبوحَ بأغلى أسراركَ

    (3)

    حبيبـــي

    يا وطني ومنفــَايَ

    ألـَمْ تستوطن غرفَ القلب الأربعة ؟

    ألم تمحو عن جدران الذ ّاكرة كلّ إسم ووشم؟

    ألم تجلسَ سـُـلطانـــًا على عرش نبضي

    تتحكم بمجرى كــُريــَات ِ الحــُـبّ ؟

    ألا تكفيكَ كلّ ُ السـّجلاتِ التي وقــّعـتـــُها

    راضيّة ً مرضيــّة

    في أنـــّــكَ وحدكَ

    مالكُ كلّ بقاع القلب؟

    (4)

    غريبــــِي

    يا أملي ويا ألمي

    أما آنَ لقمر حبــّنا أن يكتمل ؟

    أما آنَ لكَ أن

    تنظرَ مليـــًّا في مِرآة هذا القلب ,

    (الذي لا يستحق أن يُصابَ بفقر ثقة)

    لن تـــَرى إنعكاســًا شهيـــّا

    سوى لملامحكَ أنـــتَ

    *********************



    في الرّحيل الصغير

    1.

    حين تـعلِـنُ عـَن

    إقلاعــِكَ

    عَن قِلاع ِ العَاطِفـــَة

    لترحلَ إلى مَطار آخر وآخَر

    كما العصافير الشَّريدَة

    لا

    تـَلـْعـَنَ تـَفـاصـيلـَنــَا

    الصغيــِرَة

    فقد كنتَ فـُراتــــًا

    قبلَ أن أفتقدك وفي ومضة

    صِْرتَ سَرَابــًا

    وصَارَ سَرابـــُكَ وحلاً

    كثيفـــًا.. كثيفــًا

    2.

    إرْحَلْ كما أتيتَ مـِلـحـــًا

    إرحَلْ كَمـا انتَهَيْتَ صَريرا

    كـــــَفَاكَ وُقُوفـــــًا

    عَلَى أعْتــــَاب ِ الذّاكرَة

    إرْحَلْ وَدَعـــْنــــــِي

    لا

    !.. تُوَّدعــــْنــــِي

    مـَا كَانتِ الطُّيــُورُ

    لِتُسْجَنَ في أقفاص ِ

    الغيـــــِرَة

    إرْحَلْ لأبـــْقـــَى

    سُنــونــُوَّةً طليقَة

    مصيرُهـَا سَمـَاء

    حنانُهَا شِتَاء

    دَلالًهَا كِبْريَاء

    إرْحَلْ لأَتـــــَحـــَرَّرَ

    مِن حُــبٍّ

    احتَلَّ حُضُوري

    كما يحتَلُّ مطرُ حزيران

    هـَدْأةَ المــــَســــَاء

    ارحَل كما أتيتَ صَغيرا

    ارحَل كما انتهيتَ صغيرا

    *********************



    بداية ُ الحُبِّ حُلــُم

    تـُـرَفــْرفُ رُوحُهـَا وَتـَطِـيـرُ , لـَمــَّا

    يـَفيـضُ هديلُ قلبــِهِ , تــُرَاهـــَا تـُحـِبــُّـهْ ؟

    تــَصـِيرُ سحابة ً وتهيمُ , لـَمــَّا

    يطـُولُ غـِـيــَابُ ظلـِّهِ , تــُرَاهـــَا تـُحـِبــُّـهْ ؟

    يذ وبُ حـَـنيــــــــنــُهـَا ويثــُورُ لمـــــَّا

    يـعــُودُ لـعـُـشِّ عشقـِهِ , تــُرَاهـــَا تـُحـِبــُّـهْ ؟

    يـقولُ أهــْوَاكِِ فتصــيــــــــــــرُ عــِطـْرًا

    ! يفـُوحُ شــَذاهُ : هيَ تــُحــِبــُّهْ .. هيَ تــُحــِبــُّهْ

    *********************



    بـــِكَ انتهيـــْـتُ

    لم أخــبــِـــر العصافير

    الصغيرة عنـــَّــا

    فالعصافيــــرُ كانت

    تسكــُننـــــــــا

    وهاجرت

    حين نحن هجرنا

    هديلــــنــــا ورحلنــــا

    فككتَ حبيبــــي

    أصفادي

    ومنحتنـي هـُويّة الدموع

    فككتُ حبيبي أصفاد َكَ

    ومنحتـــُكَ حُريــَّة الرجوع

    لأنـــّكَ كنتَ وستبقى

    صلتي الوحيدة

    بالبحار والحقول والشّموع

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:28 am


    أحلامٌ خاصّة جـدا

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نــقرأ قصيدة

    الحــُبّ

    صباحَ مساء

    لتحلّ بنا روحُ العشق

    فنحيا مــَلاكين

    في فردوس السماء

    (2)

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نصعدَ

    من بئر الرثـَاء

    لنغتنم معا

    ما تبــقــَّى

    لنا في قصر فرعون

    من وعد ٍ

    بسنابل وَ لــَه ٍ وَثـــَرَاء

    (3)

    أحبـــّك بالثلاثــــة

    وأحلمُ

    أن نعبــُرَ

    نهرَ العـَـنــــــَاء

    لنـــَعـُودَ

    إلى أرض ِ العسل ِ

    أدْمــَث آدم

    وأحــَنّ حواء


    *********************



    كــُن ربيعــًا .. لأحبـــَّكَ

    (1)

    لا أريدُ منَ

    الآنَ

    أنْ تــَحـلـُم َ بكَ

    القصيدة

    أريدُ

    أنْ أحلم بكَ

    أنــــــَا

    لأنـــّي لا أرى

    الآنَ

    ســـِوا كَ

    وبعضــًا من حريــر

    ِ الغـــَد ِ

    (2)

    لا أريدُ منَ

    الآنَ

    أنْ أحدّقَ

    في الظلام ِ طويلا ً

    يكفيني أن أوقدَ

    أملا ً واحدًا

    لأبصرَكَ

    وأبصرَ النوافذ َ

    والمنافذَ

    فوقَ جدران ِ الأماني

    المتصــــ..... ـدِّعــَة

    (3)

    أيــّها الحزن

    أ ُغــْرُب عــن

    أحلامي

    لن تكونَ من الآن

    حقيقيتي الوحيدة

    فقد سقطتْ

    من حقائبـــِكَ

    كــُلّ ُ أوراق ِ

    الخـــَريف

    سقطت

    كأوراق

    الخريف


    *********************



    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    هل أستجديكَ

    بجملة أو شبه جملة

    أن تمرَّ ببحري

    بعدما مررتَ

    ولم تـَرَه

    فأقفرَ الحـُلمُ

    من ثاغ ٍ ومن راغ ٍ

    وحلَّ موسمُ البُــكاء

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    هل أقـَشــِّرُ قلبي كبـُرتقالة

    لأهبــَكَ اللُبَّ

    بعدمــا

    سقطتْ الأسوارُ

    من حول ِ قصرنــا

    ففرَّتْ خيولُ أفكاركَ

    وأطلَّ وطالَ

    موسمُ الجفاء

    ثــُمَّ ماذا ...!؟

    أيــُساورُنـــِي نـَدَمٌ

    على هجرة ِ طيوركَ

    بعدمــَا

    لمحتــُكَ حــُلمــًا

    وحينَ دنوتُ راحَ يــَنــــفينـــِي

    ويــُفــْنــــِيــــِني

    وقد كنتَ لونــــي

    وكنتُ لكَ

    كلَّ ألوان ِ الرجاء ..!؟


    *********************


    رسائلي إلى نجوى

    قــبــل الاختِنــاق بدمعــة

    (رسائلي إلى نجوى_1)

    آه نجوى!

    النافذة هنا مُشرّعة على ألم..

    والريح تعصف بستائر الندم منذ رحيلــــه!

    هنا أنـــا..

    وحيدةٌ كما شجرة زيتون على سفح جبل..

    أرتدي معطف الذكريات ولا أبحث عن مدفأة..

    المطر خفيـــف ٌ.. مـُخيـــِف ْ..

    وفي الغابة على مدى الحلم..

    ألف ذئب ما زال يترّصد بسلة أزهاري

    يتلهف ليعيثَ فيها نفاقاً !

    وحدي هنا.. لا أنتظر أحدا..

    لا أحد ينتظرني !

    لا أحد يستحق الانتظار سواه..

    له وحده

    انحنتْ سيقان قمحي, التي ضجّت بسنابل الغرور دهرا!

    حصدَ شوقي..

    ناولني صليبـًا من خشب النسيان

    وقال: اتبعيني.. فتبعته بفرح , دون أن أتلفت حولي ,

    دون أن تشلّني صيحات الغربان على الطريق!

    وتدحرجتُ خلفه ككرة ثلجية..

    خطوة خطوة في درب الغيرة والحيرة.

    تدحرجتُ .. تدحرجت .. وجمعتُ في طريقي كلّ قشّ الخصام.!

    ثمّ سقطتُ في أتون الفُراق!

    آه نجوى!

    هل بقي في القلوب متّسع للحبّ ؟

    أما استحالت زوارقنا, أوراقا تبحر في محيط القلق ؟!

    أما استحالت عصافيرنا, حبرا لا تغرد إلا على ورق ؟

    أيتها الصديقة الحنون,

    هل تأتين كل فجر ..

    لتضعي ولو وردة جافة واحدة على قبري

    لعل مناقير الطيور تهبط.. تحملَها

    فلا يبقى من الحلم إلا ذكريات

    ذكريـــات

    ********

    قبلَ أن يُدركنــَا فـُراق

    (رسائلي إلى نجوى-2)

    آه نجوى !

    هل أقصّ عليكِ أسراري من ياء اليباب

    إلى ألف اللقاء الأوّل الشهيّ..

    حينَ أدركَ أنـّهُ يعشقني...!

    بدأ يُبعـِدُني عن منهل حنانه..

    وهو ُيدركُ أننـّي..

    كما الفراشة الصغيرة في مهبّ العاصفة.!

    لا أقوى مقاومة جفاف النفي عن قلبه.

    آه أيتها الصديقة الدافئة ..

    الرّوح تهجر الجسد مرّة , وأنا هجرتني روحي ألف ألف مرّة منذ غيابه !

    وحده .. كانَ قادرا أن يتمدّد ويتقلص

    يثور وينحسر , كما البحر

    داخل محارة حواسي!

    مرّ بقلبي..

    كما التاجر الأنيق.. فاشترى كل منتوجات كياني.. من حنان وحنين

    غيرة وحيرة, جنون وظنون..

    وحينَ منحته وسام الترقيـة..

    تاهَ في سوق الغُربة!

    دنوتُ منه ..

    كما سنونوة يصطادها حب استطلاعها للحياة.!

    إلى اسلاك قفص .

    اقتحمتُ قلبه.. فأبْقَى نافذة مُشرعّة للرحيل..

    لكنني رفضتُ أن يُقصيني عن وطن..

    أعلنت انتمائي لدفئه.

    دنوتُ من حنانه حتّى ثمالة الفرح ..

    فراحَ يبتعدُ مرتعدًا..

    كقطار سريع ٍ ينزلقُ على سكّة حديديّة مألوفة!

    آه يا غالية ..

    أخبريني بربّك ِما السبيل للّحاق ِ به؟!

    أو.. أخبريه أن يتوقف حيث هو..على جسر الشوق..

    لآتيه حوريّة ًبحلم ٍحريريّ.

    آه يا عمري .. توّسلي إليهِ

    أن يتوقفَ حيث هو.. لأدركَهُ قبل أن يُدركَنَا فُراقٌ.. فنندم..!

    حيثُ لا ينفع ألم... ولا ندمْ!

    ********

    يحبني..؟ لا يحبني ..! يحبني..!!

    (رسائلي إلى نجوى_3)

    آه ٍ نجوى ...!

    من سواكِ شاهدَ حوريــّةً تغرق في بـــحـــر العمر !!

    تتعلّق بقشّة صبر ..

    ويمرّ بآخر خيوط الأمل مركبُ أحلام ٍ فردوسيّة, يعجّ بالملائكة, والأنغام السماويّة ..

    فتتدلى يدان لتنتشلا الحوريّة من موجة قهر ..

    وتوّقعا على وثيقة انتمائها لقلب

    صار أوسع من وطن منذ قررتْ أن تمارس حق اللجوء إليه!

    آه ٍ نجوى .. يا رفيقة الكتابة والكآبة ..!

    يقولون: (الأقحوان لا ينمو إلا على الأرض.!)

    لكنّني شاهدته بساتينا في عينيه..

    فأثملني الشذى !

    يقولون: (الكروان لا يحلّق فوق الشّمس..!)

    وأنا شاهدته يرفرف فوق جبينه..

    يغرد على أغصانه, فأثملني الصوت والصدى!

    آه نجوى .. يا تربة أسراري ..!

    منذ التقى واحدُنا نصفه الآخر والبشر يحيون الجفاف ونحن نحيا المطر..

    نبني عُشّ أحلامنا كلّ فجر قشّة قشّة..

    ونوقد كلّ القشّ مساءً لنحتمي بالدفء حين يجمعنا حضن واحد..

    أوسع من رحم العاطفة!

    آه ٍ يا غالية ..

    لماذا ..

    كلـّما قطفتُ في غيابه أقحوانة..

    أعرّي بتلاتها بتلةً بتلة ..

    أستطلع خفايا قلبــِه:

    يــُحــِبــُّنــِي..!

    لا يحبني..!

    يحبني..!

    تسقطُ كلّ ُ اللاءات

    حتّى آخر بتلة!

    ********

    الحبّ كالعمر لا يأتي إلا مرّة

    (رسائلي إلى نجوى_4)

    آه ٍ نجوى..!

    في القلب أكثر من دمعة ..

    وأنا عاجزةٌ عن السير عكس اتجاه القلب !

    ألم يأتني كعندليب يتحـرّش ُ بشجرة..

    فاحتويته بين أغصان حناني..!

    وحلمتُ أن يحملنا الحُبّ على جناحيه إلى الذُروة..

    دون أن نتقهقر كـ (سيزيف..!)

    خلف صـُخـور خيباتنا..

    لكـننـّا تقهقرنا..

    مرّة ومرّة ..!

    وها هو ..

    يهددني بنزق طفوليّ بإجهاض جنين حبـّنا من رحم العاطفة..

    وهو راغبٌ بلبــَن حنينــِي حتـّى الثمالة!

    رجلُ البحر هو ..

    يعيشُ المتناقضات داخله في حالة توازن خفيّ

    تارةً يـُنعشنــِي بأمواج هادئة

    وأخرى يـُغرقنــِي بثورة صاخبة!

    معه تعلمت أن أقرأ نقاط الغيرة قبل حروف الحيرة!

    فما بين اندلاع ثوراته الفُروسيّة وعودته الطفوليّة لحضن حنيني..

    تضيقُ بي كلّ الآمال ..

    فأحمل حلمي على كتفي وأسير حافية في صحارى قتلها العطش!

    وكلـّما كسر لوحة من الوصايا العشر العالقة بين قلبينا..!

    تتناثرُ ال..

    تنزفُ الذاكرة.. وينفرط عـِقدُ الثقة ..

    وفجأة يعود حالمـًا نادمــًا يستجدي مطر الغفران.!

    يمـدّ جذوره في تربتـي حتــّى آخر ذرّة دونما استئذان!

    آه ٍ يا غالية ..

    زهرة عباد الشمس أنا.. وهو شمسي!

    له وحده تشرئـِب ُّ بتلاتي وذاتي ..

    فهو الذي يمدّ أنوثتي بكلوروفيل الكبرياء!

    آه ٍ نجوى ..

    الحبّ كالعمر لا يأتي إلا ّ مـَرّة ..!

    وأنا أحبـــّه ..حتــّى الرمق الأخير..

    وأنا أحبـــّه .. حتــّى أقاصــِي المستحيل!

    ********

    الآخرون هم الجحيم ..؟!

    (رسائلي إلى نجوى_5 )

    آه ٍ نجوى ..

    كلّ الطرقات ِ التي كانت تُؤدّي إلى قلبي

    نبذَتني!

    وبقيتُ هنا.. وحدي ..

    كصخرةٍ عاريــة في جوف بحر كفيف!

    يضربُني بأمواج ِ العتاب تارةَ وبالجفاء أخرى..

    ولا يستكين ..!

    أهٍ يا رفيقة أحلامي ..

    ما زالت طواحينُ الغدر تدور وتدور..

    وطيوري ترفرف حولها بصمت مشلول!

    الريحُ عاتية..!

    وما من إبحار سوى في محيط الحلم,

    مرتعنا الأبدي للأمل..

    وربـّما.. ربـّما.. للجنون !

    مـُتعبة أنا يا غالية ..!

    مـُتـْعـَبــَة ٌ من النظر في وجوه فقدت ملامحها

    وصارت أشبه بأكواز الصـّبار !

    متعبة من الصبر على أحلامي المجهضَة !

    كلّ فجر أصنع من الأمل خمسة أرغفة..

    وأهيمُ..أهيمُ في الطرقات بحثا عن تّنور حنان نقيّ!

    أوّزعُ خطواتي هنا وهناك بعفويـّة ..

    فتتلقفني حفرةُ خصام مُباغتة...

    أهــوي .. أهــــوي .. ولا أفيقُ إلاّ

    وقد أ ُجهـضَـتْ كلّ آمالي فوق أشواك الوجع.

    آهٍ نجوى ..

    من سواكِ يدركُ أنـّه أيقونة أحلامي ,

    وأنـّي أحبـّه .

    كما هو أحبـّه .

    يجلدني بسياط العتاب... وأحبــّه !!

    يُجافيني في اليوم ثلاث مرّات وأكثر ..

    وأحبّه!

    يُجهضني فوق منفى الفراق.. وأحبّه !!

    ويأتيني بعد كلّ نوبة جنون

    يقول: أحبــُّكِ يا صغيرتي..!

    وأحبّه !! آه ٍ نجوى ..

    أنا في طريقي إلى الجنون..

    والجنون ضربٌ من ضروب الجحيم.

    الآخرون ليسوا جحيما ..

    نحن .. نحن من نصنع لنا الجحيم..!

    ********

    يليق بي أن أفيضَ أنوثة

    (رسائلي إلى نجوى_6)

    آه ٍ نجوى ..

    ها هو الطائر الدوريّ يُدركُ

    أنـّه أينما هاجر سأكونُ لأجنحته سمــاءً ,

    وأكونُ حضنـًا يستوعبُ نزقَ مزاجيتـِهِ.

    ها هي النجوم ُ تعودُ لتزيـّنَ أوراقي..

    ها هي سحبُ الوجوم تنقشع من آفاقي ..

    آهٍ يا رفيقة أفراحي ..

    في قلب العاصفة, رأيتُ النـّور !

    عبرتِ الطيورُ وألقتْ أغصانَ الزيتون ِ الأخضر

    على كتفي المثقل بأكفان همّ أسود, رفعتُ رأسي

    إلى السماء, فأبصرتُ أجنحة ً بيضاء تُرفرفُ

    على خلفية حمراء وسمعتُ صوتـًا كما التهاليل

    يقول:

    لا تخافي ! رحلَ الفارسُ لكنّ قلبَهُ معك ِ,

    فانتظري عودته.

    وانتظرتُ ...

    ها قد عاد َ ليشيّدَ لي حصنـًا يطرح خارج أسواره

    كلّ حطب الغيرة والحيرة والحزن المزمن ..

    ها قد عدتُ لأشيّدَ له أسرارًا أسطوريـّة

    في أقاصي القصيدة.

    أتدرين يا رقيقة ..

    الأصل في الأشياء السكون, ما لم تكُن هنالك قوّة !

    وهو القوّةُ التي أيقظتني من سبات "أمرأة الكهف ".

    أفلا يليق ُ بي أن أمتلئ دهرًا بالشوق فأفيضَ

    أنوثة ً كي أسلّمَهُ مفاتيحَ أحلامي

    بعدما عاد عاشقـًا مُتأملا غجريـّا حالمـًا

    لكي نبدأ الحكاية


    *********************



    حُضُور أكثر مِن عَادي

    سَــآتيكَ كَمَا أشَاء

    مَتَى أشَاء.. كَيْفَمَـا أشَاءُ

    قَدْ آتيـــكَ فَجْرًا

    بَعدمـَا يُغَادرُكَ حـُلمُ أنْ آتـِي

    وَيَجِـفّ هَذَيـَانُكَ

    فـِي انتظـَار غُبَار خُطُواتـِي

    فَــآتـِي

    قَد آتيكَ غُرُوبــًا

    بَعْدَ أنْ تُعِيدَ الأمـَلَ

    لـِغـِمـْد المـُحــَال

    فـآتـِيكَ صُورةً شـِعْريـَّة

    تـَروي غُيُومَـكَ بـِالخـَيـَال

    وَقَد آتـِيكَ غـُرُورًا

    والحَنـَانُ في كَبدِ الحُلـُم

    لأبُـُوحَ بِحـَنـِيـني

    لمَطْـلَع هَـذَيـَانـِكَ الآتي


    *********************



    هواجسُ الميلاد

    أسيرُ مُمتـــَـلئــــَة ً ببوحــِكَ الشهيّ

    بين مـئـــَات ِ الوجوه المُــتـــْعــَبــَة

    المــُــثــقــَلة بقـــَـلق

    المــُهرولة مساءً إلى

    شجرة الميلاد , وأنيـــن ِ مـدْفــَأة

    وأدركُ أنْ وَحــْـدَه قـــلـــبــــَكَ

    وطنــــي

    **

    تعلو ترانيـــمٌ فيروزيــّة

    من مـُكـــبـــّر صوت ٍ

    (المجدُ لله في العُـــلـَى)

    فيخفق قـــَلبــــي

    ويردّد :

    (وعلى الأرض إحتــــلا ل

    والقلوبُ عــَطــْـشَـــى للمــَســـَرَّ ة)

    **

    تقرعُ أجراسٌ

    تشـــُـقّ ُ ضبابَ القدس

    كطبـــول حــَربٍ

    فأرَى

    أشباحَ طائرات ٍ

    تنفثُ الحقدَ منَ السماء

    وتترنــّمُ فيــــروز

    ) ثــــلج .. ثـــــلج

    شــَتـــّي خــَيـــر وحــُبّ وثـــلج )

    فيتراكمَ الهــَمّ

    في مـــِذ ْوَد ِ القـــلـــب

    ***

    المطرُ خفيفٌ .. خفيف

    وعلى درب الآلام جياع ُ وعـِطــَاش

    ما زالوا يحاصرون حصارَهم

    ويحلمون بنبوءة السلام

    ***

    ما زال صوتُ فيروز ينخرُ العظام:

    ( ثــلج ...ثــلج )

    أتــَد ثــَّرُ

    بوَعــدٌ وعــَهــد

    أن أبقى طوعَ حبـــّـــنــــَا

    مدَى الأحلام

    بعدما عـَصـَــفـــَتْ أمواجُ الحــُبّ

    بصخور قــَـلبـــي

    فتـَـشـــَظـــّى

    وتـــَلـــَوَّى

    ثــُمّ تـــَلـــَى سـُـورة َ النـــّور

    وسقطَ كما السمكة في بحــْركَ

    راضيــًـا مَرْضــيــّا

    ***

    غريبـــــي

    أيــُّها القابعُ في ثــَلج ِ الشــّـتـــات ِ

    كلّ ليلة تكون فيها شهريــــَاري ,

    تــُنــْصــِتُ لحكايــــَاتي

    المــريرة النـــقـيــــّة

    عن جفاف ِ منفى ووجع ِهـُــــويــّة

    إلى أن أحــْــتـــّــلَ عــَرْ شَ

    عواطفــِكَ

    هــــي َ .... هــــي َ

    ليـــْــلــَة ُ الميـــــــلاد



    *********************



    ومضات

    غياب

    كالنهر

    الذي فرّ

    من مجراهُ

    أنتَ

    كالسكة

    التي غادرها

    قطارها

    أنا

    *********

    صرخة

    إلى متى

    يظلّ الإنسانُ الصادقُ

    ضميرا مستترا

    وتظلّ الأقزام

    المشبّهة بالأفعال

    تنصب وترفع

    ما تشاء

    متى تشاء..!!

    *********

    انعتاق

    أكون لكَ

    سنونوّة

    حينَ لا تكون

    ليَ القفص

    *********

    قبل ميلادى وُلدتُ

    هل أتاكَ

    حديثُ عشقي

    أنْ...

    منذُ الفجر الأوّل

    لميلاد ِ حزن

    من حزن

    والعُميُ يُبصرونْ

    والعُرجُ يسيرونْ

    والعشّاقُ

    يتناسلونْ

    نجومًا

    على جبين ِ

    القمرْ ..؟!

    *********

    كروانُ

    دثِّرنِي

    قمِ الآنَ الآنَ

    بحبِّكَ

    زمِّلنِي

    كنْ خرزةً زرقاءَ

    على جبيني

    كُنْ

    بخورًا مغربيًا

    في محرابِ

    أنيني

    كنْ حارسًا فرعونيًا

    على بابِ

    أمنياتي

    وكاهنًا دمشقيًا

    يستقبلُ بفتور ٍ

    كلّ اعترافاتي

    *********

    شتاءُ ريتا

    لا ...

    تستعجل الطعنة

    لا...

    توقظ الجوعى

    لفتات حقد

    لا ترقص

    الفالس ولا

    التانجو

    نخب شتاء ريتا

    الأخير

    ما زال يا صاح

    في القنديل الدري

    زيت ،

    ما زال فيه فتيلْ

    *********

    ولادة

    بين الفكرة والورقة

    حبلُ سريّ

    لا أتخلص منه

    إلاّ حين أتأكد

    من سلامة المولود

    *********

    أسطورة

    يا لهُ

    من فجر ٍ عظيم

    فقد استيقظ

    المجنونْ

    ليبصرَ:

    أميرة ً تتهادَى

    كغزالة ٍ شاردة

    على سفح القمر

    تحملها الملائكة

    في موكب

    أسطوريّ

    وتزفّها

    آمرة ً ناهية

    على قلبه

    .

    .

    .

    قبره

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:30 am

    الشاعر سالم جبران



    نبذة

    (1941)
    "البقيعة - الجليل"

    أعماله الشعرية :

    قصائد ليست محدّدة الإقامة (دار الآداب، بيروت، 1970م).

    كلمات من القلب (دار القبس العربي، عكّا، 1971م).

    رفاق الشمس (دار الحرية للطباعة والنشر، الناصرة، 1975م).





    سالم جبران يطلق الكلمة

    سالم جبران في ديوانه الثالث رفاق الشمس * يستمر في عرض وطنيته الصادقة وإنسانيته الثائرة بكلمات جماعها الثورة والرفض ، وهو لا يجد متسعًا من وقته أو من ذاته لانتقاء العبارة ذات الإيحاءات أو الجمالية ، فشأنه أن يصل إلى الجمهور ، والجمهور بحاجة إلى شعراء يسجلون ألمه وأمله بطرق تعبير مختلفة كاختلاف مشارب الناس .

    وأنا أرى أن الشعر على أصناف ، ولكل صنف رواده ومحبوه ، فكم من مستوى معروض في واجهات واقعنا ، وشاعر الزجل شاعر يألفه البعض بينما يمر عنه البعض ضاربًا كشحًا ، وشاعر يرقع العبارات أو يسرقها خلسة لا تكسد سوقه.

    إذن فالمسألة أصعب من جعل الدائرة مربعًا ، وأنت المشتري ، فما هي خبرتك في الشراء أولا ؟

    وسالم جبران لا إنكار أنه علم بين شعرائنا ، ويعود ذلك في حسباني لموقفه السياسي ، فهو يصف الواقع بجرأة.. بتحد ..وبعنفوان ، وهذه أضفت على شعره مسحة البطولة ، فهو إذ يقول :

    " ابن العشرين يقاتل

    وابن السبعين يقاتل

    والتي مات أخوها

    تنسج الصوت لمن قام مكانه

    والتي مات فتى أحلامها

    خرجت تحمل بارودته " (رفاق الشمس ص37)

    لا يملك الفلسطيني إلا أن يحس فعل الشعر ، فليست القضية في نظره مفتقرة إلى خيال وإيحاء وجمالية ، بل إنها حكاية موت.

    ومرة أخرى ، فإن حقل الأدب يتسع لجميع الأزهار ، وزهرة سالم سقاها من دم قلبه الغض أعوامًا وأعواما (رفاق الشمس ص 47).

    وهي مطلة علينا رغم أنها تقول لنا كل شيء وتحكي لنا نثرًا ، وهي لا تعرف نصف الإضاءة أو الشفافية، إنما الجهارة المكشوفة .

    وشعر سالم ليس على نسق فني واحد ، فهو إذ يصعد بنا يجعلنا نهبط بلا سابق تنبيه . يقول الشاعر :

    " أبحث عن أغنية جديدة

    عذراء خضراء

    تمد راحتيها

    عبر ليل الموت " (رفاق... ص30)

    فهذا صعود وتحليق فيه نشوة الامتزاج وفيه لذة الاستكشاف والافتضاض *

    ولكنه يقطع علينا رحلتنا الماتعة إذ يقول متابعًا :

    " للعوالم السعيدة "

    فهنا نحس ( أو أحس ) كأن حجرًا ثقيلاً يلقى ، فينغص علينا هذه العوالم من قبل أن نلقاها ...

    ولننظر إلى قوله :

    " أجمع أشلاء اللوز المذبوح على أطلال قرانا " (رفاق... 11)

    فهنا نرى صورًا غنية بالفاجعة موقظة للضمير الإنساني ، وإذا بالشاعر يقول بعدها : " وأجادل "

    وهاك مثلا آخر على أن الشاعر لا يعدم التركيز والكثافة ، لكنه سرعان ما يغير عليها مبسطًا ، وكأنه يفطن إلى مستوى معين بين جمهور القراء يريد الوصول إليه .

    يقول الشاعر :

    " عيون أطفالي عصافير تجيء دائما

    ترف فوق السجن ثم ترتمي " (رفاق.... 21)

    ولا يقف الشاعر عند هذه الروعة ، بل يضيف :

    " راجعة فهكذا أوامر السجان "

    ولا أدري ما ضرورة إظهار السجان هنا ، ألا يدعنا نتخيل لماذا تجيء العصافير وترتمي ؟

    _ ربما لأساها عليه وعلى نكده .

    _ ربما لأن الأب لا يستطيع أن يفعل شيئا ، والعصافير قاصرة ، وهذه صورة لتجسيم المأساة .

    _ ربما لأن السجان أو السلطة تمنع اللقاء ، واحتمالات كثيرة أخرى تتلاقى في جو مأساوي أراد سالم إظهاره في كل كتاباته الشعرية بلا هوادة .

    وسالم محارب كلمة ، يقف ضد الجراد (رفاق... 7) ، وضد التتار (رفاق... 52) ، وكما أن المحارب يطلق الرصاصة واضحة الهدف ، فهكذا يطلق سالم الكلمة :

    " الموت لكل خائن حقود

    براغ اطمئني أن حلف وارسو

    يقسم لن يعود

    لأرضك النازي " (رفاق.... ص 28)

    وهو حقا يشعر أن الكلمة مقاتلة ، وهذا الشعور نلمسه في قوله :

    " فالأغاني

    سوف تحتل بين الرفاق مكاني

    وتحارب عني " ( رفاق... 26)

    فسالم مقاتل ومتفائل معًا ، والموت يرصد له ، وهو بقايا رجل ممزق الفؤاد والأعصاب (ص 78) ، لكنه يقول :

    " دمي النازف مطر

    لحمي المطحون سماد

    وأنيني أهزوجة

    الغد مرج سنابل

    الغد عرس سنابل " (رفاق... ص 15)

    وسالم أسوة بشعرائنا المحليين يمازج بين التفاؤل وبين رنة الأسى ، يرسمون المستقبل برغم الوصمة .

    ويتميز في هذا الديوان بشيوعيته الحادة ، فهو يرفض الثورة الحمراء في أذهان المدعين من الأنبياء الكذبة الذين يتخذون مواضيع الثورة موضوعات للتلهي (ص 79) ، وهو يتعاطف في قصيدة طويلة مع الشفيع الشيخ أحمد السوداني (ص 67) ، كما يطلب أن نتخذ من فيتنام مثلاً لنا (ص 90) ، ونجد للأصداء السياسية وللأنباء آثارًا واضحة (ص 20 ، 27 ، 43 وغيرها ) .

    ومن جهة أخرى فهناك بعض معالم الصوفية _ ولعل في هذه الظاهرة غرابة على الواقعية _ فمن الصوفية الجبرانية * يقول سالم :

    " يخيل لي أنني ما ولدت

    ولكنني كنت منذ الأزل

    هنا بين الحواكير " (رفاق.... ص4)

    ففي هذه القصيدة عصارة حبه لأرضه يقدمها باسترجاع طفولي وحلم ووعي تتداخل فيما بينها ، وهو إذ يفطن أن الجراد يمتص آخر نقطة ماء في حنجرته الظامئة فإنه يقول بنظرية الحلول في المقولة المشهورة " أنا من أهوى ومن أهوى أنا "

    " لست أعرف اسما لهذا المكان

    فهذا المكان أنا وأنا هذا المكان " (رفاق... صCool

    وثمة مثال آخر على الروح الصوفية رغم أن المعنى يدل على المرأة أكثر منه على الوطن :

    " وأنا وأنت نذوب

    شيئًا واحدًا بين الشجر " (رفاق... ص65)

    وقصيدة " هذا المكان " أولى قصائد الديوان هي تطوير لقصيدة " حواكير الطفولة " التي نشرت في ديوانه ( كلمات من القلب ص75 ) ، فحتى النباتات التي يستعملها للدلالة على ارتباطه بالأرض ، وجو التفاؤل والعودة إلى الحلم ، كل هذه مشتركة بين القصيدتين .

    وملاحظة أخرى أن الشاعر لا يتابع نفسه أحيانًا : ففي قصيدة " عطشان " (رفاق... ص57) يحمل الشاعر زجاجتيه ويبحث عن كأس وندمان ، فإذا ما وجد الكأس كانت الزجاجة قد كسرت ، وهذه ترمز إلى الخيبة ، ولو قرأنا هذه القصيدة وقارناها وقوله :

    " جيراني غنوا شربوا

    أكواب الخمر

    حتى الفجر

    وأنا وحدي يا عيد الميلاد " (رفاق....61)

    فإننا لا نجد مبررًا ، وإن وجدناه فإن رموز الشاعر غير مستقرة لا تقدم صورة متكاملة ومتوائمة .

    وظاهرة شكلية أخرى في إثبات عدم متابعة الشاعر نشره القصيدة في أكثر من ديوان :

    _ قصيدة " حنين " كلمات من القلب ص 19

    رفاق الشمس ص 58

    (وقع تغيير واحد لاشتراء _ لشراء)

    _ " في غرفة لينين " كلمات من القلب ص 99

    قصائد ليست محددة ص 51

    _ " أحب " كلمات من القلب ص 102

    قصائد ليست... ص 53

    وبعد :

    فهذا سالم وجه صارخ متحد، هو من رواد التغيير والأدب أداة، لا يضيره إن وصفت كلماته بالنثرية أو التقريرية بالمباشرة أو الشعارات الخطابية، فإنه بصدقه وإيمانه بدور الكلمة يقول ما يقول... وحسبه أنه يصول ويجول.

    ------------------------------------------

    * مجموعات سالم جبران هي :

    1- كلمات من القلب _ مطبعة دار القبس ، عكا _ 1967

    2- قصائد ليست محددة الإقامة _ مطبعة النهضة ، الناصرة 1972

    3- رفاق الشمس _ دار الحرية للطباعة والنشر ، الناصرة 1975

    * نماذج أخرى : أنا صمتي يكون مطلع القصيدة ص 32 ، عيناك مينائي ص 41

    ومضات شعرية تشع بين أكوام من النثر المتمرد .

    * أنظر مثلا : " رماد الأجيال والنار الخالدة " ( المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران العربية ص 45 )

    **********************



    ما يشاء
    كان الجليل ناسا
    وتربة وخضرة وماء
    وبعد أن حرمت أن أزوره
    صار الجليل جنة
    وناسه آلهة
    وصار حتى ليلة ضياء
    أقول للقياصر الصغار: ما أضعفكم
    قد تحبسون خطوتي
    لكن قلبي هائم في وطني
    يزور أي بقعة يشاء
    يفعل ما يشاء...

    **********************


    الشبح
    أشعر بالحزن وبالفرح
    جميع أيامي التي مرت وأحلامي عن
    المستقبل
    ملفوفة ببعضها تطل لي
    أشعر أن العمر ليل دامس
    وأنه أجمل من قوس قزح
    خرائب خلفي،
    وأحلام أمامي تبتني القصور
    وبين وعد ظل في عوالم الأمس ووعد لغد
    من حيرة أدور
    أشعر أن قلبي
    في وحشة القبر... وفي نضارة الزهور
    أشعر بالحزن وبالفرح
    العالم الملموس في يدي ما أطيبه
    وفي صميمي رهبة
    من طلة الشبح

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:31 am

    الشاعر سميح القاسم



    نبذة

    يعد سميح القاسم واحداً من أبرز شعراء فلسطين، وقد ولد لعائلة درزية فلسطينية في مدينة الزرقاء الأردنية عام 1929، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي.
    سجن القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية.
    شاعر مكثر يتناول في شعره الكفاح والمعاناة الفلسطينيين، وما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت على شهرة واسعة في العالم العربي.
    كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته الحالية إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.
    مؤلفاته :
    1- أعماله الشعرية:
    مواكب الشمس - أغاني الدروب - دمي على كتفي -دخان البراكين - سقوط الأقنعة - ويكون أن يأتي طائر الرعد - رحلة السراديب الموحشة - قرآن الموت والياسمين - الموت الكبير - وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم - ديوان الحماسة - أحبك كما يشتهي الموت - الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب - جهات الروح - قرابين - برسونا نون غراتا : شخص غير مرغوب فيه - لا أستأذن أحداً - سبحة للسجلات - أخذة الأميرة يبوس - الكتب السبعة - أرض مراوغة - حرير كاسد - لا بأس سأخرج من صورتي ذات يوم .
    السربيات:
    إرَم - إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل - مراثي سميح القاسم - إلهي إلهي لماذا قتلتني؟ - ثالث أكسيد الكربون - الصحراء - خذلتني الصحارى - كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه .
    أعماله المسرحية:
    قرقاش - المغتصبة ومسرحيّات أخرى
    الحكايات:
    إلى الجحيم أيها الليلك - الصورة الأخيرة في الألبوم
    أعماله الأخرى:
    عن الموقف والفن / نثر - من فمك أدينك / نثر - كولاج / تعبيرات - رماد الوردة، دخان الأغنية / نثر - حسرة الزلزال / نثر .
    الأبحاث:
    مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام / بحث وتوثيق .
    الرسائل:
    الرسائل/ بالاشتراك مع محمود درويش .

    ******************************

    في حوار مع الشاعر الكبير سميح القاسم

    حوار: الشاعر طلعت

    الإنسان الضعيف تسكره النجومية وتفقده القدرة على الاتزان تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي، أعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى آمنت دائماً أن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة لا يتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر أحبُّ المغامرة الفنية وأمارسها بكامل حريتي وكان الشعر عنقود فرح.. كان صرخة غضب.. وكان كما قال روزنتال: «إن الحياة التي تخلو من الشعر لهي حياة غير جديرة أن تعاش»، أو كما قال جان كوكتو: «الشعر ضرورة ويا ليتني أستطيع أن أعرف لماذا» أو على رأي سومرست موم: «الشعر هو تاج الأدب، هو غايته ومنتهاه. إنه أرقى فعل يقوم به العقل البشري».. وكان لابد من لقاء الشاعر الكبير سميح القاسم ـ حاورته يوم الأحد 19/11/2000 ـ الشاعر الذي أعطى الشعر صفوة الروح والعمر، فانتصبت القصيدة شجرة عطاء لا ينضب..

    ربما يبقى القول الأوجز في تعريف الشاعر الإنسان، والشاعر الصديق سميح القاسم، متمثلاً في أنه لا يبرح الشباب وعنفوان الإنسان الممتلئ بالحيوية والمرح والأمل، ليكون شاعر المقاومة ورئة الكلمة الصامدة.. ويطول الحديث مع الشاعر الكبير سميح القاسم.. أقرأ من دفتر شعره:

    طعام الشهيد يكفي شهيدين

    يا أمنا الريح .. يا هاجر المتعبه

    أعدي الطعام القليل لأبنائك العائدين على عربات المنافي

    خذي كفني شرشفاً للأواني العتيقة

    قومي افرشي للضيوف الأحبة كوفيتي..

    إنهم متعبون جياع

    أعدي لهم وجبة من بقول الخراب

    أعدي كؤوس العذاب

    وإبريق أحزانك المرعبه

    سيجمعنا الخبز والملح عما قريب

    وتجمع أشلاءنا لقمة العودة الطيبه

    وأفتح دفتر أمسية شاعرنا سميح القاسم التي امتد فيها الحضور دالية شغف.. ويحدثني عن علاقته الجميلة بالجمهور، عن القصيدة التي تشعل فتيل التواصل، فيكون الشعر أغنية ممتدة من الأعماق للأعماق..

    وإذا أردنا أن نوجز في التعريف عن شاعر مثل سميح القاسم نقول إنه عرف بمقاومته الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، وسجن مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية والاعتقال المنزلي وطرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي.. اشتغل معلماً وعاملاً وصحفياً.. أسهم في تحرير «الغد» و «الاتحاد» ثم رئس تحرير مجلة «هذا العالم» عام 1966، ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في «الاتحاد» وسكرتيراً لتحرير «الجديد» ثم رئيساً للتحرير.. وأسس منشورات «عربسك» في حيفا مع الكاتب عصام خوري عام 1973، وفيما بعد أدار «المؤسسة الشعبية للفنون» في حيفا.. وهو اليوم رئيس مجلس إدارة تحرير «كل العرب» الصادرة في الناصرة، ورئيس تحرير الفصلية الثقافية «إضاءات»..

    صدر له أكثر من أربعين كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة.. وصدرت أعماله في سبعة مجلدات عن ثلاث دور نشر في القدس وبيروت والقاهرة.. ترجم عدد كبير من قصائده إلى الانجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية ولغات أخرى.. حصل على الكثير من الجوائز عن شعره منها «غار الشعر» من اسبانيا، وجائزة البابطين للإبداع الشعري.. وأسأل..

    l بعيداً عن المقدمات المعروفة في الأسئلة، أدخل مباشرة إلى صلب الموضوع لأطرح موضوعة تقول كيف ينظر سميح القاسم إلى مسيرة شعره.. ليتك تستحضر الناقد عندك؟؟..

    ll يجوز القول إن الشاعر هو أفضل ناقد لنتاجه، وهو أسوأ ناقد لنتاجه في الوقت نفسه.. أميل إلى إعفائي من الحالتين.. لكن استجابة لإلحاح سؤال كهذا أستطيع القول أو التحدث عن الأمور العائمة على السطح، كتحول القصيدة من الإيقاعات الحادة والألوان الزاهية والقوية في مرحلة الصبا والشباب، إلى حالة التداخل الإيقاعي والتداخل اللوني.. خفوت الصوت بعض الشيء واقتحام ألوان الشك لمواقع اليقينية المطلقة التي تميز روح الشباب.. لكن يبقى هناك الخط السري الذي يصل بين القصائد الأولى والقصائد الجديدة بدون شك.. بكلمات أخرى تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة وتراكم معرفي ووجداني هو من طبيعة الحياة.. ويبقى الهاجس الأساسي، هاجس الحرية والعدل الإنساني، بحيث يشتبك السياسي بالوجداني بالمجرد بالمطلق، والشك باليقين.. هذه سمة تجربتي بخطوط عريضة بين الأمس واليوم..

    l تأخذني هنا للسؤال عن النقد والنقاد.. كثيرون تناولوا شعرك.. تجربتك الشعرية درست بغزارة.. هل وصل النقاد إلى العمق.. ماذا أخذت من هذا النقد، ما رأيك فيه؟؟

    ll هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي بدون شك وأعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى، ولا على الخطوط العريضة في الشكل، بل تعمقوا في هذه التجربة واستشفوا أموراً تتصل بالذات بالسايكولوجي، باللغة.. وعلى سبيل المثال فوجئت بدراسة كبيرة من ناقدة وباحثة أمريكية هي الأستاذة تيري دي يونك التي كتبت دراسة عميقة وهامة بعنوان «سميح القاسم وتحديث الجناس» حيث نظرت في تحديث الجناس العربي في قصيدتي، وبهذا لفتت نظري إلى مسألة كنت أعيشها دون أن أنتبه لها، وهي مسألة المحاولة المستمرة لتكوين حداثة على أسس تراثية أصيلة، حداثة لا تتنكر للماضي، ولا تتقزم أمام حداثة الآخر الغربي أو الأجنبي، لكن تكون ذاتها من خلال التجربة في سياق عملية الكتابة وبالرجوع بقدر كبير من الحب والحنين إلى مقومات فنية متوفرة في تراثنا بشكل ملحوظ..

    l في شعرك دراما.. لنقل هناك إصرار على محاورة الذات الخارجة عن الذات الشاعرة، أي ذات المتلقي.. هذا يشدّ السامع أو القارئ؟؟

    ll آمنتُ دائماً بأن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري، وقد يعود ذلك إلى بدايات ثقافتي الشعرية، قد يعود ذلك مثلاً إلى مغني الربابة الذي سمعته في بيت جدي، وتتبعت أداءه عبر وجو الحضور.. أيضاً أنا أحب المسرح، وقد كتبت المسرح من وقت لآخر. فمن الطبيعي أن يكون العنصر الدرامي قائماً، وهي مسألة أشار لها معظم النقاد الذين كتبوا عن تجربتي.. نعم إنه شديد الحضور في قصيدتي.. والعنصر الدرامي حتى في صيغة المونولوج يفترض ويستدعي الآخر..

    l ألاحظ أن قارئك ومستمع شعرك يعيش فسحة الشعور بأنه كاتب القصيدة، مشارك في صياغتها، كأن القصيدة تنبع منه هو.. ألا تطرح هذه النقطة تساؤلاً؟؟..

    ll أنا معك في ذلك.. هنا تدخل نظرية التقمص.. وهي نظرية بدون شك تنبع من خلال تراث الموحدين وقد كان لي أن نشأت في بيئة مدهشة في تنوعها وتعدديتها.. نشأت بين جد فقيه علامة في شؤون الدين وجد علماني حداثي بشكل متطرف.. في الحقيقة في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة في رحابتها وفي ثرائها، وهذا بطبيعة الحال انعكس أيضاً في تجربتي، وهذا ما ساعدني بعض النقاد على رؤيته من أنني أستفيد كثيراً من الرموز الدينية القرآنية والتوحيدية والمسيحية وحتى من البوذية ومن ديانات قبائل الإنكا.. قصيدتي بالطبع لا تستطيع أن تكون إلا علمانية كصاحبها، لكن لم تجد هذه القصيدة غضاضة في وجود هذا التداخل، هذا التنوع الجميل في رأيي بين القرآن الكريم وأبي ذر الغفاري وكارل ماركس وابن خلدون.. جمعت ما يبدو مجموعة من التناقضات، لكن هذه التناقضات وجدت صيغة من التناغم، من التعايش، من خلال تجربتي..

    l هناك شعراء يتحولون إلى رمز، أنت واحد منهم..

    ll لايتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته.. في الحقيقة الشاعر يستفيد من «قصيدته» في هذا.. الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر.

    l ربما أشير هنا إلى هذا التواصل والتماهي الحميم بينك وبين الجمهور.. ومن ثم فالشاعر هو صاحب القصيدة؟؟..

    ll أولاً أنا سعيد بهذا التواصل الحميم بين قصيدتي والجمهور.. وهذه المشاركة تنجم أيضاً عما يجوز تسميته بالتماهي بين ذاتي وذات الآخر.. هناك شيء من التماهي لم أخطط له.. لكن كما يبدو من ردود الفعل على هذه القصيدة يبدو أن هناك تماهياً إنسانياً ووجدانياً وفكرياً أيضاً بيني وبين عدد كبير من الناس..

    l في سنوات مضت اعتبرت غزيراً في نتاجك، ثم بدأت في الإقلال والتأني.. برأيك ما هو سبب التحول إلى الإقلال؟؟

    ll أعتقد أن هناك خطأ بصرياً في الشطر الأول من عمري، ربما كنت أكتب القصائد بالمقاييس العادية وبتوهج الشباب.. كل قضية تصادفني تتفجر من خلال قصيدة.. بمرور الزمن تصورت لدي صيغة السربية أو المطولة حيث ظهرت سربيتي الأولى «إرم» لكن لم أعتمدها شكلاً أساسياً إلا في العقدين الأخيرين.. وهذا الشكل من المطولات الشعرية السربيات التي تقوم على التداعي ولا تقوم على وحدة الشكل، تقوم على تعددية الحالات واللمحات والإيقاعات والأشكال، لكن ينتظمها هاجس واحد أساسي من بدايتها حتى نهايتها مع تشعبات واستطرادات كثيرة في الشكل وفي المضمون وفي الصور. هذا هو الشكل الذي أسميته بالسربية والذي كما يبدو استراح له عدد من الشعراء، من أصدقائي الشعراء، ومنهم شعراء كبار تبنوا هذا الشكل وكتبوا به.. لذلك أصبحت عناويني أقل غزارة.. لكن العمل الشعري حافظ أو ربما صعد من وتيرته..
    أقرأ هنا في كتابك الشعري الجميل:

    تقدموا.. تقدموا

    كل سماء فوقكم جهنم

    وكل أرض تحتكم جهنم

    تقدموا..

    يموت منا الشيخ والطفل

    ولا يستسلم

    وتسقط الأم على أبنائها القتلى

    ولا تستسلم..

    تقدموا..

    بناقلات جندكم..

    وراجمات حقدكم

    وهددوا..

    وشردوا..

    ويتموا..

    وهدموا..

    لن تكسروا أعماقنا

    لن تهزموا أشواقنا

    نحن قضاء مبرم..

    l من قصيدتك «رسالة إلى غزاة لا يقرؤون».. أسأل: الانتفاضة كتبها سميح القاسم بتميز.. ماأثرها على أدبك بشكل عام، وعلى أدبنا الفلسطيني بامتداده؟؟..

    ll هناك نقاد كثيرون بحثوا عن إرهاصات الانتفاضة في قصائدنا، في الشعر العربي الفلسطيني، وألمحوا إلى مقاطع وإلى أبيات وإلى قصائد كأنما بشرت بالانتفاضة وحرضت عليها، وهذا اقتراح مشروع ومبرر عند الناقد.. لكن الانتفاضة الأولى لم أكن مراقباً فيها بل أتيح لي أن أشارك في بعض فعالياتها. لذلك قصيدة «رسالة إلى غزاة لا يقرؤون» كانت من قلب الحدث وعرفت بشكل واسع..

    l أعتقد أنها قصيدة الانتفاضة، وأنها أول قصيدة عن الانتفاضة؟؟

    ll كانت أول عمل شعري متكامل كتب في قلب الانتفاضة، وبدأت إيقاعاته على إيقاع قنابل الغاز والرصاص المطاطي والشظايا التي كانت تتطاير من حولي في القدس.. إيقاعاتها بدأت هناك.. أخذت إيقاع الشارع وإيقاع المظاهرة ورائحة الغاز المسيل للدموع التي دخلت رئتي.. كأنما كل هذه الأمور كتبت نفسها في هذه القصيدة.. رغم البساطة الظاهرية والمباشرة الفنية الموجودة فيها دون شك..

    l إنها من نوع الشعر الذي نطلق عليه تسمية السهل الممتنع؟؟

    ll قد تكون تسمية السهل الممتنع هي التسمية الأدق نعم.. بحيث يعتقد كل قارئ أنه يستطيع أن يكتبها، ولكن اكتشفت أنا شخصياً أنني لا أستطيع أن أكتبها مرة أخرى.. لا أستطيع أن أكتب مثلها مرة أخرى.. هذه القصيدة لم تكن من خارج الانتفاضة، بل كانت من داخلها وكانت إيقاعها وكانت لحمها وكانت دمها، لذلك بقيت وترددت كثيراً.. هي قصيدة الانتفاضة بالفعل.. في كل أمسية شعرية أطالب بقراءتها، أحياناً أشعر بضيق، أريد أن أقرأ شيئاً جديداً مختلفاً، ويصر الجمهور على قراءتها.. أحياناً أدعي أنها ليست معي لأتهرب..

    l لكن لا تنسى أن الجمهور صار يحفظها.. فهو يردد معك ما تقرأ حين تقرأها..

    ll نعم حين أقرأ هذه القصيدة يرددون معي.. نعود لشعر الانتفاضة بشكل عام.. ليس بالضرورة أن كل ما يكتب عن الانتفاضة هو شعر جيد، وليس بالضرورة أن يكون الموضوع العادل والجميل والجيد كافياً لتبرير قصيدة. هناك قصائد جيدة كتبت عن الانتفاضة، وهناك قصائد رديئة كتبت عن الانتفاضة. الانتفاضة تحولت إلى هاجس ليس في الشعر الفلسطيني فحسب بل في الشعر العربي ككل، لأنها تحولت من حدث سياسي إلى هم قومي ووطني وإنساني.. فوجئت في بلجيكا بشاعر يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة باللغة الفرنسية، فوجئت بألمانيا بشاعر ألماني يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة بالألمانية.. فوجئت في أكثر من بلد أجنبي بشعراء وشاعرات كتبوا قصائد بعنوان «انتفاضة» لفظ الكلمة بالعربية وبحروف أجنبية..

    l قد أقف هنا عند نوع من الأدب الإسرائيلي الذي كتب عن الانتفاضة.. ماذا نقول عن هذا الأدب أو هذا النوع؟؟

    ll ليس لدي قدر كاف من العنصرية بحيث أنفي الصدق عن كل ما كتب، قد يكون هناك شاعر عبري شعر بالفعل بالإهانة من تصرفات دولته وجيشه وشرطته واستفذ وكتب قصيدة صادقة، قد يكون ذلك.. لكن على العموم تظل الكتابة العبرية بمعظمها نوعاً من تبرئة الذمة، تسجيل موقف، ولم يزل هناك وقت حتى يتحول الإنسان الفلسطيني والإنسان العربي إلى هم حقيقي أو إلى نقطة قلق عند الكاتب الإسرائيلي.. ما زال يكتب بفكره وبآرائه وأشك في أن يكون الإنسان العربي قد تحول إلى هم وجودي عند الكاتب العبري..

    l قيل الكثير عن الأدب المقاوم، لن أدخل في التوصيفات الجاهزة.. لكن هناك من رأى بشيء من الغباء ربما أن الأدب المقاوم كله سيطير بنفخة حين يحل السلام.. أصر على أنه رأي عجائبي.. لكن هنا أريد أن أسألك ماذا تقول عن هذا الأدب حاضراً ومستقبلاً؟؟.

    ll لنقل لهذا الرأي العجائبي أولاً ليسترد شعبنا حقوقه وليطر أدب المقاومة في الهواء!!.. نحن لم نطلب النكبة ولم نطلب النكسة ولم نطلب الكوارث لنقاومها ولنكون شعراء مقاومة.. وثانياً نحن لم نطلق على أنفسنا شعراء المقاومة أو أدباء المقاومة التسمية أطلقت علينا من الخارج ونعتز بهذا اللقب، وأولئك الذين يقفون هذا الموقف من أدبنا هم محرجون، نظروا لنوع آخر من الأدب ولم تقدم نظرياتهم إبداعاً استحق الحياة أو استحق الوجود، بالمقابل ظهرت ظاهرة شعرية وأدبية أقبل عليها الشعب العربي والقارئ العربي وعانقها وأحبها واحتضنها وحفظها عن ظهر قلب، لذلك اعتبروا هذا الأدب كأنما هو صخرة تحطمت عليها أمواجهم وتطايرت عليها رذاذاً.. أنا مع تعايش التجارب الأدبية، ليبدع كل من شاء كيف شاء، لا أضع مواصفات للشعر ولا للنثر ولا للنقد، أقول قصيدتي كما يقولها زملائي، بتجربتنا، بطاقتنا الفنية، بوعينا وبوجداننا، ونتابع الحياة كما ينبغي أن نتابعها، ولكن كما يبدو فإن السلام والحرب معاً لا يستطيعان محو وجدان شعب وذاكرة شعب، نرجو أن تنتهي الانتفاضة إلى نصر وألا يضطر شعبنا إلى الانتفاض على الاحتلال طبعاً من خلال زوال الاحتلال.. لكن أعتقد أن جمهور الشعر العربي سيحن دائماً إلى نماذج كثيرة من شعر الانتفاضة وسيحفظها عن ظهر قلب بمثل ما يحفظ صورة جده وجد جده، مضى الأجداد من العالم ومازالت صورهم في قلوبنا وفي منازلنا وفي دفاترنا وفي مكتباتنا، لذلك أعتقد أن التعامل النقدي مع هذه التجربة يجب أن يكون أرقى وأكثر صدقاً وبعيداً عن العقد الذاتية والإحباطات والشعور بالقزامة أمام هذه التجربة أو تلك..

    l حبك للتجديد واضح جلي في شعرك ونثرك.. ما مفهومك للتجديد من جهة وللحداثة من جهة أخرى؟؟..

    ll أنا بطبعي ملول، هذا ينعكس على تجربتي.. لا أحب التكرار، أحب المغامرة الفنية وأمارسها على مزاجي وبكامل حريتي وأحترم حس الآخرين بالمغامرة الفنية.. لذلك من الطبيعي أن يلتقي في تجربتي المناخ الكلاسيكي بالمناخ الحديث، السريالية بالواقعية الاشتراكية.. هذه شخصيتي في الحياة..

    l أخيراً أنت من الأسماء القليلة جداً التي عرفت بشكل واسع لتكون نجماً.. أسأل ما تأثير النجومية على شعرك وأدبك.. ألا تشعر بأن حب الناس يحاصرك ويطالبك بالمزيد دائماً؟؟..

    ll تسمية النجومية تسمية من خارجنا.. أما تأثير هذه «النجومية» ـ أصر الشاعر سميح القاسم على وضعها بين قوسين ـ فربما لاشيء، فهي لا تؤثر على القصيدة وعلى السلوك الشخصي.. برأيي فقط الإنسان الضعيف، ضعيف الشخصية، تسكره النجومية وتفقده القدرة على الاتزان.. الأمر الأساسي عندي هو هذا الاكتشاف الجميل لأصدقاء لقصيدتي، في كل مكان أذهب إليه هناك أصدقاء محبون أوفياء لهذه القصيدة وهذا عزائي الوحيد..

    وتبقى القصيدة طائر العمر ونسمع من الشاعر القاسم:

    هلا .. يا هلا

    إلى عرسنا .. أولاً ..

    إلى شمسنا .. أولاً ..

    إلى قدسنا .. أولاً ..

    هلا .. يا هلا ..

    بأبيض

    أسود

    أخضر

    أحمر

    طعام الشهيدة يكفي شهيدين

    والله أكبر

    الله أكبر

    الله أكبر..

    ******************************



    ضيف الحلقة
    الشاعر سميح القاسم

    أحمد علي الزين: لا أعرف من أين أبدأ كي أصل, الآن هنا وليس لديّ خريطة كما يفعل السائح، أو كما يفعل عالم الآثار، ولست مستشرقاً أبحث عن مصادر اللغات القديمة، ولست مستوطناً حملته الوكالة بين البضائع المشحونة من الغرب تكفيراً عن ذنب. أذكر كأني عبرت هذه الحدود مرة إلى الجليل, أو أنّ أبي فعل ذلك ليفي بنذر أو أمانة أو في مقايضة الزيت بالحرير، الآن هنا الشجر الدهري دليل قاطع على أنّي لم أضل الطريق, وإن عملت أيادٍ سود على إبادته ومحت معالم الدرب والقرى, الآن هنا ولكن أمام الشريط كأني أبحث عن ظلّي في يومٍ غائم, كان ينبغي أن نلتقيه هنا في بيته, ولكن هذا يستدعي أن نبدأ كل شيء من جديد, أن نمنع مثلاً حدوث "سايكس بيكو" أو أن نستهلّ أعمارنا من البداية ونمنع رسم الحدود، ونعترض سفن الوكالة، وجيوش الغزو، أو أن ننتصر ولو في حرب واحدة أو أن تكون الخسارات أقل فداحة, ولكن كلّ هذا لم يحدث فكان أسهل عليه قليلاً أن يقوم بزيارة لأهله على الضفة الأخرى خارج البلاد. أستاذ سميح القاسم بدايةً لمنع الالتباس فقط إنّو هذه العكازة التي تتكئ عليها هي مش نتيجة للزمن ووطأة العمر, أتت نتيجة حادث مرور على ما أعتقد.

    القصيدة عكّاز الروح

    الشاعر سميح القاسم: نعم نحن نقول العصا لمن عصى, لكن هذه العصا بالذات هي نتيجة لحادث طرق صعب، لكنه أقل صعوبة من حوادث التاريخ التي يتعرض لها الشعب والوطن والأمة في هذه المرحلة. والتي تستدعي عكازاً من نوع آخر, عكازاً سرياً ربما هو عكاز الروح.
    أحمد علي الزين: عكاز الروح كلام جميل, وهذه العكاز.. يعني عكاز الروح هي الحافز اللّي بتخليك تصرخ على طريقتك عبر القصيدة؟
    الشاعر سميح القاسم: لعلّ القصيدة هي عكاز الروح.
    أحمد علي الزين: لعل القصيدة هي عكاز الروح, يعني لازم نسألك مثل ما بيسألوا الغيّاب بعضن, إنه كيف تركت فلسطين؟
    الشاعر سميح القاسم: المألوف هو الإجابة بالقول: بألف خير, لكن لا أحب مجاملة المألوف, لأنّ المألوف في غاية التعقيد والصعوبة, لسنا بخير في هذه الأيام, وتعلمون أنّ شعباً عربياً بأسره يتعرض للاجتياح والقتل والدمار والقمع لا لسبب سوى أنّه يشتهي ما يشتهيه كل إنسان من معاني الحرية, والكرامة الوطنية, والقومية, وحقوق الإنسان, والديمقراطية, والعدالة التي يتغنّى بها أعداء شعبنا, وأعداء جميع الشعوب.
    أحمد علي الزين: يعني بدايةً سميح القاسم عبر الحدود إلى البيوت العربية, عبر القصيدة اللّي ما بتستدعي جواز سفر، الناس بيعرفوك شاعر المقاومة شاعر فلسطين شاعر القضية، يعني حبذا لو نعرف الوجه الآخر لسميح القاسم يعني البدايات الأولى اللّي هي بلشت قبل النكبة الأولى قبل 48 يعني كيف أتيت إلى هذه الرحلة الطويلة؟
    الشاعر سميح القاسم: أريد أن أوضح قلقي وعدم ارتياحي لوضعي في خانة إقليمية ضيّقة، أعتز بأن أكونَ كما ذكرت.. تفضلت شاعر فلسطين, وشاعر القضية, والمقاومة, لكن حين تعود إلى أعمالي الشعرية ستكتشف أنّ وجعي ليس إقليمياً, ليس فلسطينياً فحسب لدي وجعي اللبناني ووجعي العراقي ووجعي
    أحمد علي الزين: الإنساني.
    الشاعر سميح القاسم: القومي ووجعي الإنساني أيضاً. إذاً اسمحوا لي أن أحتج أيضاً على مفاهيم سايكس بيكو في الثقافة.
    أحمد علي الزين: الصورة يا ابن عمي عاجزة أن تجعلني أهتدي إلى البيوت ثم الصورة اليوم غيرها القديمة في حقيبة الشتات الآن هنا أعيد الشريط من أوله وذاكرتي من أولها أعيد التأمل في الطريق نحو أهلي القدماء نحو موطئ الأنبياء والرعاة ولا أصل إلا في الكتاب ولو وقفت على قمة جبل متاخم لمرمى الحدود مشرفٍ على غابة الزيتون على ظل فتى لاستطعت المقارنة بين الصورة والأصل وتعلم ليست بعيدة البلاد التي حفظناها في قرانا النائية ولكن رغم ذلك لم أصل.
    أحمد علي الزين: بكونك عشت التجربة بكل آلامها..
    الشاعر سميح القاسم: نعم.

    إسرائيلي والحق على العرب

    أحمد علي الزين: وبكل أوجاعها يعني هذا يستدعيني أو بحفزني أسأل سؤالاً آخر هو الازدواجية بكونك مستلب الهوية الحقيقة، هويتك الحقيقية، وتحمل جنسية أخرى تعبر بها الأمكنة يعني على ما أظن أنك تعيش آلام هذه الازدواجية كيف تغالب هذه الآلام؟

    "هويتي لا يقررها مجلس وزراء أو شرطة أو وزارة داخلية وكما قلت مراراً جواز سفري هو قصيدتي وهويتي غير قابلة للحوار وللنقاش وللمساءلة "

    الشاعر سميح القاسم: ستكون إجابتي مستفزة بعض الشيء فاعذروني كنت أتمنى على 300 مليون عربي أن يكون لديهم وضوح الهوية الذي أتمتع به، هويتي لا يقررها مجلس وزراء أو شرطة أو وزارة داخلية وكما قلت مراراً جواز سفري هو قصيدتي وهويتي غير قابلة للحوار وللنقاش وللمساءلة أنا ابن هذه الأمة وابن هذا الوطن، أرفض التجزئات المفتعلة، أرفض مشروع سايكس بيكو في السياسة، وفي الجغرافية، وفي الثقافة، وفي الفكر، وفي كل شيء، وأرفض محاولات تغريبي الفكري والروحي، ومحاولات محو ذاكرتي العربية الفلسطينية والمقدسية إذا شئنا، لكن هذا الصراع يظل في السياسة يظل خارج الروح والوجدان، لن تقوى أية قوة غاشمة وظالمة خارجية وداخلية على محو هذا الالتحام العميق والأصيل، والعفوي بين جسدي وروحي ووطني وأمتي، وإنسانيتي، والهوية التي تحركني وأحتمي بها وتحتمي بي أحياناً.
    أحمد علي الزين: ولكن هو أنا مش اتهام أنك تحمل يعني جنسية إسرائيلية؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم أنت تتعاطف معي أنا أعرف..
    أحمد علي الزين: مش اتهام ولكن مجبر أخاك لا بطل، ربما الخيار الآخر أنك تترك وتغادر ربما يكون أكثر مرارة وشفنا يعني..
    الشاعر سميح القاسم: نعم أنا رفضت وتعلمون أني رفضت بأي شكل من الأشكال أن أغادر وطني وبصراحة مُتناهية لو خيرت بين أن أدمغ على جبيني وعلى أي مكان من ظهري بنجمة داود، وبين البقاء في الوطن فسأبقى في الوطن مدموغاً ولن أغادر الوطن لأن الفيزياء السياسية والتاريخية لا تقبل الفراغ أيضاً ورحيلي يعني استقدام قادم جديد من روسيا أو من أثيوبيا أو من أي مكان آخر ولدي وطن جميل وقرية فاتنة وبيت أيضاً يطل على البحر المتوسط وعلى بحيرة طبريا فلا أستبدل هذا البيت بالبيت الأبيض، وبيتي هو أبيض لكنه أصغر من البيت الأبيض في واشنطن لكني لا أستبدل هذا البيت بأي مكان في العالم.
    أحمد علي الزين: طيب يعني هذا الوعي المبكر عندك يعني هذا الوعي هو أتى نتيجة ضرورة كفاحية أنه بقاءك داخل الأرض المحتلة مُجدي أكثر من غيابك؟
    الشاعر سميح القاسم: حين حدثت النكبة كنت في الثامنة أو في التاسعة من العمر، لكن الذي فتح وعيي على هذه المسألة كان أحد أجدادي الذي قال لابنه المحامي القادم من دمشق للترحيب بالعائلة حين تذهب إلى دمشق قال له والده الشيخ المرحوم حسين علي أسعد الحسين أنا أعتز بهذا الشخص قال له موت في الوطن ولا حياة في الغربة.
    الشاعر سميح القاسم:

    حمامٌ مقيمٌ على سطح داري
    غمامٌ جديدٌ على شُرفات النهارِ
    سلامٌ على غضب العمرِ
    يوماً فيوماً وشهراً فشهرا وعاماً فعاماً
    سلامٌ على قرحتي وليالي انتظاري
    سلامٌ على نكبتي وعلى نكستي وانكساري
    سلامٌ على فرحتي بانتصاري
    بخفق الخطى العائدات إلى البيت
    في تعتعات الطريق وعزف المسار
    وبعد المزار

    أحمد علي الزين: الآن هنا لا بأس سأتخيل أنني عبرت الحدود في نهار ربيعي تسللت بين الشجر، تماهيت بظله استعنت ببعض القصائد والحكايات التي حفظناها صغاراً في الصباحات النائية، وببعض خرائط الثوار القدماء سأتخيل أنني في الطريق تلتبس عليّ اللغة ويلتبس عليّ صوتي حين أسأل العابرين أو أتخيل ذلك، أسألهم عن سور قديم وبيت وشرفة وشجرة ياسمين. أعلم أن الصور القديمة التي حُملت في حقائب الشتات هُدمت قاماتها الأصل ولكن تقول لي قامات أهلها وإن حنا بعضها أمام الزمان تميل نحو ترابها الأحمر وجذورها المتفرعة تحت الصخور. أما الصورة الأكثر غوراً في القلب والوجدان هي تلك الجموع التي تودع الجموع على الأكف إلى ترابها وتعود لتعيد بناء البيت وغرس شجرة الود للوليد القادم أما الحكمة تقول مجنونة هي الجزيرة التي تعادي المحيط.

    ثمن البقاء في الأرض

    أحمد علي الزين: أستاذ سميح يعني نتيجة هويتك أو الجنسية اللي بتحملها يعني مفروض تقوم ببعض المساومات أو بعض التنازلات يعني حتى تكون حياتك يعني أقل مرارة؟

    "أختار البقاء في الوطن أنا على استعداد لدفع الثمن الكامل مُقابل هذا البقاء، وأنا أنتظر اللاجئين أنتظر المُشردين ولا أريدهم أن ينتظروا "

    الشاعر سميح القاسم: اصطدمت ببعض الحالات في بعض الأقطار العربية مثلاً بذريعة أن استضافتي في هذا البلد أو ذاك يجب أن تسبقها إجراءات للالتفاف على جواز السفر الرسمي أو الأوراق الثبوتية الرسمية، لكنني دائماً أصر على رفض هذا التوجه، هذه الحالة الاستثنائية لم أخترعها أنا، فُرضت عليّ وأنا أحمل أشقائي العرب مسؤولية كبيرة فيما أصاب طفولتي وأرفض أن يزاود عليّ أحد أرفض رفضاً قاطعاً أن يزاود عليّ أحد من المحيط إلى الخليج، أنا أختار البقاء في الوطن أنا على استعداد لدفع الثمن الكامل مُقابل هذا البقاء، وأنا أنتظر اللاجئين أنتظر المُشردين ولا أريدهم أن ينتظروا.
    أحمد علي الزين: جميل، طيب السلطات الإسرائيلية وقت يعني إذا أردت أن تغادر إلى مكان ما، أحياناً تتدخل أو تمنعك يمكن حدث ذلك أكثر من مرة منعتك؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم منعت مثلاً من زيارة لبنان وخيرت بين أن أزور لبنان وأبقى في لبنان في أحد المخيمات في لبنان، وبين عدم السفر فاخترت عدم السفر أُجبرت على عدم السفر إلى لبنان لأن المسألة وضعت أمامي بهذا الشكل إذا سافرت فلا يوجد لك مجال لك بالعودة.
    أحمد علي الزين: وشو خشيتهم كانت؟
    الشاعر سميح القاسم: يخشون التواصل شكلاً خاص ليس مع جميع الآخرين ربما بشكل خاص.
    أحمد علي الزين: مع اللبنانيين؟
    الشاعر سميح القاسم: مع لبنان مع سوريا مع الأردن مع بلاد الشام التي هي بيئتنا الطبيعية وهي امتدادنا الإنساني هذه التجزئة المروعة التي فرضتها جريمة سايكس بيكو والتي نتواطأ نحن معها إلى يومنا هذا نحن نتواطأ مع السفاح والمجرم ومع العدو نتواطأ ببشاعة وبفظاعة لا توصف لكن التواصل يتم، يتم التواصل لأن الانتماء القومي والإنساني كالريح وكالماء وكالنار يجد له منفذاً بشكل أو بآخر لابد من ذلك.

    مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي

    أحمد علي الزين: أستاذ سميح بتجربتك الموازية لتجربة القصيدة كان عندك تجربة حزبية عملت بالشأن السياسي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: كنت بالحزب الشيوعي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: يعني هذه التجربة كنت في موقع قيادي على ما أعتقد؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم.
    أحمد علي الزين: يعني تلك التجربة ماذا حققت على أرض الواقع اليوم؟
    الشاعر سميح القاسم: نعم، فكري من تربيتي ربما المنزلية ومن ثقافتي هو فكر قومي أممي. وهي خلطة تبدو غريبة بعض الشيء أن تكون عروبياً معتزاً بعروبتك، وأن تكون في الوقت نفسه إنساناً كونياً. هذه هي ثقافتنا. وحتى أتحرك سياسياً حتى أشارك في مسيرة أو في مظاهرة أو في اعتصام أو في مواجهة لا.. كان لابد من إطار قياسي منظم والإطار الوحيد المعادي للصهيونية الذي أُتيح لي آنذاك كان الحزب الشيوعي وبالمناسبة أنا أعتز بهذه المرحلة أعتز بها كثيراً، رغم أنني لعقدين من الزمن أو أكثر لست حزبياً أنا مُستقل، لكنني أعتز بمرحلة الانتماء لهذا الحزب الذي قاد كفاح الجماهير العربية حمى اللغة العربية من الضياع، حمى ثقافتنا، حمى ذاكرتنا، وكان الإطار الأول الذي شكل لجان الدفاع عن المقدسات الإسلامية والسنية والدرزية والشيعية والمسيحية في بلادنا وادعاءات التكفير والتخوين المنحطة التي توجه إلى هؤلاء الأبطال مرفوضة عندي رفضاً قاطعاً.
    أحمد علي الزين: يعني داخل الحزب الشيوعي آنذاك كان فيه أعضاء يهود إسرائيليين..
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم.
    أحمد علي الزين: ولابد من سجالات كانت تدور بينك وبينهم..
    الشاعر سميح القاسم: نعم، نعم.
    أحمد علي الزين: يعني بأي حدود كانت تلك السجالات؟ يعني هل هم أولئك هل هم مضللون بالادعاءات ادعاءات النصوص ادعاءات الصهيونية.
    الشاعر سميح القاسم [مقاطعاً]: الله يطعم الأمة العربية مضللين كهؤلاء.
    أحمد علي الزين: نعم.
    الشاعر سميح القاسم: أي مضللين؟
    أحمد علي الزين: أسأل..
    الشاعر سميح القاسم [متابعاً]: كانوا ضد الصهيونية بشكل جليّ، وأول محاولة اغتيال سياسي في الكيان العبري تعرض لها ماير فيلر زعيم الحزب الشيوعي الإسرائيلي قبل رابين وقبل سواه. أول محاولة اغتيال سياسي. هؤلاء مناضلون شُركاء ونعتز بتاريخهم وبنضالهم ولنذكر دائماً أننا لسنا عنصريين.
    أحمد علي الزين: يعني بتقديرك عايش أنت بقلب الصورة وعايش بقلب القضية منذ 65 سنة.
    الشاعر سميح القاسم: لا، منذ عشرين، وعشرين، وخمس وعشرين.
    أحمد علي الزين: كيف، كيف فينا نقرأ أو كيف تقرأ صورة المستقبل داخل الأرض المحتلة؟

    "الحقبة الذهبية في تاريخ اليهود هي حقبة اليهود في كنف العرب والمسلمين، العصر الذهبي اليهودي في الفلسفة وفي الفكر وفي الثقافة وفي الدين هو العصر الأندلسي، تحت كنف العرب والمسلمين "

    الشاعر سميح القاسم: أولاً بالنسبة للسياسة جورج أرويل كاتب لا أحبه لكنني أتفق معه في قوله عن القرن العشرين نحن نعيش في قرن سياسي. أما بالنسبة لمصير إسرائيل هناك ضرورة لتجزئة مسألة المصير: مصير ناس هم الإسرائيليون، ومصير إطار هو الدولة العبرية. أعتقد أنه على مستوى مصير الناس اليهود لدينا إجابة واضحة عبر مئات السنين عبر التاريخ كله، ونستعمل هذا الكلام في حوارنا مع المثقفين الإسرائيليين أيضاً نقول لهم دائماً أن الحقبة الذهبية في تاريخ اليهود هي حقبة اليهود في كنف العرب والمسلمين، العصر الذهبي اليهودي في الفلسفة وفي الفكر وفي الثقافة وفي الدين هو العصر الأندلسي، تحت كنف العرب والمسلمين. ونحن نقول لهم دائماً أفران الغاز ليست عربية وليست مسلمة. المذابح، المحارق، اللاسامية، الفاشية، النازية، هذه الكوارث التي تعرضتم لها لم تكن من صنعنا نحن. عليهم أن يختاروا بين الاحتلال والعنصرية والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية وبين الزوال. الاستمرار في مواجهة هذه الأمة سيعني زوالهم لن يعني بأي شكل من الأشكال زوالنا نحن، ونذكرهم دائماً بالمثل الصيني الذي يقول مجنونة هي الجزيرة التي تعادي المحيط.
    أحمد علي الزين: الكثير من الأسئلة تخطر بالبال عندما يلتقي أحدنا بقادم من الأرض المحتلة. فكيف إذا كان هذا القادم سميح القاسم؟ الشاعر الذي اختار مرارات البقاء في البلاد على مرارات الشتات، والذي وصل صوته قبله بعشرات السنين إلى البيوت العربية. وشكل حالة ثقافية بموازاة التجربة بشقها النضالي والسياسي. الكثير من الأسئلة تخطر في البال ربما هو الشوق للتعرف أكثر على أرض سكنت الوجدان بأهلها وعلى شاعر فتح نافذته للصباحات والأمل هي الرغبة في تلمس بعض ملامح الدرب نحو المصير والمستقبل بعض هذه الأسئلة سنتابعها مع سميح القاسم إنما في زيارة معاكسة.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:35 am

    القاسم بين الشعر والسياسة

    مقدم الحلقة: بسام القادري

    تاريخ الحلقة: 30/10/2004

    بسام القادري: مشاهدينا السلام عليكم وأهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج أوراق ثقافية في هذه الحلقة نلتقي وإياكم مع شاعر كبير حمل روحه على كفه من أجل بلاده وفي انتظار طائل الرعد ظل الشاعر يغني منتظرا فجر الحرية والتحرر الذي طال كثيرا، أنه الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم كتب القاسم ما يزيد على الخمسين كتابا ما بين ديوان شعري ورواية ومسرحية وغيرها من دروب الإبداع التي أصابها القاسم بصاعقة إبداعه وفي إبداعاته كلها ظل القاسم مشدودا إلى فلسطين دون سواها مُغنيًا تاريخها وحقولها أرضها وسماءها أطفالها وشهداءها دون أن يتخلى عن فنية قصيدته التي حملت القضية الفلسطينية إلى العالم بأسره لتصبح جزءا من ضمير هذا العالم كقضية شعب مكافح يحمل السلاح بيد والكتابة أو القصيدة بيد أخرى.

    الراهن الفلسطيني واليقين الشعري

    سميح القاسم: الآن يغطس عرشك المائي أمواج من الظلمات تغمر بهجة الأعياد.. تقترب الملوحة من قباب الملك.. تغرق غابة أخرى.. تغيب القمة الخضراء في أوكيانوس الظلمات.. تفغر جوفها الأعماق.. تقبل شهوة الحيتان.. يهرع من مكامنه السحيقة.. يهرع من مكامنه السحيقة.. موكب السرطان.. ينشر إخطبوط اليأس أذرعة مدربة.. ويا مولاي في شرك مميت أنت.. في شرك مميت أنت.. في شرك مميت تختفي المدن الكثيفة والقرى المعزولة الثكنات.. أبراج المعابد والمصانع والحدائق.. تختفي الأشجار والطرق المعبدة الموانئ والمقاهي.. وتظل ربانا على برج السفينة.. رافعا كفيه صوب يد الإله.. تتلاطم الأمواج حولك.. يستعد القاع للحفل للكبير.. والماء يصعد أنت تهبط.. تختفي قدماك.. ربانا بلا قدمين.. يعلو الماء.. ربان بلا ساقين.. يعلو الماء تهبط أنت.. سرتك احتفاء الأهل.. بالطفل الجديد على السرير.. وسريرك المائي يغطس.. تختفي كتفاك تحت الماء.. يهبط رأسك المائي.. يسبح شعرك المائي.. في ماء بلا حد.. على ماء بلا حد وروحك عائد للماء .. فوق الغمر يطفو.. يستعيد الله آياته القديمة.. وتغوص في القيعان اطلانتس.. وتغوص في القيعان اطلانتس.. يغوص الملك في الظلمات.. أنت تغوص في القيعان.. في أحلام يقظتك الوخيمة.. وتغوص أسرار الجريمة.. وتغوص أسرار الجريمة.. وتغوص أسرار الجريمة.

    بسام القادري: سميح القاسم سأبدأ هذا اللقاء من حيث انتهيت في قصيدتك، لنبدأ من الراهن الفلسطيني رئيس محاصر قيادات مستهدفة بشكل دائم اغتيالا وسجنا وشعبا يكاد يفقد آخر ما تبقى له من فسحة الأمل سميح القاسم كيف تنظر إلى الصورة في فلسطين حاليا؟

    " اغتيال القياديين ومحاصرة الشعب والتخريب الروحي والمعنوي والاقتصادي والسياسي، أمور مستمرة فالنتيجة الحتمية هي المقاومة ورفض كل معادلة أخرى تطرح "

    سميح القاسم: نحن دائما نبحث عن العزاء في ظواهر الطبيعة من ظواهر الطبيعة مثلا أن حلكة الظلام تشتد في نهاية الليل ونتوقع بزوغ الفجر فلذلك أستعير الطبيعة مرة أخرى لكن لا أكتفي بالعودة إلى الغيبيات وإلى أسرار الطبيعة هناك حقائق تاريخية وتطور تاريخي لا يمكن أن يستمر، الوجع الفلسطيني والنزيف الفلسطيني بلا حدود لابد من نهاية قريبة والنهاية مرهونة بنهاية الاحتلال هذا ما نقوله دائما ما دام الاحتلال مستمرا ما دام القمع والتجريف وهدم المنازل وقتل طالبات المدارس واغتيال القياديين ومحاصرة الرئيس ومحاصرة الشعب بأسره والتخريب الروحي والمعنوي والاقتصادي والسياسي مادامت هذه الأمور مستمرة فالنتيجة الحتمية هي المقاومة، نرفض كل معادلة أخرى تطرح نرفض محاولة تلويث معنى المقاومة بمفاهيم الإرهاب الدولي والإرهاب الإسلامي والإرهاب الفلسطيني نرفض هذا التهريج الإرهابي ونرفض الممارسات الإرهابية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ويبقى اليقين وهو ليس يقينا شعريا فحسب بل هو يقين تاريخي علمي ثوري مبرر ستنتصر إرادة الشعب العربي الفلسطيني.

    بسام القادري: سميح القاسم لنعد قليلا إلى الوراء كنتم ثلاثة شعراء حملتم قضية شعبكم على أكتافكم وتعهدتم بأن تبقوا كالصبَّار في حلق العدو أحدكم غادر فلسطين في مطلع السبعينيات والآخر مات وبقيت أنت العمر الطويل إن شاء الله كيف ترى إلى تلك الصحبة وإلى ذلك المشروع الذي تبنَّى الشعر في مواجهة السيف؟

    سميح القاسم: أنا مبدئيا أرفض الحديث عن مشروع شعري لم يكن هناك مشروع، المشروع الشعري يتحقق نتحدث عنه بعد تحققه لكن لا يمكن لشاعر أو لشعراء أن يضعوا مشروعا مسبقا هذا منافي للعملية الإبداعية منافة تامة يعني لا يجوز تصور أن شاعر يقول سأفعل كذا وسأكتب كذا هذا غير وارد بالحسبان والحقيقة أيضا الإحصاء حصر هذه الظاهرة في ثلاثة أسماء أيضا فيه ظلم لعشرات آخرين سبقوا جيلنا وعايشونا.

    بسام القادري: من الأقل الأسماء لمعت يعني شعبيا وإعلاميا.

    سميح القاسم: نعم أعتقد أن هذا لا يكفي أيضا الوميض الشعبي لا يكفي هناك حركة شعرية عربية داخل الشعب الفلسطيني فيما تسمونه عرب الثامن وأربعين لكنه غير منسلخ عن الحركة الشعرية بين أشقائنا في المنافي وغير منسلخ عن الحركة الشعرية في لبنان وفي سوريا وفي مختلف أرجاء الوطن العربي لذلك أنا لا أحب التعامل مع الثقافة بمنظور إقليمي أو جهوي أو حزبي.

    بسام القادري: هنا سميح القاسم لابد أن نسأل عن حال الثقافة العربية بشكل عام وكيف تنظر إليه؟

    سميح القاسم: سأكون صريح كالعادة رغم أن ذلك يكلفني باهظا أحيانا فيما يسمى العالم الثالث أنا شخصيا أرفض هذه التسمية لكن يبدوا لي أن الكثيرين من المثقفين بين أقواس تبنوا مقولة العالم الثالث ويتصرفون بعقلية العالم الثالث، العالم الثالث هو سوق للأغذية الفاسدة وللأدوية التي انتهت صلاحيتها هذه مسألة معروفة للأسف الشديد أيضا في الثقافة تتحول ديار العرب إلى سوق لثقافة فاسدة وثقافة انتهت صلاحيتها بمعظمها هي ثقافة تقليد استنساخ لتجارب أجنبية استنساخ متخلف غير مثقف لذلك أنا أرى مقبرة نفايات ثقافية أكثر مما أرى حركة ثقافية.

    سميح القاسم وزيرا

    بسام القادري: سميح القاسم بحال كلفت أو عُينت وزيرا لوزراء الثقافة العرب ما أول خطوة تقوم بها؟

    سميح القاسم: أنت تريد أن تقطع رزقهم سأصرفهم من العمل جميعا بدون استثناء لأن المثقف لا يمكن أن يكون ضابطا في المخابرات أو جزء برغيا من آلة السلطة وتفوز وطاغوت وزراء الثقافة إذا كان لابد من وزراء ثقافة فليكونوا من المبدعين الحقيقيين ليس من الشعراء أنصحكم بالابتعاد عن الشعراء عن توزير الشعراء.

    بسام القادري: لماذا؟

    سميح القاسم: ربما من الفنانين التشكيليين من الموسيقيين.

    بسام القادري: قبل اللقاء المصوَّر أو بدأ التصوير سميح القاسم تناولت معرض فرانكفورت الأخير والذي كان العالم العربي ضيف شرف فيه ويبدوا أن لك مآخذ على المشاركة العربية.

    " معرض فرانكفورت الأخير هو سيرك عربي في بلد أوروبي فهذا الأسلوب في التعامل كأنك تفتح سوق خضار ببعض الكتب معظمها تافه تشويه لصورة العربي المسلم "

    سميح القاسم: أنا أراه سيرك.. سيرك.. سيرك عربي في بلد أوروبي يعرضنا إلى المزيد من السخرية والاحتقار بدون شك أنا أعرف ألمانيا أعرف الشعب الألماني قرأت كثيرا في ألمانيا ومترجم إلى الألمانية وشاركت في ندوات وحاورت كثيرين من الألمان على امتداد عقود من الزمن هذا الأسلوب في التعامل كأنك تفتح حسبة سوق خضار ببعض الكتب معظمها تافه وقطيع من الشعراء والمغنيين والراقصات والفنانين بهذا الأسلوب أنت تزيد من تشويه صورة العربي وصورة المسلم أيضا في ألمانيا، ماذا فعلت جامعة أنتوني إدن إعدادا لهذا العرض الكبير هذا الشو الثقافي كم من الكتب العربية ترجمت إلى اللغة الألمانية في غضون العام الأخير أو العامين الأخيرين ماذا هيئت الإدارة إدارة الموظفين التي أعدت لهذا المعرض ماذا هيئت لدى الشعب الألماني كم ألبوم لرسامين تشكيليين فنانين تشكيليين عرب قدم للشعب الألماني.

    بسام القادري: أنت لم تكن حاضرا هذا المعرض من أين لك بهذا التقييم وهذه الملاحظات؟

    سميح القاسم: أنا تابعت أتباع أخبار الفاعليات الثقافية في العالم بما فيها هذه الحسبة.

    بسام القادري: لماذا لم تحضر ألم تُدعَى أم أنت رفضت؟

    سميح القاسم: لا علاقة لي قلت لك قبل قليل أنا لست موظفا في أي مؤسسة عربية.

    بسام القادري: ليس كل من شارك في المعرض هم موظفون يعني؟

    سميح القاسم: لا أعرف من شارك ولا يعنيني من شارك تعنيني الظاهرة موظفون يختارون موظفين للمشاركة في فعاليات كما يحدث دائما لا علاقة لي أنا لا أنتمي لدولة لا أنتمي لحزب لا أنتمي لمؤسسة أنا أنتمي لقصيدتي فقط وأتكلم بصفتي الفردية لا علاقة لي لا أعلم مَن شارك ومَن لم يشارك هذا لا يهمني كل موظف يختار موظفيه كما يشاء سمعت لاحقا الصراع كم عدد المصريين كم عدد اللبنانيين كم عدد الفلسطينيين وهو نقاش تافه أيضا ووضيع وإقليمي ومريض ومعادي للثقافة ومعادي للحضارة أن يدور النقاش كم عدد المصريين وكم عدد السوريين وكم عدد هذا النقاش؟

    بسام القادري: ذكرت أستاذ سميح.

    سميح القاسم: الضحل.

    بسام القادري: ذكرت أكثر من مرة بأن هذا الموضوع لا يعنيك وإلى ملاحظات وإلى أخره ولكن الكل متفقون على أن العمل الثقافي هو عمل جماعي يعني الشعر هو جزء من هذا الكل.

    سميح القاسم: لا بالنسبة لي أعذروني أنا خارج هذا الإطار بالكامل.

    بسام القادري: سميح القاسم أسمح لي هنا بأن أقاطعك ولكن لابد من هذا الفاصل مشاهدينا نعود ونتابع وإياكم ما تبقى من حلقة أوراق ثقافية والشاعر سميح القاسم.

    لقاسم يقدم وردة الدم

    بسام القادري: البعض يرى أن شعر سميح القاسم ظل تحريضيا كونك بقيت داخل البلاد فيما انفتح أفاق أرحب ولنقل تجريبية أمام العديد من الشعراء غيرك من الذين استطاعوا أن يخرجوا من سجن الاحتلال ورقبته إلى رحابة العالم هل هذا صحيح؟

    سميح القاسم: هذه من النظريات المضحكة أيضا وغير المثقفة السائدة للأسف الشديد فيما يسمى الساحة الثقافية العربية، نظرية تافهة وسخيفة وخطيرة أيضا كأنما يقال لي إذا أردت أن تتطور فنيا غادر وطنك وكأن ما يقال لك ولأي شاعر ولأي مبدع عربي إذا أردت أن تتطور هاجر هذه نظرية خطيرة وأنا أرفضها وأعتقد أنني في إطار تجربتي حققت من التطور ما لم يُتح لأي شاعر آخر والدليل عندكم أرجعوا إلى الدراسات النقدية كبار النقاد العرب لتكتشفوا هذه الحقيقة وأنا يعني أشعر بكثير من الاشمئزاز حين أسمع مثل هذا الكلام الذي يعني لي شيء واحدا كأنني أعاقب لأنني بقيت في وطني أنا باقي في وطني ولا تشديد لا يمكن التشديد دون التحام حقيقي بمفهوم الشعب والوطن والإنسان والحرية والإبداع بدون هذه النار لا يوجد إبداع يوجد بلاستيك زهور بلاستيك تبدو أجمل من الزهور الطبيعية لكنها بلاستيك بلا حياة بلا دم بلا ماء بلا رائحة إذا كنتم تحبون زهور البلاستيك لديكم أطنان منها يعني أنا خارج لعبة زهور البلاستيك أنا أقدم وردة الدم.

    بسام القادري: ولكن ألم تمنعك المقاومة والانتفاضة من التطور؟

    سميح القاسم: أنا أشكر المأساة ماذا تريد أكثر من ذلك أنا أشكر مأساتي لأنها أتاحت لي أن أطور وأن أعبر عن ذاتي وأن أجترح في المجال الإبداعي ما يجترحه المناضل والجريح والشهيد والأسير نحن شركاء في هذا.

    بسام القادري: الذين خرجوا من الداخل الفلسطيني خرجوا إلى دول عربية وأنت قبل قليل.

    سميح القاسم: أيش عندكم بالدول العربية يعني أنتم قمة الحضارة والتطور الموجودة بالدول العربية.

    بسام القادري: ليس بالضرورة هذا ما أعنيه.

    سميح القاسم: ولا لفرنسا.

    بسام القادري: ولكن خرجوا إلى دول عربية وأنت كنت تنادي بأن يكون المثقف أو الشاعر أو الأديب مثقف عربي وليس إقليمي فأنت ضد هذا كيف تفسر هذا التناقض؟

    سميح القاسم: لا أبدا أنا ضد الإقليمية بالكامل ومن حقي أن أزور الدول العربية وأنا أتجول في الدول العربية بسعادة كبيرة والتقى جمهور الشعر في كل مكان لكن أنا أرفض الادعاء بأن تطوير القصيدة ينبغي أن يكون ملازما لترك الوطن هذا كلام سخيف، ببساطة كلام سخيف ومنحط وساقط يستطيع المبدع القطري أن يبدع وأن يحافظ على قطريته على إقليمه على بيته فليهاجر ليسافر فليغامر في جميع أرجاء الأرض أنا أسافر دُرت حول الكرة الأرضية عدة مرات لكن عنواني يبقى هو سجني وطني سجني هو عنواني.

    بسام القادري: كتبت بغزارة شعرا ورواية ومقالة ولكن هذا الاندفاع أخذ يتراجع أو يأخذ اتجاهات متغيرة في الآونة الأخيرة هل كانت غزارتك الإبداعية شكلا من أشكال المقاومة؟

    " كل أشكال الفن والتعبير الفني هي شكل من أشكال الدفاع عن النفس والدفاع عن النفس هو المقاومة "

    سميح القاسم: بدون شك قلتها كثيرا إن الفن كل أشكال الفن كل أشكال التعبير الفني هي في نظري شكل من أشكال الدفاع عن النفس والدفاع عن النفس أطلق عليه تسمية المقاومة أنا أدافع عن نفسي، أدافع عن نفسي من الأخطار الجغرافية في الجغرافيا الأخطار على جبل هنا وواد هناك وتل هنا وكرم زيتون هناك وشجرة تين هنا وشجرة صبار هناك، هناك معركة دفاع عن هذه الجغرافيا الضيقة والصغيرة والأخيرة وهناك الدفاع عن الذات أيضا لأننا تعرضنا منذ عام النكبة تعرضنا إلى محاولة لمحو الذاكرة ولغسل الدماغ ومحو الشخصية الثقافية وإلغاء اللغة حتى كانت هناك مؤامرة لإلغاء اللغة العربية الفصحى لذلك فالدفاع عن الجغرافيا والدفاع عن التاريخ والدفاع عن الروح وعن المنزل وعن الأغاني الشعبية وعن القصيدة كل هذا خلق حالة من الازدواجية القسرية من الإدغام بين ما يُسمى ذاتيا وما يسمى عاما الذاتي والخاص وأعتقد أن هذه الصيغة أوجدت هذا التراكم أو هذه الغزارة نتيجة لرغبة أو لشهوة قوية دائما في ظروف الحصار والضغط تتوالى الانفجارات على شكل قصيدة أو مقالة أو مسرحية أو.

    بسام القادري: سميح القاسم ماذا عما تردد عن قبولك لجائزة إسرائيلية رغم أنك في الماضي رفضت جائزة أخرى وقد قبلها الراحل إيميل حبيبي وهنا أيضا يدفعني هذا السؤال إلى سؤال آخر وهو هل صحيح ما نسب إليك بأنك رفضت جائزة نوبل؟

    سميح القاسم: يعني لا تتحدث عن جائزة نوبل بهذه الفخامة هي كانت جائزة محترمة بدون شك لكنها في الأعوام الأخيرة تحولت إلى جائزة سياسية تبت فيها أجهزة المخابرات والحكومات والوزارات أكثر مما يبث فيها الإبداع هذه حقيقة معروفة، تمنح لكويتب من الصين لا لسبب إلا لأنه مثلا هاجم النظام أو تمنح لكويتب روسي لا سبب إلا لأنه هاجم النظام، إذاً أصبحت نوبل جزءا من اللعبة السياسية من لعبة العولمة ولا تعنيني حقيقة لا من قريب ولا من بعيد لكن ما حدث متصل بالجائزة الإسرائيلية حقيقة عُرضت علي جائزة إسرائيل وقيل لي في حينه نحن باتجاه السلام قلت أنا أتمنى أن نكون باتجاه السلام الصحيح لكن أريد قبل كل شيء وقلت هذا الكلام على (CNN) بالمناسبة ليس سرا في الوقت الذي يمنح فيه رئيس دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس جائزة فلسطين لكاتب يهودي أو لشاعر يهودي أو لفنان يهودي إذا عُرض علي جائزة إسرائيل سأفكر في الموضوع آنذاك، لم أعد قلت سأفكر في الموضوع وما لم يتحقق هذا فمن غير الوارد بالحسبان أن أقبل جائزة إسرائيل فكانت الإجابة السريعة هي خشبة القفز إلى نوبل وكانت إجابتي أيضا البسيطة والعادية لست من الذين يحلمون لا بنوبل ولا بألفريد ولا بأي جائزة، لا تعنيني هذه المسألة إذا جاءتني جائزة من جهة محترمة وغير مشروطة وغير مسيسة فلا بأس في ذلك هذا شيء أعتز به بكل بدون شك لكن أرفض أن تشترط نوبل بشروط سياسية مسبقة، التساهل مع الاحتلال مهاودة السلطة الإسرائيلية أو أي سلطة في المنطقة أو في العالم يعني لست على استعداد لمهادنة الأمم المتحدة من أجل نوبل.

    بسام القادري: سميح القاسم الشاعر الفلسطيني وتاليا العربي شكرا لحضورك ومشاركتك معنا في هذه الحلقة من أوراق ثقافية مشاهدينا إلى هنا ونصل وإياكم إلى ختام حلقة هذا الأسبوع من برنامج أوراق ثقافية هذه تحية فريق البرنامج وإلى اللقاء.

    **********************



    ليلاً ، على باب فدريكو

    فدريكو..

    الحارس أطفأ مصباحَُه

    انزل

    أنا منتظر في الساحة

    فد.. ري.. كو

    قنديل الحزن قمر

    الخوف شجر

    فانزل

    أنا أعلم أنك مختبئ في البيت

    مسكونًا بالحمى

    مشتعلاً بالموت

    فانزل

    أنذا منتظر في الساحة

    مشتعلاً بلهيب الوردة

    قلبي تفاحة..

    الديك يصيح على قرميد السطح

    فدريكو

    النجمة جرح

    والدم يصيح على الأوتار

    يشتعل الجيتار

    فد .. ريكو

    الحرس الأسود ألقى في البئر سلاحه

    فانزل للساحة

    أعلم أنك مختبئ في ظل ملاك

    ألمحك هناك

    زنبقة خلف ستارة شباك

    ترتجف على فمك فراشة

    وتمسّد شعر الليل يداك

    انزل فدريكو

    وافتح لي الباب

    أسرع

    أنذا أنتظر على العتبة

    أسرع

    في منعطف الشارع

    جلبة ميليشيا مقتربة

    قرقعة بنادق

    وصليل حراب

    افتح لي الباب

    أسرع خبئني

    فدريكو

    فد.. ري.. كو

    **********************



    قراءة في القصيدة

    وفيدريكو أولاً هو الشاعر الأسباني لوركا (1898 – 1936)، الذي صرعته كتائب الفاشيين الأسبان في حربها ضد الجمهوريين، وهو يمثل الإنسان المناضل في سبيل الحرية والكفاح ومواجهة الظلم والظلام.

    وقصيدة سميح القاسم التي أرخها في مدريد 27.5.1985 فيها استلهام من بطولة هذا الشاعر ومشاركة له في الموقف، وحتى في الموت وفي الحياة.

    وكثيرًا ما تناول الشعر الفلسطيني موضوعات إنسانية عالمية، بما فيها من مواقف بطولية ودعوات يسارية في نشدان الحرية والعدالة والمساواة... وقد أكثر القاسم من الكتابة في هذه المقولات، وحسبنا نظرة إلى المجلد الأول من مجموعة أشعاره الكاملة حتى نرى أنه تناول في قصائده أسماء وشعوبًا من هذا العالم الباحث عن حقه في الحياة، نحو قصائده في بتريس لومومبا، إيفان الكسبيفتش وجوني وديمتروفا وكذلك عن الكونغو وأرتيريا....

    غير أن قصيدته هنا عن لوركا فيها مرآة للشاعر نفسه، فيها شعور عارم مذعور يحس بالنهاية والفجيعة.

    وقد تمثلت هذه النهاية فيما توجه به الراوي الشاعر للوركا وهو يستنجده ويستصرخه "خبئني"، يقول ذلك مرتجفًا هلعًا (انتبه إلى تقطيع فد... ري..كو، وكذلك إلى إلحاحه " أسرع" التي كررها ثلاث مرات).

    الراوي الشاعر منذ مطلع القصيدة يعلن للوركا أنه ينتظره في الساحة، فالحارس قد نام... يطلب منه أن ينزل (كررها أربع مرات) رغم أنه يعلم أن لوركا قد شبع موتًا.

    وسؤالنا: لماذا يطلب منه النزول؟ وإلى أين سيتوجهان؟ وقد وجدت صعوبة ما في تحديد الغرض من النزول، وسأحاول أن أجتهد:

    - الهروب... ولكن كيف يصح ذلك إذا كان الراوي يطلب منه في نهاية القصيدة أن يفتح له الباب... ثم أن يخبئه (بعد سماع صوت المليشيا المقترب)؟ ربما عزم على الهرب بعيدًا مع لوركا لينقذه- وكأن لم يمت- ثم قرر الاختباء بعد سماع جلبة العسكر.

    - لعله يطلب منه المكوث معه في الساحة، وذلك بعد أن اطمأن أن الحارس نام (أطفأ مصباحه) وأن الحرس الأسود ألقى سلاحه نهائيًا... وبهذا المعنى تكون الساحة رمزًا، للنضال وأن عليهما واجبًا مشتركًا في التصدي لمظاهر الموت الرهيبة التي تتجلى فيما يلي:

    1. الديك انزعج، وأحذ يصبح ليلاً.

    2. النجمة غدت جرحًا بدل أن تكون نورًا.

    3. الأوتار تعزف الدماء بدل الأنغام.

    4. الجيتار مشتعل ...والنار تلتهم معاني الجمال.

    5. وإذا أضفنا إلى هذه ما كان قد وصفه في المقطوعة الثانية بتشبيهات بليغة نستطيع هنا قلبها:

    القمر كأنه قنديل حزن...

    الشجر كأنها خوفٌ رهيب...

    إذن، لم يبق أمام هذا المد الجارف من الرهبة إلا التصدي... ولكن، لماذا يطلب شاعر فلسطيني معتبر من "شعراء المقاومة" أن يشارك شاعرًا صريعًا؟

    إن الراوي الشاعر - قناع سميح القاسم - يرى لوركا مختبئًا (كررها مرتين) وليس ميتًا...

    إذن لوركا مختبئ لا يتصدى ولا يتحدى، فهل الراوي يعطيه جرعة جرأة؟

    ولماذا يطلب منه أن ينزل ولوركا في عليين وهو:

    1. في ظل ملاك

    2. كزنبقة خلف ستارة شباك.

    3. ترتجف على فمه فراشة.

    4. يداه تمسدان شعر الليل (تستلطف برومانسية)

    وتبقى الأسئلة من غير إجابة قاطعة.

    وازدادت تساؤلاتي في فهم القصيدة بعد أن اطلعت على قصة مقتل لوركا في كتاب عرس الدم ( عرض وتحليل د. علي سعد، دار الفارابي، بيروت- 1985) فقد نقل د. علي سعد عن كتاب "بارو" الصادر سنة 1947 وعن المجموعة الكاملة لآثار لوركا التي أصدرها توري سنة 1938 مادة لعل فيها بعض الغناء.

    يقول د. سعد:

    وجد لوركا في منزل روزاليس بعض الراحة، ومن نافذة غرفته التي تطل على ساحة بيبارميلا الكثيرة الحركة... كان يتطلع إلى المدينة الثائرة في عيشها ونبضها... وساد المدينة شيء من الهدوء الظاهر" (ص50)

    ورأيت في هذا الوصف مفتاحًا مهمًا في خدمة القصيدة، فالشاعر مختبئ في الأعلى (في دارة في غرناطة)، والحارس فذ أطفأ مصباحه، والحرس الأسود ألقى سلاحه، وهذان دليلان على الهدوء الظاهر- هذا الهدوء سرعان ما يزول بعد سماع جلبة المليشيا وصليل الحراب... إذن إنها- كما قالت العرب قديمًا – هدنة على دخن. لقد توهم الراوي بالهدوء... ويمكن- تبعًا لذلك- أن الراوي يطمئن لوركا، ويلح عليه بالنزول، وهنا نفهم التشبيهات البليغة فهما آخر- فقنديل الحزن كأنه قمر (وضوح واطمئنان) والخوف الذي كان أضحى كأنه شجر (فلا بأس ولا خوف) وأنت يا لوركا مسكون بالحمى ومشتعل بالموت، بيد أني أنا كلي حياة وتفاؤل وقلبي تفاحة ( وبهذا أتفوق عليك، أنا مرشدك، وحيويتي كأنها مشتعلة- ولكنها بلهيب أو بحدة احمرار الوردة وتفتحها، أي أنك تشتعل موتًا وأنا أشتعل حياة).

    واعترف أن هذه القصيدة مشحونة بإمكانيات تفسير وتأويل متباينة، ومن ضرورة الاحتمال أو إمكانية التفسير أن تتوافى مع استمرارية النص، ولعل هذه الإمكانات المفتوحة المتاحة سر نجاح كل نص أدبي كنصنا هذا. (1)

    ــــــــــــــ

    (1) ومع ذلك لا أوافق، الناقد رجاء النقاش (أبو سميح... تيمنًا بالشاعر) الذي رأى أن الحارس الذي معه سلاحه في قصيدة سميح إنما هو "يحرس قصائد الشاعر واسمه وذكراه ويمنع الاقتراب منه ....والحارس معنوي وهو رمز الخوف من أشعار لوركا... والنداء في القصيدة فيه إغراء للشاعر لوركا والتأكيد له بأن الجو مناسب للظهور بلا خوف" (أُنظر: المجموعة الكاملة لأشعار سميح القاسم، المجلد السابع، مقال رج اء النقاش ص412) وفي رأيي أن النقاش لم يحل اللغز: لماذا طلب منه أولاً أن ينزل، ثم سرعان ما طلب منه أن يخبئه... ثم لماذا يطفئ الحارس مصباحه في هذا المعنى؟

    ولم يعطنا النقاش شرحاً أو تأويلاً لحركة الراوي ودراميته سوى قوله التعميمي " صورة غريبة ورائعة" (ص414). وكذلك لا أوافق ما أرتآه رؤوبين سنير من أن الراوي الشاعر منذ البدء كان يائسًا، وتنامى هذا اليأس مع صياح الديك- طلوع الفجر-، والراوي يصل تدريجيًا إلى منطقة يطل فيه على غرفته، فهذه الفراشة التي ترتجف على شفتي لوركا تعني أن الموت قد أصابهم وروحه ترتعش، وأن الحرس ألقى سلاحه بعد أن قتلوا لوركا...

    وكأن سنير بهذا المعنى يرى أنهم قتلوه وأخذوا سلاحه وألقوا به في البئر، ولم يكلف الباحث نفسه لشرح: لماذا ينتظره الراوي في الساحة؟ ولماذا يلح عليه أن ينزل؟

    (أُنظر: عيتون 77 العدد 100-مايو 1988، ص 87)

    وأعترف أنني – في أثناء تحليلي النص – استذكرت إلقاء الشاعر لقصيدته في " مهرجان الثقافة في لندن سنة 1988 ، وكان سميح ممثلاً مبدعًا يحس القصيدة بكل خلجة من خلجاتها ...وأتساءل الآن : هل يختبئ الراوي الشاعر من الطغمة المعتدية كما كانت تقول لك حركات الشاعر التمثيلية؟

    المنطق أن يقول إن لوركا في داخل المنزل ميت، ولن يستضيف الراوي، وتبعًا لذلك سيقبض عليه... سيقتل. لماذا القتل؟

    لأن نتيجة لوركا المحكيّ عنه كانت القتل... وإلا فلماذا قتل لوركا المسالم الإنسان؟

    لكن لغة الشعر لا تغلق بابًا، بل تفسح المجال لنهوض القتيل واحتضان الراوي.. وفي هذا الاحتمال الذي يغدق علينا في الشعر نرى موتًا آخر والتحامًا جديدًا... ومع ذلك فهل لوركا ميت حقًا؟ ألا تزال أشعاره حية ووجوده قائمًا في وجدان عشاق الحرية والكلمة؟

    الراوي الشاعر يبحث عن الموت لا من خلال اليأس، كما ذهب سنير في الملاحظة أعلاه، وإنما من خلال البحث عن الذات وعن مرايا هذه الذات السكونية، حتى ولو برومانسية.

    وأتساءل:وما الذي ذكّر سميح القاسم بلوركا في أثناء زيارته لمدريد؟

    - يبدو لي أن زيارته في أيار 1985 كانت كذلك إلى نزل الطلبة الذي كان يقيم فيه لوركا في مدريد، وفي هذا النُزل المعدّ للطلاب التقى لوركا بسلفادور دالي وخيمينيث وماخادو وألبرتي وماكس جاكوب... وقد أقام فيه لوركا في العشرينيات من هذا القرن... واليوم يرتاد سميح القاسم هذا النُزل، فأوحى ذلك إلى شاعرنا ما أوحى، فاختار هذا الموقع حكاية النهاية (مع أن مقتله كان في غرناطة، ونحن لا نسأل عن ذلك.... لأنه ليس على الشعر فرض وتأريخ وتقنين).

    واطلاع سميح على سيرة لوركا أوحى له نوعًا من التوجس الشرّي، تمامًا كما توجّس لوركا في رواية (ماريانا بنيدا-1924)، حيث صور الشاعر الهلع الذي كان يخيم على الحياة الإسبانية في أيام الملك فرناندو السابع، وقد قتلت جنود فرناندو مريانا الشجاعة_ لأنها طرزت العلم الذي كان معدًّا لأن يقود الثوار الجمهوريين- ومن العجيب أن نهاية لوركا كانت تطبيقًا لما وصفه هو في نهاية مريانة بطلته: فاقرأ معي نصًا قصيرًا من هذه الرواية، وأرجو أن تتبين هذا الجو المذعور الذي تشي به قصيدة القاسم كذلك:

    يقول لوركا:

    يا ألم النجمة العتيقة

    الذي يغص بها حلقي

    كان على الكواكب أن تطل على نافذتي

    وأن تنفتح ببطء على الشارع الموحش

    أي جهد يبذله الضوء

    في مغادرة غرناطة

    أن يتلولب على أشجار السرو

    وذلك الليل الذي لا يأتي

    ليل الرعب والأحلام

    الذي يجرحني من بعد

    بسيوف طويلة... جد طويلة

    (مقدمة د. علي سعد لكتاب عرس الدم، ص23)

    واقرأ نصً آخر في وصف مونتيلاّ:

    صريعًا في الوادي

    ملء جسمه الزنابق

    وعلى صدغه الجلنار" (ص62)

    وفي مقطع آخر:

    "ريح شرقية

    ومصباح درب

    والخنجر

    في القلب

    والشارع يهتز

    كالوتر المشدود" (ص63)

    وسميح القاسم يرى لوركا: "زنبقة خلف ستار شباك"، فهل هذه الرؤية بعيدة عن معرفة الجو الذي وصف لوركا به نفسه: "إن مت دعوا الشرفة مفتوحة"

    (انظر كتاب عبد الغفّار مكاوي: ثورة الشعر الحديث ج2، ص54)

    ولغة" قنديل الحزن القمر" فيها تجميع من القاموس الشعري اللوركيّ... ألفاظ ثلاثة تتوارد في شعره بنفس روح التشبيه القاسمي، وقلبي تفاحة... ومشتعلاً بلهيب الوردة والجيتار المشتعل... عيّنات أخرى لا يصعب علينا إيجاد مثائل لها في شعر لوركا...

    والتحليق في أجواء الشاعر الذي يكتب عه دليل عافية للقصيدة المستخدمة، ودليل على أن الشاعر يعيش بكليته في تجربة.

    وفي ختام القول لن أذهب ما ذهب إليه سنير- في مقالته التي أشرت إليها –أن الشاعر يرى الكتائب السوداء وكأنها الجيش الإسرائيلي المحتل، وأن الشاعر الفلسطيني ضحيّة لهذا الاحتلال...

    ذلك لأني أرى أن القصيدة تصب في وجهة المقارعة ومناهضة الاحتلال لا في جهة اليأس والانعزال.

    وتوجه القاسم إلى لوركا فيه تمثل لمعاناته، كأنني أنا أنت، ولكن نهايتي ستؤول إلى نهايتك...

    ستكون الزنبقة والرهفة (الفراشة) والتمسيد برومانسية حالمة وحياة وادعة... أما الكتائب السوداء- وهي عنصر الشر أنّى حل –فهي تحيق بنا منن كل حدَب...

    وهذا الاستصراخ المعبّر عنه بتقطيع لفظه فدر.. ري... كو تارة ...وبتكرار الاستغاثة والاستجارة تارة أخرى ، وببحر الخبب/ المتدارك، كل هذا يؤدي بالتالي إلى شحن الجو بالفجيعة والدرامية، بسبب ما يراه الشاعر على أرض الواقع من انتصارات الشر على البراءة وعلى الإنسانية العذبة.... ويبقى مع ذلك خلود الخير، فهو لا يموت، حتى لو شبع موتًا، وهو يضم كل باحث عنه ولاجئ إليه.

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:39 am

    مجموعة متنوعة من قصائده

    أغاني الدروب

    من رُؤى الأثلام في موسمٍ خصبِ

    و من الخَيْبةِ في مأساةِ جدْبِ

    من نجومٍ سهرت في عرشها

    مؤنساتٍ في الدّجى قصةَ حبِّ

    من جنون اللّيل..من هدأتهِ

    من دم الشّمس على قطنة سُحْبِ

    من بحار هدرتْ..من جدولٍ

    تاهَ..لم يحفل به أيُّ مَصَبِّ

    من ذؤابات وعت أجنحةً

    جرفتها الريح في كل مهبِ

    من فراش هامَ في زهر و عشبِ

    ونسورٍ عشقت مسرحَ شُهب

    من دُمى الأطفال.. من ضحكاتهم

    من دموع طهّرتها روحُ رَبِّ

    من زنود نسّقَتْ فردوسها

    دعوةً فضلى على أنقاض حرب

    من قلوب شعشعت أشواقها

    شُعلاً تعبرُ من رحب لرحب

    من عيون سمّمت أحداقها

    فوهةُ البركان في نظره رعب

    من جراحاتٍ يضرّي حقدَهـا

    ما ابتلى شعبٌ على أنقاض شعب

    من دمي.. من ألمي.. من ثورتي

    من رؤاي الخضرِ.. من روعة حبّي

    من حياتي أنتِ.. من أغوارها

    يا أغانيَّ ! فرودي كل درب

    ***********************

    جيل المأساة

    هنا.. في قرارتنا الجائعهْ

    هنا.. حفرت كهفها الفاجعهْ

    هنا.. في معالمنا الدارساتِ

    هنا.. في محاجرنا الدامعهْ

    نَبوخَذُ نصّرُ و الفاتحون

    و أشلاء رايتنا الضائعهْ

    فباسمكَ يا نسلَنا المرتجى

    و باسمكِ يا زوجنا الضارعه

    نردُّ الزمان إلى رشده

    و نبصق في كأسه السابعه

    و نرفع في الأفق فجر الدماء

    و نلهمه شمسنا الطالعه !

    ***********************

    ما زال

    دم أسلافي القدامى لم يزل يقطـــرُ منّي

    و صهيل الخيل ما زال ، و تقريعُ السيوفْ

    و أنا أحملُ شمساً في يميني و أطــوف

    في مغاليــقِ الدّجى.. جرحاً يغنـّي !!

    ***********************

    لأننــا

    أحسُّ أننا نمــوت

    لأننا..لا نتقن النّضال

    لأننا نَعيد دون كيشوت

    لأننا... لهفي على الرجال!

    ***********************

    في القرن العشرين

    أنا قبل قرونْ

    لم أتعوّد أن أكره

    لكنّي مُكره

    أن أُشرِِعَ رمحاً لا يَعيَى

    في وجه التّنين

    أن أشهر سيفاً من نار

    أشهره في وجه البعل المأفون

    أن أصبح ايليّا (1) في القرن العشرين

    أنا.. قبل قرون

    لم أتعوّد أن أُلحد !

    لكنّي أجلدْ

    آلهةً.. كانت في قلبي

    آلهةً باعت شعبي

    في القرن العشرين !

    أنا قبل قرون

    لم أطرد من بابي زائر

    و فتحت عيوني ذات صباح

    فإذا غلاّتي مسروقه

    و رفيقةُ عمري مشنوقه

    و إذا في ظهر صغيرتي.. حقل جراح

    و عرفت ضيوفي الغداّرينْ

    فزرعوا ببابي ألغاماً و خناجر

    و حلفت بآثار السكّينْ

    لن يدخل بيتي منهم زائر

    في القرن العشرين !

    أنا قبل قرون

    ما كنت سوى شاعر

    في حلقات الصوفيّينْ

    لكني بركان ثائر

    في القرن العشرين

    ..................

    (1) نبيّ يهوديّ حارب الأوثان، و ينسب إليه أنّه قتل كهنة بعل


    ***********************
    أمطار الدم

    ((النار فاكهة الشتاءْ))

    و يروح يفرك بارتياحٍ راحتين غليظتينْ

    و يحرّك النار الكسولةَ جوفَ موْقدها القديم

    و يعيد فوق المرّتين

    ذكر السماء

    و الله.. و الرسل الكرامِ.. و أولياءٍ صالحين

    و يهزُّ من حين لحين

    في النار.. جذع السنديان و جذعَ زيتون عتيـق

    و يضيف بنّاً للأباريق النحاس

    و يُهيلُ حَبَّ (الهَيْلِ) في حذر كريم

    ((الله.. ما أشهى النعاس

    حول المواقد في الشتاء !

    لكن.. و يُقلق صمت عينيه الدخان

    فيروح يشتمّ.. ثم يقهره السّعال

    و تقهقه النار الخبيثة.. طفلةً جذلى لعوبه

    و تَئزّ ضاحكةً شراراتٌ طروبه

    و يطقطق المزراب.. ثمّ تصيخ زوجته الحبيبة

    -قم يا أبا محمود..قد عاد الدوابّ

    و يقوم نحو الحوش.. لكن !!

    -قولي أعوذُ..تكلمي! ما لون.. ما لون المطر ؟

    و يروح يفرك مقلتيه

    -يكفي هُراءً.. إنّ في عينيك آثار الكبَر ؟

    و تلولبت خطواته.. و مع المطر

    ألقى عباءته المبللة العتيقة في ضجر

    ثم ارتمى..

    -يا موقداً رافقتَني منذ الصغر

    أتُراك تذكر ليلة الأحزان . إذ هزّ الظلام

    ناطور قريتنا ينادي الناس: هبوا يا نيام

    دَهمَ اليهود بيوتكم..

    دهم اليهود بيوتكم..

    أتُراك تذكرُ ؟.. آه .. يا ويلي على مدن الخيام !

    من يومها .. يا موقداً رافقته منذ الصغر

    من يوم ذاك الهاتف المشؤوم زاغ بِيَ البصر

    فالشمس كتلة ظلمة .. و القمح حقل من إبر

    يا عسكر الإنقاذ ، مهزوماً !

    و يا فتحاً تكلل بالظفر !

    لم تخسروا !.. لم تربحوا !.. إلا على أنقاض أيتام البشر

    من عِزوتي .. يا صانعي الأحزان ، لم يسلم أحدْ

    أبناء عمّي جُندلوا في ساحة وسط البلد

    و شقيقتي.. و بنات خالي.. آه يا موتى من الأحياء في مدن الخيام !

    ليثرثر المذياع (( في خير )) و يختلق (( السلام )) !!

    من قريتي.. يا صانعي الأحزان ، لم يَسلم أحدْ

    جيراننا.. عمال تنظيف الشوارع و الملاهي

    في الشام ، في بيروت ، في عمّان ، يعتاشون..

    لطفك يا إلهي !

    و تصيح عند الباب زوجته الحبيبه

    -قم يا أبا محمود .. قد عاد الجُباة من الضريبه

    و يصيح بعض الطارئين : افتح لنا هذي الزريبه

    أعطوا لقيصر ما لقيصر !!

    ***

    و يجالدُ الشيخ المهيب عذاب قامته المهيبه

    و تدفقت كلماته الحمراء..بركانا مفجّر

    -لم يبق ما نعطي سوى الأحقاد و الحزن المسمّم

    فخذوا ..خذوا منّا نصيب الله و الأيتام و الجرح المضرّم

    هذا صباحٌ.. سادن الأصنام فيه يُهدم

    و البعلُ.. و العزّى تُحطّم

    ***

    و تُدمدم الأمطارُ..أمطار الدم المهدوم.. في لغةٍ غريبهْ

    و يهزّ زوجته أبو محمود.. في لغة رهيبه

    -قولي أعوذُ.. تكلّمي !

    ما لون.. ما- لون المطر ؟

    ويلاه.. من لون المطر !!

    ***********************

    أطفال سنة 1948

    كَوَمٌ من السمك المقدّد في الأزقة . في الزوايا

    تلهو بما ترك التتار الانكليز من البقايا

    أُنبوبةٌ.. و حطام طائرةٍ.. و ناقلةٌ هشيمه

    و مدافع محروقة.. و ثياب جنديٍّ قديمه

    و قنابل مشلولة.. و قنابل صارت شظايا

    ***

    ((يا اخوتي السمر العراة.. و يا روايتيَ الأليمه

    غنّوا طويلاً و ارقصوا بين الكوارث و الخطايا ))

    لم يقرأوا عن (( دنُ كشوت )) و عن خرافات القتال

    و يجنّدون كتائباً تُفني كتائب في الخيال

    فرسانها في الجوع تزحف.. و العصيُّ لها بنادق

    و تشدّ للجبناء، في أغصان ليمونٍ، مشانق

    و الشاربون من الدماء لهم وسامات الرجال

    ***

    يا اخوتي !

    آباؤنا لم يغرسوا غير الأساطير السقيمه

    و اليتم.. و الرؤيا العقيمه

    فلنجنِ من غرسِ الجهالة و الخيانة و الجريمه

    فلنجنِ من خبز التمزّقِ.. نكبة الجوع العضال

    ***

    يا اخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض رايه

    يا اخوتي المتشرّدين و يا قصيدتيَ الشقيّه

    ما زال عند الطيّبين، من الرثاء لنا بقيّه

    ما زال في تاريخنا سطر.. لخاتمة الروايه !


    ***********************
    غرباء ..!

    و بكينا.. يوم غنّى الآخرون

    و لجأنا للسماء

    يوم أزرى بالسماء الآخرون

    و لأنّا ضعفاء

    و لأنّا غرباء

    نحن نبكي و نصلي

    يوم يلهو و يغنّي الآخرون

    ***

    و حملنا.. جرحنا الدامي حملنا

    و إلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا

    شرذماتٍ.. من يتامى

    و طوينا في ضياعٍ قاتم..عاماً فعاما

    و بقينا غرباء

    و بكينا يوم غنى الآخرون

    ***

    سنوات التيهِ في سيناءَ كانت أربعين

    ثم عاد الآخرون

    و رحلنا.. يوم عاد الآخرون

    فإلى أين؟.. و حتامَ سنبقى تائهين

    و سنبقى غرباء ؟!

    ***********************

    القصيدة الناقصة

    أمرُّ ما سمعت من أشعارْ

    قصيدةٌ.. صاحبها مجهول

    أذكر منها، أنها تقول:

    سربٌ من الأطيارْ

    ليس يهمّ جنسُه..سرب من الأطياء

    عاش يُنغِّمُ الحياه

    قي جنَّةٍ..يا طالما مرَّ بها إله

    ***

    كان إن نشنَشَ ضَوءْ

    على حواشي الليل..يوقظ النهار

    و يرفع الصلاه

    في هيكل الخضرة، و المياه، و الثمر

    فيسجد الشجر

    و يُنصت الحجر

    و كان في مسيرة الضحى

    يرود كل تلّة.. يؤم كل نهرْ

    ينبّه الحياة في الثّرى

    و يُنهِض القرى

    على مَطلِّ خير

    و كان في مسيرة الغيابْ

    قبل ترمُّد الشعاع في مجامر الشفق

    ينفض عن ريشاته التراب

    يودّع الوديان و السهول و التلال

    و يحمل التعب

    و حزمة من القصب

    ليحبك السلال

    رحيبةً..رحيبةً..غنيّة الخيال

    أحلامُها رؤى تراود الغلال

    و تحضن العِشاشُ سربَها السعيد

    و في الوهاد، في السفوح، في الجبال

    على ثرى مطامحِ لا تعرف الكلال

    يورق ألف عيد

    يورق ألف عيد..

    ***

    و كان ذات يوم

    أشأم ما يمكن أن يكون ذات يوم

    شرذمةٌ من الصّلال

    تسرّبت تحت خِباءِ ليلْ

    إلى عِشاشِ.. دوحها في ملتقى الدروب

    أبوابها مشرّعةْ

    لكل طارقٍ غريب

    و سورها أزاهرٌ و ظل

    و في جِنان طالما مرَّ بها إله

    تفجّرت على السلام زوبعهْ

    هدّت عِشاشَ سربنا الوديع

    و هَشَمتْ حديقةً.. ما جدّدت (( سدوم ))(1)

    و لا أعادت عار (( روما )) الأسود القديم

    و لم تدنّس روعة الحياه

    و سربُنا الوديع ؟!

    ويلاه.. إنّ أحرفي تتركني

    ويلاه.. إنّ قدرتي تخونني

    و فكرتي.. من رعبها تضيع

    و ينتهي هنا..

    أمر ما سمعت من أشعار

    قصيدة.. صاحبها مات و لم تتم

    لكنني أسمع في قرارة الحروف

    بقيّة النغم

    أسمعُ يا أحبّتي.. بقيّة النغمْ

    ***********************

    بوابة الدموع

    أحبابنا.. خلف الحدود

    ينتظرون في أسى و لهفة مجيئنا

    أذرعهم مفتوحة لضمنا لِشَمِّنا

    قلوبُهم مراجل الألم

    تدقّ.. في تمزّق أصم

    تحارُ في عيونهم.. ترجف في شفاههم

    أسئلة عن موطن الجدود

    غارقة في أدمع العذاب و الهوان و الندم

    ***

    أحبابنا.. خلف الحدود

    ينتظرون حبّةً من قمحهم

    كيف حال بيتنا التريك

    و كيف وجه الأرض.. هل يعرفنا إذا نعود ؟!

    يا ويلنا..

    حطامَ شعب لاجئ شريد

    يا ويلنا.. من عيشة العبيد

    فهل نعود ؟ هل نعود ؟!

    ***********************

    صوت الجنة الضائع

    صوتها كان عجيباً

    كان مسحوراً قوياً.. و غنياً..

    كان قداساً شجيّاً

    نغماً و انساب في أعماقنا

    فاستفاقت جذوة من حزننا الخامد

    من أشواقنا

    و كما أقبل فجأة

    صوتها العذب، تلاشى، و تلاشى..

    مسلّماً للريح دفئَه

    تاركاً فينا حنيناً و ارتعاشا

    صوتها.. طفل أتى أسرتنا حلواً حبيباً

    و مضى سراً غريبا

    صوتها.. ما كان لحناً و غناءاً

    كان شمساً و سهوباً ممرعه

    كان ليلا و نجوما

    و رياحاً و طيوراً و غيوما

    صوتها.. كان فصولاً أربعه

    لم يكن لحناً جميلاً و غناءا

    كان دنياً و سماءا

    ***

    و استفقنا ذات فجر

    و انتظرنا الطائر المحبوب و اللحن الرخيما

    و ترقّبنا طويلا دون جدوى

    طائر الفردوس قد مدّ إلى الغيب جناحا

    و النشيد الساحر المسحور.. راحا..

    صار لوعه

    صار ذكرى.. صار نجوى

    و صداه حسرةً حرّى.. و دمعه

    ***

    نحن من بعدك شوق ليس يهدا

    و عيونٌ سُهّدٌ ترنو و تندى

    و نداءٌ حرق الأفقَ ابتهالاتِ و وجْدا

    عُدْ لنا يا طيرنا المحبوب فالآفاق غضبى مدلهمّه

    عد لنا سكراً و سلوانا و رحمه

    عد لنا وجهاً و صوتا

    لا تقل: آتي غداً

    إنا غداً.. أشباح موتى !!

    ***********************

    أنتيــجونا

    أنتيــجونا

    ((ابنة أوديب_ الملك المنكوب_التي رافقته في رحلة العذاب..

    حتّى النهاية ! )) (1)

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    أقدِمْ.. أقدِمْ !

    يا قربانَ الآلهة العمياء

    يا كبشَ فداء

    في مذبحِ شهواتِ العصرِ المظلم

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    زندي في زندك

    نجتاز الدرب الملتاث !

    ***

    يا أبتاه

    ما زالت في وجهك عينان

    في أرضك ما زالت قدمان

    فاضرب عبر الليلِ بِأشأمِ كارثةِ في تاريخ الإنسان

    عبرَ الليل.. لنخلق فجر حياه

    ***

    يا أبتاه !

    إن تُسْمِـلْ عينيك زبانيةُ الأحزان

    فأنا ملءُ يديك

    مِسرَجَةٌ تشربُ من زيت الإيمان

    و غداً يا أبتاه أُعيد إليك

    قَسَماً يا أبتاه أُعيد إليك

    ما سلبتك خطايا القرصان

    قسماً يا أبتاه

    باسم الله.. و باسم الإنسان

    ***

    خطـوه..

    ثِنْتـان..

    ثلاث..

    أقدِمْ.. أقدِمْ !

    ...........................................

    (1) انتيجونا هي بطلة المسرحي الاغريقي سوفرخليس، التي تمثل رمز الوفاء للأب. و التضحية في سبيله. طلت تقود خطوات أبيها الأعمى، الملك أوديب ، إلى أن حكم عليها بالإعدام.


    ***********************
    بابل

    أنا لـم أحفـظ عـن الله كتابا

    أنا لـم أبنِ لقـديسٍ قبـابـا

    أنا ما صليت.. ما صمت.. و ما

    رهبت نفسي لدى الحشر عقابا

    و الدم المسفوك من قافيتـي

    لم يراود من يَدَيْ عَدنٍ ثوابا

    فهو لو ساءلتـَه عن مَطْمَـحٍ

    ما ارتضى إلا فدى النور انسكابا

    ***

    غضبي.. غضبة جرح أنشبت

    فيه ذؤبانُ الخنا طفراً و نابا

    و انتفاضاتي عذابٌ.. ودَّ لو

    ردّ عن صاحبِهِ الشرقُ عذابا

    و أنا أومن بالحق الذي

    مجدهُ يؤخذ قسراً و اغتصابا

    و أنا أومن أني باعثٌ

    في غدي الشمسَ التي صارت ترابا

    فاصبري يا لطخة العار التي

    خطّها الأمسُ على وجهي كتابا

    و انظري النار التي في أضلعي

    تهزم الليل و تجتاح الضبابا

    شعشعت في آسيا فاستيقظت

    و صحت افريقيا.. غاباً فغابا!

    ***

    يا حمام الدوح! لا تعتب أسىً

    حسبنا ما أجهش الدوحُ عتابا

    نحن لم نزجرْك عن بستاننا

    لم نُحكّمْ في مغانيك الغرابا

    نحن أشباهٌ و قد أوسعنا

    غاصب الأعشاش ذلاً و اغترابا

    فابكِ في الغربة عمراً ضائعاً

    و ارثِ عيشاً كان حلواً مُستطابا

    علّ نار الشجو تُذكي نخوةً

    في الأَُلى اعتادوا مع الدهر المصابا

    فتهد اللحدَ عنـها جُثــثٌ

    و يمور البعث شِيـباً و شبابا

    ***

    يا قرى.. أطلالُها شاخصةٌ

    تتقرّى غائباً أبكى الغيابا

    يا قرىً يُؤسي ثرى أجداثها

    أنّ في النسل جراحاً تتغابى

    يا قرانا.. نحن لم نَسْلُ.. و لم

    نغدر الأرض التي صارت يبابا

    خصبها يهدر في أعراقنا

    أملاً حراً، و وحياً، و طِلابا

    و الذرى تشمخ في أنفسنا

    عزةً تحتطبُ البغي احتطابا !

    ***

    يا بلاداً بلّلت كلَّ صدىً

    و صداها لم يَرِدُ إلا سرابا

    يا بلادي نحن ما زلنا على

    قسم الفدية شوقاً و ارتقابا

    يا بلادي! قبل ميعاد الضحى

    موعدٌ ينضو عن النور حجابا !

    ***

    نكبةُ التيهِ التي أوردت بنا

    فطرقنا في الدجى باباً فبابا

    عَمّقت سكِّينها في جرحنا

    و جرت في دِمنا سُمّاً و صَابا

    و تهاوينا على أنقاضنا

    فخرابٌ ضمّ في البؤسِ خرابا

    و من الأعماق.. من تُربتنا

    هتف التاريخ.. و المجد أهابا

    فإذا أيامنا مشرقةٌ

    بدمٍ.. من لونه أعطى الترابا

    و إذا روما نداءٌ جارحٌ

    طاب يومُ النارِ يا نيرونُ طابا!

    ***

    أيها العاجمُ من أعوادنا

    نحن ما زلنا على العَجمْ صِلابا

    فاسأل الجرح الذي عذّبنا

    كيف ألّبنا على الجرح العذابا

    نكبةُ التيه التي سّدّت بنا

    كل أُفق ضوّأت فينا شهابا

    فأفاقت من سُباتٍ أعينٌ

    وُلِدَ الدهرُ عليهنّ و شابا

    و اشرأبّت في المدى ألويةٌ

    خفقت في الأربع الجُرد سحابا

    و على وقعُ خطانا التفتت

    أمم أغضت هواناً و اكتئابا

    و رؤانا أخصبت فاخضوضرت

    أعصُرٌ ناءَت على الشرق جِدابا

    ***

    شعَفَاتُ الشمس من غاياتنا

    فازرعي يا أمتي الليلَ حِرابا

    و إذا الأسداف أهوت جُثثاً

    و إذا أحنى الطواغيتُ رقابا

    و إذا فَجّرْتِ أنهارَ السنى

    و سنون الجدبِ بُدّلن خِصابا

    فانشري النور على كل مدى

    و ابعثي أمجاده عجباً عجابا

    نحن أحرى مستجيباً إن دعا :

    من يُفَدّي؟ و هو أحرى مستجابا !


    ***********************
    أكثر من معركة

    في أكثر من معركةٍ دامية الأرجاءْ

    أشهر هذي الكلمات الحمراء

    أشهرها.. سيفاً من نارِ

    في صفِّ الإخوة.. في صفِّ الأعداء

    في أكثر من درب وعْرِ

    تمضي شامخةً.. أشعاري

    و أخافُ.. أخاف من الغدرِ

    من سكين يُغمد في ظهري

    لكني، يا أغلى صاحب

    يا طيّبُ.. يا بيتَ الشعرِ

    رغم الشكّ.. و رغم الأحزانِ

    أسمعُ.. أسمعُ.. وقع خطى الفجرِ!

    رغم الشكّ.. و رغم الأحزانِ

    لن أعدم إيماني

    في أنّ الشمس ستشرقُ..

    شمس الإنسانِ

    ناشرةً ألوية النصرِ

    ناشرةً ما تحمل من شوقٍ و أمانِ

    كلماتي الحمراء..

    كلماتي.. الخضـراء !

    ***********************

    الساحر والبركان

    ((أسطورة مهداة إلى الحكم العسكري))

    و شَعوذَ الساحر فانطلقْ

    من قُمقُمِ البحار.. ماردٌ صغير

    يريد للزورق.. أن يقبّل الغرق

    يريد للحريّة الحمراء

    أن تقطن في كوخ.. من الورق

    يريد للجذور أن تحيا بلا شجر

    يريد للأشجار أن تحيا بلا ثمر

    يريد للإنسان أن يموت في الحياة!

    يريد أن...

    و انفجر البركان !

    و التهمت ساحِرَهُ النيران

    فعاد للقمقمِ يستجير

    بساحرٍ جديد

    بساحرٍ.. ليس له وجود !!

    ***********************

    أخوة ..

    ((إلى الذين يعرون الأخوة من جلدها,,

    ((و يتركونها مرتجفة في صقيع الزيف!

    ***

    أيا سائلي في تحدٍّ و قوّهْ

    أتُنشدُ ؟ أين أغاني الأخوّه؟

    قصائدك السود بركان حقد

    و مرجل نار، و سخط و قسوه

    فأين السلام.. و أين الوئام

    أتجني من الحقد و النار نشوة

    و صوتُك هذا الأجشّ الجريح

    صئمنا صداه الكئيبَ و شَجْوَه

    فهلاّ طرحت رداء الجداد

    و غنيت للحبّ أعذبَ غنوه

    ***

    أيا سائلي! خلّ عنك العتاب !

    تلوم جريحاً إذا ما تأوّه

    أخوك أنا! هل فككتَ القيود التي

    حَفرتَ فوق زنديَّ فجوه

    أخوك أنا! من ترى زج بي

    بقلب الظلام.. بلا بعض كوّه .؟

    أخوك أنا ؟ من ترى ذادني

    عن البيت و الكرْم و الحقل.. عنوه

    تُحمّلني من صنوف العذاب

    بما لا أطيق و تغشاك زهره

    و تشتمني.. و تُعلّمُ طفلَك

    شتمَ نَبيّ..بأرض النبوه

    تشكُّ بدمعي إذا ما بكيت

    و تُسرف في الظن ان سِرتُ خطوه

    و تُحصي التفاتاتي المُتعبات.

    فيوماً ((أشارَ)) و يوماً ((تفوّه ))

    ***

    و إن قام، من بين أهلك، واعٍ

    يبرّئُني.. تردريه بقسوه

    و تزجره شاجباً ((طيشه ))

    و تعلن أنَّى توجّهتَ (( لُغوَه ))!

    و إما شكوتُ.. فمنك إليك..

    لتحكم كيف اشتهت فيك شهوه

    فكيف أغني قصائد حبٍ

    و سلمٍ.. و للكُره و الحربِ سطوه

    و أنشد أشعار حريه..

    لقضبان سجني الكبير المشوّه

    أيا لائميّ أنتَ باللوم أحرى!

    إذا شئتَ أنتَ.. تكون الأخوه !!


    ***********************
    السلام ...

    ليُغنِّ غيري للسلامْ

    ليُغنِّ غيري للصداقة، للأخوّةِ، للوئامْ

    ليُغنِّ غيري.. للغراب

    جذلانَ ينعقُ بين أبياتي الخراب

    للبوم.. في أنقاضِ أبراجِ الحمام !

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و سنابلي في الحقل تجهشُ بالحنين

    للنورج المعبود يمنحها الخلود من الفناء

    لصدى أغاني الحاصدين

    لِحُداء راعٍ في السفوح

    يحكي إلى عنزاته.. عن حّبّه الخَفِرِ الطموح

    و عيونهِا السوداء.. و القدِّ المليح

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و العينُ ما عادت تبلُّ صدى شُجيرات العنب

    و فروعُ زيتوناتها.. صارت حطب

    لمواقد اللاهين.. يا ويلي.. حطب!

    و سياجُنا المهدودُ أوحشهُ صهيل الخيل في الطِّفلِ المهيب

    و الُجرن يشكو الهجرَ.. و الإبريقُ يحلم بالضيوف

    بالـ (( يا هلا )) ! .. عند الغروب

    و رؤى البراويز المُغَبَّرةِ الحطيمه

    تبكي على أطرافها، نُتفٌ من الصور القديمة

    و حقائبُ الأطفال... أشلاءٌ يتيمه

    لبثت لدى أنقاض مدرسةٍ مهدّمةٍ حزينه

    ما زال في أنحائها.. ما زال يهزاُ بالسكينه

    رَجعٌ من الدرس الأخير..

    عن المحبة و السلام !!

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام

    و هناك.. خلف حواجز الأسلاك.. في قلب الظلام

    جثمت مدائن من خيام

    سُكّانُها..

    مستوطنات الحزن و الحمّى، و سلّ الذكريات

    و هناك.. تنطفئ الحياة

    في ناسِنا..

    في أبرياء.. لم يسيئوا للحياة !

    و هنا... !

    هَمَت بيّارةٌ من خلقهم.. خيراً كثير

    أجدادهم غرسوا لهم..

    و لغيرهم، يا حسرتي، الخير الكثير

    و لهم من الميراث أحزان السنين !

    فليشبع الأيتام من فضلات مأدبة اللئام !!

    ***

    ليُغنِّ غيري للسلام..

    و على ربى وطني، و في وديانه.. قُتِل السلام ؟

    (الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيدة محذوفة بالشكل التالي:

    )X X X X X X X X

    لا نُصبَ.. لا زَهرةَ.. لا تذكار

    لا بيتَ شعرٍ.. لا ستار

    لا خرقة مخضوبة بالدم من قميص

    كان على إخوتنا الأبرار

    لا حَجَرٌ خُطّت به أسماؤهم

    لا شيءَ.. يا للعار

    ***

    أشباحُهم ما برحت تدورْ

    تنبش في أنقاش كَفْر قاسم القبور

    (الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيد أيضاً محذوفة بإشارة الرقيب الصهيوني...)

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:44 am

    روما

    روما احترقت قبل قرون

    لكنَّ الجدرَ الضارب في أرضهْ

    لم يفقد في النكبة معنى نبضه

    روما عادت.. يا نَيرون ..

    ************************

    كرمئيــل

    كرمئيــل

    ((مدينة الحقد و الجوع و الجماجم))

    صباحَ مســاء

    يطالعنا.. و جهُها و السماء

    و نبسمُ.. لا بسمةَ الأغنياء

    و لكنها بسمةُ الأنبياء

    تَحدّاهم صالبٌ تافه

    يغطي الشموس.. ببعض رداء !

    ***

    غداً.. يا قصوراً رست في القبور

    غداً يا ملاهي,, غداً يا شقاء

    سيذكر هذا التراب، سيذكرُ

    أنّا منحناهُ لون الدماء

    و تذكر هذي الصخور رعاةً

    بنوها أدعيةٍ من حداء

    و تذكر أنّا..

    ***

    هنا سِفرُ تكوينهم ينتهي

    هنا.. سفر تكويننا.. في ابتداء !

    ************************

    من وراء القضبان

    السجين الأول

    دوريّة البوليس لا تنامْ

    ما فتئت تبحر في مستنقع الظلام

    تجوس كل قرية.. تطرق كل بابْ

    و تَنْكُتُ العتمةَ في الأزقة السوداء

    من غيظها.. تكاد أن تُقلّب الجيوب

    لعابرٍ.. كان لدى أصحاب !

    ***

    ((يا بيتنا الوديع,, يا شبّاكنا المضاء

    ((ما أجمل السلامَ في حَلْقةِ أصدقاء

    ((يطالعون الشعرَ، يشربون، يَرَون من النّكات

    ((ما يُضحك الأحياءَ من بليّةِ الحياة !

    ((محارب مخضّبُ لواء

    ((سلاحه.. أشعار

    ((تقطر من حروفها الدماء !

    ***

    و داهمت مجلسَهم دوريةُ البوليس

    لتلقيَ القبضَ على محارب وِجهتُهُ النهار

    . . . . . . . . . . . . .

    و باتت الخمرة في الكؤوس

    (حذف الرقيب الصهيوني المقطعين الثاني و الثالث من هذه الصفحة و هما على سعة سبع صفحات من الديوان)

    ************************

    رسالة من المعتقل

    ليس لديّ ورقٌ، و لا قلمْ

    لكنني.. من شدّة الحرّ، و من مرارة الألم

    يا أصدقائي.. لم أنمْ

    فقلت: ماذا لو تسامرتُ مع الأشعار

    و زارني من كوّةِ الزنزانةِ السوداء

    لا تستخفّوا.. زارني وطواط

    وراح، في نشاط

    يُقبّل الجدران في زنزانتي السوداء

    و قلتْ: يا الجريء في الزُوّار

    حدّث !.. أما لديك عن عالمنا أخبار ؟..؟!

    فإنني يا سيدي، من مدّةٍ

    لم أقرأ الصحف هنا.. لم أسمع الأخبار

    حدث عن الدنيا، عن الأهل، عن الأحباب

    لكنه بلا جواب !

    صفّق بالأجنحة السوداء عبر كُوّتي.. و طار!

    و صحت: يا الغريب في الزوّار

    مهلاً ! ألا تحمل أنبائي إلى الأصحاب ؟..

    ***

    من شدة الحرّ، من البقّ، من الألم

    يا أصدقائي.. لم أنم

    و الحارس المسكين، ما زال وراء الباب

    ما زال .. في رتابةٍ يُنَقّل القدم

    مثليَ لم ينم

    كأنّه مثليَ، محكوم بلا أسباب !

    ***

    أسندت ظهري للجدار

    مُهدّماً.. و غصت في دوّامةٍ بلا قرار

    و التهبتْ في جبهتي الأفكار

    . . . . . . . . . . . . . .. . . . .

    أماه! كم يحزنني !

    أنكِ، من أجليَ في ليلٍ من العذاب

    تبكين في صمتٍ متى يعود

    من شغلهم إخوتيَ الأحباب

    و تعجزين عن تناول الطعام

    و مقعدي خالٍ.. فلا ضِحْكٌ.. و لا كلام

    أماه! كم يؤلمني !

    أنكِ تجهشين بالبكاء

    إذا أتى يسألكم عنّيَ أصدقاء

    لكنني.. أومن يا أُماه

    أومن.. .. أن روعة الحياه

    اولد في معتقلي

    أومن أن زائري الأخير.. لن يكونْ

    خفّاش ليلٍ.. مدلجاً، بلا عيون

    لا بدّ.. أن يزورني النهار

    و ينحني السجان في إنبهار

    و يرتمي.. و يرتمي معتقلي

    مهدماً.. لهيبهُ النهار !!

    ************************

    يهـوشع مــات

    ((على حد ما يبدو من القصيدة، فإن يهوشع هو اللفظ الآخر الذي يقصد به الشاعر به يشوع بن نون، القائد العسكري اليهودي الذي عبر الأردن من تيه سيناء، و احتل أريحا، و أحرقها..{ و كان بعد موت موسى، عبد الرب، أن الرب، كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلا*موسى عبدي قد ما

    العهد القدم_ يشوع_الأصحاح الأول ))

    يا حائرين في مفارق الدروب !

    لا تسجدوا للشمسِ

    لن يرقى لها صدى صَلاتكم

    بينكمُُ و بينها سقفٌ من الذنوب

    لا تسكبوا الدموع، لن ينفعكم ندم

    الشمس في طريقها.. راسخةُ القدم

    لا تركعوا.. لا ترفعوا أيديكم إلى السماء

    تدمّرتْ و اندثرت أسطورة السماء

    و أطرقتْ على متاه بؤسكم جنازة الهباء

    يا حائرين في مفارق الدروب !

    أغواركم خاوية.. إلا من الخواء

    صلاتكم خاوية.. إلا من الخواء

    يا ويلكم ! يا ويلكم

    سرعان ما تغوص في أعماقكم

    أظافر الغروب !

    ***

    يهوشَعٌ ماتَ

    فلا تستوقفوا الشمس، و لا تستمهلوا الغروب

    سور أريحا شامخٌ في وجهكم إلى الأبد

    يا ويلكم ! يا ويلكم !

    سرعان ما تغوص في أعماقكم

    أظافر الغروب

    يَهوشَعٌ راح.. و لن يؤوب

    يهوشع مات !!

    ************************

    الذئاب الحمر

    حُمّت سراياك فاشربْ من سرايانا

    كأساً جَرَعت بها للذلّ ألوانا

    أركانُ عرشِكَ، آلينـا نقوّضها

    فاحشد فلولَكَ.. حيّاتٍ و عُقبانا

    أسطورة الأسَدِ المهزوم تمهرها

    جداولٌ من دمٍ تجتاح (( ردفانا ))

    بلادنا.. القَدَرُ المحتوم قاطنها

    مُذْ كانت الشمسُ، ما لانت و ما لانا

    يا عابد النار ! ما زالت مُؤَرَّثةً

    على القَنال.. فماذا تعبد الآنـا

    يا غازياً غُسِلتْ بالنار حملتُه

    لقد فتحتَ لدفن التاج كثبانا

    بلادنا.. القَدَرُ المحتوم قاطنها

    مُذْ كانت الشمسُ، ما لانت و ما لانا

    و طارفُ المجدِ أقسمنا نشيّده

    على التليد الذي شادت ضحايانا

    يا عابد النار ! ما زالت مُؤَرَّثةً

    على القَنال.. فماذا تعبد الآنـا


    ************************
    توتم

    ((توتم_رقصة إفريقية. تمثل صراع القبيلة

    ((مع وحش أسطوري مخيف.. يهاجم مضاربها من

    ((الغابة و لكنها تنتصر عليه !..

    ألسنةُ النارِ تزعردُ في أحشـاءِ الليلْ

    و يُدمدم طبلْ

    و تهدُّ بقايا الصمت طبولٌ ضارية و صنوج

    و يَهيجُ الإيقاعُ المبحوحُ.. يهيج

    فالغابة بالأصداء تموج

    صرخاتُ وحوشٍ تطفو فوق هدير السيل

    و أفاعٍ جائعةٌ تحت الأعشاب العملاقة تنسَلّ

    و يُحلّقُ حولَ النار زنوج !

    أشباحٌ ترقص حول النار

    و إلى أطراف الغابة يمتد الظل

    بخطى تترددُ.. هيابه

    و يمزّق قلب الليل دويُّ الثار

    تَوْتَمْ.. تَوْتَمْ.. تَوْتَم !

    و أكفٌ سودٌ تُلهب جلدَ طبول

    فتدمدم من ألمٍ.. و تدمدم

    دُم دُم.. دُ.. دُ.. دُم

    دُم دُم.. دُ.. دُ.. دُم

    أحقاد قرون تتضرّم

    و يعود يمزق قلب الليل دوي الثار

    تَوْتَمْ.. تَوْتَمْ.. تَوْتَم !

    و تُشَرّعُ في وهجِ النيران رماح

    تنقضّ لتعصر عار عصور الظلمة بالدمّ

    ((الغابة قبركَ..يا استعمار !!

    ************************

    باتريــس لومومبا

    باتريــس لومومبا

    ((شاعر الحرية و رسولها. في مجاهل

    غابات الكنونغو الزنجي المعذب ! ))

    لاطم الريح بالجناجين.. و اصعد.. يا حبيب الحرية المتمرّدْ

    أيهذا النسر الذي راعه العيشُ بوادِ كابٍ.. ذليلٍ.. مقيّد

    فتلوّى في بؤرة الوحل و الشوك.. بشوقٍ إلى السنى متوقّد

    و أضاءت أحلامُه برؤى موسى، و عيسى، و أمنيات محمد

    و أضاءَ الحنينَ للذروة الشماءِ.. بين النجوم.. أعلى و أبعد

    فنَزاه للعلاء.. ميناؤه الشمروخ، في قمة الإباء الموطّد

    ***

    يا هتافا، لوقعه زُلزِلَ الكونغو الحزين المعذبُ المستعبَد

    أغفلته عصابةٌ ساقت الشعب عبيداً.. لأجنبيّ مسوّد

    نسرَ إفريقيا العظيمَ.. نداءُ الشمسِ دوّى على الوجود و أرعد

    فاستجبتَ النداءَ.. لبيكِ أمي.. غدا في أفق البطولات موعد

    و شددتَ الجناح، في القلبِ نبضٌ لهبيٌ.. و أدمعٌ تتجلّد

    بعد عهد من الظلامِ، طويلٍ، في سماء العبيد أشرقت فرقد

    فاحمل المشعل العظيم و مزّقْ ما أراد الغزاةُ ليلاً مُخلّد !

    ************************

    في صف الأعداء

    أمس استوقفني في الشارع يسأل عن (( بارْ ))

    يقضي فيه بقيّةَ ليله

    زنجي بحّار

    يعمل عتّالا في إحدى سفن الدولار

    و تحدّثنـا فإذا بي أستلطف ظلّهْ

    _هل نشرب كأساً يا صاحب ؟..

    و لدى مائدةٍ واجمةٍ في المقهى الثرثار

    كان صديقي يشربُ.. يشربُ باستهتار

    هذا الزنجيُّ يحبّ النسيان

    فلماذا؟.. من أيةِ أغوار

    ينبع هذا الإنسان ؟

    _قل لي.. حدّثني عنكم في أميركا الحرّة

    عن مدرسة البيِض، كنيستهِم، فندقهم، و عبارات

    كتبتْ بالفوسفور و جابت كل الحارات:

    ((ممنوع إدخال كلاب و يهودٍ و زنوج )) !

    _او.. وه.. اتركني باسم الشيطان

    هل حولَكَ لي أُنثى؟ فقُبَيْلَ الفجر

    سنُسيّبُ هذا الميناء.. و نمضي عبر الأخطار !

    _حسناً ! حدثني عن وطنِ النارِ السوداءْ

    هل تسمع عن أسدٍ يُصطاد

    عن أدغالٍ تهوي تحت الليل رماد

    عن حقل مزروع شهداء

    عن شعب يَنْبَتُ في أرضٍ

    بدماء القتلى مرويّه

    عن شمسٍ تولّد حاملةً

    خبزاً.. أحلاماً.. حريّه

    هل تسمع عن افريقيّة ؟!

    _أسمع.. أسمع.. دقات طبول (( السمبا ))

    و أرى الحسناء الزنجيّه

    تترجرج كالنار الغضبى

    في رقصة حبّ دمويّه

    _حسناً.. حسناً.. حدّث عن كوبا

    هل تعرف شيئاً عن شعبٍ

    ما عاد مسيحاً مصلوبا

    لو أنشد هذي الليلةَ أغنيّه

    _كوبا؟ لو أحمل هذه الليلة قيثاره أغنيّه

    فتزاح ستاره

    عن جسدٍ بضّ في إحدى الشرفات

    ***

    يا ساقية الحانه

    وَيْلمِّكِ.. فارغةٌ كأسي

    و أنا ما زلتُ أُحُسُّ على عنقي، رأسي

    و رفيقُكِ.. ما لرفيقِكِ أخمدَ ألحانه ؟ ..

    أمس استوقفني في الشارع يسأل عن بار

    و اليوم صباحاً كان من الأخبار

    أمريكيٌ أبيض مات

    مات و في شفتيه نداءٌ:

    فلتسقط كلمات

    كتبت بالدمّ و بالأحزان

    فليسقط عارُ الإنسان

    يرفعه الفاشست على وحل الرايات

    ((ممنوع إدخال كلابٍ و يهود و نزنوج )) !

    ************************

    من أجل

    من أجل صباح !

    نشقى أياماً و ليالي

    نحمل أحزان الأجيالِ

    و نُكوكِبُ هذا الليل جراح !

    ***

    من أجل رغيف !

    نحمل صخرتنا في أشواك خريف

    نعرى.. نحفى.. و نجوع

    ننسى أنّا ما عشنا فصلّ ربيع

    ننسى أنّا..

    خطواتٌ ليس لهنّ رجوع !!

    ************************

    عروس النيل

    أسمعُهُ.. أسمعُهُ !

    عبرَ فيافي القحط، في مجاهلِ الأدغال

    يهدرُ، يَدْوي، يستشيط

    فاستيقظوا يا أيها النيام..

    ولْنبتنِ السدود قبل دهمة الزلزال

    تنبهوا.. بهذه الجدران

    تنزل فينا من جديد نكبة الطوفان !

    ***

    لمن تُزَيّنونَها.. حبيبتي العذراء !

    لمن تبرّجونها ؟

    أحلى صبايا قريتي.. حبيبتي العذراء !

    حسناؤنا.. لمن تُزَفّ ؟

    يا ويلكم، حبيبتي لمن تُزَفّ

    لِلطّمْيِ، للطحلب، للأسماك، للصّدف ؟

    نقتلها، نُحْرَمُها، و بعد عام

    تنزل فينا من جديدٍ نكبةُ الطوفان

    و يومها لن يشفع القربان

    يا ويلكم، أحلى صبايا قريتي قربان

    و نحن نستطيع أن نبتنيَ السدود

    من قبل أن يداهمنا الطوفان !

    ***

    بَدارِ.. باسم الله و الانسان

    فانني أسمعُهُ.. أسمعُهُ :

    و لي أنا.. حبيبتي العذراء !!

    ************************

    الجنود

    الجنــود

    قوموا اخرجوا من قَبْوِكم، يا أيها النيام !

    اليوم للأعراس

    دُقّوا له الأجراس

    و ارفعوا الأعلام

    لاقُوه في حماس

    لاقوه بالهتاف.. بالأفراح.. بالأغاني

    هبّوا اصنعوا أعظم مهرجانِ

    غَطُّوا المدى بأغصنِ الزيتون

    و طيّروا الحمام

    جاءكم السلام

    يا مرحبا.. جاءكم السلام !

    نحن على الحدود

    نحن على الحدود.. لا ننام

    أكُفُّنا لصيقةٌ على مقابض الحديد

    عيوننا ساهرةٌ.. تجود في الظلام

    قلوبنا تدق في انتظارهم..

    أعدائما الغزاة

    نحن تعلّمنا.. تعلّمنا..

    أن نسلب الحياة !

    ***

    نحن على الحدود.. كالكلاب، كالقرصان !

    لا نعرف الهدوء.. لا ننام

    فاستقبلوه.. استقبلوا السلام

    عاش السلام.. عاش السلام !!


    ************************
    إلى صاحب ملايين

    نَمْ بين طيّاتِ الفراش الوثيرْ

    نَمْ هانئَ القلب، سعيداً، قريرْ

    فكل دنياك أغَاني سرور !

    ***

    المال في كفّيـك نهـر عزير

    و القوت، أغلاهُ، و أغلى الخمور

    و ألفُ صنفٍ من ثياب الحرير

    و الصوف و السجاد، منه الكثير

    (( و كادِلاك )).. في رحاب القصور

    و الغيد، و اللحن و سحر الدهور !

    نَمْ خالياً.. لا قارَبَتْك الشرور

    و كلّ ما تبغيه.. حتماً يصير

    إن شئت.. فالليل صباح منير

    أو شئت.. فالقفر ربيع نضير

    و القبر إن ترغبْ.. حياةٌ و نور

    و اطلب.. ففي الجلمود يصفو غدير

    و الآن ! يا نجلَ العلى يا أمير

    يا عالي المقامِ.. يا .. يا خطير

    يا تاجَ رأسي.. يا زعيميَ الكبير

    إسمحْ لهذا الشيء.. هذا الفقير

    إسمح له بكلمةٍ لا تضير

    عندي سؤالٌ مثل عيشي حقير

    أرجوك أن تسمعه، ألاّ تثور

    من أين هذا المال.. يا (( مليونير )) ؟!

    ************************

    المطر والفولاذ

    و ينتصب المصنع الماردُ

    إلهاً.. كلانـا لـه عابدُ

    و تَدوي الدواليبُ مزهوةً

    و يدري بنا شوقُنا الصامدُ

    فيا سُحُبَ الغيثِ مُدّي يداً

    سحابُ مداخننا صاعد

    و صبّي الحياة على شرقنا

    فقد هيّأَ المنجل الحاصد

    و آلتنا وَعَدَتْ طفلَنــا

    بكعكٍ.. فهل يكسف الواعد ؟

    ***

    تهلّل بنا يا غداً لم يكن

    سوى مطمحٍ.. فالسنى عائد

    تهلّل! ستخضرّ أشواقُنا

    و ينبض شريانُها الخامدُ

    ففي كل أُفقٍ لنا مشرقٌ

    و في كلِّ دربٍ لنا رائد

    و مِغْزَلُنا بعد طول انتظارٍ

    تحرّكَ منوالهُ البارد

    و ضم غيوم البحار و غيم الـ

    مصانعِ.. منهجُنا الواحد

    إذا ماتَ من يأسِهِ عاجزٌ

    فإنّ الرجاءَ.. بنا خالد


    ************************
    السرطان

    ((إلى قابين و هابيل العصر اللذين

    لم يصرع بعد، أحدهم الآخر !؟؟))

    _1_

    شواهد الرخام

    تجثمُ في الطين، تغطي الشاطئَ المديد

    و لم تزل سفائن العبيد

    مُثقَلةً بالنارِ، بالسموم، بالحديد

    تَمخرُ بحر الدمع و الصديد

    و خلفها مدائن الموتى

    و الصمتُ، و الخراب، و الدخان

    و في مغاور المدى الدفينِ في الظلام

    يَعوِي مخاضُ الرعب و القَتامْ

    و السرطان يُطفئُ الشمس و يستفيق

    يشبّ من شهوتِه حريق

    متى تزلزل الوجود صرخة اللئام؟

    إلى الأمام.. إلى الأمام !!..

    _2_

    من ألفِ ألفِ عام

    لا يَنْشفُ السكينُ.. و الجراحُ لا تنام

    حمائمُ القماش في الفضاء

    مطلقة بالمعدنِ الممسوخِ.. بالرياء

    و خلف بيرق السلام

    تَغلي صنابيرُ الدماء

    و يرجف التراب في الأعماق

    و يَهْلَعُ الاسفنجُ في القيِعان

    و الرعب يُقلِقُ النجوم

    و السرطان يطفئُ الشمس و يستفيق

    ينتظر الدم المراق

    و فُضلة الجذورِ و العظام

    من ألف ألف عام

    _3_

    مفترق الطريقِ

    من أين يا قوافلَ الرقيق ؟

    في أي شعْبٍ تزحفين ؟

    لأي أُفْق ترحلين ؟

    تمهلوا يا حاملي الصخور

    تمهلوا.. مفترق الطريق

    و البحر من ورائكم يموجُ

    و العدو من أمامكم يموج

    و الشواظ.. و الحريق

    يُفَزِّع الغِلال و المروج

    و الصخرُ في الأغوار

    يضخمُ.. يعلو.. ينذرُ الخليج

    و خلفكم، يا ضائعون، ماتت الشطآن

    و لم يعد مكان

    تُغرَسُ في جراحه شواهد الرخام

    خلفكمو لم يبق غير البومِ و الديدانِ و الغربان

    و الرّعبِ، و الأوباءِ، و الظلام

    و القيظِ، و الصدى، و الازدحام

    و خطوة المصير في مفترق الطريق

    و السرطان !

    يطفئ الشمس و يستفيق !!

    ************************

    طفل يعقوب

    ((إلى فمك بالبوق، كالنسر على بيت

    الرب، لأنهم قد تجاوزوا عهدي،

    و تعدوا على شريعتي )).. التوراة

    من هذا الصخر.. من الصلصالْ

    من هذي الأرض المنكوبه

    يا طفلاً يقتُل يعقوبَهْ

    نعجن خبزاً للأطفال !

    من ترمي في ليلِ الجُبِّ

    أُنظر.. و احذر

    من حفرة غدرٍ تحفرها في دربي

    يا خائنَ عهدِ الربِّ !!


    ************************
    اقطاع

    يا ديداناً تحفر لي رمسي

    في أنقاض التاريخ المنهار

    لن تسكت هذي الأشعار

    لن تخمد هذي النار

    ما دامت هذي الدنيا

    ما دمنا نحيا

    في عصر الاقطاع النفسي

    فسأحمل فأسي

    سأشُجُّ حماقات الأوثان

    و سأمضي.. قُدماً، قُدماً، في درب الشمسِ

    باسم الله الطيب.. باسم الانسان !!

    ************************

    الانسان الرقم

    رفَعَ المقعدُ لي نظارتيه

    سيدي ماذا تريد ؟

    و مضى.. بالقلم المسلول، و الوجه الكليل

    يحرث الأوراق في صمت بليد

    و الحروف الصمّ و الأرقام ثلجٌ في يديه :

    سيدي.. ماذا تريد ؟

    ***

    و تنحنحتُ.. أنا أبحثُ عن نفسي هنا

    رَقَمي.. خمسةُ آلافٍ و تسعه

    ***

    و مضى يبحث عن خمسةِ آلافٍ و تسعه

    ليس يعنيه (( أنا )) !

    ***

    ثم عاد الأخطبوط الأصفر الشاحبُ من وعرِ الرحيل

    غاضباً.. بالقلم المسلول و الوجه الكليل :

    (( سيدي.. ليس له أي وجود )) !!

    ***

    ثم عاد المقعد الميّتُ يجثو من جديد

    كُوَمَ الأوراقِ

    يغتالُ الحروفَ السودَ و الأرقامَ في صمتٍ بليد

    ***

    رقمي ليس له أي وجود

    و (( أنا )) .. ليس له.. أي وجود !!


    ************************
    مرثيــة أغنية قديـمة

    كم استثرتِ عندهم كوامنَ الأشواق

    كم كنتِ بينهم حمامة السلام

    فعاودتْ قلوبَهم نوازغُ الغرام

    و دمعت عيونهم من الفرح

    فاختصروا العتاب

    و عمّروا مجالس الشراب

    ***

    من سنةٍ.. آخرهم.. يرحمه اللهُ

    و يومها..

    _و لم يكن يفهم ما تحكين إلاّهُ_

    من سنةٍ يرحمكَ الله !

    يا طابعاً أهمله البريد

    فلن يُعيد

    من حلوةٍ جواب

    لمدنفٍ مُتيّمٍ.. لن يجمع الأحباب

    ***

    لن تستثيري عندهم كوامنَ الأشواق

    لن تبعثي أجدادَنا العشاق

    يا جدّةً طاهرةَ الرفات

    يا حيّةَ الممات..

    يا مَيْتَةَ الحياة !!

    ************************

    درب الحلــوة

    عيناك!!.. و ارتعش الضياء بسحر أجمل مقلتينْ

    و تلفّتَ الدربُ السعيد، مُخدّراً من سكرتين

    و تبرّجَ الأُفُقُ الوضيء لعيد مولد نجمتين

    و الطير أسكتها الذهول، و قد صدحتِ بخطوتين

    و الوردُ مال على الطريق يودّ تقبيل اليدين

    و فراشةٌ تاهت إلى خديكِ.. أحلى وردتين

    ثم انثنيت للنور في عينين.. لا.. في كوكبينْ

    و نُحَيْلةٌ همْتْ لتمتص الشذى من زهرتين

    رحماك!.. ردّيها.. و لا تقضي بموتي مرتين

    فأنا.. أنا دوّامةٌ جُنّت ببحرٍ من لُجين

    أصبحتُ، مذ نادى بعينيك السبيل.. كما ترين

    سُكْرٌ غريب الخمر.. منكِ.. اجتاحني قلباً و عين

    ماذا؟.. أحُلماً ما أرى.. أم واقعاً.. أم بين بين

    يا طلّة الأسحار قلبي ذاب في غمّازتين

    و ثوى هنالك ناسكاً، ما حمّلَ المعبودَ دَين

    يا حلوة العينين، إنكار الهوى زورٌ، و مَيْن

    فتشجّعي .. و بقبلةٍ صغرى أبيعك قبلتين

    و تشجّعي .. و الحبّ يخلقُ هيكلاً من هيكلين

    إن تعطِني عيناكِ ميعاداً ألمّ الفرقدين

    أيكون من حظي لقاءٌ يا ترى ؟ و متى ؟ و أين ؟ ..

    ************************

    يوم الأحد

    ((إلى الجنة الحزينة.. و اللقاء الأول..

    و شجرة الكرمل ))

    ***

    المواعيد سَهتْ عن موعدي

    فتشـرّدتُ بتيـه الأبـَدِ

    أنكرتْ سود الليالي أرَقي

    و جناح الدفء جافي مرقدي

    و القتينا صدفةً قِدّيسةً

    جمعتْ قلبين يومَ الأحدِ

    فغدى يوم المسيح المفتدى

    بدءَ تاريخي، و ذكرى مولدي

    ***

    حلوتي، يا جنّةً مخزونةً

    أنا من قبلُ، بها لم أنشد

    طائري ما كان يبني عُشّه

    في جِنانِ الحب لو لم توجدي

    فاحضنيني.. أدمعاً حائرةً

    أقسم الحرمان ألاّ تهتدي

    رُوِيتْ منها قلوبٌ جّمّةٌ

    و أنا.. منبعُها الثرّ.. الصدي

    عانقيني بهجةً ناسكةً

    غير أرباب الهوى لم تعبدِ

    و خيالاتٍ تجلّت في دُنىً

    لم تطُفْ أشباحها في خَلَدِ

    عالمٌ للروح طوّفت به

    شطه استعصى على كل يد

    أنا أهواكِ.. هوىً نيرانُه

    اتخذت أحطابها من جسدي

    طهّرتْ روحي، و مسّتْ شفتي

    فإذا فيها الذي لم يُعهَدِ

    قُبَلٌ تسألني عن شفةٍ

    لم تنَلْ.. كالوهم في ظنِّ الغد

    و حروف يسجد الوحيُ لها

    لسوى عاطفتي لم تسجد

    يا ابنة الأحلام في غيبوبتي

    جسّدي أحلامَ حبي.. جسّدي

    المواعيد التي لم نَحْيَها

    أمسِ.. نحياها غداً.. في موعدِ

    ************************

    غوانتانامو

    هنا يَفسُدُ الملحُ. يأسنُ ماءُ الينابيعِ. يؤذي النسيمُ. ويُعدي الغمامُ

    هنا تثلجُ الشمسُ. مبخرةُ الثلجِ تُشعلُ شعرَ الحواجبِ والأنفِ. تدنو الأفاعي. وينأى الحمامُ

    هنا يسهرُ الموتُ في اليومِ دهراً. وروحُ الحياةِ تنامُ نهاراً ودهراً تنامُ

    بكاءُ الرجالِ هنا. وبكاءُ النساءِ. ليضحكَ ملءَ البكاءِ لئامٌ لئامُ

    هنا غوانتانامو..

    وجوهٌ وما من وجوهٍ. وصوتٌ ولا صوتَ. والوقتُ لا يعرفُ الوقتَ. لا ضوءَ. لا همسَ. لا لمسَ. لا شيءَ. لا شمسَ. ليلٌ. وليلٌ يجبُّ النهارْ

    وقيدٌ يُسمَّى السِّوارْ

    وقيدٌ دماءٌ. وقيدٌ دمارْ

    وراءَ الجدارِ. وراءَ الحديدِ. وراء الجدارْ

    هنا قلقٌ لا يفيقُ. هنا أرقٌ لا ينامُ

    هنا غوانتانامو..

    تدفُّ رفوفُ العصافيرِ رُعباً. وتخفقُ أجنحةُ الموتِ في فخِّ أسلاكِهِ الشائكهْ

    ويسطو طنينُ الذبابِ على ثَمَرِ الأعينِ الهالكهْ

    وتعلو على لهبِ الدمِّ والدّمعِ أبخرةٌ فاتكهْ

    ويهوي الظلامُ

    هنا غوانتانامو..

    أتعلمُ أُمُّكَ أنّكَ تذوي حنيناً إليها؟ أتعلمُ أمّكَ يا أيّهذا الأسيرُ الغريبْ

    أتعلمُ أنّك تلمحُ في الموتِ كفَّ الطبيبْ

    أتعلمُ أمكَ أنكَ في ربقةِ الأسرِ تحلمُ حرّاً

    بدفءِ يديها

    وتبكي عليكَ. وتبكي عليها

    وأنّك تدعو وتدعو. وأنّ السماواتِ لا تستجيب

    لأنك في غوانتانامو

    وبعضُ الدّعاءِ مَلامُ..

    تضنُّ القلوبُ بأسرارها. ويبوحُ المسدَّسُ. ما الحلُّ؟

    يا جنرالَ الظلامِ . ويا سيّدَ النفطِ والحلِّ والرّبطِ . ما الحلُّ

    يا سيّدَ البورصةِ الخائفهْ

    ويا قاتلَ الوقتِ في رَحْمِ ساعاتِنا الواقفهْ

    إلى أين تمضي جنائزُ أحلامِك النازفهْ

    إلى أين يمضي السلامُ؟

    إلى أين يمضي الكلامُ؟

    إلى غوانتانامو..

    تعيشُ اللغاتُ هنا. وتموتُ اللغاتْ

    على الملحِ والدمعِ والذكرياتْ

    وتؤوي بقايا الرفاتِ بقايا الرفاتْ

    وأحذيةُ الجندِ لا تستريحُ. وقبضاتُهم لا تريحُ. وما من شرائعَ. ما من وصايا. ولا دينَ. لا ربَّ. لا شرقَ. لا غربَ. ما من حدودٍ. وما من جهاتْ

    هنا كوكبٌ خارجَ الأرضِ. لا تُشرقُ الشمسُ فيه. وما من حياةٍ عليه. وما من حروبٍ. وليسَ عليه سلامُ

    هنا كوكبٌ خارجَ الجاذبيَّهْ

    وما من معانٍ إلهيَّةٍ تدَّعيهِ

    وما من رؤىً آدميَّهْ

    ظلامٌ

    ظلامٌ

    ظلامُ

    هنا.. غوانتانامو..

    جناحُ الفراشةِ ينسى زهورَ الربيعِ. جناح الفراشةِ ينسى الربيعَ القديمَ الجديدَ القريبَ البعيدَ. ويسقطُ في النارِ. لا طَلْعَ. لا زرعَ. كفُّ الأسيرِ جناحُ الفراشةِ. مَن أشعَلَ النارَ في البدءِ؟ مَن أرهبَ النسمةَ

    الوادعَهْ

    ومن أرعبَ الوردةَ الطالعهْ

    لتسقطَ كفُّ الأسيرِ. ويسقطَ قلبُ الطليقِ. على لهبِ الفاجعَهْ

    ويرحلَ بالراحلينَ المقامُ

    إلى غوانتانامو..

    كلامٌ جميلٌ عن العدلِ والظلمِ. والحربِ والسلمِ. في مجلسِ الحسنِ والصونِ والأمنِ. في كافيتيريا الرصيفِ. وفي البرلمانِ. وفي المهرجانِ. وبين القضاةِ. وفي الجامعاتِ. كلامٌ غزيرٌ. وحلوٌ

    مريرٌ. ومَرَّ الكرامِ يمرُّ عليه الكرامُ

    ويمضي الصدى. ويضيعُ الكلامُ

    ولا شيءَ يبقى سوى.. غوانتانامو..

    ويبقى غبارٌ على صُوَرِ العائلهْ

    ووجهٌ يغيبُ رويداً رويداً. وتشحُب ألوانُه الحائلهْ

    وسيّدةٌ عُمرُها ألفُ عُمرٍ. تقاومُ قامتُها المائلهْ

    لترفعَ عينينِ ذابلتينِ إلى صورةِ الأُسرةِ الذابله

    "تُرى أين أنتَ؟"

    "متى ستعودُ؟"

    "وهل ستعودُ قُبيل رحيلي؟"

    "لأمِّك حقٌّ عليكَ. ترفَّقْ بأمِّك يا ابني. تعالَ قليلاً. ألستَ ترى أنّني راحلهْ؟"

    "تُرى أين أنتَ؟"

    وتجهلُ أُمُّ الأسيرِ البعيدِ مكاناً بعيداً

    يسمُّونَهُ غوانتانامو

    وتبكي.. وتبكي عليها العنادلُ. تبكي النسورُ. ويبكي اليمامُ..

    هنا وطنُ الحزنِ من كلِّ جنسٍ ولونٍ. هنا وطنُ الخوفِ والخسفِ من كلِّ صنفٍ. هنا وطن السحقِ والمحقِ والموتِ كيف تشاءُ المشيئةُ موتٌ ترابٌ. وموتٌ رخامُ

    هنا غوانتانامو

    أراجيحُ ضوءٍ شحيحٍ عقاربُ ساعتِهِ المفلتهْ

    ورقّاصُ ساعتِهِ الميّتهْ

    هنا غوانتانامو

    يغنّي المغنّي الأسيرُ دماً. يا صديقي المغنّي

    لجرحِكَ إيقاعُ جرحي

    لصوتِكَ أوتارُ حزني

    لموتِكَ ما ظلَّ لي من حياتي

    وما ظلَّ للموتِ منّي

    وكلُّ زمانٍ هُلامُ

    وكلُّ مكانٍ هُلامُ

    سوى غوانتانامو..

    لبرجِ المراقبةِ الجهْمِ أن يستثيرَ الرياحَ وأن يستفزَّ الجهاتْ

    وللحارسِ الفظّ أن يشتُمَ الأمَّهاتْ

    وللثكناتِ .. وللأسلحهْ

    ممارسةُ الحلمِ بالمذبحهْ

    وللزيتِ والشَّحم والفحمِ أن تتحدّى طموحَ الزهورِ

    وأن تتصدّى لتوقِ النباتْ

    وللقبضاتِ. وللأحذيهْ

    معاقبةُ الأغنيهْ

    وقمعُ الصَّلاةْ

    هنا ما يشاءُ النِّظامُ

    وفوضى تُرتِّبُ فوضى

    ويُسكِتُ جوعاً صِيامُ

    هنا غوانتانامو..

    ينامون بين الأسرَّةِ والريحِ. أهدابُهم في النجومِ. وأطرافُهم في مياهِ المحيطِ. ينامونَ صفراً عُراةً وسوداً وبيضاً عراةً وسُمراً عُراةً. لحافُ السماءِ غطاءٌ ثقيلٌ. ينامون بين شفيرِ الجحيمِ وحبلِ الخلاصِ.

    وهل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالَ المشانقِ؟ هل من خلاصٍ سوى ما تُتيحُ حبالُ المشانقِ؟ مَن يُصدرُ الحُكمَ يا حضراتِ القضاةِ الغزاةِ الطغاةِ؟ ينامون أسرى الحنينِ وأسرى الجنونِ. ولا نومَ . لا صحوَ. ما

    من أسِرَّهْ

    سوى شُهُبٍ من شظايا المجرَّهْ

    وما من لحافٍ سوى ما يُهيل القتامُ

    على غوانتانامو

    وأكفانِ حزنٍ. ونيرانِ حَسْرَهْ

    هنا غوانتانامو

    تقولُ الدساتيرُ ما لا تقولُ البنادقْ

    تقولُ المغاربُ ما لا تقولُ المشارقْ

    تقولُ الأراجيحُ ما لا تقولُ المشانقْ

    يقولُ الأساطينُ في فنِّ قتلِ المحبَّةِ. ما لا

    تقولُ أناشيدُ عاشقْ

    فماذا يقولُ لنا الاتهامُ؟

    وماذا يقولُ لنا غوانتانامو؟

    وماذا يقولُ رمادُ المحارِقِ. ماذا يقولُ رمادُ المحارقْ؟

    وماذا يقولُ زجاجُ النوافذِ للشمسِ والريحِ؟ ماذا

    يقولُ القميصُ العتيقُ لعاصفةِ الرملِ والثلجِ؟ مِن

    أينَ تأتي الأفاعي إلى غُرفِ النّوم؟ ما يفعلُ الطفلُ

    بالقنبلهْ

    وكيف يردُّ الذبيحُ على الأسئلهْ

    وماذا تقولُ لصاعقةٍ سُنبُلهْ

    وماذا تقولُ الصبيّةُ بعد اقتناصِ أبيها

    وكيف يجيبُ الغُلامُ

    على غوانتانامو؟

    لأنَّ دماءَ المسيحِ تسحُّ على شُرفةِ الأرضِ

    من شُرفةِ الآخرهْ

    لأنَّ دموعَ النبيّينَ تنفعُ إن لم تعُدْ تنفع الآصرهْ

    وتَشفع للأُممِ الصابِرهْ

    لأنّ الخليقةَ مؤمنَةٌ أوّلَ الأمرِ بالله. موعودةٌ

    آخرَ الأمرِ بالرحمةِ الغامرهْ

    لأنّ النفوسَ البسيطةَ طيّبةٌ غافرهْ

    فهل تتخلَّى السماءُ؟ وهل يستريحُ الأنامُ

    إلى الصمتِ والموتِ في غوانتانامو؟

    لإيكاروسِ العصرِ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ..

    O.K... فهمنا الرسالةَ. لكنَّ أجنحةَ الطائراتِ الرهيبةِ أقوى من الرّيشِ والريحِ. أسرعُ من نبضةِ القلبِ في قلعةِ البنتاغونِ القصيَّهْ

    ويسقطُ إيكاروسُ العصرِ. تسقطُ حكمةُ ذيذالوسِ العصرِ،

    بين المارينـزِ وحاملةِ الطائراتِ العصيَّهْ

    وتبقى التفاصيلُ. لكنْ تضيعُ القضيَّهْ

    ويبقى الحلالُ. ويبقى الحرامُ

    ويبقى النـّزيفُ على غوانتانامو..

    متى تسقطُ الكأسُ من كفِّ يوضاسَ؟ أين الوصايا؟ وأين المرايا؟ أليسَ هنا أَحَدٌ؟ أين أنتم؟ وهُم؟ أين نحنُ؟ وأين قضاةُ النظامِ الجديدِ؟ ألم يفرغوا من طقوسِ العشاءِ الأخيرِ؟ ومن خطّةِ الضَّربِ والصَّلبِ؟ أين رُعاةُ

    الحقوقِ؟ وأينَ حُماةُ الحدودِ؟ ألم يشبعوا من طعامِ العشاءِ الأخيرِ؟ ألم يكفِهم جسدي خبزهم ودمي خمرهم؟ يتخمونَ على رسلِهم. يثملونَ على رِسلِهم. يصخبونَ. وشاهدةُ القبرِ بينهم المائدهْ

    ووجبتُهم جثّتي الخامدهْ

    هنا غوانتانامو

    هنا تتهاوى النواميسُ. يسقطُ سرُّ اللّغاتِ. هنا تتشظّى الجراحُ. هنا تتلظّى الرياحُ. متى تنهضُ الشمسُ من قبرِها؟

    متى تُسفرُ الأرضُ عن فجرِها؟

    متى تتصدَّى حياةٌ لموتٍ؟ متى تتحدّى الحروبَ السلامُ؟

    كفى غوانتانامو

    كفى غوانتانامو

    كفى غوانتانامو

    كفى

    ************************

    البيان قبل الأخير ..

    البيان قبل الأخير عن واقع الـحال مع الغزاة الّذين لا يقرأون

    ----------------

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    يَوْمُ الْحِسَابِ فَاتَكُمْ

    وَبَعْثَرَتْ أَوْقَاتَكُمْ

    أَرْقَامُهَا الْمُبَعْثَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    تَدَفَّقُوا مِنْ مَجْزَرَهْ

    وَانْطَلِقُوا فِي مَجْزَرَه

    أَشْلاَءُ قَتْلاَنَا عَلَى نَهْرِ الدِّمَاءِ قَنْطَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    تَزَوَّجُوا دَبَّابَةً

    وَأَنْجِبُوا مُحَنْزَرَهْ

    وَحَاوِلُوا

    وَعَلِّلُوا

    وَقَاتِلُوا

    وَقَتِّلُوا

    كُلُّ شَهِيدٍ غَيْمَةٌ

    تَصْعَدُ مِنْ تُرَابِنَا

    تَهْمِي عَلَى حِرَابِكُمْ

    وَمَرَّةً أُخْرَى وَرَاءَ مَرَّةٍ أُخْرَى

    يَعُودُ غَيْمَةً مِنْ بَابِنَا

    كُلُّ شَهِيدٍ غَيْمَةٌ

    كُلُّ وَلِيدٍ شَجَرَهْ

    فَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    يَا أَيُّهَا الآتُونَ مِنْ عَذَابِكُمْ

    عُودُوا عَلَى عَذَابِنَا

    عُودُوا إِلَى صَوَابِنَا

    أَلشَّمْسُ فِي كِتَابِنَا

    فَأَيُّ شَيْءٍ غَيْرَ هَذَا اللَّيْلِ فِي كِتَابُكُمْ

    يَا أَيُّهَا الآتُونَ مِنْ عَذَابِكُمْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّا الْعَشَرَهْ

    وَغَازِلُوا قَاذِفَةً

    وَعَاشِرُوا مُدَمِّرَهْ

    وَأَتْقِنُوا الْمَكَائِدَ الْمُحْكَمَةَ الْمُدَبَّرَهْ

    خُذُوا دَمِي حِبْرًا لَكُمْ

    وَدَبِّجُوا قَصَائِدَ الْمَدِيحِ

    فِي الْمَذَابِحِ الْمُظَفَّرَهْ

    وَسَمِّمُوا السَّنَابِلْ

    وَهَدِّمُوا الْمَنَازِلْ

    وَأَطْلِقُوا النَّارَ عَلَى فَرَاشَةِ السَّلاَمْ

    وَكَسِّرُوا الْعِظَامْ

    لاَ بَأْسَ لَوْ تَصِيرُ مَزْهَرِيَّةً

    عِظَامُنَا الْمُكَسَّرَهْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ

    مَنْ أَوْصَدَ السِّحْرَ عَلَى قُلُوبِكُمْ؟

    مَنْ كَدَّسَ الأَلْغَازَ فِي دُرُوبِكُمْ؟

    مَنْ أَرْشَدَ النَّصْلَ إِلَى دِمَائِنَا؟

    مَنْ دَلَّ أَشْبَاحَ الأَسَاطِيرِ عَلَى أَسْمَائِنَا؟

    مَنْ أَشْعَلَ الْفَتِيل؟

    مَنْ لاَطَمَ الْقَتِيلَ بِالْقَتِيلْ؟

    لاَ تَسْأَلُوا

    لاَ تَقْبَلُوا

    لاَ تَعْبَأُوا بِالدَّمْعَةِ الْمُفَكِّرَهْ

    وَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ..

    مِنْ هَهُنَا كَرَّتْ جُيُوشٌ مِثْلَكُمْ

    وَهَهُنَا فَرَّتْ جُيُوشٌ قَبْلَكُمْ

    فَاقْتَحِمُوا

    وَالْتَحِمُوا

    وَأَخْطِئُوا

    وَاتَّهِمُوا

    مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ

    قَاضٍ، بِمَا تَرَوْنَهُ حَقًّا وَعَدْلاً يَحْكُمُ

    وَنَحْنُ لَسْنَا غَيْرَ اُسْطُوَانَةٍ مُكَرَّرَهْ

    أَقْوَالُنَا. فِي عُرْفِكُمْ. مُزَوَّرَهْ

    كُوشَانُنَا، شُهُودُنَا، عُقُودُنَا مُزَوَّرَهْ

    وَجَدُّنَا مُزَوَّرٌ

    وَأُمُّنَا مُزَوَّرَهْ

    وَلَحْمُنَا وَدَمُّنَا شَهَادَةٌ مُزَوَّرَهْ

    لاَ.. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    جِئْتُمْ

    إِذَنْ، فَلْيَخْرُجِ الْقَتْلَى إِلَى الشَّوَارِعْ

    وَلْيَخْرُجِ الآبَاءُ وَالأَبْنَاءُ.. لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَقْلاَمُ وَالدَّفَاتِرُ الْبَيْضَاءُ

    وَالأَصَابِعْوَلْتَخْرُجِ الْمَكَاحِلْ

    وَخُصَلُ النَّعْنَاعِ وَالْجَدَائِلْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَفْكَارُ وَالأَشْعَارُ وَالآرَاءُ

    وَالْفَصَائِلْ

    وَلْيَخْرُجِ الْمُنَظِّرُ الْمُبَشِّرُ الْمُقَاتِلْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَحْلاَمُ مِنْ كَابُوسِهَا

    وَلْتَخْرُجِ الأَلْفَاظُ مِنْ قَامُوسِهَا

    وَلْتَخْرُجِ الْبُيُوتُ وَالْوَرْشَاتُ والْمَزَارعْ

    وَلْتَخْرُجِ الْمِحْنَةُ وَاللَّعْنَةُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ النَّكْبَةُ وَالنَّكْسَةُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْيَخْرُجِ الدَّجَاجُ وَالسِّيَاجُ لِلشَّوَارِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الْبُطُونُ وَالأَفْخَاذُ وَالأَحْلاَفُ

    وَالأَحْزَابْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَدْيَانُ وَالشَّرَائِعْ

    وَلْتَخْرُجِ الأَشْيَاءُ وَالأَسْمَاءُ وَالأَلْقَابْ

    وَلْيَخْرُجِ الْحُبُّ عَلَى أَجْنِحَةِ الضَّغِينَهْ

    أَبْيَضَ فِي أَزِقَّةِ الْمُخَيَّمْ

    أَسْوَدَ فِي كُوفِيَّةِ الْمُلَثَّمْ

    أَخْضَرَ فِي حَارَاتِنَا الْحَزِينَهْ

    أَحْمَرَ فِي انْتِفَاضَةِ الْقَرْيَةِ

    وَالْمَدِينَهْ

    وَلْتَخْرُجِ الأُهْزُوجَةُ الشَّعْبِيَّهْ

    وَلْتَخْرُجِ الْقَضِيَّهْ...

    حِئْتُمْ

    إِذَنْ فَلْتَخْرُجِ السَّاحَاتُ وَالشَّوَارِعْ

    فَيْضًا مِنَ النُّورِ

    عَلَى الْعَتْمَةِ فِي السَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    سَدًّا مِنَ اللَّحْمِ

    عَلَى مَدٍّ مِنَ الْفُولاَذِ وَالْمَطَامِعْ

    أَلْكُلُّ.. لِلسَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    وَالْكُلُّ.. فِي السَّاحَاتِ وَالشَّوَارِعْ

    وَلْتُدْرِكِ الْمَصَارِعُ الْمَصَارِعْ

    وَلاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ

    لاَ. لاَ تَعُدُّوا الْعَشَرَهْ...

    جِئْتُمْ

    إِذَنْ فَلْيَأْخُذِ الْفُولاَذُ مَا يَشَاءْ

    وَلْتَأْخُذِ الْهِرَاوَةُ الْحَمْقَاءْ

    وَلْيَأْخُذِ الْمَطَّاطُ وَالرَّصَاصْ

    وَلْتَأْخُذِ الأَسْلاَكُ وَالْغَازَاتُ مَا تَشَاءْ

    أبْرَقَتِ الْكَآبَهْ

    فِي أُفُقِ الْكَوَارِثِ الصَّمَّاءْ

    وَأَرْعَدَتْ إِرَادَةُ الْخَلاَصْ

    فَلْتَخْتَصِرْ تَارِيخَهَا السَّحَابَهْ

    وَلْتُمْطِرِ الدِّمَاءْ

    وَلْتُمْطِرِ الدِّمَاءْ

    وَلْتُزْهِرِ السُّفُوحُ وَالسُّهُولُ وَالْوِدْيَانْ

    قَتْلَى وَزَيْتُونًا وَزَعْفَرَانْ

    وَلْتَقْدَحِ الشَّرَارَهْ

    بِحِكْمَةِ الْحِجَارَهْ

    وَلْيَخْتَرِعْ إِنْسَانَهُ الإِنْسَانْ

    فَلاَ تَعُدُّا الْعَشَرَهْ

    وَلاَ نَعُدُّ الْعَشَرَهْ

    تَرَاجَعَ الصِّفْرُ إِلَى الصِّفْرِ

    انْطَلِقْ

    مِنْ قُمْقُمِ الْمَوْتِ

    إِلَى سَمَائِكَ الْمُحَرَّرَهْ

    وَأَرْضِكَ الْمُحَرَّرَهْ

    عِمْلاَقُنَا مِقْلاَعُنَا

    مِقْلاَعُنَا عِمْلاَقُنَا

    وَلاَ تَعُدَّ الْعَشَرَهْ

    لاَ

    لاَ تَعُدَّ الْعَشَرَهْ!!

    ************************

    مزامير ..!
    مزمور الجنرالات
    اسمعوا يا آل إسرائيل صوت الأنبياء
    واسمعوا يا آل هارون النداء
    نصدر الأمر لكل الملحدين الأشقياء
    ولكل الطيبين الأتقياء :
    اعبدوا أصنام واشنطن ، قوموا واعبدوها :
    خالطوا أوثان بون القاتلة
    واجعلوا أبناءكم قربان آي . بي . سي.
    وفي القلب احفظوها
    باسمها . . دكوا البيوت الآهلة
    وأريقوا تحت رجليها الدماء
    وعلى أقدام كنعان اسجدوا ، يا آل يا هودا،
    ولا بأس إذا صارت مغانيكم ، صحاري قاحلة !
    هللويا . . هللويا !
    مزمور بقايا الفلسطينيين
    من هنا
    من مطهر الأحزان في ليل الجريمة .
    أيها العالم ، تدعوك العصافير اليتيمة .
    من هنا من غزة الموت،
    زمن جينين ، والقدس القديمة ...
    أيها العالم ندعوك
    فرد الغاز ، والنابالم ، والأيدي الأثيمة !
    هللويا ..
    ذات يوم
    كان في غزة صبر وحنين
    وفلول من أناس طيبين
    ذات يوم ، كان موال حزين
    يشعل النكبة في كل خيام اللاجئين
    ذات يوم ،
    كان في القدس صغار ينشدون :
    راجعون .. راجعون .. راجعون !
    هللويا
    كان في القرميد أعشاش ، وفي الأفق سنونو
    كان في المنفى قلوب وعيون
    تحت لفح الشمس .. تحت الريح ..
    كانت تتمنى ،
    "يا إله المجد ! جُربنا طويلا ..
    فأعِدنا .."
    هللويا .. هللويا
    كان يا ما كان ،
    وانقضت نسور معدنية
    لم تكن حاملة من آل صهيون – إلى صهيون-
    أفواج البقية .
    لم تكن حاملة لحائط المبكى .. مزامير تقيه .
    يا إله المجد .. ماذا حملت . ؟
    نارا .. وغازا .. ودخانا
    ومجاعات .. وصلبانا .. ويتما .. وهوانا ! !
    يا إله المجد فاسمع
    صوت شعب – يتفجع
    يا إله المجد .. يكفيننا قرونا ما حملنا
    نحن جربنا طويلا .. –كيف لا تقنع ؟ –
    جُربنا طويلا .. فأعِدنا ..
    هللويا .. هللويا .. هللويا..
    مزمور أطفال العالم
    يا إله الانتقام !
    يا إله الانتقام اظهر .. ورد الخيلاء !
    رد من يذبح في القدس اليتامى
    والثكالى والايامي ..
    رد من يظلم ميراثك
    من يصلب في القدس سلاما
    كيف لا يسمع من كوّن سمعا للبشر؟
    كيف لا يبصر ، من سَوى البصر
    يا إله الانتقام
    هللويا
    شق للفاسق حفره
    رد للماكر مكره !
    مزمور أحفاد أشعياء
    نحن أحفاد إشعياء،
    نناديه،
    ننادي وجهه السمح الهلامي ،
    الذي يرتج ، من خلف الدموع القانيه !
    نحن أحفاد إشعياء نناديه .. غضابا مجهشين :
    يا إشعياء الذي أغفى قرونا وقرون !
    كيف صارت هذه القرية .. صارت زانية ؟!
    زغلا فضتها صارت ،
    على أيدي الطغاة الأغبياء
    كيف يقضون بعسف لليتيم ؟
    كيف لا تبلغهم دعوى الأرامل ؟
    يا أشعياء المناضل
    هللويا
    ......
    رسل السلم هنا يبكون حقدا ومرارة
    بعد أن حز رؤوس الآمنين
    أدعياء الحق .. أعداء الحضارة .
    يا أشعياء الحزين .
    فانهض اليوم في قرية
    تهوي على سفح المهالك :
    "بعد سبعين ، رعاك الله يا هذي،
    "فلم عدت إلى الأجرة،
    "تزنين مع التجار ، من كل الممالك ؟
    أنهض اليوم ، وصح في تل أبيب:
    "ألف ويل للذي لا يطلب الرب
    "ويمضي نحو مصر
    "حاملا للشرق أعواد الصليب.
    يا إشعياء الحبيب .
    ذاك وحي جاء من تيماء ، من أرض العرب :
    احملوا الماء ولاقوا اللاجئين
    أيها الناس :
    ووافوا الهارب الجائع أياما بخبزه ..
    ضمدوا للمرة الأخرى جراح النازحين
    من أمام السيف ولو هاربين
    ومن القوس الذي شدته للحرب أكف المجرمين
    يا أشعياء الشجاع
    إنهض اليوم لكي يلعب أطفال فلسطين
    ولا يخشون أنياب الصلال
    ولكي يأمن حملان ، بآجام السباع
    .......
    هللويا ..
    ثم يقضي في الأمم
    دون أن يزهق حق
    دون أن يكتم فم
    ........
    يا أشعياء المناضل .
    ثم تغدو سككا كل السيوف
    ورماح القوم تنصب مناجل
    ثم لا ترفع سيفا أمة كما تقاتل .
    وصغار القوم لا يدرون ما الحرب وما سفك الدماء
    وسيحلو ليهودا وفلسطين الغناء :
    هللويا .. هللويا ..
    يا إله المجد حارنا طويلا وذُبحنا .. وذَبحنا
    وسفحنا دمنا ، دهرا ، سفحنا
    يا إله المجد .
    جُربنا طويلا .. واسترحنا ...
    هللويا .. هللويا .. هللويا ..

    ************************
    تعالي لنرسم معاً قوس قزح
    نازلاً كنت : على سلم أحزان الهزيمة
    نازلاً .. يمتصني موت بطيء
    صارخاً في وجه أحزاني القديمة :
    أحرقيني ! أحرقيني .. لأضيء !
    لم أكن وحدي ،
    ووحدي كنت ، في العتمة وحدي
    راكعاً .. أبكي ، أصلي ، أتطهر
    جبهتي قطعة شمع فوق زندي
    وفمي .. ناي مكسّر ..
    كان صدري ردهة ،
    كانت ملايين مئه
    سجداً في ردهتي ..
    كانت عيوناً مطفأه !
    واستوى المارق والقديس
    في الجرح الجديد
    واستوى المارق والقديس
    في العار الجديد
    واستوى المارق والقديس
    يا أرض .. فميدي
    واغفري لي ، نازلاً يمتصني الموت البطيء
    واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :
    أحرقيني .. أحرقيني لأضيء
    نازلاً كنت ،
    وكان الحزن مرساتي الوحيدة
    يوم ناديت من الشط البعيد
    يوم ضمدت جبيني بقصيدة
    عن مزاميري وأسواق العبيد
    من تكونين ؟
    أأختاً نسيتها
    ليلة الهجرة أمي ، في السرير
    ثم باعوها لريح ، حملتها
    عبر باب الليل .. للمنفى الكبير ؟
    من تكونين ؟
    أجيبيني .. أجيبي !
    أي أخت ، بين آلاف السبايا
    عرفت وجهي ، ونادت : يا حبيبي !
    فتلقتها يدايا ؟
    أغمضي عينيك من عار الهزيمة
    أغمضى عينيك .. وابكي ، واحضنيني
    ودعيني أشرب الدمع .. دعيني
    يبست حنجرتي ريح الهزيمة
    وكأنا منذ عشرين التقينا
    وكأنا ما افترقنا
    وكأنا ما احترقنا
    شبك الحب يديه بيدينا ..
    وتحدثنا عن الغربة والسجن الكبير
    عن أغانينا لفجر في الزمن
    وانحسار الليل عن وجه الوطن
    وتحدثنا عن الكوخ الصغير
    بين احراج الجبل ..
    وستأتين بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وستأتيني بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !
    قلت لي - أذكر -
    من أي قرار
    صوتك مشحون حزناً وغضب
    قلت يا حبي ، من زحف التتار
    وانكسارات العرب !
    قلت لي : في أي أرض حجرية
    بذرتك الريح من عشرين عام
    قلت : في ظل دواليك السبيه
    وعلى أنقاض أبراج الحمام !
    قلت : في صوتك نار وثنية
    قلت : حتى تلد الريح الغمام
    جعلوا جرحي دواة ، ولذا
    فأنا أكتب شعري بشظية
    وأغني للسلام !
    وبكينا
    مثل طفلين غريبين ، بكينا
    الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص ، يبكي ..
    والحمام الزاجل العائد في الأقفاص
    ... يبكي
    ارفعي عينيك !
    أحزان الهزيمة
    غيمه تنثرها هبة الريح
    ارفعي عينيك ، فالأم الرحيمة
    لم تزل تنجب ، والأفق فسيح
    ارفعي عينيك ،
    من عشرين عام
    وأنا أرسم عينيك ، على جدران سجني
    وإذا حال الظلام
    بين عيني وعينيك ،
    على جدران سجني
    يتراءى وجهك المعبود
    في وهمي ،
    فأبكي .. وأغني
    نحن يا غاليتي من واديين
    كل واد يتبناه شبح
    فتعالي . . لنحيل الشبحين
    غيمه يشربها قوس قزح !
    وسآتيك بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وسآتيك بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !!

    ************************
    الخفافيش
    الخفافيش على نافذتي،
    تمتصّ صوتي
    الخفافيش على مدخل بيتي
    والخفافيش وراء الصّحف
    في بعض الزوايا
    تتقصّى خطواتي
    والتفاتي
    والخفافيشُ على المقعد،
    في الشارع خلفي..
    وعلى واجهة الكُتب وسيقان الصّبايا،
    كيف دارت نظراتي!
    .......................
    الخفافيشُ على شرفة جاري
    والخفافيش جهازٌ ما، خبّيءٌ في جدار.
    والخفافيشُ على وشك انتحار.
    ......................
    إنّني أحفرُ درباً للنهار!

    ************************
    بطاقات معايدة
    أُسْوَةً بالملائكةِ الخائفينَ على غيمةٍ خائفهْ
    في مَدى العاصفهْ
    أُسْوَةً بالأباطرةِ الغابرينْ
    والقياصرةِ الغاربينْ
    في صدى المدنِ الغاربَهْ
    وبوقتٍ يسيرُ على ساعتي الواقفَهْ
    أُسْوَةً بالصعاليكِ والهومْلِسّ
    بين أنقاضِ مانهاتن الكاذبَهْ
    أُسْوَةً بالمساكينِ في تورا بورا،
    وإخوتِهم، تحت ما ظلَّ من لعنةِ التوأمينِ،
    ونارِ جهنَّمها اللاهبَهْ
    أُسْوَةً بالجياعِ ونارِ الإطاراتِ في بوينس إيريسْ،
    وبالشرطةِ الغاضبَهْ
    أُسْوَةً بالرجالِ السكارى الوحيدين تحت المصابيحِ،
    في لندنَ السائبَهْ
    أُسْوَةً بالمغاربةِ الهائمينَ على أوجه الذلِّ والموتِ ،
    في ليلِ مِلِّيلَةَ الخائبَهْ
    أُسْوَةً بالمصلّينَ في يأسهم
    والمقيمينَ ، أسرى بيوتِ الصفيح العتيقْ
    أُسْوَةً بالصديقِ الذي باعَهُ مُخبرٌ ،
    كانَ أمسِ الصديقَ الصديقْ
    أُسْوَةً بالرهائن في قبضةِ الخاطفينْ
    أُسْوَةً برفاقِ الطريقْ
    أُسْوَةً بالجنودِ الصِّغار على حربِ أسيادهم ،
    وعلى حفنةٍ من طحينْ
    أُسْوَةً بالمساجين ظنّاً ،
    على ذمّةِ البحثِ عن تهمةٍ لائقَهْ
    أُسْوَةً بالقراصنةِ الميّتينْ
    بضحايا الأعاصيرِ والسفنِ الغارقَهْ
    بالرعاةِ الذين أتى القحطُ عاماً فعاماً
    على جُلِّ إيمانهمْ
    وعلى كُلِّ قُطعانهمْ
    أُسْوَةً بالشبابِ المهاجرِ سرّاً ،
    إلى لقمةٍ ممكنَهْ
    خارجَ الجوعِ في وطنِ الفاقةِ المزمنَهْ
    أُسْوَةً بالفدائيِّ أَوقَعَهُ خائنٌ في كمينْ
    أُسْوَةً بالنواصي التي جزَّها النزقُ الجاهليّ
    والرقابِ التي حزَّها الهَوَسُ الهائجُ المائجُ الفوضويّ
    أُسْوَةً بالمذيعِ الحزينْ
    مُعلناً ذَبْحَ سبعينَ شخصاً من العُزَّلِ الآمنينْ
    باسم ربِّ السماءِ الغفورِ الرحيمْ
    والرسولِ العظيمْ
    والكتابِ الكريمْ
    وصراط الهدى المستقيمْ
    أُسْوَةً باليتامى الصغارْ
    بالمسنّينَ في عزلةِ الزمنِ المستعارْ
    بينَ نارٍ وماءٍ.. وماءٍ ونارْ
    أُسْوَةً بالجرار التي انكسرتْ ،
    قبلَ أن تبلغَ الماءَ ،
    في واحةٍ تشتهيها القفارْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي أُهرقتْ في الرمالِ ،
    ولم تستطعْها الجرارْ
    أُسْوَةً بالعبيد الذينْ
    أَعتقتْهم سيولُ الدماءْ
    ثمَّ عادوا إلى رِبْقَةِ السادةِ المترفينْ
    في سبيلِ الدواءْ
    وبقايا بقايا غذاءْ
    أُسْوَةً بالقوانين ، تقهرها ظاهرَهْ
    بالبحارِ التي تدَّعيها سفينَهْ
    بالجهاتِ التي اختصرتْها مدينَهْ
    بالزمانِ المقيمِ على اللحظةِ العابرَهْ
    أُسْوَةً برجالِ الفضاءِ وحربِ النجومِ اللعينَهْ
    أُسْوَةً بضحايا الحوادثِ في الطرقِ المتعَبَهْ
    وضحايا السلامْ
    وضحايا الحروبِ وأسرارِها المرعبَهْ
    وضحايا الكلامْ
    وضحايا السكوتِ عن القائلينَ بحُكم الظلامْ
    وبفوضى النظامْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي انحسرتْ ،
    عن رمادِ الجفافْ
    والجذوعِ التي انكسرتْ ،
    واستحالَ القطافْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي أوشكتْ أن تبيدْ
    واللغات التي أوشكتْ أن تبيدْ
    في كهوفِ النظامِ الجديدْ
    أُسْوَةً بضحايا البطالَهْ
    يبحثونَ عن القوتِ في حاوياتِ الزبالَهْ
    أُسْوَةً بالطيورِ التي هاجرتْ
    ثم عادتْ إلى حقلِهَا الموسميّ
    في الشمالِ القَصِيّ
    لم تجدْ أيَّ حقلٍ.. ولا شيءَ غير المطارْ
    والفراشاتُ ظلُّ الفراشاتِ في المشهد المعدنيّ
    ظِلُّ نفاثةٍ قابعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ طالعَهْ
    بعدَ نفّاثةٍ ضائعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ راجعَهْ
    لم تجدْ غير دوّامةٍ من دُوارْ
    أُسْوَةً بغيومِ الشتاءِ على موتها مُطبِقَهْ
    بالبراكينِ في آخرِ العمرِ.. مُرهَقةً مُرهِقَهْ
    بالرياحِ التي نصبتْ نفسها مشنقَهْ
    وتدلَّتْ إلى قبرِهَا
    بين قيعانِ وديانها الضيّقَهْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي فقدتْ أرضَها
    بضحايا الزلازلِ والإيدز والجوعِ والأوبئَهْ
    أُسْوَةً بالبلادِ التي خسرتْ عِرضَها
    ومواعيدَ تاريخها المُرجأهْ
    في سُدى هيئةِ الأُمم المطفَأَهْ
    أُسْوَةً بي أنا
    نازفاً جارحا
    غامضاً واضِحا
    غاضباً جامحا
    أُسْوَةً بي أنا
    مؤمناً كافراً
    كافراً مؤمِنا
    أُسْوَةً بي أنا
    أرتدي كفني
    صارخاً: آخ يا جبلي المُنحني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني !

    ************************


    عدل سابقا من قبل Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:48 am عدل 2 مرات

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:46 am

    مقاطع من 30 آذار
    (أعلناه يومًا للأرض . . وأعلنته دماء شهدائنا عيدًا فلسطينيًا من أعياد الصمود والفداء . .)
    1 – مع الشهداء . .
    "كل عام وأنتم بخير"
    صاحها دمكم وانكفا
    ساخنًا نابضًا في وحام الجذور
    نيزك الحب والحقد صاح: انهضوا !
    أجّ في الليل نارًا ونور
    أشعل الحب والحقد في دمنا
    زلزل الطمي في غورنا وانكفا
    دمكم – دمنا
    سال ، لكنه ما انطفأ . .
    (يا أم الشهيد زغردي
    كل الشباب أولادك)
    الإذاعات والصحف المترفه
    تجهل الفرق يا أخوتي
    بين معرفة الدم، والمعرفه
    فاكرزوا في الشعوب ، اكرزوا باسمنا
    دمكم صوتنا !
    أين سخنين ، عرابة ، كفر كنَّه ؟
    أين بحر البقر ؟
    أين يا أخوتي دير ياسين أو كفر قاسم ؟
    أين يا أخوتي عين جالوت أو ميسلون ؟
    أين ؟
    لا نسأل !
    أين ؟
    لا نجهل !
    نحن لا نجهل الفرق يا أخوتي
    بين معرفة الدم، والمعرفة
    نحن لا نسأل الخارطة
    دمكم وحده الخارطة
    ليس للنقب أو الجليل
    دمكم شارة في الطريق الطويل !
    عندما يفقد الزمن النذل أعصابه
    عندما يفتح الموت أبوابه
    تنتخي أختنا ، يرتخي المستحيل
    ويصيح العذاب الفتي العجوز :
    لعناوينها شفرة (أيها الموت خذ بيدي)
    لدمي شفرة . .
    فانهضوا !
    حكمة الدم يا فتيتي أن يسيل !
    (تنقذني من موتي البسمة
    يا وطني تنقذني البسمة
    حين أرى أطفالك في الساحات
    شررا يحرق أعصاب الدبابات
    حين أرى أطفالك
    يلقون قشور الموز على الطرقات
    فعسى ولعل
    يتزحلق علج من جيش المحتل!)
    يا له من عَماس
    أن تداس الشفاه التي أقسمتْ
    أنها لن تُداس.
    عارنا فادحْ. حقدنا فادح. والألم
    هل بكينا؟ أجل !
    غير أن دموع الغضب
    لهجة في بلاد العربْ
    فاسمعي يا جميع الأمم
    موتنا جملة كامله
    فلنفك الرموز معًا
    ولتكن بئرنا راحة القافلة
    بئرنا ؟
    بحَّةُ الموت في صوتنا
    صوتنا ؟
    يعلم الله يا صاحبي !
    يعلم الله يا صاحبي !
    بين ليلين : ليل الهلاك وليل الهلاك
    تقرعُ الأرض أقدامنا الحافيه
    ترصد الخطوة الباقيه
    غير أن الألم
    لم يزل جاهزًا للقتال
    والمطر
    جاهزٌ للقتال
    فاسمعي واشهدي يا جميع الأمم
    (بالروح بالدم
    نفديك يا وطن)
    عندما أطلقوا النار صاح الشهيد :
    أطلقوا النار كيف اشتهيتُم
    طلقة . . طلقة . . وانتهيتم .
    ثم غاص الشهيد
    في مطاوي جذور الجدود
    واستوى في ذرى مكَّةٍ صائحًا :
    وها أنا يا يوم القيامة عاظِبُ
    يبددني وكْس ويجمع لازِبُ
    تُدثرُ أثواب الأفاعي جوارحي
    وينهشني همٌّ من الروح ناصب
    ولكن لي سرًا قديمًا ذخرته
    يشع ، فدرب في الدجنات لاحب
    أناقب فيه كل وجه نسيته
    وكم شام وجهي في ثناياه ناقب
    مقيم على ضيم مقيم . . وانني
    مقيم ، وطاغوت الطواغيت ذاهب
    فيا قاتلي استكملوا كل عدة
    وصولوا وجولوا واحشدوا وتكابلوا
    تقمصت الحوباء مني عوالمًا
    إذا غاب منها نابض ، عاد غائب
    ويا قتلي اليوم ، صدق شهادتي
    وموت المحبين المعاميد كاذب
    أنا الحق . جلت عن نكوص مشيئتي
    وها آنذا قد شئت . والحق غالب !
    ثم ضجت شرابينه
    وعلى مسمع الخوذ البربرية
    صاح في الساحة المركزية :
    جسدي غيمة . صخرة . مدرسه
    جسدي ألف طفل جديد.
    جسدي قبلة صاغّة.
    جسدي أرغن الموت والبعث
    فلتسمعي يا جميع الأمم :
    أهديل ؟ أم غرغرات دماء ؟
    أم لواء مصفق للواء ؟
    أم تراها زغرودة للسرايا
    أطلقتها ((سكينة)) من خباء ؟
    لا تسل . والجواب في كل وجه
    من وجوه العروبة السمراء
    غمغمات وجلجلات تدوي
    بين فجر كابٍ وليلٍ مضاء
    يقتل الجزر مدَّه . ثم يعلو
    ألف مد على رقاب الفداء
    انها سُنَّة البطولات : كر
    بعد فرّ . ومطرح للرجاء
    فتقر القبور . لا لوقوف
    وبكاء . . لكن للاستيحاء !
    (يسعدني أن أعلن للعالم
    أنك يا وطني ترجيء موتي حتى ميعاد آخر
    حتى يتضح الفرق الهائل
    بين المعرفة ومعرفة الدم
    فلتأتِ شعوب الأرض إلي اليوم
    ولتسمع أرغن جسدي
    يتفجر بالدم الصاخب
    بين الكدف الأحمر والعشب الأخضر
    ولتشهد وجهي الساطع في ليل الأعداء
    شمسًا تحرق ذيل العصفورة
    نارًا تأكل جذر الأسطورة
    ولتدلِ شعوب الأرض بأقوال شهادتها
    في محكمة العدل الدولية
    لا في لاهاي . . ولكن في سخنين !)
    آن أن يزهق الباطلُ
    آن أن يعلم اللصُّ والقاتل
    بين كفِّ الشعوب ومخرز أعدائها
    لن يطول الحوار
    بعد ليلٍ قصيرٍ يطل نهار
    تجمع الأرض أشتات سيمائها
    ينطقُ الأخرس
    ينهضُ المقعد
    تبرأ الشمس من كل أوبائها !
    عاودَ الفرسُ والروم كراتها
    لحمُنا نهبُ أنيابهم . .
    آن يا أخوتي
    آن أن نبعث الثائر المصطفى
    آن أن تشهر الثورة الرمح والمُصحفا
    آن أن يعلم اللصُّ والقاتلُ
    أنَّه زائل
    زائل
    زائل !


    رماد ..!!
    ألا تشعرين؟....
    بأنّا فقدنا الكثير.
    وصار كلاماً هوانا الكبير.
    فلا لهفةٌ .. لا حنين...
    ولا فرحةٌ في القلوب، إذا ما التقينا
    ولا دهشةٌ في العيون..
    ألا تشعرين؟..
    بأنّ لقاءاتنا جامدة.
    وقُبلاتنا باردة.
    وأنّا فقدنا حماس اللقاء
    وصرنا نجاملُ في كل شيءٍ.. وننسى
    وقد يرتمي موعدٌ.. جثّةٌ هامدة.
    فنكذبُ في عُذرنا.. ثم ننسى
    ألا تشعرين؟..
    بأنّ رسائلنا الخاطفة.
    غدت مبهماتٍ .. قصيرة.
    فلا حسّ .. لا روح فيها.. ولا عاطفة.
    ولا غمغماتٌ خياليةٌ
    ولا أمنياتٌ.. ولا همساتٌ مثيرة!
    وأن جواباتنا أصبحت لفتاتٍ بعيدة.
    كعبءٍ ثقيلٍ..نخلّصُ منه كواهلنا المتعبة.
    ألا تشعرين؟..
    بدنيا تهاوت.. ودنيا جديدة.
    ألا تشعرين ؟..
    بأن نهايتنا مرّةٌ .. مرعبة.
    لأنّ نهايتنا .. لم تكن مرّةٌ .. مرعبة؟!..

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:52 am

    الشاعر طارق علي الصيرفي

    نبذة

    وُلد الشاعر الفلسطيني طارق علي الصيرفي عام 1977م في مخيم عسكر القديم ، قضاء مدينة نابلس التي هاجر إليها أهله أثر النكبة التي حلت بفلسطين عام 1948م ، فاضطروا إلى ترك قريتهم المسعودية المستلقية على شواطئ يافا أمثال آلاف الفلسطينيين .

    درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدرسة المخيم التابعة لوكالة الغوث الدولية .

    درس المرحلة الثانوية في مدرسة قدري طوقان الثانوية بنابلس .

    حصل على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية وأساليب تدريسها من كلية العلوم التربوية ( دار المعلمين ) رام الله ، يعمل الآن مدرساً للغة العربية في مدرسة مخيم عسكر .

    كتب الشعر في بداية المرحلة الثانوية ، ونشر العديد من القصائد في الصحف المحلية والمجلات الأدبية ، نشر العديد من قصائده في صفحات الإنترنت والمنتديات الأدبية ، أجرى بعض المقابلات مع إذاعة فلسطين ، أصدر ديوانه الأول ( رحلة إليك ) عام 2001م ، يستعد لإصدار الديوان الثاني ، عضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين ، عضو في ملتقى بلاطة الثقافي .

    *********************

    الإِهْداء

    أبي وَأمّي وَيا مَنْ بـِتُّ أعـْشَقُها أهدي كِتابي الذي يَكْتَظُّ بالـشِعْـرِ

    لروحِ جَدّي الذي للـشِعْـرِ قَرَّبنا لَكُمْ جميعاً ، لَكُمْ أهدي شَـذا عُمْرِي



    رحلة إليك ( 1 )



    رِحلةٌ إليكِ

    إِنّـي تَـعِبتُ.. مِـنَ الـرَّحيلِ إِلـيْكِ وَتعِبتُ مِنْ صَبري الطويلِ عَليْكِ
    لأنـالَ شَـيئاً مِـنْ وِصـالِكِ فَـانْعِمي أنـتِ الـكَريمةُ.. والـوِصالُ لَـدَيْكِ
    أو خَـلّصيني مِـنْ هَـوائلِ رِحلَتي وَتَـشـوُّقي دَومــاً... إلــى عَـيـنيْكِ
    فَالشوقُ يحرِقُني، وَيحرِقُ مُهجتي وَالـنَّـارُ حـولي.. فَـابْعثي زَنْـدَيْكِ

    يـا أجـملَ امرأةٍ تُضيءُ قَصائدي قَـلبي رَهـيناً... صـارَ بـينَ يَدَيْكِ
    فَسُهولُكِ الخضراءُ صعبٌ غَزوُه وَوُرودُكِ الـحـمراءُ.. فـي خَـدَّيْكِ
    وَجِـبالُكِ الـشَّمَّاءُ كَيف أطولُها ؟ وَرِيـاحُـكِ الـهـوْجاءُ.. فـي رِئَـتَيْكِ
    قَـلَقي عـليكِ يَـكادُ يَـعصِرُ خـافِقي لا أطْـمَـئـنُّ... فَـسَـبّـلي جَـفـنَـيْكِ

    شَـفَتي تُـردّدُ لَـحْنَ أغْـنِيَةِ الـهوى وَالـلـحْنُ مَـنـقوشٌ عَـلى.. شَـفَتَيْكِ
    إِنـي تَعبتُ مِنَ الرَّحيلِ.. حَبيبتي وَتـعبتُ مِـنْ عَـدَمِ الـوُصولِ إِلَـيْكِ

    *********************



    أحبيني

    أيـــا نَــزَّاعَـةَ... الـبَـشَـرِ ألَـمْ تُـبقي.. وَلَـمْ تَـذَري؟
    أيــا مـحَـبوبتي.. الـشَّقرا ءَ، يـــا مَـجـهـولَةَ الـقَـدَرِ
    أنــا الـمسْجونُ فـي عـينيْ كِ.. قـبلَ الـخَلْقِ والـبَشَرِ
    أحِـبـيـني... أيـــا وَعْـــداً يـجـيءُ... بـآخِـرِ الـعُـمُرِ
    خُـــدودُكِ دائــمـاً أحــلـى مِــنَ الـتـفّاحِ... وَالـزَّهَـرِ
    وَصـوْتُكِ.. باتَ يُطرِبُني كَــآهٍ فــي صَــدى.. وَتَـرِ
    وَذِكـرُكِ فـي كِـتابِ الله، فـــي عَـــدَدٍ مِــنَ الـسُّـوَرِ
    وَحُـبُّكِ، صـارَ لـي وَطَـناً أيــا أغْـلـى.. مِـنَ الـدُّرَرِ
    أيــا مَـنْ لَـوَّعَتْ... قَـلبي أحِـبـيـني.. أو اسْـتَـتِـري
    أحِـبـيـنـي ... لأَحــزانـي لأَلـحـانـي.. أو انْــدَثِـري
    فُــؤادي... كَـعـبةُ الأحـزا نِ حِـجّي لـي أو اعْـتَمِري
    أنــا فـي الـحبّ.. مُـبتَدِئٌ خُــذي بـيَديَّ وَاصْـطَبِري
    عـلى شمسي على غَيْمي على صَيفي على مَطَري
    عـلى روحـي عـلى قَلبي عـلى شِـعْري عـلى فِكَري
    وضُـمـيني إِلــى صَــدْرٍ، بِــهِ مَـوْتـي.. بِــهِ قَـدَري
    وَكـوني أنـتِ ... مُلْهِمَتي وَكـوني البَدْرَ في سَهَري
    وَكـوني فَـرْحَتي الـكُبرى وَكوني الخيْرَ.. وَانْهَمِري
    فَـلِـي قَـلْـبٌ.. بِــلا عِـشْقٍ فَـصُبّي العِشْقَ وَانتَظِري
    إِلـى أنْ تَـسمَعي.. صَـوْتاً كَـصَـوْتِ الـرَّعْدِ وَالـمطَرِ
    وَذوبــي فـي خَـلايا الـقَلْ بِ ذوبـي فيهِ، وَانصَهِري
    أحِــبُّـكِ... حـيـنَ يَـأتـيني خَـيـالُكِ.. سـاعَـةَ الـسَّحَرِ
    أحِـبُّكِ ... صِـرتُ أكْـتبُها عَـلـى الـنَّـجماتِ وَالـقَمَرِ
    أحَـبّـيـني... كَــمـا أهــوا كِ سَـيّـدتـي أو اعْـتَـذِري
    أحِـبّـيـني ... لأَشــعـاري أحِـبّـيـنـي... لـتِـفْـتَـخِري
    فَـتِـلكَ قَـصـيدةٌ ... بُـنِيَتْ عَــلـى الأَحْــكـامِ وَالـعِـبَرِ
    بِـهـا وَعْـظٌ ... بِـها عِـبَرٌ أحِــبّـيـنـي... لِـتَـعْـتَـبِري
    أحِــبّـيـنـي، وَلا تَــسَــلـي أيـنْـهي حُـبَّـنا سَـفَـري ؟
    فَـحُـبُّـكِ ســاكِـنٌ ... أبَــدَاً بِـقَلبِ الـقَلبِ.. يـا عُمُري
    وَلـكـنْ... جـاءنـي طَـيْـرٌ يـحـادِثُني.. عَــنِ الـخَـبَرِ
    عَــرَفْـتُ... بِــأنَّ عُـشَّـاقاً أتَــوْكِ فَـحـاذِري خَـطَري
    أنـــا كَـالـسَّـيفِ سَـيّـدتـي أقــاتـلُ... دونَــمـا حَــذَرِ
    وَلـكـنْ ... قُـوَّتـي عَـبَـثٌ وَقَـلـبـي... غَـيْـرُ مُـقْـتَدِرِ
    عــلـى إِيـــذاءِ.. سَـيّـدتي وهـلْ أؤْذيكِ يا نَظَري ؟
    لأجـلـكِ بـعـتُ أصـحابي فـصارَ الـقلبُ.. كَـالحَجَرِ
    وَصـارَ الـجُرحُ.. أغْنِيَتي أغَـنّـيـها... مَــعَ الـشَـجَرِ
    سَـأنـسـى قِـصَّـةً رَحَـلـتْ وَقَـلـبـاً... غَـيـرَ مُـنـتَظِرِ
    فَـهِـمـتُ الـلـعبَةَ الـكُـبرى، فَـقـلـبُكِ.. لـيـسَ كَـالـبَشَرِ
    وَشُـكـراً.. يــا مُـراوِغَتي سَـأَرحلُ عَـنكِ فَانتَصِري

    *********************



    آهاتٌ وأناتٌ

    ماذا أخْبِرُكُمْ عن نَفسي ؟ مِنْ قَلبي... تَنبعُ آهاتي
    أقضي للنَّاسِ حَوائِجَهُمْ وَأنا لا تُقضى حاجاتي
    أكتُبُ لِلعِشقِ وَيُؤسِفُني أنْ أنسى حُبّي.. وَحَياتي
    أمسَحُ للعاشِقِ.. أدمُعَهُ وَأنا تُحرِقُني.. دَمْعاتي
    وَحَبيبةُ قَلبي... راحِلَةٌ تُبْحِرُ في عَكْسِ المَوْجاتِ
    مَنْ يَشعرُ في هذي الدنيا؟ مَنْ يَشعرُ بي وبمأساتي ؟
    أسْهَرُ في الليلِ وَأوراقي وَأعُدُّ... قَصائِدَ أنّاتي
    كَمْ هذا الحزنُ.. يُؤَرّقُني يَحرِمُني لَمْسَ وِساداتي
    مازالَ الهمُّ... يُرافِقُني وَيَعيشُ عَلى حِبرِ دَواتي
    يَتَغذَّى شِعراً.. أو وَرَقاً يَتَسلَّلُ... بينَ الكَلِماتِ
    يَشربُ مِنْ جُرحي خَمْرَتَهُ وَيَثورُ.. يَثورُ عَلى ذاتي
    فَمَتى أتَخَلَّصُ مِنْ حُزني ؟ وَأعيشُ... بدونِ الآهاتِ

    *********************



    عيناكِ والليلُ والحزنُ

    الليلُ الدَّامِسُ يـأْتي مِن خَلفِ العَينيْنْ..

    عَينيكِ السَّوْداوَيـْنْ

    يأتي مَسكوناً وَمَليئاً بالحزْنْ

    يختارُ طريقاً نسْلُكُهُ..

    ما بينَ الوترِ المهمومِ.. الوترِ المجنونِ..

    وبينَ اللحْنْ

    يسكَرُ أحياناً مِن كأسي

    أو مِن حِبري..

    ويدمّرُ كلَّ الشِعرِ وَكلَّ النَّثرِ وكلَّ الفَنْ

    يسكرُ.. يسكرُ.. يسكرُ..

    ليسَ لديهِ فُروقٌ..

    ما بينَ الإنسِ وبينَ الجِنْ

    نحنُ المأْساةُ بمعناها..

    نحنُ المأْساةُ وَلَسنا نخجَلُ سيّدتي

    مِن دمعِ العيْنْ

    نحنُ الألوانُ ..

    وَلَسنا نـعرفُ مَعنى اللوْنْ

    نحنُ الأَشكالُ وَلكِنَّا..

    نحتاجُ _ لِـتشكيلِ الحُبّ _ إِلى بَعضِ العَوْنْ

    ما بالُ دموعِكِ سيّدتي

    تنزلُ كالنهرِ على الخَدَّيـْنْ

    أمطارُ الحزنِ تجيءُ إِلينا..

    مِن عينيكِ المُمْطرتَيْنْ

    وَتجيءُ طُيورٌ مُرهقةٌ..

    تحمِلُ أحزاناً سيّدتي

    فوقَ جناحَيْها المكسورَيْنْ

    وَيجيءُ الليلُ الدَّامِسُ..

    مِن خلفِ العينينِ الواسِعتَيْنْ

    وَأجيءُ أنا..

    أحملُ أحزاني سيّدتي.. فوقَ الكَتِفَيْنْ

    أبكي مِن حُملي أحياناً..

    أبكي مِن حُزني مِن هَمّي..

    أبكي مِن ناري سيّدتي

    والنار تحُيطُ مِن الجنبَيْنْ

    حُبُّكِ مَزروعٌ في قلبي..

    مثلُ السّكّينِ ، وفي الرّئَتَيْنْ

    لكنَّ الحزنَ يُرافِقنا..

    آهٍ.. آهٍ.. آهٍ..

    أخَذَتنا الموجةُ سيّدتي

    وَرَمتنا في أعماقِ البَحْرْ

    وَغَرِقنا في مأساةِ العُمْرْ

    الحزنُ يسيرُ بأَعصابي..

    وأنا أتَقَلَّبُ فوقَ الجَمْرْ

    ويسيرُ بأَورِدَتي

    وبأَقلامي..

    حتى يتغلغلَ في أوزانِ الشِعْرْ

    وتسيرُ الأَحزانُ..

    بعينيكِ كَبَحْرْ

    قدْ ضاعَ الأَملُ وضاعَ الصَّبْرْ

    قدْ ضاعَ الصَّبْرْ

    سبحانَ الله..

    فبَعدَ العُسرِ يجيءُ الـيُسْرْ

    بعدَ الظلماءِ أتانا الفجْرْ

    وَنجونا سيّدتي.. مِن هذا القَهْرْ

    مِن هذا القَبْرْ

    آهٍ.. آهٍ.. آهٍ..

    لكنَّ فؤادي يا سيّدتي

    يلهَثُ في وَسَطِ الصَّحراءْ

    سبحانَ الله..

    فكيفَ أكون بعمقِ البحرِ..

    وقلبي يلهَثُ ..

    في وَسَطِ الصَّحراءْ؟!!

    لا ظِلَّ هناكَ سِوى ظِلّ فُؤادي

    لا يُوجَدُ إنسٌ أو جِنٌّ.. لا يُوجدُ ماءْ..

    هل يمكِنُ أنْ يحيا قلبي مِن غيرِ الماءْ؟

    مِن غيرِ هَواءْ؟

    مِن غيرِ رَجاءْ؟

    هل يحيا مِن غيرِ لَيالٍ ظَلماءْ؟

    مِن غيرِ الحزنِ القادمِ مِن خَلـفِ العَينَيْنْ؟

    أبَدَاً.. أبَدَاً يا سيّدتي

    لولا عيناكِ..ولولا الليلُ..

    ولولا الحزنُ لما عِشتُ..

    ولا عاشَ فؤادي في حُبّكِ يَومَيْنْ

    *********************


    مَررْتِ في خَيالي

    مَررْتِ في خَيالي..

    فَراشةً بَيضاءَ في خَواطرِ الـجـبالِ

    مَررْتِ يا حَبيبتي

    قصيدةً طويلةً..

    تَبْحثُ عَن شاعِرِها

    وقصَّةً جميلةً..

    تَبْحثُ عَن كاتِبِها

    مَررْتِ كالجوابِ يا أميرتي

    يَبْحثُ عَن سُؤالِ

    مَررْتِ في خَيالي..

    مَررْتِ مثلَ كوكبٍ..

    يدورُ في مَداري

    مَررْتِ كالشهابِ يا حَبيبتي

    يُضيءُ ليلَ غُرفتي..وَداري

    قولي إذنْ..

    قولي أيا أميرتي:

    إِنكِ بانتِظاري

    إِنكِ قد مَررْتِ في خَيالي

    *********************



    حَبيبتي وَالقُدْسُ

    تَـسْريحَةُ شَـعْرِكِ تُـعجِبُني بـاتَتْ... كَـجراحٍ تُـؤلمني
    وَطَــنٌ.. وَبــلادٌ.. أجْـهَـلُها وأفَـتّشُ عَنكِ وعَن وَطَني
    قـــد قـلـتُ أحِـبُّـكِ..سيّدتي فَـتـحَجَّرَ قَـلـبي... كَـالوَثَنِ
    أحـزانُـكِ، لـيـسَتْ أحـزاناً وأنـا.. كَالغارِقِ في الحَزَنِ
    لا يُـوجَدُ صَـدْرٌ فـي الدُّنيا يَـتَحَمَّلُ هَمّي... أو شَجَني
    الـصَّخْرةُ تَبكي..والأقْصى فَـتَعالي قُـدْسُ... وَلا تَهَني
    سُـفُـنٌ... وَبـحـارٌ أجْـهَـلُها فَصَنَعتُ شِراعاً، مِن كَفَني
    وبَـدَأتُ رَحـيلي.. في بَحْرٍ لا مَـرسـى.. فـيهِ يـا سُـفُني
    قـد كُنْتُ وَحيداً في سَفَري فَـأُحِـيطَ فُـؤادِيَ... بـالعَفَنِ
    سَـفَـرٌ... ورَحـيـلٌ أتـعَبَني ما أسرعَ... تيَّارَ الزَمَنِ ‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍
    وَهَـجرتُكِ دَهْـراً يـا حُـبّي فَـنَسيتُ... خَـوازيقَ الثَمَنِ
    أنـــي ضَـيَّـعتُكِ.. سـيّـدتي وَأضَـعتُ عَـناوينَ الوَطَنِ

    *********************



    ذِكرى

    وَعَدتْ.. بأَنْ تأْتي إِلَيّْ

    قالتْ سَتأتي..

    حينَ يغمرُُنا الغُروبُ اللؤلؤيّْ

    وَأنا ببستانِ اشتياقٍ.. مثلُ صوفيٍّ وَلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    إِيقاعُ مَشيَتِها يرِنُّ بمسمَعيّْ

    خُطُواتُها نَغَمٌ ، وَصَوتُ ثِيابِها نَغَمٌ..

    وضِحْكَـتُها.. وأصواتُ الحِلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    والقلبُ في شَوقٍ تـَربَّـعَ في يَدَيّْ

    جاءتْ تُسابـقُها الغيومُ لموعدِي..

    وَتَأَخَّرتْ..

    جاءتْ تُسابـقُها النُّجومُ لموعدِي..

    وَتَأَخَّرتْ..

    مَرَّ الـغُروبُ بصَمتِهِ..

    وَبحزنِهِ الحُلْوِ الشَّهِيّْ

    وَأتى المَساءُ الفُستُقِيّْ

    وَالليلُ جاءَ ،

    يَزيدُ في الأَرضِ احتراقاً..

    وَالنُّجومُ تَزيدُ ناراً في العِلِيّْ

    وَأنا عَلى الكُرسِيّ محُتَرِقٌ..

    أفَكّرُ ، هلْ سَتأْتي _ مِثلما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    أمْ أنـَّهـا كَذَبَتْ عَلَيّْ؟

    لم تأْتِ سيّدتي _كَما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    كَذَبـتْ عَلَيّْ..

    كَذَبـتْ عَلى قَلبي الوَفِيّْ

    مَرَّتْ دُهورٌ عَشرةٌ وَأنا أفَكّرُ..

    هلْ سَتأتي _مِثلما وَعَدتْ _ إِلَيّْ

    مَاذا أقولُ؟..

    بِداخِلي مَطَرٌ، وفي قَلبي اشتياقٌ جاهِلِيّْ

    أنا بانتظارِ حَبيبتي..

    لا بُدَّ في يومٍ مِنَ الأَيّامِ..

    أنْ تأتي _ وَلَوْ ذِكرى _ إِلَيّْ

    *********************



    أحِبُّكِ أكثَرَ مِنّي

    أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي

    أحِبُّكِ أكثرَ مِن أيّ إنسٍ..

    وَمِن أيّ جِنِّ

    فَأنتِ حَياتي ، وأقربُ دَوماً..

    إلى القلبِ عَنّي

    فماذا تريديـنَ مِنّي ؟

    وَكيفَ تريدينني أنْ أغَنّي ؟

    وَقَلبي حَزيـنٌ..وَصَوتي حَزيـنٌ

    وَشِعري حَزيـنٌ..

    كَذلـكَ لَحني

    أحِبُّكِ سَيفاً يُقطّعُ أشجارَ حُزنٍ

    وَيَزرعُ أشجارَ حُزنِ

    أحِبُّكِ سَيفاً يُمزّقُ كِبْدي..

    يُمزّقُ كُلَّ شَرايينِ قَلبي..

    يُمزّقُ شِعري وَفَنّي

    يُمزّقُ أهدابَ عَيني

    فَكيفَ تُريدينني أنْ أغَنّي؟

    أحِبُّكِ سِرَّاً..

    يُسافِرُ ما بينَ قَلبي وَبيني

    فَليسَ يُقالُ..

    وَليسَ يُباحُ..وَلكنْ يُغنّي

    أحِبُّكِ سِرَّاً حَزيناً كَحُزني

    أحِبُّكِ...

    كَيفَ تُريدينني أنْ أقولَ:

    (أحِبُّكِ أنـتِ..) ؟

    أحِبُّكِ..

    سَوفَ أقولُ بأَعلى صُراخي وَصَوتي

    أحِبُّكِ أنـتِ..

    فإني وُلِدْتُ بعينيكِ..

    حيَن رَأيتُكِ أوَّلَ مَرَّةْ

    وَأفنَيتُ عُمْرِيَ بينَ الرَّحيلِ..

    وَبينَ الـبُكاءِ..

    وَسَوفَ تَتِمُّ بقلبِكِ كُلُّ مَراسيمِ مَوتي

    فَكيفَ تريدينني أنْ أغَنّي ؟

    أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي..

    لأني أحِبُّكِ أكثرَ مِنّي

    فإني..

    لأجلِكِ سَوفَ أغَنّي

    وَسَوفَ تَتِمُّ بقلبِكِ

    كُلُّ مَراسيمِ دَفني

    *********************



    رِحلةُ العَذابِ

    لا تـسأَليني عـن مَـتاعِبِ.. رِحـلتي يـا مَـنْ سَـكَبْتِ الـنَّارَ فـوقَ جِراحي
    سَـفَري عَـذابٌ.. طـالَ دونَ مَـحطةٍ أمـحطَّتي.. هـي مَـوطنُ الأَشباحِ ؟
    هــل تـذكرينَ حَـنانَ قـلبي... دائـماً حينَ احْتضنتُكِ تحتَ ريشِ جَناحي
    والآنَ... أصـبحَ كُـلُّ شَـيءٍ ضـائِعاً قــد دَمَّـرَتْـهُ عـواصِفي... وَرِيـاحي
    أسِـلاحُكِ الجرحُ الذي في خافِقي ؟ والـشِـعرُ أصـبحَ مِـدفعي وَسِـلاحي
    وَوَقـعتُ فـي سجنِ الهُمومِ ولم أمُتْ هــا قــد سـألتكِ تُـطلقيَن.. سَـراحي
    لا تـسـأَلـيني... عـــن نِـهـايَةِ حُـبِّـنا فَـأَنا الـذي سَـرَق الـغَباءُ.. وِشـاحي
    فَـهَل انـتِهائي أو دَمـاري في الهوى هُوَ نَصرُكِ الموعودُ.. دونَ كِفاحِ ؟
    بَـكَـتِ الـعـيونُ.. فـأُحرِقتْ أهـدابُها مِــن كََـثـرةِ الأَحــزان... والأَبـراحِ
    حـتى الـخدودُ تـجَوَّفتْ مِـن أدمُـعي والـقـلـبُ شـــابَ... لِـقـلَّةِ الأَفــراحِ
    لا تـقـفلي الأَبــوابَ... بـعدَ دُخـولنا فَـلـقَـدْ وَهـبـتُكِ... بـالـهوى مِـفـتاحي
    هـل تُـشعلينَ الـنَّارَ، بعدَ خُمودِها ؟ وَهَـل الحرائِقُ يا تُرى.. أفراحي ؟
    هـل تُـطفئينَ الـنُّورَ.. بـعدَ رَحيلِنا؟ وأنــا ظـنـنتُكِ.. بـالهوى مِـصباحي
    لَــنْ يـكتُبَ الـقَلمُ الـحزينُ.. قَـصيدةً فَـقَصيدتي احـترقَتْ.. بوهجِ صَباحِ
    ضـاقتْ بِـيَ الـدُّنيا فـهل مِنْ عاشقٍ سَـمِع الأَنينَ بداخلي.. وَصِياحي ؟
    هـل فـكَّرَ الـتاريخُ بِـي.. وَبـمهجَتي أو بـاحـتراقِ الـقـلبِ.. وَالأرواحِ ؟
    سَـفَـري وتِـرحـالي... أحِــنُّ إِلـيهِما وكَــأَنَّـهُ.. شـــوقٌ.. إِلـــى الأَقــداحِ
    فَـسَكِرتُ مِـن خَمْرِ العذابِ برحلتي فـالـكأْسُ كـأْسُكِ.. والـرَباحُ رَبـاحي
    لا تـطـلبي مِـني الـسَّماحَ ، حَـبيبتي إِنــي فَـقَـدتُ مـحَـبَّتي... وَسَـمـاحي

    *********************



    أهْواكِ وَلا تَدرينْ

    إني أهواكِ أيا سيّدتي ..منذُ سِنينْ

    حُبُّكِ يَتغلغَلُ في قلبي...

    مثلَ السّكّينْ

    ويَسيرُ يسيرُ بأورِدَتي..

    وَبأَعصابي...

    وَيُثيرُ عَواصفَ أشواقٍ..

    ويُثيرُ حَنينْ

    حُبُّكِ جَبَّارٌ دَمَّرَني..

    حُبُّكِ مجنونْ

    يا مَنْ أحرقْتِ حُروفَ الضَّادْ

    وَقَتلتِ الهَمْزةَ وَالتنويـنْ

    مِنْ بعدِكِ صارَ الشِعرُ حَزيـنْ

    والقلبُ حَزيـنْ

    يقتُلُني شَغَفي أحياناً..

    يقتُلُني شَوقي أحياناً..

    يقتُلُني حُزني أحياناً..

    لكنْ..

    يـُؤسِفُني أكثَرَ سيّدتي .

    يُـؤلمِنُي أكثَرَ..

    يـُحْزِنـُني..

    أني أهواكِ ولا تَدريـنْ

    أني أهواكِ...

    وَلا.. تَدريـنْ

    *********************


    رحلة إليكِ ( 2 )



    مرَّةً جَديدةً

    وَمرَّةً جَديدةْ
    والشارعُ الحزيـنُ في ضبابِهِ مُلَّبَّدُ
    وقلبيَ الحزينُ..
    في جـِراحِهِ مُقيَّدُ
    يُغرّدُ..
    يُغرّدُ..
    جُرحٌ جديدٌ في فؤادي يُنشِدُ
    أنشودةً حزينةً يُردّدُ
    عَيني أنا..
    في الليلِ دوماً تَسهدُ
    قلبي أنا..
    في الليلِ دوماً يَسهدُ
    لا شَيءَ فينا يَسعَدُ
    ما دُمتِ يا حَبيبتي.. بَعيدةْ
    فَكيفَ كيفَ أسْعَدُ؟
    وَكيفَ ناري في فؤادي تَبرُدُ؟
    ما دُمتِ يا حَبيبتي.. بَعيدةْ
    .. وَمرَّةً جَديدةْ
    رَجَعتُ نحوَ غُرفتي..
    محُطَّماً..
    سَكرانَ لا أصحو.. ولا أستَرقِدُ
    سَكرانَ..
    لا أحيا ولا أستشهِدُ
    رَجَعتُ نحوَ غُرفتي..
    مُلَطَّخاً بالحزنِ والجراحْ
    فَكيفَ يا مَراكبي
    نبحرُ في دُنيا الهوى..
    وَكُلُّها عَواصِفٌ..
    وَكُلُّها رِياحْ؟!!
    مِنْ يومِ أنْ هَجَرتـِني

    تَـأَكَّدي...

    لا ليلَ في عينيَّ أو عينيكِ سوفَ يَرقُدُ
    ولنْ يجيئنا الغَدُ
    مِنْ يومِ أنْ هَجَرتِني..
    ما عادَ في عينيكِ..
    يا صَغيرتي لي مَعبَدُ
    لكنني..

    لكنني بالله يا حَبيبتي مُستنجـِدُ

    بالله يا حَبيبتي..

    أستنجـِدُ

    *********************



    إِلى أمّي
    لِعينيكِ سوفَ أغَنّي
    وأطربُ كلَّ النّساءِ وكلَّ الرجالِ بِفَنّي

    لأَجلكِ أنتِ أغَنّي

    فأنتِ التي تَشعُريـنَ.. بحزني
    لأَجلكِ أمّي..

    فأنتِ التي تَشعُريـنَ.. بِهمّي

    وأنتِ التي تمسحينَ دموعيَ..

    عندَ البُكاءْ

    وأنتِ التي تُرجعينَ الحياةَ..

    الهواءَ.. الفؤادَ.. لقلبِ ضُلوعيَ عندَ الشَّقاءْ

    وأنتِ التي تُوقدينَ شموعَ الحنانِ..

    إذا جاءَ ليلُ الشّتاءْ

    أيا سِتَّ كلّ الحبيباتِ..

    يا سِتَّ كلّ النّساءْ

    تُرى أيَّ شيءٍ سَأهدي إِليكِ؟

    أيكفيكِ قلبي؟

    أتكفيكِ روحي؟

    فأنتِ التي تعرفينَ وأنتِ التي تَشعُريـنَ..

    وأنتِ التي تمسحينَ دموعَ جروحي

    دعيني أنامُ على ركبتيكِ.. كطفلٍ صَغيرٍ

    فإني تعبتُ مِنَ العُمرِ أمّي..

    وناري تحيطُ مِنَ الجانِبَيْنْ

    دعيني أنامُ بحضنِكِ أمي لثانيتينِ اثنَـتـيْنْ

    فإني سأَشكو إليكِ جميعَ هُمومي

    دعي دمعَ حزني وهَمّي..

    وشِعري وقلبي.. يسيلُ مِنَ المقلَتَيْنْ

    أحِبُّكِ يا موطِناً منْ حَنانِ

    يُغنّي..

    فيملأُ كلَّ الدُّنى بالأَغاني

    ويملأُها بالأَماني

    أحِبُّكِ بالصوتِ.. بالصمتِ..

    بالحزنِ.. بالفرْحِ.. بالبحرِ.. بالبرِ..

    بالغيمِ.. بالشمسِ..

    في كلّ شيءٍ فأنتِ كياني

    لِعينيكِ سوف أغَنّي..

    وأكتبُ أحلى قَصيدةْ

    أحِبُّكِ حينَ تكونينَ عنّي بَعيدةْ..

    وحينَ تكونينَ قُربي

    جميعُ النساءِ اللواتي دَخلْنَ فؤادي

    خَرجنَ..

    وأنتِ بقيتِ المليكةَ داخِلَ قلبي

    وأنتِ بقيتِ على العرشِ..

    وحدَكِ داخِلَ قلبي

    *********************



    أفْكارٌ

    هذا أنا.. بجميعِ أفكاري حُزني أنا.. لحَني وَأوتاري
    إِني أحبكِ... يا مُعذّبَتي وأحبُّ في عينيكِ أسفاري
    عيناكِ مُلهِمتانِ لي... أبَدَاً فَصنعتُ مِن عينيكِ أشعاري
    إِني الْتجأْتُ.. إِليكِ سيّدتي فَهَواكِ يكتُبُ.. كُلَّ أقداري
    إِني أحبكِ... والهوى خَطَرٌ قد لا أبوحُ.. بكُلّ أسراري
    غاباتُ صدرِكِ كُلُّها... ثَمَرٌ عَشِقَتْ ثمِارُكِ لِينَ مِنْشاري
    نارُ الهوى.. دَخلتْ لمملَكَتي فَتَكوَّمَتْ نارٌ... على نارِ
    أحْرقتِ كُلَّ قَصائدي غَضَباً وَنسيتِ أحزاني، وأخباري
    إِني سَئِمتُ العَطفَ سيّدتي وَمَللتُ مِنْ قلبي.. وأفكاري
    سافرتُ في عينيكِ دونَ هُدى يا ليتني استكملتُ مِشواري
    فَغَرِقتُ وَحدي في بحِارِهِما وَذَرفتُ مثلَ الطّفلِ أمطاري
    لكنني سَأَعودُ... فانتَظِري لأُعيدَ في عينيكِ.. إِبحاري
    لا تَيْأَسي في الحبّ سيّدتي هذا أنا.. بجميعِ أفكاري
    إِني أحبكِ... والهوى قَدَرٌ وأحِبُّ في عينيكِ أسفاري
    شُكراً لحبكِ… يا مُراوِغَتي فَهَواكِ يكتُبُ.. كُلَّ أقداري

    *********************



    إِلى حبيبةٍ قاسيةٍ
    أحِبّيني..

    وضُمّيني..

    وعيشي في شَراييني

    أنا بالحبّ مجنونٌ.. فكوني مِن مجانيني

    وكوني مثلَ آلافِ الملايينِ

    ومثلَ الوردِ والأَزهارِ في أحلى بساتيني

    فأنتِ الشِعرُ أنتِ النثرُ..

    من قبلِ الدواوينِ

    وأنتِ الماءُ أنتِ النَّارُ..

    أنتِ الدمُّ في أقصى الشرايينِ

    أحِبّيني

    فَنارُ الشَّوقِ تُحرِقُني وَتفنيني

    ونارُ الوجدِ تبدِئـُني وَتُنهيني

    أميتيني على حبٍ.. على حزنٍ وأحييني

    ولا تَنْسَيْ

    قوانينَ الهوى في قلبِ مملكـتي

    ولا تَنسيْ قوانيني

    فتنسيني..

    ولا تَقسي على قلبي ، ولا بالعشقِ تكويني

    أريحيني

    لكي أنسى جروحَ القلب يا قمري ، وضمّيني

    فلن أبقى جَريحاً..

    أو حَزيناً مثلَ أصحابي المساكينِ

    ولن أبقى كقيسٍ أو كمَن _ في الحبّ _ صارَ مِن المجانينِ

    *****

    أحبيني..

    إِلى حدِّ الدَّمار.. إِلى حُدودِ القبرِ والموتِ

    أحبيني فمازالتْ لنا قِصَصٌ

    ومازِلـتِ..

    أحبَّ النَّاسِ يا قمري

    إلى قلبي وأغنِيَتي

    فأنتِ حبيبتي دوماً.. وطولَ العُمْرِ سيّدتي

    أحبيني قليلاً أو كثيراً يا مُراوِغَتي

    أحبيني أيا سيفاً يمزّقُ كلَّ أنسِجَتي

    يمزّقُ كلَّ أوْرِدَتي..

    أحبيني بلا صَمْتِ

    ولا تتقيَّدي بالدّهرِ والوقتِ

    فإني أكره الأَيامَ والأَعوامَ والأَحزانَ يا أنتِ

    فقلبي ماتَ من زَمَنٍ..

    وَلا يأتي

    إليهِ الحبُّ لا يأتي..

    أحبيني.. فقلبي شاشةٌ صُغرى

    بلا لونٍ ولا صوتِ

    وباتَ يَئنُّ في الدنيا..

    بلا وطنٍ بلا مأوى بلا بيتِ

    أحبيني..

    فإنَّ الحزنَ بَكَّاني

    وليلُ الحبّ سَهَّرني وألقاني

    إِلى عينيكِ سيّدتي..

    إِلى وَجَعي وَأحزاني

    إِلى شِعري وألحاني

    ولكنَّ الهوى يَغدو وَينساني..

    ويذبَـحُني وَيدفنني بأشجاني

    فأرداني

    قتيلاً.. في سبيلِ الحبّ أرداني

    وفي عينيكِ..

    بعدَ العمرِ أحياني

    أحبيني ولا تَتَساءلي إنْ كانَ لي وَطَنٌ

    فقلبكِ وحدَهُ وَطَني..

    وهمسُكِ مثلُ ضَوْءِ البدرِ سَهَّرَني

    وشَوَّقَني..

    أنا أحتاجُ سيّدتي

    إِلى قلبٍ مَليءٍ بالحنانِ...

    وبالهوى العذريّ والسُفُنِ

    فلا مرسى بِهِ أنجو مِن الحَزَنِ

    فما أقساكِ سيّدتي! فَحبكِ كادَ يَقتُلُني

    أنا قد عِشْتُ في وَهْمٍ..

    فلن أبقى طَوالَ العمرِ والزَمَنِ

    أنامُ أنا على أذُني

    *****

    أحبيني..

    ولا تتساءلي عن أيّ مُشكلةٍ

    فإني لستُ حلّالاً لِكلّ مَشاكلِ الحبِّ

    وإني مثلُ كلّ الناسِ في حُبي

    وأنتِ الكرُّ أنتِ الفرُّ أنتِ السيفُ..

    أنتِ الترسُ في الحربِ

    ( فوا أسَفي على حبٍ بلا قلبِ )

    ( فوا أسفي على قلبٍ بلا حبِّ )

    مَشاعِرُنا مُعلَّبةٌ.. صَنعناها بأنفُسِنا

    عَواطِفُنا مُكلَّفةٌ..

    وَضِحكـتُنا مُبطَّنةٌ..

    ولهفَتُنا مُثلَّجةٌ ، وبارِدَةٌ ومَيّتةٌ

    وأشواقٌ بنيناها على أسُسٍ مِن الكِذْبِ

    سنشربُ نخبَ قِصَّتِنا التي فيها..

    يَفوزُ الحزنُ والفَشَلُ

    ونكسِرُهُ..

    فما الأَشواقُ ما الأَحزانُ نَصنَعُها؟

    وما العَمَلُ؟

    فليس لقِصَّتي وَلــِحُبِنا أمَلُ

    فكيفَ نعيشُ في مَدٍ وفي جَزْرٍ؟

    وأنتِ البحرُ أنتِ الموجُ سيّدتي..

    وقلبي البَرُّ والطَّلَلُ

    وأنتِ النحلُ أنتِ الوردُ أنتِ الشَّهدُ..

    أنتِ المرُّ والعَسَلُ

    سننهي ما بدأناهُ

    ولن نبقى بمجرى الحبِ..

    لن نبقى بمجراهُ

    فهذا الحزنُ يقتلنا..

    وهذا الحبُّ في صمتٍ قتلناهُ

    وفي قبرِ القلوبِ لقد دفناهُ

    فمِن سوقٍ قديمٍ قد شَريناهُ

    بلا ثَمَنٍ وَبعناهُ

    وقلبكِ ذلك الغَدَّارُ..

    ما أقساكِ سيدتي وأقساهُ!

    دعيني في اللظى وحدي

    فقد غَنَّى

    بقلبي الحزنُ والآهُ

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 10:59 am

    الشاعر عز الدين المناصرة

    نبذة

    مواليد محافظة الخليل بفلسطين في 11/4/1946
    حصل على شهادة الدكتوراه (ph.D) في الأدب المقارن ـ جامعة صوفيا 1981.
    يعمل منذ يوليو 1995 ـ أستاذا مشاركا بجامعة فيلادلفيا الأردنية
    عاش متنقلا في البلدان التالية :
    فلسطين (1946 ـ 1964)
    الأردن (1970 ـ 1973)
    لبنان (1973 ـ 1977)
    بلغاريا (1877 ـ 1981)
    لبنان (1981 ـ 1982)
    تونس (1982 ـ 1983)
    الجزائر (قسنطينة) (1983 ـ 1987)
    الجزائر (تلمسان) (1987 ـ 1991)
    الأردن (1991 ـ ...)

    صدرت له المجموعات الشعرية التالية:
    يا عنب الخليل 1968 ـ القاهرة
    الخروج من البحر الميت ـ 1969, بيروت
    قمر جرش كان حزينا ـ 1974, بيروت
    بالأخضر كفناه ـ 1976, بيروت
    جفرا, 1981 بيروت
    كنعانيادا, 1983, بيروت
    حيزية ـ ,1990 عمان
    رعويات كنغانية ـ ,1991 قبرص
    لا أثق بطائر الوقواق ـ ,1999 فلسطين
    مجلد الأعمال الشعرية الكاملة ـ (725 صفحة), المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت 1994 (الطبعة الرابعة)

    (باللغة الفرنسية): مختارات من شعره بعنوان (رذاذ اللغة). ترجمة محمد موهوب وسعد الدين اليماني, صدرت عن دار سكامبيت, ,1997 فرنسا.
    (باللغة الفارسية): مختارات من شعره بعنوان (صبر أيوب), ترجمة موسى بيدج, طهران 1997. كما صدرت له الكتب النقدية التالية:
    الفن التشكيلي الفلسطيني, بيروت, 1975
    السينما الإسرائيلية في القرن العشرين, بيروت 1975
    (جمع وتحقيق) الأعمال الكاملة للشاعر الفلسطيني الشهيد عبد الرحيم محمود, دمشق 1988
    المثاقفة والنقد المقارن, عمان 1988.
    الجفرا والمحاورات (قراءة في الشعر اللهجي بفلسطين الشمالية), عمان. 1993
    جمرة النص الشعري, عمان, 1995
    المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب, 1999 عمان.

    جوائز وأوسمة:
    وسام القس, 1993 ـ فلسطين
    جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي 1994 الأردن
    جائزة الدولة التقديرية في الأدب 1995 ـ الأردن
    جائزة (سيف كنعان) 1998 فلسطين

    *****************************



    وجهة نظر

    قال لي

    عن زبد البحر

    بقايا الكلام

    وهو يومئ للنرجسة

    وموضع غمازة الخد

    أنظر إلى مشية الفارسة

    قال لي أنه قارئ الشد

    أكتب عن الخنفساء

    تهرش أطرافك الواهية.

    عن القز والنحل، أكتب عن الساقية.

    في مكاتبها الأبنوس تنم لكي تطعم المتعبين

    عن الطبل والزمر أكتب عن الحاشية.

    تشعلق قلبي طيور الخيام

    أخي، ترجموك إلى كومة من عظام

    أكتب عن الخنفساء

    وهي تدخل في الليل فوق سريرك

    تهرش أطرافك الواهية.

    قال لي - وهو يومئ للراعية:

    عن القز والنحل، أكتب عن الساقية.

    - أراه: لن تتعب الماشية

    في مكاتبها الأبنوس تنم لكي تطعم المتعبين

    قال: وانظر لقبعة الجنرال الموشاة بالمادحين

    عن الطبل والزمر أكتب عن الحاشية.

    قلت : مهلا

    تشعلق قلبي طيور الخيام

    أخي أيها الثلج في طرقات النعاس

    أخي، ترجموك إلى كومة من عظام

    وأنا يانع مثل نعناع مريام صعب المرام

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: موسوعة الشعر العربي المعاصر - شعراء من فلسطين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 11:02 am

    الشاعرة فدوى طوقان

    فدوى طوقان في سطور



    حياتها :

    ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وفيها تلقت تعليمها الابتدائي ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت من المدرسة لأسباب اجتماعية قاسية، جعلتها تتلقى أول ضربة في حياتها عندما ألقى القدر في طريقها بشاب صغير رماها بوردة فل تعبيراً عن إعجابه بها، وقد وصفت فدوى تلك الحادثة: "كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف، ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة (قولي الصدق)... وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.

    أصدر حكمَه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي كما هدد بالقتل إذا ما تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.

    قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلةً لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم.

    عانت فدوى طوقان قسوة الواقع الاجتماعي الذي قذف بها بعيداً بين جدران البيت السماوي في البلدة القديمة من مدينة نابلس، تنظر إلى نفسها بشيء من الخجل والاتهام، لقد فقدت أحب شيء إلى نفسها (المدرسة) التي أرادت أن تثبت نفسها من خلالها، وحرمت منها وهي في أمس الحاجة لها تصف فدوى طوقان موقف أبيها منها الذي لا يخاطبها مباشرة على عادة الرجال في زمانه- وإنما يخاطب أمها إذا أراد أن يبلغها شيئاً، ثم تقوم أمها بعد ذلك بتوصيل ما يريده أبوها منها، تقول:

    "عاد أبي ذات صباح إلى البيت لبعض شأنه وكنت أساعد أمي في ترتيب أسرة النوم. وحين رآني سأل أمي: لماذا لا تذهب البنت إلى المدرسة؟ “

    قالت: تكثر في هذه الأيام القصص حول البنات فمن الأفضل وقد بلغت هذه السن أن تبقى في البيت . "قال أبي:" حسناً" وخرج!

    كان أحياناً إذا أراد أن يبلغني أمراً يستعمل صيغة الغائب ولو كنت حاضرة بين عينيه، كان يقول لأمي: قولي للبنت تفعل كذا وكذا... وقولي للبنت إنها تكثر من شرب القهوة، فلا أراها إلا وهي تحتسي القهوة ليلاً ونهاراً وهكذا.

    كان أشد ما عانيته حرماني من الذهاب الى المدرسة وانقطاعي عن الدراسة.

    كانت أختي أديبة تجلس في المساء لتحضير دروس اليوم التالي، تفتح حقيبة كتبها وتنشر دفاترها حولها، وتشرع في الدراسة وعمل التمارين المقررة.

    وهماً كنت أهرب إلى فرا

    شي لأخفي دموعي تحت الغطاء، وبدأ يتكشف لدي الشعور الساحق بالظلم.”

    وفي وقت متأخر من ليل الجمعة الثالث عشر من ديسمبر لعام ألفين وثلاثة رحلت فدوى طوقان عن عمر يناهز الخامسة والثمانين من عمرها، بعد رحلة عطاء طويلة أصلت فيها لمرحلة جديدة من تاريخ الشعر الفلسطيني بشكل خاص والشعر العربي بشكل عام.

    علاقة فدوى بأخيها إبراهيم:

    بدأت علاقة الشاعرة بأخيها إبراهيم منذ وقت مبكر من حياتها، وكان بالنسبة لها الأمل الوحيد المتبقي في عالمها المثقل بعذابات المرأة وظلم المجتمع، ورأت فيه الضوء الذي يطل عليها من خلف أستار العتمة والوحشة والوحدة.

    وشكلت عودة إبراهيم من بيروت إلى نابلس، في تموز 1929 ، بعد أن أكمل دراسته وحصل على شهادته من الجامعة الأمريكية ببيروت، عاملاً مساعداً لإعادة بعض الفرح، إن لم نقل الفرح كله، إلى حياة فدوى طوقان، ورأت في قربه منها عاملاً مساعداً في إعادة ثقتها بنفسها، وترسيخ خطواتها على درب التعليم الذاتي الذي ألزمت نفسها به بعد أن أجبرت على ترك المدرسة، تقول:

    “كانت عاطفة حبي له قد تكونت من تجمع عدة انفعالات طفولية سعيدة كان هو مسببها وباعثها.

    أول هدية تلقيتها في صغري كانت منه

    أول سفر من أسفار حياتي كان برفقته

    كان هو الوحيد الذي ملأ فراغ النفس الذي عانيته بعد فقدان عمي، والطفولة التي كانت تبحث عن أب آخر يحتضنها بصورة أفضل وأجمل وجدت الأب الضائع مع الهدية الأولى والقبلة الأولى التي رافقتها.

    إن تلك الهدية بالذات، التي كانت قد أحضرها إلي من القدس أيام كان تلميذاً في مدرسة المطران، تلك الهدية التي كانت أول أسباب تعلقي بإبراهيم ذلك التعلق الذي راح يتكشف فيما بعد بصورة قوية.

    كان تعامله معي يعطيني انطباعاً بأنه معني بإسعادي وإشاعة الفرح في قلبي، لاسيما حين كان يصطحبني في مشاويره إلى الجانب الغربي من سفح جبل عيبال”.

    وبعد إقامة إبراهيم في نابلس بدأ سطر جديد في حياة فدوى طوقان فنذرت نفسها لخدمته والاعتناء به، وتهيئة شؤونه، ورأت في ذلك غاية سعادتها ومنتهى طموحها، وقد بلغ من تعلقها بأخيها أنها كانت تخاف عليه المرض والأذى، فهو الهواء الذي تتنفسه رئتاي كما تقول وكان إبراهيم يبادلها حباً بحب، يأخذ بيدها، ويحاول تخفيف معاناتها، بخاصة عندما عرف بقصتها، وما حل بها من فقدان المدرسة والتزام البيت، تقول: "كان قد علم من أمي سبب قعودي في البيت، لكنه وهو الإنسان الواسع الأفق، الحنون، العالم بدخائل النفس البشرية، نظر إلى ذلك الأمر نظرة سبقت الزمن خمسين سنة إلى الأمام لم يتدخل، ولم يفرض إرادته على يوسف العنيف، لكنه راح يعاملني بالحب والحنو الغامر.

    وظلت تتجمع الأمور الصغيرة لتصبح جسراً ينقلني من حال إلى حال".

    ولم يترك القدر لفدوى هذا السراج الذي لاح مضيئاً في سمائها المظلم، فقد أقيل أخوها من عمله في القسم العربي في الإذاعة الفلسطينية وغادر مع عائلته إلى العراق بضعة أشهر مرض فيها هناك، ثم عاد إلى نابلس ومات فيها، تقول فدوى: "وتوفي شقيقي إبراهيم فكانت وفاته ضربة أهوى بها القدر على قلبي ففجر فيه ينبوع ألم لا ينطفئ ومن هذا الينبوع تتفجر أشعاري على اختلاف موضوعاتها:".

    وانكسر شيء في أعماقي، وسكنتني حرقة اليتم.

    فدوى طوقان والشعر:

    كانت فدوى تتابع أخاها إبراهيم في كتابته للشعر، وتوجيهه للطلاب الذين كانوا يكتبونه، وقد سمعته مرة وهو يحدث أمه عن تلميذين من تلاميذه قد جاءا إليه بقصائد من نظمهما خالية من عيوب الوزن والقافية، فقالت "نيالهم".

    وعندما سمعها إبراهيم، وهي تتكلم بحسرة، كأنها تلومه على عطائه مع تلاميذه وتقصيره معها، فنظر إليها وصمت، ثم قال فجأة: سأعلمك نظم الشعر، هيا معي. كانت أمي قد سكبت له الطعام، ولكنه ترك الغرفة، ولحقت به، وارتقينا معاً السلم المؤدي إلى الطابق الثاني حيث غرفته ومكتبته. وقف أمام رفوف الكتب وراح ينقل عينيه فيها باحثاً عن كتاب معين. أما أنا فكان قلبي يتواثب في صدري، وقد كتمت أنفاسي اللاهثة، دقيقتين، وأقبل علي وفي يده كتاب الحماسة لأبي تمام، نظر في الفهرس ثم فتح الكتاب عند صفحته بالذات، قال: هذه القصيدة سأقرؤها لك وأفسرها بيتاً بيتاً ثم تنقلينها إلى دفتر خاص وتحفظينها غيباً، لأسمعها منك هذا المساء عن ظهر قلب.

    ولم يكن اختيار إبراهيم مجرد اختيار عشوائي فقد اختار لها شعراً لامرأة ترثي أخاها، ثم يقول: لقد تعمدت أن أختار لك هذا الشعر لتري كيف كانت نساء العرب تكتب الشعر الجميل، وبدأت رحلة فدوى طوقان مع الشعر تحفظ القصائد التي يختارها لها إبراهيم، وبدأت تتعلم من جديد في مدرستها التي فتح إبراهيم أبوابها، تقول:

    “ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ، ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة، وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء، خط تلميذة في الثالثة عشرة من العمر، الاسم: فدوى طوقان. الصف: شطبت الكلمة وكتبت بدلاً منها المعلم: إبراهيم طوقان. الموضوع: تعلم الشعر. المدرسة: البيت.

    وبدت مرحلة جديدة في حياة فدوى طوقان، مرحلة تشعر فيها بذاتيتها وإنسانيتها وحقها في التعلم، وتجدد معها ثقتها بنفسها "أصبحت خفيفة كالطائر، لم أعد مثقلة القلب بالهم والتعب والنفس، في لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم. وامتدت مكانه في نفسي مساحات مستقبل شاسع مضيئة خضراء كمروج القمح في الربيع".

    وحاول المعلم أن يختبر رغبة أخته الصغرى في تعلم الشعر، فتوقف عن مراجعتها لفترة محدودة دون أية كلمة عن الدروس، وفي اليوم الرابع راجعته بصوت مرتعش: هل غيرت رأيك؟ ويأتي الجواب منه سريعاً: لم أغير رأيي، ولكنني توقفت لأتأكد من صدق رغبتك في التعلم، سنواصل اليوم الدرس.

    بدأت فدوى طوقان تكتب على منوال الشعر العمودي، ومالت بعد ذلك إلى الشعر الحر.

    آثارها الشعرية :

    صدرت للشاعرة المجموعات الشعرية التالية تباعاً:

    ديوان وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة ،1952م.

    وجدتها، دار الآداب، بيروت، 1957م.

    أعطنا حباً، دار الآداب، بيروت, 1960م.

    أمام الباب المغلق، دار الآداب، بيروت ، 1967م.

    الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م.

    على قمة الدنيا وحيداً، دار الآداب، بيروت، 1973.

    تموز والشيء الآخر، دار الشروق، عمان، 1989م.

    اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م.

    وقد ترجمت منتخبات من شعرها إلى اللغات: الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والفارسية والعبرية.

    آثارها النثرية:

    أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م

    رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م. وترجم إلى الانجليزية والفرنسية واليابانية والعبرية.

    الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.

    الأوسمة والجوائز:

    جائزة الزيتونة الفضية الثقافية لحوض البحر البيض المتوسط باليرمو إيطاليا 1978م.

    جائزة عرار السنوية للشعر، رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1983.

    جائزة سلطان العويس، الإمارات العربية المتحدة، 1989م.

    وسام القدس، منظمة التحرير الفلسطينية، 1990.

    جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة، ساليرنو- ايطاليا.

    جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة - إيطاليا 1992.

    جائزة البابطين للإبداع الشعري، الكويت 1994م.

    وسام الاستحقاق الثقافي، تونس، 1996م.

    جائزة كفافس للشعر، 1996.

    جائزة الآداب، منظمة التحرير الفلسطينية، 1997م.

    نتاج فدوى طوقان الأدبي في الرسائل العلمية :

    أ - الدكتوراه :

    - إنتاج فدوى طوقان الشعري، د. عبد الله الشحام، جامعة مانشستر، انجلترا.

    - سيرة فدوى طوقان الذاتية، مايا فان درفلدن، جامعة أمستردام،هولندا.

    - فدوى طوقان: أغراض شعرها وخصائصه الفنية، د. إبراهيم العلم، الجامعة اللبنانية.

    ب - الماجستير:

    الصورة، أثر الوجدان الإسلامي في إنتاج فدوى طوقان، يحيى الأغا، جامعة القاهرة.

    فرجينيا وولف وفدوى طوقان في السيرة الذاتية لكل منهما (دراسة مقارنة)، سيرين حليلة، جامعة لندن.

    الصورة الشعرية عند فدوى طوقان، خالد السنداوي، الجامعة العبرية.

    فدوى طوقان في سيرتها الذاتية، ناديا عودة، جامعة بون، ألمانيا.

    سيرة فدوى طوقان وأهميتها في دراسة أشعارها، رمضان عطا محمد شيخ عمر، جامعة النجاح الوطنية، نابلس.

    هذا عدا أبحاثٍ ودراساتٍ كثيرةٍ نشرت في الكتب والمجلات والدوريات العربية والأجنبية. وثمة دراسات علمية أخرى صدرت مؤخرا ولم يتسن الاطلاع عليها.

    قالوا عن فدوى طوقان:

    "فدوى طوقان من أبرز شعراء جيلها، وما من شك في أن ما أسهمت به في دواوينها يعد جزءاً هاماً من التراث الشعري الحديث".

    من تقرير لجنة تحكيم جائزة البابطين للإبداع الشعري، 1994م.

    - تميزت فدوى طوقان بروح إبداعية واضحة، وضعت شعرها في مقدمة الشعر النسائي الفلسطيني إن لم يكن في مقدمة الشعر النسائي العربي. "شاكر النابلسي، من مقدمة كتابه "فدوى طوقان تشتبك مع الشعر"

    - فدوى طوقان شاعرة عربية بديعة الأنغام، والتصاوير، والموسيقى، صاحبة موهبة فنية رفيعة بين شعراء وشاعرات الوطن العربي المعاصرين" د. عبد المنعم خفاجي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - كان شعرها صوراً حية لتطور الحياة الشعرية بعد النكبة، ومن يمض في قراءته، ويتدرج معه من حيث الزمان، يجد صورة وجدانية لحياة المجتمع الفلسطيني وتطورها بفعل تطور الأحداث المشتملة عليه". د. عبد الرحمن ياغي، من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - كانت قضية فلسطين تصبغ جانباً هاماً من شعر فدوى بلون أحمر قان، وكان شعر المقاومة عندها عنصراً أساسياً وملمحاً رئيسياً لا يكتمل وجهها الشعري بدونه". من ملف جريدة البعث السورية عن فدوى طوقان.

    - منذ أيام الراحل العظيم طه حسين لم تبلغ سيرة ذاتية ما بلغته سيرة فدوى طوقان من جرأة في الطرح وأصالة في التعبير وإشراق في العبارة "الشاعر سميح القاسم.

    *******************************



    من شواعر الأرض المقدسة فلسطين

    إشراف الأستاذ: خالد خميس فــرَّاج

    إعداد الطالبة: فاطمة سعيــد العلوي

    حياة الشاعرة :

    هي فدوى عبد الفتاح آغا طوقان . ولدت عام 1917 بفلسطين، وتحمل الجنسية الأردنية. تلقت تعليمها الابتدائي في نابلس ثم ثقفت نفسها بنفسها، والتحقت بدورات اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي. وفدوى طوقان كانت عضوا في مجلس أمناء جامعة النجاح بنابلس. وحضرت العديد من المهرجانات والمؤتمرات العربية والأجنبية.

    حصلت فدوى طوقان الشاعرة على عدد كبير من الجوائز، فقد جائزة رابطة الكتاب الأردنيين 1983، وجائزة سلطان العويس 1987، وجائزة ساليرنو للشعر من إيطاليا، ووسام فلسطين، وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري 1994. وجائزة كافاتيس الدولية للشعر عام 1996.

    فدوى والشعر :

    تعرفت إلى عالم الشعر عن طريق أخيها الشاعر إبراهيم طوقان. وقد عالج شعرها الموضوعات الشخصية والاجتماعية، وهي من أوائل الشعراء الذين عملوا على تجسيد العواطف في شعرهم، وقد وضعت بذلك أساسيات قوية للتجارب الأنثوية في الحب والثورة، واحتجاج المرأة على المجتمع. ولشعرها مراحل، فقد تحولت من الشعر الرومانسي إلى الشعر الحر ثم هيمنت على شعرها موضوعات المقاومة بعد سقوط بلدها.

    ما صدر عنها من دراسات وبحوث :

    - صدرت عنها دراسات أكاديمية (للماجستير والدكتوراه) في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، كما كتبت عنها دراسات متفرقة في الصحف والمجلات العربية، إلى جانب كتابات أخرى لكل من إبراهيم العلم ، وخليل أبو أصبع ، وبنت الشاطئ وروحية القليني، وهاني أبو غضيب، وعبير أبو زيد وغيرها .

    ومن الكتب الجديدة حول الشاعرة فدوى طوقان كتاب : ( من إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى) ، وهو كتاب جديد يكشف دور الشاعر إبراهيم طوقان في تثقيف أخته عبر الرسائل. وفيه يطالب بها الشاعر إبراهيم أخته الشاعرة فدوى - بمطالب تتعلق باللغة والوزن والصورة، وفي سبيل تطوير أدواتها، وكان المصدر الأول الذي يحقق ذلك هو القرآن .

    وصدر عن دار الهجر للنشر والتوزيع-بيت الشعر-في مدينة رام الله بفلسطين كتاب آخر " رسائل إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى". وعلى هذا الصعيد تكشف الرسائل مدى العنت والجهد الذي يبذله الطرفان للوصول إلى الهدف فهو يرشدها إلى قواعد اللغة والى قوانين الشعر، ويقترح لها فيما تقرأ ، وفيما تكتب ويصحح لها، وحين يطمئن إلى مستوى معقول يدفعها لتدفع بشعرها للنشر.

    الشعر من 1948- 1967 :

    - كانت فدوى طوقان أشهر من عرف في عهد الانتداب من الشعراء وكذلك أبو سلمى الذي استقر في دمشق، وقد تميزت قصائد أبو سلمى بعد 48 باهتزاز الرؤية وفقدان الثقة، أما فدوى طوقان فقد تطورت بشكل مختلف فأغنت الشعر العربي بالشعر الرشيق الذي يعبر عن اكتشاف الأنثى لذاتها .

    مراحل شعـر فدوى طوقـان :

    - فقد نسجت في المرحلة الأولى على منوال الشعر العمودي وقد ظهر ذلك جليا في ديواني(وحدي مع الأيام) و(وجدتها) وشعرها يتسم بالنزعة الرومانسية.

    -وفي المرحلة الثانية اتسمت أشعارها بالرمزية والواقعية وغلبه الشعر الحر وتتضح هذه السمات في ديوانيها (أمام الباب المغلق)و (والليل و الفرسان).

    - بدأت الشاعرة فدوى طوقان مع القصيدة التقليدية العمودية، لتقتنع بعدها بقصيدة التفعيلة، مشيرة إلى أنها تعطي للشاعر فسحة ومجالا أكثر. كما إنها تقول إن قصيدة التفعيلة سهلت وجود شعر المسرح.

    إحدى الأمسيات الشعرية التي حضرتها فدوى طوقان في الإمارات .

    - للشاعرة فدوى طوقان نشاطات على الصعيد العربي والعالمي، وتتحدث الشاعرة فدوى طوقان في أمسياتها عن المعاناة التي لازمتها منذ احتلال اليهود للأرض العربية الفلسطينية، حتى إن كثيرا من قصائدها خرج إلى الوجود من خلال هذه المعاناة. وفي هذه الندوة تقول: إنها مازالت تشعر بالمهانة والإذلال كلما رأت الأراضي العربية تدنس بأقدام اليهود.

    من قصائدها :

    يا نخلتي يحبني اثنان

    كلاهما كـورد نيسان

    كلاهما أحلى من السكر

    وتاه قلبي الصغير بينهما

    أيهما أحبة أكثر؟؟

    أيهما يا نخلتي أجمل؟

    قولي لقلبي ، إنه يجهل

    في الرقصة الأولى

    بين ظلال وهمس موسيقى

    وشوشني الأول

    وقال لي ما قال

    رفّ جناحا قلبي المثقل بالوهم، بالأحلام، بالخيال

    لم أدر ماذا أقول أو أفعل

    في الرقصة الأخرى

    حاصرني الثاني وطوقت خصري ذراعان

    نهران من الشوق وتحنان

    وقال لي قال

    رفّ جناحا قلبي المثقل

    بالوهم، بالأحلام، بالخيال

    وا حيرتي! يحبني اثنان كلاهما كورد نيسان

    كلاهما أحلى من السكر أيهما أحبة أكثر؟

    - وفي ملحمتها (نداء الأرض) تصور فدوى طوقان شيخاً فلسطينياً في لحظة التساؤل المرير عن المصير الذي آل إليه حاله وحال شعبه :

    أتغصب أرضي؟

    أ يسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا

    أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة

    أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

    سأنهي بنفسي هذه الرواية

    فلا بد ، لا بد من عودتي

    كان بعينه يرسب شيء

    ثقيل كآلامه مظلم

    لقد كان يرسب سبع سنين

    انتظار طواها بصبر ذليل

    تخدره عصبة المجرمين

    وترقد تحت حلم ثقيل

    أهوى على أرضه في انفعال يشم ثراها

    يعانق أشجارها ويضم لآلئ حصاها

    ومرغ كالطفل في صدرها الرحب خداً وفم

    وألقى على حضنها كل ثقل سنين الألم

    وهزته أنفاسها وهي ترتعش رعشة حب

    وأصغى إلى قلبها وهو يهمس همسة عتب

    رجعت إلي

    وكانت عيون العدو اللئيم على خطوتين

    رمته بنظرة حقد ونقمة

    كما يرشق المتوحش سهمه

    ومزق جوف السكوت المهيب صدى طلقتين.

    - وتقول فدوى طوقان في قصيدة الأفضال :

    إلي أين أهرب منك وتهرب مني؟

    إلي أين أمضي وتمضي؟

    ونحن نعيش بسجن من العشق

    سجن بنيناه، نحن اختياراً

    ورحنا يد بيد..

    نرسخ في الأرض أركانه

    ونعلي ونرفع جدرانه

    *******************************




    الفدائي والأرض

    كانت فدوى طوقان – في ذلك الزمان العصيب الذي كنا نظنه ذروة المأساة (سبتمبر 1967) فإذا به البداية الكارثية لما نعايشه اليوم في الأرض المحتلة وفي الوطن العربي كله – كانت لا تكتفي بهذه الصرخات الشعرية المدوية ، الرافضة لليل الهزيمة وإعصارها الشيطاني وطوفانها الأسود ، فقد تحوّلت إلى جيش محارب ، طلقاته وذخيرته كلمات مغموسة بدم القلب وعطر الشهداء ، وقصائد متوهّجة بإرادة النضال والبطولة والتحدي ، وانهالت رسائلها الشعرية المقاتلة – التي نجحت في تسريبها سرّاً من نابلس حيث تقيم في الضفة الغربية – إلى أصدقاء لها في القاهرة وبيروت ، ومن العاصمتين تنتقل الرسائل إلى الصحف والإذاعات . بكلماتها في اختراق الأسوار وتوصيل الصوت الفلسطيني الحقيقي إلى كل مكان لتبدّد بعض ظلمات ليل الهزيمة .

    من بين ثنايا هذه القصائد ، وغيرها من شعر فدوى ، كان جمال جديد للعربية يتألق : هو جمال الصدق والعنفوان ، وهو شيء آخر غير جمال البلاغة وروعة الصور والتشبيهات والاستعارات وألوان البيان . جمال مسقّى بنبض الصدق ، واحتراق الحرف ، وزهو اللغة المعبّرة ، وروعة تشكيل القصيدة الشعرية التي يمكن أن تكون تحقيقاً أو رسالة أو وصية أو حوارية أو تصويراً لحادثة أو رجع صدى لموقف أو حالٍ أو كياناً يتشكّل خارج كلّ هذه الأطر والصيغ ، لأن كيان الفجيعة والمواجهة التي تحمل عُرْيها الكامل ، وتلقي بالزيف والتردد والهوان واللامبالاة .

    وما أشدّ حاجة شعرنا اليوم إلى هذا الجمال النبيل الفريد ، جمال الصدق والمواجهة ، وجمال ارتفاع قامة المبدع إلى مستوى لغته القومية ، وارتفاع قامة اللغة التي يبدعها إلى مستوى الشموخ والكبرياء .

    وليبارك الله في عُمر هذا الكنز الجميل : فدوى طوقان ، إنسانةٌ ومبدعة !

    *******************************




    رحلة جبلية - رحلة صعبة

    تروي الشاعرة فدوى طوقان في سيرتها الذاتية "رحلة جبلية – رحلة صعبة"، التي صدرت عام 1985، تروي فيها تفاصيل طفولتها وشبابها ونضوج تجربتها الشعرية وتنتهي بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في حزيران 1967.

    أصدرت فدوى الجزء الثاني من سيرتها الذاتية بعنوان "الرحلة الأصعب" عام 1993، وفيه تروي عن حياتها وحياة شعبها خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي.
    في القطعة التالية تصف فدوى بأسلوب قصصي جميل أولاً ، تعدي أفراد أسرتها عليها في طفولتها الباكرة ، ثم مساعدة أخوها لها وتعاطفه معها في سعيها لقرض الشعر .

    " .... عشر مرات حملت أمي . خمسة بنين أعطت إلى الحياة وخمس بنات ، ولكنها لم تحاول الإجهاض قط إلا حين جاء دوري . هذا ما كنت أسمعها ترويه منذ صغري.

    كانت مرهقة متعبة من عمليات الحمل والولادة والرضاع . فقد كانت تعطي كل عامين أو كل عامين ونصف العام مولوداً جديداً . يوم تزوجت كانت في الحادية عشر من عمرها ، ويوم وضعت ابنها البكر كانت لم تتم الخامسة عشرة بعد. واستمرت هذه الأرض السخية - كأرض فلسطين - تعطي أبي غلتها من بنين وبنات بانتظام .

    أحمد - إبراهيم - بندر - فتايا - يوسف - رحمي .. كان هذا كافياً بالنسبة لأمي ، وأن لها أن تستريح ، لكنها حملت بالرقم السابع على كره . وحين أرادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبثاً في رحمها تشبث الشجر بالأرض ، وكأنما يحمل في سر تكوينه روح الإصرار والتحدي المضاد.

    ولأول مرة في حياتهما الزوجية ينقطع أبي عن محادثة أمي لبضعة أيام . فقد أغضبته محاولة الإجهاض . كان المال والبنون بالنسبة له زينة الحياة الدنيا ، وكان يطمع بصبي خامس . لكني خيبت أمله وتوقعه .

    أصبح لديه الآن ثلاث بنات مع البنين الأربعة ..وتبعني فيما بعد أديبة ثم نمر ثم حنان . فاستكملنا العدد (عشرة).

    لا تحمل ذاكرتي أية صورة لأول يوم دخلت فيه المدرسة . كما أنها لا تحتفظ بذكرى المرحلة الأولية التي تعلمت فيها قراءة الحروف وكتابتها . ولكن الذي أذكره بوضوح هو استمتاعي دائماً بمحاولة قراءة أي شيء مكتوب وقع عليه بصري .

    لم يكن في نابلس أكثر من مدرستين للبنات ، (المدرسة الفاطمية) الغربية و(المدرسة العائشية) الشرقية . وكان أعلى صف هو الخامس الابتدائي . في (المدرسة الفاطمية) تمكنت من العثور على بعض أجزاء من نفسي الضائعة . فقد أثبت هناك وجودي الذي لم أستطع أن أثبته في البيت . أحبتني معلماتي وأحببتهن ، وكان منهن من يؤثرني بالتفات خاص. أذكر كيف كان يشتد خفقان قلبي كلما تحدثت معي معلمتي المفضلة (ست زهرة العمد) والتي أحببتها كما أحب واحدة من أهلي في تلك الأيام . كانت جميلة وجهاً وقواماً ، وكانت أنيقة ، شديدة الجاذبية.

    لا أذكر أن واحدة من معلماتي تركت في نفسي ذكرى جارحة أو أثراً لمعاملة سيئة على مدى السنوات القليلة التي أمضيتها في المدرسة . لقد أشبعت المدرسة الكثير من حاجاتي النفسية التي ظلت جائعة في البيت . أصبحت أتمتع بشخصية بارزة بين معلماتي وزميلاتي . وكان من دواعي سعادتي أن معلمة اللغة العربية بين معلماتي أحياناً تلقي على مهمة تدريس التلميذات المتخلفات في الصف .

    لقد أصبحت المدرسة أحب إليَّ من البيت والمكان الأكثر ملائمة لي . وفي المدرسة عرفت مذاق الصداقة وأحببته . كانت رفيقة مقعدي الدراسي تلميذة في مثل سني اسمها "عناية النابلسي" وكانت أحب صديقاتي إليّ وأقربهن إلى نفسي.

    *******************************




    ذاكرة تليق بفدوى طوقان

    بقلم علي الخليلي

    يليق بفدوى طوقان أن تحمل لقب "سنديانة فلسطين"، و"أم الشعراء"، و "الجبل الثالث في نابلس". ويليق بها أن تحمل اسم "شاعرة العرب" في هذا العصر. ويليق بها أن م تكون الشاعرة العربية في مختلف العصور. ليس ثمة في الذاكرة الشعرية العربية، من ألف سنة إلى الآن، شاعرة بحجم فدوى طوقان. تمتلئ هذه الذاكرة الخصبة بأسماء وألقاب عشرات، وربما مئات الشعراء الذين يتربع على رأسهم "المتنبي"، إلا أن القائمة الطويلة لهؤلاء الشعراء، من الماضي البعيد، إلى الحاضر الراهن، لا تشتمل على امرأة عربية شاعرة في أي عصر، استطاعت أن تخترق الصفوف، وأن تذلل الصعاب الكثيرة، لتتبوأ القمة العالية، سوى فدوى طوقان، في هذا العصر.

    على مدار ثلاثة أجيال، في زمن العتمة والخوف والنكبات، واصلت فدوى طوقان رحلتها "الجبلية الصعبة"، ثم رحلتها "الأصعب"، قصيدة بعد قصيدة، ومعاناةٍ إثر معاناة، على الطريق نحو القمة التي هي قمة شعبها وأمتها وقضيتها الفلسطينية،. ولعلها قمة الإنسانية بشكل عام. القمة في الشعر، والقمة في الإصرار على الوصول إلى الفيض المتوهج في قلب الأرض، وفي قلب الإنسان. والقمة في الانتصار على العتمة والخوف والنكبات.

    سيدة الشعر العربي المعاصر فدوى طوقان، تستريح الآن على هذه القمة، حيث لا شأن للموت في هذا المعنى. ولكنه شأن الحياة المستمرة في حركة قصائدها، جيلاً بعد جيل. شأن الوعي المتجدد بالقصيدة الفلسطينية التي جعلت منها فدوى طوقان ضميراً لفلسطين الوطن، وفلسطين الحق، وفلسطين الحرية والعدل والثورة والاستقلال.

    وإذا كانت الطائرات والدبابات والجرافات الإسرائيلية العدوانية ما تزال تحاول محاصرة هذا الضمير بالقتل والإرهاب والتدمير على امتداد فلسطين، فإن روح القصيدة الفلسطينية، روح فدوى طوقان، تملأ المكان والزمان، خصباً ونماءً وإشراقاً، في مواجهة الخراب والدمار.

    قال موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق: إن كل قصيدة من قصائد فدوى طوقان تصنع عشرة فدائيين، وقد انطوى ذلك الوزير الاحتلالي الاستيطاني واندثر، في الوقت الذي أصبح فيه الفدائيون بالآلاف. فدائيون يصنعهم الشعر، من أجل عشبة خضراء تنمو في شقوق الأنقاض التي تطحنها جرافات إسرائيل. وفدائيون يتذوقون الحكمة والجمال والفرح، من أجل حمامة بيضاء حلمت بها فدوى طوقان. وفدائيون يقدسون الحياة، من أجل أطفال يلعبون ويمرحون، ولا يسقطون برصاص وقنابل إسرائيل. وفدائيون من أجل "رقيّة" اللاجئة الفلسطينية التي يجب أن تعود إلى بيتها، وملاعب صباها، دون قيد أو شرط .

    تطل فدوى طوقان، في كل صباح، على الناس أجمعين، في "الياسمينة" و"القريون" و"باب الساحة" و "المخفية" بنابلس، وفي "خان الزيت" بالقدس، وفي حيفا ويافا وعكا والناصرة. وفي القاهرة ودمشق وعمان وبغداد وبيروت، وتونس. وفي لندن وروما وباريس. وفي كل أرض، حيث لا حدود ولا سدود بين الناس في القصيدة التي تحملهم إلى أعماق إنسانيتهم وشغفهم بالمستقبل الأجمل والأفضل .

    من "وحدي مع الأيام"، إلى "وجدتها"، إلى "أعطنا حباً"، إلى "أمام الباب المغلق"، إلى "الليل والفرسان"، إلى "على قمة الدنيا وحيداً"، إلى كل مجموعاتها الشعرية المتدفقة، تأخذ فدوى طوقان بأيدينا إلى ينابيع الحياة، فنعرف أننا قادرون على الثبات ضد الزلزلة، وعلى الفرح ضد الحزن والكآبة، وعلى الأمل ضد اليأس، وعلى الانتصار ضد الهزيمة. ونعرف أن التطور الذي أحدثته فدوى طوقان في أشكال هذه الينابيع/القصائد ومضامينها، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في العراق، وصلاح عبد الصبور في مصر، وسلمى خضراء الجيوسي في فلسطين، في مرحلة مبكرة، هو أيضاً، تطور لحركة المرأة العربية على وجه التحديد، في مواجهة التهميش والانغلاق والعزلة، وتطور في أشكال المجتمع العربي ومضامينه كلها، على طريق حضاري لا يعرف الخوف أو الانكسار.

    ينابيع باقية إلى الأبد ، لا تجف ولا يسممها الاحتلال أو يدمرها بأنياب جرافاته ومخالبها، وقنابل وصواريخ طائراته ودباباته. ينابيع فياضة تؤكد في كل صبح، وفي ولادة كل طفل، وزنبقة، وسنبلة قمح، وفراشة، وقطرة ندى، أن هذا الاحتلال زائل، وأن القصيدة الفلسطينية المشبعة بروح فدوى طوقان أقوى من همجية جنرالات إسرائيل وترسانتهم العسكرية الوحشية، وأقوى من قيود العزل والاستلاب .

    لنا أن نحزن برحيل سيدة شعرنا كله، ولنا أن نقف معها على القمة، متشبثين بالبذور التي أنشأتها ورعتها فينا، وأن نجعل منها عطاءً مستمراً ملء الكون كله .

    *******************************




    حلقة خاصة مع الشاعرة

    طالما قرأنا دواوينها وقصائدها، حزن روحها المستتر وراء كل حرف وكلمة في تلك القصائد شدنا لشعرها ونحن لم نزل في مرحلة من العمر لا تسمح لنا بالتفكير ماذا سنكون في المستقبل، ومرت الأيام وتخرجنا صحافيات من الجامعة التي كتبت هي نشيدها وكان اليوم الذي جمعنا بها في مقابلة صحافية، دخلنا بيتها استقبلتنا واقفة رغم وضعها الصحي السيئ الابتسامة تعلو شفتيها، وتلوح وراء كل تجعيدة في وجهها قصة من قصص حياتها، وحيدة في البيت الكبير بعد عمر طويل، وحدة تنبئتها وعاشتها حتى وهي بين عائلتها، في وحدي منع الأيام وأنا وحدي مع الليل،وعلى قمة الدنيا وحيدا، وقبل أن نطرح الأسئلة التي بذلنا جهدا كثيرا لتكون على مستوى الشخصية، كان لا بد من دردشة فأخذتنا معها إلى حياتها الأولى التي هي باختصار تأريخ لحياة شعبها، فمن المنزل الذي عاشت به دون أن تتمكن من اتخاذ قرار لإكمال دراستها إلى سنوات الهزيمة والرايات البيض والتي أخرجتها من ذاتيتها، إلى وحدتها في بيت كبير برفقة ذكرياتها ودواوين شعرها، وصورة أخيها إبراهيم صديقها الذي لم تمهلها الدنيا لاكتشاف حلاوة طعم الصداقة معه، بجانبها.
    ولخصت سنوات العمر الطويل بكلمات بخط يدها على غلاف ديوانها الأخير،" اللحن الأخير "

    "أساء ألي الزمان كثيرا كثيرا
    إذ اقتاده في مسار حياتي وحشاً خطير
    وشراً كبيراً كبير "

    وبدأنا بالحديث عن الشعر والانتفاضة والثورات ودور الشاعر في تلك الثورات، كونها عايشت ثورات وجرح فلسطين الأول وإلى الآن، وكيف ناضل الأديب الفلسطيني إلى جانب الثائر جنب إلى جنب.

    * أين فدوى طوقان من الانتفاضة الحالية؟

    - أنا متابعة لما يحدث على الساحة الفلسطينية , لكن بسبب المرض الذي ألم بي "الجلطة" فقد أثرت على بصري, أتابع الأحداث من خلال التلفاز لسماع الأخبار, بالرغم من ذلك فقد كتبت في ديواني الأخير أتحدث فيه عن أحلام السلام المستحيل مع اليهود.

    * ما هي إنتاجاك في هذه المرحلة ؟

    - الواقع أن مرضي اثر علي تأثيرا كبيرا على إنتاجي الأدبي , فلم انتج أي شيء, حيث آخر إنتاج لي كان " اللحن الأخير" وهو مجموعة أشعار عاطفية أتحدث فيها عن عاطفتي في أيام الكبر, والتي اعتبرها أيامي الأخيرة . فلم استطع الكتابة لأنني خائفة من المستقبل , ماذا سيحصل معي وينتابني قلق كبير مما يؤثر كثيرا على كتاباتي.

    كيف ترسم الأديبة الشاعرة فدوى طوقان تصورها للانتفاضة الحالية إيجابا أم سلبا؟

    استمرار الانتفاضة ضروري جدا, فتوقفها يفرح الأعداء كثيرا , يجب أن يكون لدينا نظرة إيجابية حيالها, وان لا نكون سلبيين في تعاملنا مع هذا العدو الشرس, الذي تتكاثف فيه كافة الأحزاب الإسرائيلية بالرغم من خلافاتها الكبيرة من اجل تهبيط عزائم وإخماد جذوة الانتفاضة , ونحن بأشد الحاجة أن يكون لدينا هدف واحد من اجل نيل حقوقنا المشروعة.

    * أن تعاصر الشاعرة ثورات متعددة لكل منها ظروفها وملابساتها , هل يفرض عليها نوعا أو اتجاها معينا للكتابة؟

    - كل ثورة من هذه الثورات وكل مرحلة نضالية كانت تحمل خصوصية في ملابساتها , وفي شخصيتها وقادتها , لذلك كانت الأوضاع تفرض نفسها على كل قصيدة تكتب حسب المرحلة والمكان والأشخاص, حتى أن بعض القصائد كانت تفقد معناها نتيجة لبعض الأحداث السياسية , فمثلا ثورة فوزي القاوقجي في الثلاثينيات ثارت في خيالي ومشاعري فككبت على نظم قصيدة تعكس انبهار الصبية الرومانسية بشخصية قائد الثورة الأسطوري ولكن مع خمود الجماهير له مع مرور الأيام تضيع القصيدة المبهورة . ألا أن أشعار كل هذه الثورات السابقة تحمل في مضمونها نفس الهدف والفكرة , وبما أن الطرف الآخر في هذه القصائد هو العدو الأوحد لنا جميعا يتكرر الكره له في كل بيت وكل مقطع , فان خلود هذه القصائد باق ما بقي العدو وبقيت الروح النضالية موجودة في قلب كل مقاوم.

    * هل هناك فرق بين الوطني المقاتل في ساحة المعركة وبين الكاتب والأديب والشاعر الذي يناضل من اجل نفس القضية؟

    - في اعتقادي أن دور الشاعر والأديب لا يقل أهمية عن دور المقاتل في ساحة المعركة, فالشاعر الوطني الذي ينظم الشعر الحماسي يكون دافعا قويا لهؤلاء المقاتلين للصمود والاستبسال في المعركة, واذكر في هذا السياق أن في خلال حرب 67 قرأت قصيدة في الإذاعة بعنوان " لن ابكي" وكانت هذه القصيدة حماسية لدرجة أن مجموعة من المقاتلين سمعوها وعندما انتهت القصيدة قام أحدهم واحضر مصحفا واخذوا يحلفون عليه واحدا تلو الآخر, أن يقاوموا حتى النهاية وان لا يستسلموا أبدا.

    * حسب اعتقادك هل ما زال شعر المقاومة يعبر عن وضع الانتفاضة الحالية مقارنة بالثورات والانتفاضات السابقة؟

    - محمود درويش, سميح القاسم, توفيق زياد, من ابرز شعراء المقاومة الفلسطينية, كتبوا أشعارا ساعدت كثيرا على دفع المقاومة إلى الإمام ودعم الثورات والانتفاضات السابقة, وأنا ضد من بقول أن شعر المقاومة ذهبت مناسبته لأنه شعر حقيقي وصادق ويصلح لكل ثورة فلسطينية في أي زمان كان, لأنه حالة فريدة من الشعر تخص مقاومة الشعب الفلسطيني ذاته.

    في ظل هذه الانتفاضة وما شملته من حصار واغتيالات هل للأديب أو الشاعر نفسية خصبة للكتابة ؟

    اعتقد أن ما يشاهده الشاعر من أحداث يومية تهز مشاعره وكيانه, وتفتح له آفاق عديدة للكتابة, فأنا عندما كنت اجلس أمام التلفاز واستمع لأخبار الحروب والقتل , أتخيل أن الكرة الأرضية عبارة عن فنجان من القهوة احمله واقلبه واسكب معه كل شعوري وعواطفي وانفعالاتي لم أشاهد , هذه الفكرة ألهمتني قصيدة باسم " هذه الكوكب الأرضي" ألقيتها في مهرجان جرش أهديتها لصديقتي الأديبة حياة الحويطي.

    ومما قلته في هذه القصيدة :

    لو بيدي

    لو أني اقدر أن اقلبه هذا الكوكب

    أن أفرغه من كل شرور الأرض

    أن اقتلع كل شرور البغض

    * في فترة السبعينيات اتهمت فدوى طوقان بأنها شاعرة ذاتية , ماذا تقولين بذلك؟

    - هذا صحيح, فقد كان يتهموني بآني شاعرة ذاتية اكتب شعرا عن تجربتي الذاتية في الحياة , لكن القارئ لسيرتي الذاتية يعرف لماذا كان ذلك, فطريقة نشأتي وتجربتي الشخصية وهي أن الإنسان خلق وحيدا ويتعذب وحيدا ويموت وحيدا وأنا انظر إلى معاناتي فأجد أن لا أحد يتعذب معي فأنا لوحدي , وهذا كله جعلني اكره وحدتي خاصة أن الإنسان والشاعر بالذات لا يتكامل إلا مع الجماعة . وهذا الشعور لم يعد لي إلا بعد حرب حزيران حيث عدت لها, فالاحتلال الإسرائيلي ارجع إلى الإحساس بنفسي ككائن اجتماعي, فقد كنت بسببه التقي بالجماهير الشعبية, عرفت القيمة والمعنى الحقيقي الذي يتحمر في دنان الشعب.

    * هل يمكن اعتبار الطفرات الإبداعية التي حظيت بها الثورات والانتفاضات الماضية ظواهر أخذت بالاندحار مع كل مرحلة؟

    - الإبداعات لا تنتهي بأي جيل والمواهب موجودة, وقد تكون أفضل من شعراء كبار نعرفهم , لكن المشكلة في قلة الثقافة وقلة الاتجاه نحو تعميق الثقافة عند الشعراء والأدباء وزيادة الاطلاع, بالإضافة إلى أساليب قد تكون سياسية تمنعهم من كشف أعمال غاية الإبداع بسبب الموقف السياسي من هذه الأعمال.

    * كيف يمكن للأدب العربي والإسلامي استثماره في مواجهة تشويه الأعمال الأدبية العربية وخاصة الفلسطينية خلال هذه الفترة؟

    - أننا في الوطن العربي والإسلامي نمتلك مخزونا ثمينا من الذخائر الثقافية والأدبية في مجال الشعر والنثر, كل جزئية منها تعبر عن معاناة الشعوب حتى الاحتلال والقهر خاصة الذي يتعرض له الفلسطينية في شتى مراحل ثوراته, وان محاولات الجهات الصهيونية الرامية إلى تشويه هذا الإنتاج الثقافي." هنا توقفت لبرهة من الوقت للاستراحة لأنها شعرت بالدوخة لمدة 10 دقائق ولكنها أبت إلا أن تستمر وبإصرار".وهذه القصائد الخالدة لن تنجح إذا ما وجهت بوقفة مقابلة من قبل الأدباء والمثقفين العرب والمسلمين الذين اثبتوا في الكثير من الدول العربية والإسلامية, وفي مواقف مختلفة خاصة في الانتفاضة دعمهم للمقاومة ومقاطعتهم كافة أساليب التطبيع مع العدو الصهيوني, كما أن ما يتوفر لشعراء وأدباء اليوم من وسائل الأعلام وأساليب النشر يستطيعون بها إيصال ما يريدون من شتى أنحاء العالم يساعد في فضح الممارسات الصهيونية ورد محاولة التشويه التي يتعرض لها الإنتاج الثقافي العربي الإسلامي.

    انظر إليهم في البعيد

    يتصاعدون إلى الأعالي, في عيون الكون هم يتصاعدون

    وعلى جبال من رعاف دمائهم

    هم يصعدون ويصعدون

    كلمات أفردتها فدوى طوقان لأطفال الحجارة, تلك الفئة الأسطورة التي استطاع القليل القليل من الشعراء والأدباء إيفاءهم بعض حقهم في الوصف.

    * فقدان الشعور بالأمومة هل اثر على كتابتك للأطفال الفلسطينيين والأطفال بشكل عام؟

    - الأطفال يشكلون شيئا أساسيا في حياتي وأكن لهم عاطفة قوية, على الرغم من أنني لم انجب أطفالا, وتعلقت بأحد الأطفال وهو الآن ابن لقريبي لدرجة قوية, إذ جاءت أمه يوما لتأخذه فإذا به يحضنني ويصرخ ويبكي فشعرت انه قد دخل قلبي من يومها وأنا اعزه كثيرا, ووضعت صورته على الجدار في معيشتي.

    هذه إن كانت حادثة صغيرة إلا أنها أثرت في كثيرا, إذ أن أجمل ما في الحياة الشعور بعاطفة الأمومة, هذا المستوى الشخصي, من جهة أخرى فان الظاهرة التي عرفت فيما بعد لأطفال الحجارة, أبهرتني وجعلتني افرد لها قصائد كثيرة اعبر فيها عن مدى حبي لهذا الجيل المختلف في كل شيء في طموحه ومقاومته وصبره وبراءته وقدرته على التصدي باعتني القوى العسكرية التي لم تستطع على مجابهتها دول, فكان لأطفال الحجارة دورا رائدا في إذلالها وفضح سياستها أمام العالم.

    فكتبت أيضا من قصيدة "شهداء الانتفاضة"

    لن يمسك الموت الخؤون قلوبهم

    فالبعث والفجر الجديد

    رؤيا ترافقهم على درب الفداء

    انظر في انتفاضتهم صقورا, يربطون الأرض

    والوطن المقدس بالسماء

    * في فترة توقف إنتاجك الشعري هذا كيف ترين الاهتمام ببدوي طوقان الإنسانة؟

    - أنا غنية باهتمام ورعاية الناس لي, فأنا اجتماعية وعاطفية مع الناس أحبهم أتعاطف معهم, ولدي الكثير من الصداقات في هذه الفترة بالذات فترة مرضي شعرت حقا بمدى حب الناس لي ولمست ذلك من خلال الزيارات يوميا كالمطر علي, أما الاهتمام من الجهات الرسمية كان كبيرا فجامعة النجاح الوطنية كرمتني بإعطائي الدكتوراه الفخرية هذا بالإضافة إلى الجوائز المادية التي احصل عليها فالشيخ عبد الله العويسي من الشارقة قدم لي جائزة بقيمة 100الف دينار , وهناك العديد من الجوائز لا اذكرها, فأنا غنية والحمد لله معنويا وماديا .

    *******************************



    قصائد مختارة

    هدية لقاء في حيفا

    "إلى شعراء المقاومة في الأرض المحتلة منذ عشرين عاماً .. " (4 / 3 / 1968)

    على أبوابِ يافا يا أحِبائي

    وفي فوضى حُطامِ الدُّورِ ، بين الرَّدْمِ والشَّوْكِ

    وقفْتُ وقلتُ للعينين :

    يا عينين قِفا نبكِ

    على أطلالِ مَنْ رحلوا وفاتوها

    تُنادي مَنْ بناها الدارْ

    وتَنعى مَنْ بناها الدارْ

    وأنَّ القلبُ مُنسحقاً

    وقال القلبُ :

    (ما فَعَلَتْ بِكِ الأيامُ يا دارُ ؟

    وأينَ القاطنونَ هُنا ؟

    وهلْ جاءَتْكِ بعدَ النأي ، هل جاءَتْكِ أخبارُ ؟

    هُنا كانوا ، هُنا حلموا

    هُنا رَسموا مشاريعَ الغدِ الآتي

    فأينَ الحُلْمُ والآتي ؟ وأيْنَ هُمُو ؟

    وأيْنَ هُمُو ؟)

    ولمْ ينطِقُ حُطامُ الدارْ

    ولمْ ينطِقْ هُناك سوى غيابِهِمُو

    وصمْت الصَّمْت والهِجرانْ

    وكان هُناكَ جمعُ البومِ والأشباحِ

    غريبَ الوجهِ واليدِ واللسانِ ، وكان

    يُحوِّمُ في حواشيها

    يمدُّ أُصُولَه فيها

    وكانَ الآمِرَ الناهي

    وكانَ ... وكانْ ...

    وغُصَّ القلبُ بالأحزان

    كان حمزة

    واحداً من بلدتي كالآخرين

    طيباً يأكل خبزه

    بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبينْ

    قال لي حين التقينا ذات يوم

    وأنا أخبط في تيهِ الهزيمة :

    اصمدي ، لا تضعفي يا بنةَ عمي

    هذه الأرضُ التي تحصدها نارُ الجريمة

    والتي تنكمشُ اليوم بحزنٍ وسكوتْ

    هذه الأرض سيبقى

    قلبُها المغدورُ حياً لا يموتْ

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:51 pm