لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    عناصر بلاغة الكتابة النثرية \ مرجع

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    عناصر بلاغة الكتابة النثرية مرجع

    مُساهمة  Admin في الخميس يناير 14, 2010 7:32 am

    السجع أهم خصائص النثر العربي الجوهرية. وقد يغني وجوده عن باقي المكونات الأخرى التي قد تدعمه وتليه في الأهمية. فيكون مجموع عناصر التناسب النثرية الضرورية أربعة، وهي:
    السجع
    التجنيس، أو ( الجناس )
    الموازنة
    الازدواج
    وهذه المكونات الأربعة إذا اجتمعت كلها، وكان السجع قائدها تحقق التناسب الكامل والتناغم العالي الرفيع بين أجزاء الكلام المنثور: الكبرى والوسطى والصغرى؛ ونقصد بالأجزاء الكبرى نظام الفقرات، وبالوسطى نظام الجمل والفواصل، وبالصغرى نظام الكلمات والحروف.
    وقد حرص النقاد والبلاغيون في تعريفهم وتحديدهم لعناصر بلاغة النثر الرباعية تلك أي: ( السجع، التجنيس، الموازنة، الازدواج ) على تأكيد خاصية التناسب اللفظي والصوتي التي تتكامل وتتقوى بتعاونها، بحيث ينهض كل عنصر بقدر معين معلوم منها. وكأنه أحد عناصر العزف والإيقاع الموسيقي المنسجم المتناغم داخل الجوقة الموسيقية الواحدة، مهما اختلفت في تنوع مصادر إيقاعها، وفي طبقاتها الصوتية التي تعلو وتنخفض تارة، وتقوى وتضعف تارة أخرى.
    أ ـ تعريف السجع:
    ( يكون الكلام مسجوعا بتواطؤ الفواصل النثرية على حرف واحد ). وهذا أقصر التعريفات التي تطالعنا في بعض كتب ضياء الدين بن الأثير الجزري ك( المثل السائر)، ج1/ ص333، و( الجامع الكبير)، ص 251. وابن الأثير أحد وجوه النقد والكتابة العربية في العصر الأيوبي، توفي سنة 637 هجرية.
    والمراد بالتواطؤ هنا: التتابع المنتظم للسجعات من غير نقص وتقطع أو إخلال ونبو، ومن غير تغيير لحركاتها وسكناتها، كما في قوافي الشعر المتحدة الصافية عندما تخلو من عيوب القوافي البشعة المرذولة كالإيطاء والتضمين وغير ذلك، مما هو مقرر وثابت بالشواهد والأمثلة في كتب العروض والتقفية.
    فنظام السجع في النثر إذن، له صلة كبيرة بنظام القوافي الشعرية، كما سنوضح لاحقا، عند حديثنا عن ضرورات السجع ومحظوراته التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها في الشعر.
    وقد دافع ابن الأثير عن السجع دفاعا مستميتا، وانحاز إليه كثيرا في كتاباته النثرية الإنشائية التي ملأ بها كتبه النقدية والبلاغية، ورسائله الديوانية والخاصة. وهذا رغم اعتراضات المعترضين الكثيرة على ظاهرة السجع؛ بسبب ما شابها من وهم وخلط، وخاصة عند من التبس عليهم الأمر، وخلطوا بين نهي الرسول الكريم لبعض صحابته عن استعمال ( السجع النوعي ) أي: ( سجع الكهان) وبين ( السجع الفني ) كمصطلح بلاغي وظاهرة فنية صرفة.
    أما سجع الكهان، فباعتباره نوعا نثريا قديما كان معروفا لدى العرب في نثرهم الجاهلي القديم. وكان مخصوصا بأهل الكهانة والعرافة ومحصورا في بيئتهم. وقد كان لخاصة الجاهليين وعامتهم، كما هو معروف، اعتقاد كبير في كلام الكهان المسجوع. وكانوا يخبرون به عن الغيبيات، تحت الطلب، ويدلسون بواسطته على الناس، فيما يشبه السحر والرموز المطلسمة.
    وقد جـُبَّ هذا النوع بالإسلام لما فيه من ضلال وشرك، وخروج عن منهج التوحيد الإسلامي.
    أما السجع الفني، فباعتباره حلية بلاغية جمالية مطلوبة، وظاهرة فنية خالصة مرغوبة، ولا يمكن أن تـُجَب أو تُحصر في زمان أو مكان.
    وأمثلة السجع التطبيقية أكثر من أن تعد أو تحصى، وهي حاضرة بقوة في القرآن الكريم، بمستويات مختلفة، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الخطب البليغة المحبرة، وفي الأمثال والأقوال المأثورة، وفي سائر النثر الإنشائي والتأليفي. بحيث إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن السجع الفني يمثل الميزة الغالبة على الأساليب النثرية الرفيعة التي أشاعتها بلاغة الخطباء والمتحدثين الفصحاء، ورسختها أقلام كبار الكتاب والمنشئين.
    ب ـ تعريف التجنيس، أو الجناس:
    ذهب النقاد والبلاغيون في تعريف التجنيس وتقسيمه مذاهب شتى، ووضع بعضهم فيه كتبا مستقلة؛ ككتاب خليل بن أيبك الصفدي المشهور( جنان الجناس )، وقد أتى فيه على ما يقارب الستين قسما.
    ومن التعاريف المختزلة للتجنيس: ( أن يكون تركيب الألفاظ في الكلام من جنس واحد ). ( المثل السائر)، ج1/ ص 142 و (الجامع الكبير)، ص 256.
    والتجنيس في عرف البلاغيين اتحاد ( شكلي) كلي أو جزئي بين لفظتين أو أكثر داخل سياق الكلام؛ إما من جهة خط الحروف، أو من جهة شكلها وحركتها، أو من جهة نقطها أو إهمالها، مع اختلاف ( نوعي) في المعنى، كما في قوله تعالى: ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)، سورة الروم، الآية: 55. فمعنى ( الساعة ) الأولى يوم القيامة الموعود، ومعنى ( الــ ساعة ) الثانية: قدر الزمن الأرضي المعلوم.
    ج ـ تعريف الموازنة:
    الموازنة في النثر غير الوزن في الشعر، وهي هنا أقرب ما تكون إلى مفهوم الميزان الصرفي الذي يدرس أصول اشتقاق الكلمات العربية، ويضبط أوزانها القياسية والسماعية عند تحويلها من صيغها المصدرية إلى صيغها الفعلية.
    فالموازنة في النثر تعني: توالي المفردات داخل الجمل والفواصل النثرية على نفس الميزان الصرفي، مما يتولد عنه تماثل في الحركات الإيقاعية وانتظام في المسافات الصوتية.
    وقد دافع ابن الأثير أيضا عن خاصية الموازنة هذه، واعتبرها أساس الاعتدال في الكلام المنثور، قال في تعريف الموازنة وشرح خصائصها: ( الموازنة أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن ، وللكلام بذلك طلاوة ورونق سببه الاعتدال، لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان). ( المثل السائر )،ج1/ ص 377.
    والذي قصده ابن الأثير من الوزن هنا: الوزن الصرفي لا الوزن العروضي.
    د ـ تعريف الازدواج:
    ويكون الكلام مزدوجا ( إذا قسم إلى فقر متساوية ومتوازية في الطول أو القصر ). ( سر الفصاحة )، ص 165. وبعبارة أخرى أوضح أن يكون عدد الكلمات في الجملة النثرية الأولى مماثلا للعدد الموجود في الجملة الثانية، أولسائر الجمل المتتالية.
    ولا ينبغي هنا أن تـَقصُر الفقرةُ أو الجملة النثرية الواحدة عن الأخرى كثيرا أو تطول عنها بقدر كبير، لكي يتحقق التناسب بصورة أكمل وأوضح، و( لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة) كما جاء في كتاب ( ثمرات الأوراق ) لابن حجة الحموي، ص 412.
    وليس هناك حد ثابت لطول الجمل النثرية، خاصة إذا تداخلت في الجملة الكبرى الرئيسية جمل صغرى ثانوية. أما حد قِصرها فثابت ومعلوم؛ فأقصر ما تكون العبارة النثرية أن تتركب من كلمتين اثنتين، ولا يمكن أن تكون أقل من ذلك.
    وكلما كانت العبارات النثرية قصيرة كلما اتضحت عناصر التناسب أكثر للسمع والبصر، وكان وقعها عليهما أكبر. وكلما طالت العبارات النثرية تبددت وحدتها وتشوهت ملامحها وضعف تأثيرها، وأشبهت الحديث اليومي العادي الذي يخلو، في الغالب، من التناسب والتنسيق إلا ما جاء عفو الخاطر.
    ومما ينبغي الإشارة إليه أن وراء هذه التحديدات الأربعة البسيطة الرئيسية تفريعات تتعدد وتختلف باختلاف النقاد والبلاغيين في الزمان والمكان؛ فكثيرا ما مزج أصحاب البلاغة والبديع الأواخر بين تعريفهم لهذه العناصر البسيطة وتقسيمهم لها تقسيما جزئيا دقيقا، على عادتهم في تكثير المصطلحات النقدية والبلاغية وتوليد بعضها من بعض.
    ونختم حديثنا بأمثلة تطبيقية من القرآن الكريم زيادة في الفهم والتوضيح، وفي هذه الأمثلة تظهر خصائص الاعتدال والانسجام بين عناصر التناسب النثرية الأساسية المشار إليها سابقا، إن بشكل جزئي أو بشكل كلي، وخاصة عند الكتاب المتفننين المحترفين:
    فمن الآيات القصيرة المتناسبة التي جاءت مبنية على كلمتين قوله تعالى: ( ياأيها المدثــر قم فأنذر وربك فكبــــر وثيابك فطهــــر..) سورة المدثر، وهي مكية.
    وتخضع سورة المدثرفي معظم آياتها لنسق الجمل والفواصل القصيرة، وكذلك الشأن بالنسبة لمعظم السور المكية.
    ونلاحظ في هذا المثال من سورة المدثر أن سجعة الراء التي لوناها بالأحمر ترد على الأذن في مسافات زمنية صوتية قصيرة جدا. وخاصية السجع القصير في الآيات المكية تتناسب مع طبيعة مضمونها وأسباب نزولها. حيث يتحقق منها إيقاع الرعب في نفوس المشركين بالتهديد بالنار، وبالوعيد بالويل والثبور.
    وهذا بخلاف السور المدنية التي يغلب على فواصلها التفريع والتطويل وتفصيل أمور العبادات والمعاملات، خاصة بعد أن اطمأن الناس بالإسلام واستأنسوا به.
    ونسق سورة المدثر القصير هذا، هو النسق السائد في الخطب الوعظية والسياسية والدينية وغيرها، وفي بعض أنواع النثر السردية، كالمقامات البديعية والحريرية المشهورة التي سندرسها بتفصيل في إدراجات لاحقة.
    وامتدت عدوى السجع إلى النثر التأليفي أيضا، وخاصة في الكتابات التاريخية المسجعة التي اشتهر بها بعض المؤرخين وعلى رأسهم عماد الدين الأصفهاني الشهور بالعماد الكاتب، توفي سنة 597 هجرية.
    وقد انتقد هذا النسق القصير من السجع بعض كتاب المغرب لصعوبته وكلفته من جهة، ولاشتباهه بالشعر من جهة ثانية. قال أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي الأندلسي في تعليل ذلك: ( وقصر الأسجاع محتقر مخل، وطولها المتفاوت مرذول ممل، فتكون وسطا، والمساواة بينهما عدل، لا كل المساواة، بحيث تخرج إلى الأوزان الشعرية). كتاب الدكتور ابن شريفة حول أبي المطرف، ص 218.
    وأبو المطرف هذا عاش في القرن الهجري السابع، وتنقل بين العدوتين المغربية والأندلسية، وكتب لبعض سلاطين الدولة الموحدية والحفصية ولبعض ولاة الأندلس وأعيانها. وكان له باع طويل في كتابة الرسائل الإخوانية خاصة. غير أنه عندما امتـُحن بعمل المقامات أفحم واعترف بعجزه عن صنع مقامة واحدة واعتذر عن ذلك، في قصة معروفة، سنعرض لها في حينها.
    أما ما جاء في القرآن الكريم من الآيات المتناسبة المبنية على ثلاث كلمات فمثل قوله تعالى:
    ( وآتيناهما الكتاب المستبيــــــن وهديناهما الصراط المستقيـــــم). سورة الصافات، 117 و 118.
    ونلاحظ في هذا المثال من سورة الصافات أن كل كلمة في الجملة الأولى لها نظير في الجملة الثانية،على مستوى الحركات والميزان الصرفي. وقد أو ضحنا ذلك من خلال طريقة التلوين؛ فآتيناهما على وزن هديناهما، والكتاب على وزن الصراط، والمستبين على وزن المستقيم.
    كما نلاحظ أن عدد الكلمات في الجملة الأولى هو نفس العدد الموجود في الجملة الثانية.
    وهكذا يكون المثال الأول من قوله تعالى في سورة المدثر، قد جاء مزدوجا مسجوعا من غير موازنة، أما المثال الثاني من قوله تعالى في سورة الصافات فقد جاء مزدوجا متوازنا من غير سجع.
    أما الآية السابقة من سورة الروم فقد جاءت مجنسة مسجوعة، من غير ازدواج أو موازنة، والجملة الثانية فيها زائدة عن الأولى بقدر كبير.

    1 comment



    مستويات التناسب بين الشعر والنثر

    كان حظ النثر العربي في اختبار أشكال التعبير الفني والبلاغي كحظ الشعر، سواء بسواء؛
    وتكاد تكون المقاييس النثرية والشعرية واحدة، وتتطابق تطابقا يكاد يكون تاما في أكثر ما يعتمده الشعراء والناثرون من جوانب الصناعات اللفظية والمعنوية.
    وقد بقيت بلاغة النثر متحدة مع بلاغة الشعر وملازمة لها لزوم الظل لصاحبه في معظم أطوارها، كما تدل على ذلك عناوين كثير من الكتب النقدية والبلاغية التي جمعت بين صناعة الشعر والنثر معا؛ ككتاب ( الصناعتين) لأبي هلال العسكري، و( قانون البلاغة في الشعر والنثر) لابن حيدر البغدادي، و( المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لضياء الدين بن الأثير، وغير ذلك من عناوين كتب النقد والبلاغة التي يضيق عنها مجال العد والحصر.
    وعلى هذا الأساس، فالنثر لا يفرقه عن الشعر غير الوزن العروضي، أما في غير ذلك فهما سيان، وحلبة السباق والتنافس بين الشعراء والكتاب واحدة.
    ولذلك لا نعجب إذا رأينا ابن الأثير يقدم لنا، في نهاية المطاف تعريفا واحدا يمزج فيه بين الشعر والنثر، يقول: ( الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير) المثل السائر،ج2/ ص 200 .
    إن السجع في النثر، كالقافية في الشعر. فهما بمثابة المغناطيس الذي تنجذب إليه كل عناصر التناسب المركزية والثانوية التي تنتشر بين أشطر الشعر ذات الامتداد العمودي ، وبين الفواصل والجمل النثرية ذات الامتداد الأفقي. فالتناسب في النثر يقاس بمدى كثافة تلك العناصر، وهي كثافة كمية في الغالب. أما كثافتها في الشعر فهي كمية ونوعية في نفس الوقت، لأنها محملة بالنغم الموسيقي ومعتدلة بالوزن العروضي. فمن المعروف أن الوزن في الشعر يضع كل كلمة في مكانها الصحيح لاعتبارات عروضية، في المقام الأول، بخلاف النثر غير المسجوع.
    ومن هنا تنبع معظم مشاكل الشعر العربي ومضايقه المختلفة. فالشاعر الناجح هو الذي يهتدي إلى إيجاد الكلمات المناسبة للعروض من جهة أولى، وللمعنى الشعري القابع في نفسه وعقله ووجدانه من جهة ثانية، وللحلى البلاغية والمعارض اللفظية المناسبة من جهة ثالثة. فكيف يتحقق له ذلك الأمر دفعة واحدة وهو يعاني ضائقة اللفظ، وضائقة المعنى، وضائقة العروض، وضائقة البلاغة، وغير ذلك.؟؟
    ولهذا السبب استصعب الناس أمر الشعر العربي وهولوه، وتعذر مسلكه الذي كثيرا ما تزل فيه أقدام المبتدئين والمتمرسين على حد سواء؛ فقلما خلا شعر الفطاحل والفحول من زلل ومن نقص أو خلل.
    ولهذا السبب أيضا أجاز أهل اللفظ وأهل المعنى وأهل العروض وأهل البلاغة للشاعر ما لا يجوز لغيره من الضرائر والعلل. بل إن كثيرا من المباحث النقدية والبلاغية واللغوية والعروضية قد وضعت أصلا لتبرير أخطاء الشعراء الكثيرة، وإيجاد مسوغاتها الضرورية.
    ترى، هل ينطبق هذا الوضع على النثر العربي القديم أيضا، وخاصة في النوع المسجوع منه؟؟.
    وما هي عناصر التناسب النثري المسؤولة عن انتظامه ؟ وكيف تنمو تلك العناصر داخل الجمل والفواصل النثرية متفرقة أو مجتمعة؟؟ وكيف تتحد مع بعضها وتتكامل، في حضور السجع أوفي غيابه؟






    مصادر النثر ونقد النثر من الأصول إلى الفروع


    - الأصـــول:
    كثير من مصادر النثر العربي هي نفسها مصادر نقد النثر، وكثير من الكتاب هم أقطاب نقد النثر أيضا، أو من المساهمين فيه بنصيب قليل أو كثير.
    وربما تفوق الكتاب على الشعراء في هذه الناحية؛ فنادرا ما اهتم الشعراء العرب بالنقد أو التنظير لشعرهم؛ فكان عليهم فقط أن يقولوا، وكان على الآخرين أن يـَحْـكـُموا وينْـتَـقـِدوا، ربما لأن الشعر يستغرق صاحبه، ويمتلك عليه حواسه، فيبقى في معظم الوقت فيما يشبه الغيبوبة، أو الجنون، أو الذهول عن نفسه وعن غيره، وعن واقعه. وتلك حالات أو نوبات قد تخرج به عن نطاق السيطرة، وتـُستبعد معها كل أشكال المراقبة الذاتية أوالمراجعة النقدية الواعية.
    وربما، لهذا السبب ( غير العقلاني )، عـُومل الشاعر العربي، في كثير من الأحيان، معاملة الطفل القاصر؛ فكان يـُتجاوزُ عن سيئات أفعاله وأقواله، وكانت تلتمس له الذرائع والتأويلات، للتقليل من شأنها وتهوين أمرها على مُستقـْبِـلِها. أما الكاتب فنادرا ما كان يقبل منه عذر أو تأويل؛ فهو إن تجاوز أو أخطأ في أدنى فعل أو قول عومل على قدر نواياه، إن لم يكن أكثر. وقد أو ضح ابن الأبار القضاعي الأندلسي كثيرا من جوانب ضائقة الكاتب الذاتية والموضوعية في كتابه الطريف: ( إعتاب الكتاب).
    ولهذا السبب، وتجاوزا لكل لوم أو عتاب، جعل الكاتب من عقله حسيبا على نفسه وعلى وجدانه، ورقيبا صارما على كل قول أو فعل يصدر عنه، قبل أن يحاسبه غيره عليه، تقديرا منه لأهمية الكتابة وخطرها في نفس الوقت.
    وقد بقي النثر العربي، في مجمله وإلى نهاية العهد الأموي ومجيء العباسيين إلى الحكم، فنا قوليا يستهدف الأسماع، ويأخذ بشغاف قلوب العرب ووجدانهم، تماما كما يفعل الشعر بهم عندما يجعلهم يترنحون على إيقاعه، ويتيهون في أودية معانيه من خلال الإنشاد، أو الترنم، أوالإرزام، أو الغناء.
    ولكن هذه الوضعية ستتغير مع ظهور فطاحل الكتاب والمترسلين في العصر العباسي، لتغدو الكتابة النثرية في عمومها موجهة للقراءة بامتياز، وليأخذ الكتاب، هذه المرة، كامل أهبتهم لتعلم مهارات جديدة، كما نتعلم نحن، اليوم، مهارات الكتابة الرقمية، ومهارات البرمجة، وعرض وتنسيق الصفحات على شاشة الحاسوب.
    وأكيد أن تلك مهارات تختلف تماما عن مهارات التلفظ السليم، ومهارات الإنشاد والإلقاء المنغم التي اختص بها فنا الشعر والخطابة قديما.وقد كان وضع الكتاب بالأمس البعيد مع الأقلام وأدوات الكتابة كوضعنا نحن، اليوم، مع الحاسوب ومتطلباته. إذ كان عليهم أن يجودوا وضع الخطوط وتنسيقها في مستوياتها المستقيمة والمنحنية والمتعرجة، وفي زخارفها وألوانها ونقوشها؛ فالأوضاع الخطية لدى الكتابة تتطلب الإعداد المناسب للأقلام والحبر والقرطاس، وغير ذلك من الأدوات المساعدة مما هو مبين بتفصيل ممل في كتب نقد النثر العملي، كما سنوضح فيما بعد.
    وقد كان ظهور عبد الحميد الكاتب، كما هو معروف، بداية عهد جديد في تاريخ النثر العربي، حتى قيل في حقه: (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد).كما كان في نفس الوقت أهم علامة مبكرة مضيئة في فهم أصول عمل الكتابة ممارسة وتنظيرا.
    وقد استطاع عبد الحميد الكاتب سواء من خلال ممارسته وخبرته بفن الإنشاء وكتابة الرسائل، أو من خلال إشرافه وتوجيهه لتلامذته في هذا المجال، أن يضع قاطرة نقد النثر على سكته الصحيحة بعيدا عن سلطة نقد الشعر.
    ويمكن أن نعتبر وصيته المشهورة إلى الكتاب التي تناقلتها كثير من مصادر النثر اللبنة الأولى في مشروع نقد النثر العربي هذا. ( انظرها مثلا في كتاب: رسائل البلغاء لمحمد كرد علي).
    والمهم لدينا أن الكتابة أصبحت بعد عبد الحميد الكاتب عملا تخصصيا يزاوله مجموعة من الكتاب داخل مؤسسة متخصصة سميت ب( ديوان الإنشاء).
    وكان هذا الديوان قد أُحدث في نظام الخلافة الإسلامية، بعد أن اتسعت حدودها، وكثر خراجها، وتنوعت وتعقدت صلاتها الداخلية والخارجية بأعوانها ومؤيديها، وبخصومها ومعارضيها في الداخل والخارج، مما يحتاج معه الأمرُ إلى ضبط وتنظيم جميع المراسلات الصادرة والواردة، في كل شأن صغير أوكبير يهم مصلحة الدولة وهيبتها.
    وكان ديوان الإنشاء صلة وصل فعالة منظمة ومقننة بين الحكام المسلمين وبين المحكومين على مستوى القاعدة، وبين سلطة الدولة الحاكمة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والمالية والعسكرية، بكافة موظفيها على مستوى القمة.
    وقد كان من مهام الكتاب الأساسية أن ينهضوا بمهمة التعبير الفعال عن إرادة الدولة ورغبتها ويحافظوا على هيبتها ونظمها وشعاراتها ومبادئها في السياسة والحكم، وأن يستجيبوا لحاجاتها المختلفة في مختلف الأحوال والأوضاع باقتدار ومسؤولية، ووفق آداب وقواعد مضبوطة. وقد أسهبت في عرضها وتفصيلها معظم الرسائل والكتب والموسوعات التي اختصت بصناعة الإنشاء، وعلى رأسها كتاب (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) لأبي العباس أحمد القلقشندي. وتلك الآداب والقواعد المقررة بشكل صارم، في كثير من الأحيان، تختلف من دولة إلى دولة، ومن مذهب إلى مذهب، ومن عصر إلى عصر.
    وهذا الديوان، على اختلاف مهام الكتاب فيه، وعلى تفاوت مستوياتهم وطبقاتهم وتخصصاتهم في فن كتابة الرسائل كان أشبه ما يكون بدولة صغيرة داخل دولة كبيرة؛ فلهذا الديوان رئيس مشرف مسؤول عن كل رسالة صادرة أو واردة، وبين يديه، وتحت عهدته عدد لا يحصى من الكتاب الكبار المتمرسين والكتاب المراجعين، والكتاب الصغار الناشئين المتدربين. ولم يمض غير زمن قصير على وفاة عبد الحميد الكاتب، حتى استكمل النثر العربي أدواته، وتعقدت صنعته، واغتنى بتجارب جديدة في التفكير والتعبير والتحبير حتى وصل خلال القرن الهجري الرابع مع ابن العميد وأضرابه درجة عالية من الفخامة والتأنق.
    ثم واصل الكتاب، في كل العصور التالية نهج الكتابة الذي رُسمت ملامحه الكبرى خلال قرنين فقط، وموقعهما المميز هذا يوجد بين القرن الثاني والرابع الهجريين. فمن الكتاب اللاحقين من برز وتقدم، ومنهم من قصر وتأخر، إلى أن تصل بنا عجلة التطور الزمني إلى عصر النهضة وبداية تشكل الأدب العربي الحديث، في أنواعه ومضامينه، وفي قضاياه الجديدة التي تتوزع بين اتباع وإبداع، وبين شرق وغرب.
    وكل ذلك سنعرض له تباعا من خلال ما اخترناه لكم من نصوص، ومن قضايا نقدية نظرية وتطبيقية وتعريفية واصطلاحية خاصة ببلاغة النثر العربي القديم، وبمضامينه وأساليبه، وبأجناسه وأنواعه.



    يتبع........................

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: عناصر بلاغة الكتابة النثرية \ مرجع

    مُساهمة  Admin في الخميس يناير 14, 2010 7:34 am

    خاصية الوحدة والانسجام في النثر العربي القديم


    من مميزات النثر الغزارة والتشتت والتنوع، ومن طبيعته التحول السريع، استجابة لمختلف التقلبات والمستجدات. ومع ذلك بقي النثر العربي القديم منسجما مع نفسه، محافظا على توازنه وسمته، يمتد بعضه في بعض، ويؤدي بعضه إلى بعض في سلاسة وطواعية؛ إن على مستوى وحدة الموضوعات، وإن على مستوى وحدة الأنواع ووحدة الأنساق التعبيرية والجمالية.
    لذلك يستطيع المرء أن يقرأ هذا النثر في جميع أزمنته وأمكنته العربية والإسلامية، ويتنقل بينها في يسر وسهولة دونما اعتبار للحواجز الجغرافية أو السياسية، ودون أن يلحظ أدنى نشاز أو اختلال يمكن أن يذهب بعناصر وحدته وانسجامه.

    فهو بهذا الاعتبار نثر واحد يتنوع ويتعدد ولكنه لا يمكن أن يتجزأ؛ والدليل على ذلك أن كثيرا من الكتاب خدموا بقلمهم أكثر من دولة، في أكثر من جهة مشرقية أو مغربية على حد سواء، كما كان بوسع كثير من الكتاب أن يكتبوا في أكثر من مجال من مجالات المعرفة، وأن يجمعوا بين العلوم الشرعية وبين العلوم الوضعية، وبين التنظير والتطبيق، دون أن يختل نسقهم التعبيري، ثم أن يكونوا فضلا عن ذلك كله شعراء.
    ومن هنا فأنا أعتبر، في حدود تجربتي المتواضعة، أن كل منتج قولي عربي منثور يمكن أن يكون صالحا للدراسة والمقاربة التحليلية والتنظيرية والنقدية إذا ما توفرت فيه شروط الانتساب الجوهرية إلى حقل النثر العربي القديم، وهذا بغض النظر عن زمانه أو مكانه أو صاحبه. وعلى هذا يمكن اعتبار نثر أمير الشعراء أحمد شوقي مثلا امتدادا للنثر القديم رغم تأخر زمنه، لحيازته شروط الانتساب، وتوفره على روابط الامتداد التي تصله بالنثر العربي القديم.

    ولعل العلامة الكبرى البارزة في تغير بنية النمط النثري العربي، لم تظهر إلا بدخول هذا النثر عهد الصحافة والإعلام، وانخراط كثير من الكتاب والأدباء والمؤلفين في العمل الصحافي، أو تأثرهم، في القرب والبعد، بلغة الصحافة والإعلام.
    وعليه، فقد أصبح هدف خطتنا المتواضعة في دراسة قضايا النثر العربي القديم، رصدَ أهم معايير تلك الوحدة والانسجام التي حفظت للنثر العربي تماثله وتماسكه عبر قرون طويلة.
    ويأتي على رأسها معيار التناسب؛ وهذا المعيار هو الظاهرة الأساسية التي حفظت للنثر العربي انتظامه وتماسكه، ووحدته وقوته. وعلى أساسها كان يقع التفاضل بين الكتاب. لذلك كان من الضروري التركيز عليها هذه الدراسة.
    وأقصد بمعيار التناسب هنا، كل مقومات التناظر الأفقية المتحققة في بنية النثر الداخلية والخارجية اللفظية والمعنوية، أو بمعنى أوضح كل ما يمكن أن يلحظه الطالب أو الدارس الباحث من تناسب وتجاوب بين جملتين نثريتين أو أكثر، وفي أصغر وأقصر نص نثري عربي ممكن كالمثل أو التوقيع أو العلامة أو العنوان، وغير ذلك مما يمكن الاشتغال عليه في دقائق معدودة إلى أكبر وأطول نص نثري ممكن، كالسير التاريخية والسرود الشعبية والموسوعات النثرية الكبرى مما يمكن أن يمتد البحث فيها عبر سنوات، وتتضافر عليه عدة مجهودات.

    وإن مستويات التناسب في الأساليب النثرية القديمة كثيرة ومتعددة. ولكن مبدأ الانتظام فيها كان دائما حاضرا بقوة، على خلاف ما عليه الوضع الآن، في غالب الأساليب النثرية والإنشائية الحديثة.

    ودرجات الانتظام في التعبير النثري القديم تعلو وترتفع بمقدار حضور معيار التناسب هذا. وقد يصل هذا التناسب وهذا الانتظام حدوده القصوى في النثر المسجوع مثلا الذي يمكن أن نعتبره بوجه من الوجوه شعر العرب الثاني.

    ولكن، عندما ظهرت الكتابة الصحفية في زمن عصر النهضة، التبس هذا الأمر على الناس، وبدأ النثر يتخفف تدريجيا من بنية التناسب تلك، حتى صار أشبه ما يكون بالحديث اليومي المبتذل، وكادت صلة الناس اليوم بخصائص النثر القديم المتناسب المعتدل المتوازن أن تنقطع، إلا عند قلة من المتخصصين أو المنقطعين إلى النثر العربي في سمته القديم الأصيل.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:52 pm