لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    قصيدة (المساء) لخليل مطران، قراءة في شعرية النّص الرومانسي د.خليل الموسى.

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    قصيدة (المساء) لخليل مطران، قراءة في شعرية النّص الرومانسي د.خليل الموسى.

    مُساهمة  Admin في الخميس يناير 14, 2010 3:00 am


    قصيدة "المساء" لخليل مطران


    1-داءٌ أَلَمَّ فخِلْتُ فيه شفائـي من صَبْوتي فتضاعفَتْ بُرَحَائي( )
    2-يا للضَّعيفين! استبدّا بي ومـا في الظُّلمِ مثلُ تحكُّمِ الضّعفاءِ( )
    3-قلبٌ أذابتْهُ الصَّبَابةُ والجَـوَى وغِلالةٌ رثَّتْ منَ الأدواءِ( )
    4-والروحُ بينَهما نسيمُ تَنَهُّـدٍ في حالَيِ التَّصْويبِ والصعداءِ( )
    5-والعقل كالمصباحِ يغشى نورَهُ كَدَرِي ويُضْعِفُهُ نَضُوبُ دمائي( )
    ***
    6-هــذا الذي أبْقَيْتِهِ يامُنْيـتي من أضْلُعي وحُشَاشَتِي وذَكـائي
    7-عمرينِ فيكِ أضعْتُ لو أنصفْتِني لم يَجْدُرَا بتأسُّفي وبكـائي
    8-عمرَ الفتى الفاني وعمرَ مخلَّـدٍ ببيانِهِ لولاكِ في الأحــياءِ
    9-فَغَدَوْتُ لم أنْعَمْ كذي جهلٍ ولم أغْنَمْ كذي عقلٍ ضمانَ بقـاءِ
    ***
    10-ياكوكباً من يهتدي بضيائِـهِ يهديهِ طالعُ ضِلَّةٍ ورِيَـاءِ
    11-يامورداً يسقي الورودَ سرابُـهُ ظمأً إلى أن يهلِكُوا بِظَـمَاءِ
    12-يازهرةً تُحْيي رواعيَ حُسْنِهَا وتُميتُ ناشِقَها بلا إِرْعَـاءِ( )
    13-هـذا عتابُكَ غيرَ أني مخطـئٌ أيُرَامُ سَعْدٌ في هوى حسـناءِ؟
    14-حاشاكِ،بل كُتِبَ الشَّقاءُ على الورى والحبُّ لم يبرحْ أحبَّ شقــاءِ
    15-نعم الضلالةُ حيث تؤنسُ مقلتي أنوارُ تلك الطلعةِ الزهــراءِ
    16-نعمَ الشّفاءُ إذا رويتُ برشفةٍ مكذوبةٍ من وهمِ ذاك المــاءِ
    17-نعمَ الحـياةُ إذا قضيتُ بنشقةٍ من طيب تلك الروضةِ الغنّــاءِ
    ***
    18-إنّي أقمتُ على التَّعِلَّةِ بالمـنى في غربةٍ قالوا: تكونُ دوائــي( )
    19-إن يشفِ هذا الجسم طيب هوائهـا أَيُلطِّفُ النيرانَ طيبُ هــواءِ؟
    20-أو يُمْسِكِ الحوباءَ حسنُ مقامِهـا هل مسكةٌ في البُعْدِ للحــوباءِ؟
    21-عَبَثٌ طوافي في البلادِ وعِلَّــةٌ في عِلَّةٍ منفـايَ لاسْتِشْـفَاءِ
    22-مُتَفَرِّدٌ بصــبابتي، متفــرِّدٌ بكآبــتي، متفرِّدٌ بعنــائي
    23-شاكٍ إلى البحرِ اضطراب خواطري فيُجيبُني بريـاحِهِ الهوجـاءِ
    24-ثاوٍ على صخرٍ أصمَّ وليتَ لي قلباً كهذي الصخرةِ الصَّـمَّاءِ
    25-يَنْتَابُها موجٌ كموج مكارِهـي ويَفُتُّهَا كالسُّقْمِ في أعضـائي
    26-والبحرُ خفَّاقُ الجوانبِ ضائقٌ كمداً كصدري ساعةَ الإمساءِ( )
    27-تغشى البريّةَ كدْرَةٌ وكأنَّهـا صَعِدَتْ إلى عَيْنيَّ من أحشــائي
    28-والأفقُ مُعْتَكِرٌ قريـحٌ جَفْنُهُ يُغضي على الغَمَراتِ والأقذاءِ( )
    ***
    29-يا للغُرُوبِ ومابهِ من عِبْرةٍ للمُسْتَهَـامِ! وعِبْرَةٍ للرّائـي!!
    30-أوليسَ نزْعاً للنَّهار وصَرْعةً للشَّمسِ بينَ مـآتمِ الأضـواءِ؟
    31-أوليسَ طمساً لليقينِ ومبعـثاً للشَّكِّ بينَ غـلائلِ الظَّلْمَـاءِ؟
    32-أوليسَ محواً للوجودِ إلى مـدىً وإبـادةً لمعـالم الأشيـــاءِ؟
    33-حتى يكونَ النّورُ تجديداً لـها ويكونَ شِبْهَ البعثِ عَوْدُ ذُكاءِ( )
    ***
    34-ولقد ذكرتُكِ والنَّهارُ مـودِّعٌ والقلبُ بينَ مَهَـابَةٍ ورجــاءِ
    35-وخواطري تبدو تُجاهَ نواظري كَلْمَى كداميةِ السّـحاب إزائـي
    36-والدمعُ من جفني يسيلُ مُشَعْشِعاً بسَنَى الشّعـاعِ الغاربِ المترائـي
    37-والشمسُ في شفقٍ يسيلُ نُضَارُهُ فَوقَ العقيقِ على ذُرىً ســوداءِ
    38-مرَّتْ خـلالَ غمامتينِ تحدُّراً وتقطَّـرَتْ كالدمعـةِ الحمـراءِ
    39-فكأنّ آخـرَ دمعةٍ للكونِ قد مُزِجَتْ بآخـرِ أدْمُعِـي لرثائـي
    40-وكأنّني آنستُ يوميَ زائـلاً فرأيتُ في المـرآةِ كيف مسائـي

    ( ) الصبوة: شدّة الشوق والحبّ. البرحاء: اشتداد المرض.
    (2) الضعيفان: القلب والجسم.
    (3) الصبابة: الحبّ الشديد. الغلالة: الثوب الرقيق، والمراد: الجسم.
    (4) التصويب: الانخفاض والهبوط.
    (5) الكدر: مايخالط النفس من حزن.
    (6) الرواعي: العيون التي ترعى. بلا إرعاء: بلا إبقاء عليه.
    (7) التعلة: التلهي والتسلّي.
    (Cool الإمساء: الدخول في المساء.
    (9) قريح: جريح. الغمرات: الشدائد. الأقذاء: الأوساخ.
    (10) ذكاء: الشمس.

    قراءة في شعرية النّص الرومانسي (قصيدة "المساء" لخليل مطران)
    د.خليل الموسى
    دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

    يحقّ للمرء أن يتساءل: لماذا هذه القراءة الآن لنصّ شهير قيل فيه كثير، وسُوّدت فيه صفحات وصفحات، ومضى على زمن كتابته حوالي قرن (1902م)، وقد تناوله بعض الدارسين في غير مكان؟ فهل مثل هذا النص لايزال قابلاً للقراءة؟ وما النتائج التي يأمل القارئ الجديد أن يتوصّل إليها من خلال تفكيك هذا النص وإعادة تركيبه؟..
    إنّ النّص الثري أولاً قابل لتعدّد القراءات واختلاف التأويل، بل هو يتجدّد في القراءة والاختلاف، وهو كالذهب الذي لايؤثر فيه أن يكون مطموراً تحت التراب، ثمّ إن الآراء التي قيلت في هذا النص أو ذاك لم تكن -غالباً- نتيجة لقراءة كليّة، ولذلك فإنها أقرب إلى الانطباعية منها إلى الآراء الموضوعية المستندة إلى منهج علمي رصين، ثمّ إنّ البلية التي أصابت نصوصنا في أن التنظير هيمن وطغى على الدراسات والتطبيق، حتى إنّ كثيراً من الدراسات المعاصرة التي يدعّي أصحابها فيها أنهم يميلون إلى التطبيق تتوقف في منتصف الطريق أو في ربعه لاهثة لتتكئ على رأي هنا ورأي هناك، وتسير مع هذه الآراء، حتى إن كان في وجهة مختلفة عن وجهة سيرها الأولى، تاركة النص وحده على قارعة الطريق. أما حالة النص في الدراسات النظرية فهي أسوأ وأمرّ، فلا ينطلق فيها الدارس من لغة النص ولا من لغة اللغة، وإنما هو يستدعي النصوص لتكون شاهداً على نظرية قرأها الدارس هنا أو هناك، فيأتي النص مصدّقاً وشاهداً على قضية لاناقة له فيها ولاجمل، ناهيك عن أنّ الدارس لايستشهد بالنص كاملاً، وإنما يجتزئ منه بيتاً أو بيتين أو مقطعاً ليكون شاهداً مناسباً على الموضوع أو النظرية أو الموقف المطروح، أو سوى ذلك.
    ولذلك فإنّ لإعادة قراءة هذا النص مسوّغات، أولها أننا كنّا نستهلك النص ولا نُعيد إنتاجه، ونحن اليوم في عصر القراءة التأويلية نكمل بنية النص بالقراءة ونُغنيها، ونُعيد إنتاجها، وثانيها أن الدارس التقليدي كان قريباً من النظرية بعيداً عن النص، وكان التنظير في معظمه نقلاً عن إنتاج الآخر، فتراجعت القراءات التطبيقية، وظلّ النّص بعيداً عن الملامسة والمجاسدة، والاقتراب من النص، وملامسته، ومجاسدته، والولوج إلى أعماق بنيته عمل مختلف كلّ الاختلاف عما سبقه، وثالثها أن بعض الدراسين في بعض الدراسات التي يدّعون فيها أنها حداثية ومعاصرة سقطوا -بسبب شهوة التنظير والسرعة والنجومية واللامبالاة بالنّص وبالقارئ معاً- في بؤرة الأحكام السريعة على مذهب "خالف تعرف"، ومن ذلك الآراء المستعجلة التي قرّرها الشاعر أدونيس تقريراً لايستند إلى أيّ حجّة أو برهان، فاتهم القصيدة التي نحن بصدد دراستها بالتكلّف في بعض القوافي ومتابعة البيان العربي والنثرية والانفعال لا الفعل "2"، ولذلك كلّه جاءت هذه القراءة لنص يتفق الدارسون، بعد دراسة الدكتور أدهم له "3"، على أنه محطة سابقة للتاريخ الذي اتفق عليه دارسونا على ولادة الرومانسية العربية بما يزيد على ثلاثين عاماً، ولذلك كلّه فإنه نصّ جدير بالقراءة وإعادة الإنتاج.
    والقراءة النّصّية التأويلية قراءة معرفة بالنص وإعادة إنتاج لهذه المعرفة، فالنص رسالة تستغوينا قبل التهيؤ لملامستها، وهي رسالة بين النّاصّ/ الباثّ والمتلقي/ القارئ، وهذه الرسالة محصّنة بالدلالة السطحية التي تخفي تحتها الدلالة الضمنية، كما هي محصّنة بالرمز والعلامات، وبخاصة في النص الغنائي الوجداني، فمن الصعوبة بمكان القبض على المفاتيح كافة، والرسالة هنا تبثّ إحساسات، وقليلاً ماتحكي أو تسرد أو تخبر كما هي الحالة في النص القصصي أو الدرامي، ولذلك فإن على القارئ أن يتسلّح في المقاربة اللغوية بأسلحة وأدوات مختلفة عن تلك التي يستخدمها القارئ في مقاربته لنص من جنس آخر، فإذا لم يفعل ذلك فإن حالته لن تكون أفضل من حالة راكب جواد امرئ القيس:
    يُطيرُ الغلامَ الخفَّ عن صهواتِهِ ويُلوي بأثوابِ العنيفِ المثقل "4"

    ننتقل في قراءتنا للنص به من كائن لغوي إلى كائن شخصي حيّ، كائن يتقطر غواية وأنوثة، ولكنّه محصّن بالممانعة، ولذلك علينا أن نمتلك في توجهنا إليه وسيلة الغواية للغوص في مكنوناته ودهاليزه وعتمته، ولملامسة مستوياته وطبقاته الدلالية، وفي قراءتنا هدف، وهو تفكيك الدال واستنطاق دلالاته وعلاقاته الشبكية، ويتمّ بذلك التفاعل والمجاسدة بين النص والقارئ من خلال إنتاج جديد يؤكّد شعريته.
    ويستوقفنا في العنوان مصطلحا الشعرية والرومانسية:
    الشعرية "POITICITة" علم موضوعه الشعر، أو هي: "كلّ نظرية متصلة بالأدب" "5"، وهي "نظام نظري" "6"، وإذا كانت الشعرية علماً فإنها تستقي قوانينها من الأعمال الخالدة، كما فعل أرسطو في "فنّ الشعر" أكثر مما تستقي قوانينها من الأعمال العادية، "ويكون موضوع الشعرية مفضّلاً بالأعمال المضمرة أكثر منها في الأعمال الواقعية" "7".
    ولكنّ مصطلح الشعرية نسبي، وهو ذو عمر طويل بالقياس إلى سواه من المصطلحات، ولذلك فإن دلالته متغيّرة بين عصر وآخر، ومكان وآخر، وناقد وآخر، ويستدعي هذا التغيير أحياناً أن تكون دلالته على طرفي نقيض، فالشعرية قواعد تستنبط من الشعر نفسه، ومفهوم الشعر متبدّل في موضوعاته وحجمه وشكله وأجناسه عند الأمم بتغيّر الظروف والمعطيات المختلفة، فالشعرية عند أرسطو محاكاة، وتنحصر المحاكاة في أجناس شعرية ثلاثة عنده: المأساة- الملهاة- الملحمة، وهي تتلخّص في الشعر الموضوعي، ولذلك ذهب أرسطو إلى أن الشاعر "ينبغي أن يكون أولاً صانع القصص قبل أن يكون صانع الأوزان، لأنه يكون شاعراً بسبب مايحدثه في المحاكاة، وهو إنما يحاكي الأفعال" "8"، ولذلك فإنّ أرسطو لايُقيم وزناً للشعر الغنائي في شعريته، وذلك لأن عصره هو عصر الشعر الموضوعي بامتياز.
    لكنّ مصطلح الشعرية تحوّل تحوّلاً جذرياً في المذهب الرومانسي، فاستُبدلت الشعبية بالنبل، والذاتية بالموضوعية، والداخل بالخارج، والشعر الغنائي بالشعر الموضوعي، فاتجه الشعر إلى مخاطبة القلب، وغدت لغته لغة العاطفة والوجدان، وصار تعبيراً بعد أن كان محاكاة.
    والرومانسية "ROMANTISME" مذهب أدبي تجديدي في جميع الفنون، ثار على المذهب الكلاسيكي المتشبث بالأدب الإغريقي وقواعده، وهي تدفع الإنسان نحو الطبيعة وإيثار الحسّ والعاطفة، وتفضّلهما على العقل والمنطق، وقد أولت الذات الفردية مزيداً من الاهتمام، وذهبت إلى أن الشعر إلهام، والشاعر عبقري الخيال والأحلام والحبّ، واهتم الرومانسيون بالشعر الغنائي أكثر من اهتمامهم بالشعر الموضوعي "9".
    2ً- في قراءة النّص:
    أ-المحور الأفقي:
    1-المستوى الإيقاعي: علينا أن نشير أولاً إلى أن النّص الذي نحن بصدده قد اتخذ من البحر الكامل هيكلاً إيقاعيّاً له، وهذا الهيكل صالح، قبل أن تدخل القصيدة في التشكيل والنسج والتلوّن بالتجربة الشعرية، لأن يكون ذا موضوعات مختلفة ودلالات مختلفة؛ فهو كاللوحة بلا لون، واللفظ في المعجم، يحتاج إلى تجربة جديدة ليحيا بها من خلال السياق الذي يمنح هذا الهيكل دماً جديداً وجسداً جديداً، وهنا جاء صوت الشاعر مطران، لينفخ في هذا البحر حياة جديدة، ولينشد من خلاله تجربته التي عاناها.
    ودور الإيقاع في التكرار المتساوق المطّرد الذي تقدّمه تفعيلات البحر الكامل بين بيت وآخر كدور النبض في الجسد الحيّ، فالشاعر -هنا- يتّكئ على القافية من خلال حرف الروي وحركته ليندفع إلى البيت الذي يليه، كالنبض في القلب الحيّ الذي يتكئ على استمرار تدفق الدماء في الشرايين، وكالموجة التي تتكئ على سابقتها لتندفع من جديد، وتُعيد التجربة التي كانت، فالحضور يخفي تحت طيّاته وفي ثناياه غياباً، والغياب يتجلّى في الحضور، والسابق في اللاحق، ويتضمّن اللاّحق في جسديته وتجسيده السابق، وإذا كان الماضي في الحاضر، وكان الحاضر في الماضي، فهذا دليل أوّليّ على أن الشكل الذي تتَبنْيَنُ (STRUCTURALITة) فيه القصيدة عضوي، فالتجربة الصاهرة تتجلّى في لحظات القول، كما تتجلّى في لحظات الصمت في إيقاعية التفعيلات وتكرارها وفي لحظات الصمت القائمة في أمكنة الفراغات التي تفصل بين بيت وبيت أو بين شطرة وأخرى في البيت الواحد، وليست لحظة الصمت سوى لحظة يستقرّ فيها النغم الإيقاعي لحظة، لينهض من جديد في حركته، ويواصل التجربة الواحدة في رؤاها ونسيجها إلى لحظة الاستقرار الأخير والتبليغ. وهكذا يكون ارتباط التفعيلة بالتفعيلة، والبيت بالبيت، والمقطع بالمقطع، وليس هذا الارتباط تشكيلاً صوتيّاً وحسب، وإنما هو ذو صلة بالدلالات التي تظهر في البنية السطحية والدلالات التي تخفيها تلك البنية أوتستبطنها، فالإيقاع الراكد يخلق الركود في النفس الإنسانية، ويشكّل الإيقاع السريع الحركات الانفعالية ويدفعها إلى التوتر، سواء أكانت حزينة أو راقصة، ثم إن التساوق في التفعيلات المتكررة في البيت الواحد يؤدي إلى التقارب بين الدلالات، وهو يقدّم، بشكل أو بآخر، دلالة رتيبة تعمق التجربة التي عاناها الشاعر، ولكن ليست هذه التفعيلات المتكررة الرتيبة سوى البنية السطحية التي تتجلّى لنا من خلال الأبيات بتراتبها وتساوقها وتماثلها، وهي تخفي في إيقاعيتها المستبطنة توتّراً نفسيّاً حادّاً تشير إليه لحظات الصمت من جهة والبؤر التركيبية الدالّة من جهة أخرى.
    وثمة قيمة تعبيرية للصوت، ولانقصد بذلك قصدية اللغة كما عند الإغريق واللاتين وابن جنّي في "الخصائص"، وإنما نرمي إلى أنّ تراكم أصوات معيّنة أكثر من غيرها في البيت أو المقطع أو القصيدة يُشيع في النص مناخاً محدّداً، فتشابه البنية الصوتية يمثّل بنية نفسية موازية ومنسجمة ومتشابهة تستهدف تبليغ الرسالة بوساطة التكرار من خلال الترديد المتصل (الجمل المتشابهة المتقاربة مكانيّاً) أو المنفصل، وإذا توقفنا عند بعض العبارات الإيقاعية في هذا النص وجدنا أن التماثل الإيقاعي المتصل يهيمن على كثير من جمله الموسيقية، ومن أمثلة ذلك:
    لم أنعم كذي جهل/ لم أغنم كذي عقل.
    لاينبغي أن يُفهم هذا التشاكل التركيبي النحوي الذي يُنتج الإيقاع على أنه صناعة وحسب ولكنّه صناعة هادفة إلى تبليغ الرسالة بوساطة تعادل التراكيب النحوية أو إعادتها من خلال ألفاظ ذات إيقاعات متساوية تماماً، وقد نجد تماثلاً صوتيّاً متقارباً بين الأشطر المتجاورة في مثل قوله:
    1-ياكوكباً من يهتدي بضيائه /يامورداً يسقي الورودَ سرابُهُ/ يازهرةً تُحيي رواعي حسنها.
    2-نعمَ الضلالة حيث تؤنس مقلتي/ نعم الشّفاء إذا رويت برشفة/ نعم الحياة إذا قضيتُ بنشقة.
    3-متفرّدٌ بصبابتي/ متفرِّد بكآبتي/ متفرِّدٌ بعنائي.
    4-شاكٍ إلى البحر/ ثاوٍ على صخر.
    5-أوليسَ نزعاً للنهار/ أوليس طمساً لليقين/ أوليس محواً للوجود.
    إنّ الشاعر حرص على المساواة والتوازن في التعامل الإيقاعي بين الوحدات المجاورة، فكان ترديده متّصلاً، وإذا كان الترديد هنا شبيهاً بالتكرار، وهو سمة من أهمّ سمات الشعرية، فإنّ الشاعر لايقول، وإنما هناك بؤر لفظية أو تركيبية أو بنى مقطعية "STRUCTURES SYLLABIQUES" هي التي تقول، وهي التي تتمركز في واجهة النص وخلفيته، فتحدث المباطنة "INTةRIORISATION"، وتتواشج اللغة في اللغة من خلال إيلاج البيت بالبيت، والمقطع بالمقطع وتواشجهما، إلى أن يتماهيا تماهياً جسدياً، فيكون هذا التماثل والتماهي الصوتي المتصل نتيجة من نتائج تماثل الدلالات المتصلة في البيت أو المقطع وتواشجها، أو كما يقول جان كوهن: "تبقى المماثلة الوزنية والمماثلة الإيقاعية دليلين طبيعيين للمماثلة المعنوية" "10".
    والقافية في هذا النص مكوّنة من متحرّك فساكن ومتحرّك فساكن، وقبل حركة حرف الروي ألف مدّ، يمتدّ من خلالها الصوت، ليقع بعدها من خلال حركة الروي (الهمزة المكسورة الممدود ماقبلها)، لتشير إلى السقوط إلى أسفل مع كلّ بيت، وكأنّ هذه الأبيات في حركتها الانكسارية المتكررة شبيهة بالحركة التي تشكّلها الأمواج، تنهض لتسقط، وهكذا، وكأنها تشير أيضاً إلى أنّ كلّ شيء في الحياة لابدّ من أن يصل إلى القرار والسقوط والنهاية، وهذا ما تقابله تجربة الشاعر مع حبيبته، وهي تجربة متصلة بحياة الشاعر كما تتحدّث الأبيات، فهي التي تسبّب له الأحزان، وهذه الأحزان المتراكمة تتغلّب على جسد الشاعر الضعيف، وتتكرّر الهاوية والحفرة عند كلّ رويّ في الأبيات الأربعين التي يتشكّل منها النص، ولكنّ الهاوية التي تصل إليها تجربة الشاعر ممثّلة بهذه الإيقاعية الرمزية، وهي بعيدة عن السرعة والعنف، وكأن النفس التي تتألم تحتضر على نار خفيفة، وتوترها العنيف استسلامي، فالنفس سجينة تختنق شيئاً فشيئاً إلى أن تصل إلى النهاية، وهذا مايثبت أن التشكيل الإيقاعي في هذا النص هو تشكيل نفسي قبل أن يكون تشكيلاً صوتيّاً، أو كما يقول جان كوهن في علاقة القافية بالمعنى: "الحقيقة أنّ القافية ليست أداة، وليست وسيلة متعلّقة بشيء آخر، ولكنها عامل مستقلّ، أوصورة تضاف إلى غيرها، وهي مثل هذه الصور الأخيرة لاتبدد وظيفتها الحقيقية إلاّ إذا وُضعت في علاقة مع المعنى" "11".
    2-المستوى المعجمي: تحتاج معرفة الخطاب الشعري إلى القبض على دلالته ورصد شبكة العلاقات المتداخلة التي تكوّن جمالياته، وتُخفيها عن القارئ، فالدلالة في النص تبين وتخفى سريعاً، إنه يؤمئ ويوحي وينتشر ويلمع، ولكنّه لايشير، وهذه الحركية بين الخفاء والتجلّي، وبين التجلّي والخفاء، سمة من سمات النّص المفتوح الثري، وهي التي تفعل فعلها في ذهنية القارئ، وتدفعه إلى المقاربة والمجاسدة والإنتاج، وهي فاعلية إحضار الغائب واستنطاق المسكوت عنه، و "لتحقّق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالتها مفقودة في وعي القارئ، ثم يعثر عليها في الوقت نفسه" "12"، ويأتي -هنا- دور المعجم الفنّي ليسهم في استنطاق الدال الذي يسبح في فضاء شاسع، ويخلق فضاءاته الموحية، ولهذا لابدّ من اللجوء إلى التزامني "SYNCHRONIE" لإيقاف هذا الجامح الراكض كجواد امرئ القيس الأسطوري في كلّ اتجاه، للكشف عنه في أنساقه وحقوله الدلالية التي تشعّ منها وتنطلق وتتكسّر الدلالات اللاّنهائية، وتتشظّى في الآفاق والأبعاد والمستويات.
    وإذا كانت الألفاظ علامات فإنّ القارئ ينفذ إلى الخطاب الشعري عبر مناطقه الرخوة التي تشكّل هذه الألفاظ العلامات، فالعلامة اللغوية وحدة أساسية في بنية الخطاب، ولذلك فإنّ المقاربات النقدية المعاصرة ترتكن في فضّ دلالة النصوص والوصول إلى بنيتها التحتية إلى هذا المستوى، ومن هنا تتمتّع دراسة المستوى المعجمي في نصّ ما بأهمية في استنطاقه ومعرفته.
    ويُقصد بالمستوى المعجمي مجموعة الشفرات والإشارات والعلامات اللغوية التي تشكّل بنية نصّ ما تشكيلاً جديداً من خلال سياق يشحن هذه الألفاظ المعجمية بمجموعة من الدلالات السياقية التي يتفرّد بها النص الشعري، وهي التي تشكّل حقوله الدلالية "CHAMPS SةMANTIQUES" التي تُعدّ البنى الصغرى لبنية النص الكبرى (المضمون الإجمالي للنص أو كليته ووحدته).
    يتألف هذا النص الشعري من أربعين بيتاً، تتوزّع ألفاظه كما يلي: الأسماء 210، منها 93 اسماً نكرة و117 اسماً معرفة، والأفعال 53 فعلاً، منها 26 فعلاً ماضياً، و27 فعلاً مضارعاً. والقراءة الإحصائية تثبت هيمنة الاسم على الفعل والمعرفة على النكرة، كما تهيمن الأفعال الماضية والمضارعة هيمنة تامة (ليس في النص الشعري أفعال أمر)، وذلك ليؤكّد الشاعر أنّ التجربة التي يعانيها يقينية، وأن مصيره حتمي، ولا أمل له في عودة الحبيبة عما عزمت عليه، ولذلك استخدم هذه الأسماء وهذه الأفعال، ليشير إلى حالة ماضية حاضرة من خلال الوصف والتقرير.
    وتُشير القراءة الكشفية للمستوى المعجمي إلى أن هذا المستوى ينفتح على محورين كبيرين يكوّنان المفاصل الأساسية لهذا النص، وينفتح كل محور منهما على مجموعة من المعاجم الفنّية الخاصة به.
    -المحور الأول: محور المرض وهجران الحبيبة والحزن والشقاء والعزلة الاغترابية والموت، وماله صلة بهذه المعاني.
    -المحور الثاني: محور الصحة والشفاء والحياة، وماله صلة بهذه المعاني.
    يمثّل المحور الأول قطب النص الشعري وبؤرته، فتنضوي تحته عدة محاور فرعية، تصبّ كلها في محور الموت، وإذا ضربنا لذلك مثلاً بالبنية الصغرى التالية: "قلبٌ أذابته الصبابة والجوى"، وجدنا أن الإذابة تتضمّن في السياق المرض والهجران والحزن والشقاء والعزلة والاغتراب والموت معاً، فالقلب ليس سليماً، فقد أُصيب بحادث ما غيّر في مسيرته وحركته وطبيعته، وهذا الحدث هو هجران الحبيبة، وقد أفضى الهجران إلى الحزن والشقاء والعزلة والاغتراب الذي يعيش فيه الشاعر، وهذا ما يُفضي إلى الذوبان، وهو حالة من التلاشي والاختفاء والموت (ذوبان الشمعة- الملح- السّكّر.. إلخ)، ولكنّ هذا الذوبان أو التلاشي حاضر في بنية النص التحتية كحضور السّكر أو الملح في الماء أو الطعام..
    ويتشكّل المحور الأول من معاجم فنّية متداخلة، أهمّها:
    -المعجم الفنّي الأول: المرض ومافي حكمه:
    داءٌ ألمّ/ غلالةٌ رثّت من الأدواء/ يفتُّها كالسقم في أعضائي.
    -المعجم الفني الثاني: الهجران وما في حكمه:
    قلبٌ أذابته الصبابة والجوى/ هل مسكةٌ في البعد للحوباء.
    -المعجم الفني الثالث: العزلة والاغتراب ومافي حكمهما:
    عبث طوافي في البلاد/ علّة في علّة منفاي لاستشفاء/ متفرّد بصبابتي/ متفرّد بكآبتي/ متفرّد بعنائي/ شاكٍ إلى البحر اضطراب خواطري/ ثاوٍ على صخرٍ أصمَّ/ صدري ساعة الإمساء.
    -المعجم الفني الرابع: الحزن والشقاء ومافي حكمهما:
    الدمع من جفني يسيل مشعشعاً/ تقطّرت كالدمعة الحمراء/ آخر أدمعي لرثائي/ تضاعفت برحائي/ استبّدا بي/ قلبٌ أذابته الصبابة والجوى/ والروح بينهما نسيم تنهّد/ كُتب الشقاء على الورى.
    -المعجم الفني الخامس: الموت ومافي حكمه:
    يضعفه نضوب دمائي/ أن يهلكوا بظماء/ تميت ناشقها بلا إرعاء/ قضيتُ بنشقة.
    إنّ هذه المعاجم الفنية الخمسة تصبّ في المحور الأول الذي يدلّ إلى العزلة والاغتراب والحزن والشقاء والموت، وكلّ ماله صلة بهذه الدلالات، وهو محور يهيمن -كما سنرى- على المحور الثاني الذي يمثّل الوفاء والحبّ والحياة، ويطغى على بنية النص، ولذلك فإنّ مناخاً في الحزن الرومانسي خيّم على معجم الشاعر الفنّي.
    المحور الثاني: العافية والصحة والحبّ والوفاء والحياة والسعادة. والمعجم الفنّي في هذا المحور واحد، وهو الشفاء والصحة:
    خِلتُ فيه شفائي/ نعم الشفاء/ غربة تكون دوائي.
    يتجلّى لنا من ملاحظة المحورين السابقين هيمنة معجمية المحور الأول على معجمية المحور الثاني في النص، وينفتح هذا المحور على فضاء حركي يتسع، ويمتدّ شيئاً فشيئاً ليشكّل فضاء الحزن والموت، حتى جاء مجسّداً لدلالات تعذيب الذات (المازوخية) إلى حدّ تغييبها عن دور الفعل والفاعلية، ولذلك فإن المحور الثاني جاء فقيراً في معاجمه الفنية، حتى إنه يكاد لايذكر بالقياس إلى المعاجم الفنية في المحور الأول، وقد نذهب إلى حدّ القول: إنّ دلالات المحور الثاني تعكس في دلالتها المغيّبة دلالات المحور الأول في وظيفتها، وتبثّها في النص الشعري، فالشفاء الذي جاء في البيت الأول موهوم، لارتباطه بالفعل "خلت"، وهو هنا من أفعال الظنّ، وهو في البيت السادس عشر في حالة الرجاء والتمني، وليس في حالة التحقّق، هو رغبة تظلّ خارج التاريخ مالم تنتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود الفعلي عبر الفعل الإنساني، هو شفاء الحلم والرغبة، ولكنه ليس شفاء الحقيقة، فالواقع يشكّل سدّاً منيعاً يحول دون تحقيق هذا الشفاء، أو هو على حدّ قول المتنبي:
    ماكلُّ مايتمنّى المرءُ يدرِركُهُ تجري الرّياحُ بمالا تشتهي السّفُنُ "13"

    ويقترن الشفاء في البيت الثامن عشر بالغربة والمنفى، ومع أن الشاعر يُنشد هذا الشفاء ويترقبه فإنه، في الوقت ذاته، يراه متعذر الوقوع، ولذلك فإنه يستسلم لإرادة الحبيبة الطاغية التي تسلّمه إلى الدموع والأحزان والغروب النفسي والمساء الشخصي.
    3-المستوى التركيبي: دخل الشاعر إلى القصيدة في لحظات من التصدّع النفسي تحت وطأة الهزيمة في الحبّ والحياة، ولذلك فإنه أخذ يُعيد بناء اللغة لتجاري تجربته وضوحاً ودلالة، وإذا كان المستوى التركيبي يعني التركيب النحوي والتركيب البلاغي، فإنّ الوقوف عند الأول منهما سيكون سريعاً، لأن الملاحظ على المستوى النحوي أنه بعيد عن التعقيد والانزياح، وقد ظلّت الجملة تتحرّك ضمن خصائص الجملة العربية المألوفة، جارية على مجراها، بسيطة، قليلة التقديم والتأخير، لاتعقيد ولا التواء فيها.
    أما التركيب البلاغي فهو تحوّلي استبدالي، فالدلالات تتحرّك من الصورة الأمامية إلى الخلفية لتتناغم مع السياق في وظيفته الكليّة، فإذا كانت وظيفة الحبّ تتناغم والحياة نفسها، فإنّها في هذا الخطاب تتحوّل إلى نقيضها الموت، وتتجلّى في الموت الشخصي والموت الفني في المقطع الثاني إذ أضاع الشاعر بالحبّ عمريه: عمره الشخصي وعمره الإبداعي، ويُستهدف عادة من الاستمتاع بجمال الطبيعة التنعّم والراحة، والاستجمام والمعرفة، ولكن الاستمتاع بجمال الطبيعة في المقطع الرابع (طيب الهواء- حسن المقام- الطواف في البلدان- الجلوس إلى البحر... إلخ) يتحوّل انزياحياً إلى مصدر من مصادر الغمّ والكدر، ويلجأ المرء إلى فراشه في المساء ليرتاح من عناء يوم طويل، وينسى معاناته، وماجرى له من متاعب وعقبات، وماواجهه من كدر وغمّ، لكنّ الدلالة في البيت السادس والعشرين تتحوّل أيضاً انزياحياً إلى نقيضها، فإنّ الغمّ يتزايد في وقت الراحة المساء، فإذا هو وقت التذكر والحسرات والتأوهات، وإذا الفراش الوثير يتحوّل هو الآخر إلى أشواك تقضّ مضجع الشاعر.
    ثمة صورة جاءت في نهاية النص تشعّ بالدلالات، وتستحقّ التحليل، وهي: "فرأيتُ في المرآة كيف مسائي"، فالتركيب النحوي فيها مألوف: فعل وفاعل وجار ومجرور ثم جملة اسمية في موقع المفعولية، ولكن الصورة تتكوّن من ألفاظ يمكننا أن نتوقف عند لفظتين منها: المرآة- مسائي، لتحليلهما من جهة الصورة، فالمرآة- حقيقة- لاتوضّح صورة المساء، فهو ظلمة، ولاتظهر الظلمة في المرآة، وهي تحتاج إلى النور للإظهار، ولذلك فإنّ الشاعر استخدمها استخداماً انزياحيّاً، فنقل مدلولها المعجمي الأمامي إلى مدلولها الخلفي الشعري بوساطة السّياق.
    أجرى الشاعر عملية استبدالية لتوليد الدلالات الجديدة من ألفاظ مألوفة، أو كما يقول جان كوهن: "المنافرة IMPERTINENCE" خرق لقانون الكلام، وهي تتحدّد على المستوى السياقي "PLAN SYNTAGMATIQUE"، والاستعارة خرق لقانون اللغة، وهي تتحدّد على المستوى الاستبدالي "PLAN PARODIGMATIQUE" "14".
    ثم هو يُقيم هذه الخطاطة ليؤكد أن الاستعارة انزياح استبدالي:
    الدال
    المدلول 1+
    المدلول 2 السياق "15".
    وبناءً على ذلك فإنّ لفظة "المرآة" غنيّة بإشعاعاتها وإيحاءاتها، ومنها الطبيعة التي تمثّلناها في المقطع الرابع من بحر هائج مضطرب عاصف شاكٍ برياحه الهوجاء التي تعبّر عن شكاية الشاعر نفسه، ومنها هذا الفضاء الضيّق الخانق الذي يكادُ يطبق هو الآخر على صدر الشاعر، وكأنه ليل امرئ القيس أو النابغة الذبياني، فالبحر المتسع الأرجاء والآفاق ضائق كصدر الشاعر، والهموم تهيمن على عينيّ الشاعر وتحجب عنه كلّ جمالية في الطبيعة، وبخاصة حين يأوي إلى فراشه ونفسه ساعة الإمساء، وهذه الغمة التي تغشى البرية هي غمّة الشاعر النفسية، والأفق معتكر، قريح جفنه، ضائق، مدمّى.. إلخ، فلفظة المرآة انتشارية في النص، فهي مرآة الرمز، وهي مرآة الطبيعة، والطبيعة هي مرآة الشاعر، وهما متشاكلان، فالمرآة ذات وظيفة معطَّلة، والطبيعة أيضاً ذات وظيفة معطّلة، فجمالية البحر والشاطئ والفضاء لا تستطيع أن تخفّف من أحزان الشاعر، وإنما هي تذكّره بها، والطواف في البلدان مصدر غمّ هو الآخر، ولذلك كانت المرآة تمثّل تجربة الشاعر التي تتضمّن هذه الدلالات وسواها.
    التجربة الشخصية
    Ý
    الطبيعة Þ المرآة Ü الحياة والحبّ

    وأما لفظة "مسائي" فهي تركيب إسنادي، أسند فيه الشاعر لفظة "مساء" إلى ضمير مفرد المتكلّم، وهذا مايشكّل انزياحاً دلاليّاً، فالمساء -حقيقة- لفظة عامة تخصّ الطبيعة، وتدلّ إلى وقت محدّد، ولكن الشاعر نقلها من الدلالة الطبيعية إلى مساء خاصّ به، كما فعل من قبل امرؤ القيس بليله الخاص به:
    وليلٍ كموج البحرِ أرخى سدولَهُ (عليَّ)، بأنواع الهموم ليبتلي "16"

    ليس هذا المساء حقيقياً، فياء المتكلم التي أُضيف إليها، تحرفه عن المعنى المعجمي، وكأننا إزاء لفظة غير عادية، فنحن لاندخل مع الشاعر إلى مسائه إلاّ بصفتنا متلقّين لتجربته، وتشكّل اللفظة صورتين: أمامية وخلفية، تمثّل الصورة الأمامية المساء الحقيقي، وهو المدلول الأول غير المقصود لذاته، وتمثّل الصورة الخلفية مساء الشاعر أو حبّه أو سعادته أو عمره المنتهي من جراء التجربة الشخصية التي مرّ بها.
    والمساء زمن يأتي بعده زمن آخر، ويحمل هذا الآخر الفجر والصباح والظهيرة، ولكنّ إضافة ياء المتكلم إليه جعلته مساء عقيماً، وحالت دون استبدال هذا الزمن بزمن آخر، أو حالت دون ولادة ذلك الزمن، وجعلت المساء زمناً بلا زمان آخر، أو زمناً متوقفاً عن الجريان، ثمّ إنّ ورود هذه اللفظة في آخر القصيدة جعل المساء نهاية الزمان ووقوف عجلاته أو تحطّمها، وكأنها القرار الأخير الذي انتهى إليه حبّ الشاعر وسعادته وعمره ونصيبه من الحياة، أو القرار الذي وقف عليه الإيقاع الموسيقي في لحظة الصمت الأخيرة، ليدع الصمت يتكلّم بما يراه ملائماً، أو يقول مالم يقله الشاعر. وهكذا ترك الشاعر نهاية القصيدة مفتوحة على أبعاد لانهائية من الدلالات التي تتوالد وتتناسل، ونقل من خلال التركيب الانزياحي الدلالة المرهونة بالواقع إلى دلالة محرّرة منه.
    ب- المحور العمودي:
    1-المستوى الدلالي: إن مستويات النص السابقة، الإيقاعي، المعجمي، التركيبي تتقاطع وتتداخل لتشكيل بنية النص الكبرى، أو الخلفية للصورة الكليّة العميقة، وعلى القراءة النافذة أن تسبر تقاطعات النص، وتكشف، وتُنير ماحاول الباثّ أن يحجبه في الزوايا المخفية من بنية النص، ولذلك فإننا سنحاول أن نتلمّس دلالة النص الكبرى في قراءة العنوان والمحاور الدلالية وعلاقاتها.
    A- العنوان: كانت القصيدة إلى أواخر القرن الماضي تُسمّى عادة بحرف الروي، فنقول همزية البارودي أو بائيته أو تائيته أو يائيته، ومايميّز قصيدة من أخرى أنها قيلت في مديح فلان أو رثاء فلان، أو أي مناسبة أخرى، وهذا يعني أنّ مايميّزها هو خارج على بنيتها، لكنّ الأمر مختلف في هذا النص الذي يعود زمن نظمه إلى بداية هذا القرن (1902م)، فقد أطلق عليه الشاعر أو سماه أو عنونه باسم "المساء"، فهل جاءت هذه التسمية اعتباطية، أو أنّ اختيار الشاعر للعنوان كان متطابقاً مع النّص؟...
    يمدّنا العنوان بزاد ثمين لتفكيك النص وقراءته، فهو المفتاح الأهمّ بين مفاتيح الخطاب الشعري، وهو المحور الذي يحدّد هويّة النّص، وتدور حوله الدلالات، وتتعالق به، وهو بمكانة الرأس من الجسد، والعنوان في أيّ نصّ لايأتي مجانيّاً أو اعتباطياً، فهو ليس كالاسم في الإنسان، لأن الإنسان يسمى بعد ولادته مباشرة، وربّما لايكون الاسم دالاً عليه كلّ الدلالة، فقد نسمي مولوداً ذكراً فريداً أو ذكياً أو كاملاً أو صالحاً أو حسناً، ولكن النتيجة قد تخيّب ظنّنا وآمالنا، وقد تكون أن فريداً لايكون فريداً، وأن ذكياً لايكون ذكيّاً، وأن صالحاً غير صالح، وكاملاً غير كامل وحسناً غير حسن، فالاسم، هنا، اعتباطي احتمالي، ولكنّ الأمر في النصوص الأدبية مختلف، فالنّص يسمى بعد إنتاجه إنتاجاً نهائياً وبعد أن يصبح قابلاً للاستهلاك، فعلى الاسم أن يكون صالحاً للمسمّى دالاً عليه، ولذلك فإنّ العنوان -هنا- بمكانة الرأس من الجسد لا بمكانة الاسم من المسمّى المولود، والعلاقة بين العنوان والنص رحمية، ومادام للعنوان في النص الأدبي هذه المكانة فإن ماتحت العنوان يكون دالاً عليه، ويكون الرأس (العنوان) متصلاً بالجسد بقنوات وشرايين.
    وإذا عدنا إلى العنوان "المساء" وجدناه محدّداً بـ "ال" التعريف، وهذا يدلّ إلى أنّ الشاعر لايريد أيّ مساء، وإنما يقصد مساءً خاصّاً بيوم محدد أو بشخص محدّد، ولكنّ السياق لايشير إلى يوم محدّد في تاريخ محدّد، وإنما عرّفه الشاعر هذا التعريف ليظلّ المساء المحدّد قريباً من اللاّتحديد، أو هو ترك التحديد للسياق، ويعني التعريف أنّ ماجاء في النص هو كلّ ماتعرفه الذات الناطقة، ولذلك فإنّ الحركة السوداوية أخذت منحىً يقينياً من خلال السرد والإحساسات، فهذه الذات تدرك سلفاً النتيجة التي ستؤول إليها، ولذلك فإنّها تتكلّم، وفي كلامها معرفة ونبوءة.
    والمساء -لغة- وقت المساء، ولكنّ السياق يبيّن أن هذا المعنى غير مقصود لذاته، ويبيّن الاتجاه العام في دلالات النص الصراع بين عاطفتين تتنازعان مخيّلة الشاعر ونسيج النص: الألم بسبب المرض، والألم بسبب هجران الحبيبة، وتجري الدلالتان في تيارين يتشابكان حيناً ويتداخلان حيناً إلى أن تهيمن عاطفة ألم الهجران على العاطفة الأولى، ثمّ تخفيها إخفاءً تامّاً من دالاّت النّص، ليتحوّل بعد ذلك المناخ إلى رثاء شخصي، وإذا "ال" التعريف في "المساء" تنتقل من البداية إلى النهاية، لتتحوّل إلى ياء المتكلّم "مسائي" في البيت الأخير، فإذا الشاعر يحدّد الدلالة المقصودة، ليفتح أمامنا الآفاق البعيدة على ماتبثّه هذه اللفظة الانزياحية من مجالات، كالمصير، والنهاية، والموت الذاتي والإبداعي.
    B- المحاور الدلالية وعلاقاتها: تتشكّل القصيدة من ستة مقاطع، ويتشكّل كلّ مقطع من مجموعة من الدوال والمتتاليات المتلاحقة ذات الدلالات المتعددة التي تتنافر وتتباعد، لتتقارب فيما بعد، وتؤدي وظيفة واحدة، فالمقطع الثالث -مثلاً- يتكوّن من ثمانية أبيات، يبدؤها الشاعر بثنائية من الدلالات المتقابلة، فالشاعر يطلق على حبيبته صفات محبّبة (كوكب- مورد- زهرة)، وهي صفات تتضمّن في ذاتها أساسيات الحياة، فالكوكب مصدر النور، والنور مصدر المعرفة والحياة والجمال، وليست الشمس سوى كوكب من الكواكب، ولاتكون الحياة بلا شمس، والمورد المنبع وأصل الماء، والماء أساسي للحياة، ومن دونه يتعذّر العيش، إضافة إلى أن الماء مصدر جمالي آخر، وهو مصدر لاغنى عنه للحياة في الإنسان والحيوان والنبات، والزهرة مصدر آخر من مصادر الجمال والرقة، والعطاء، وهي مصدر من مصادر السعادة التي تبثّها الزهرة في عيون من يستنشق عبيرها أو يستمتع بجمال طلعتها، والحبيبة تجمع هذه الصفات معاً، وتستبطنها، ولكن الشاعر يصف في الوقت ذاته أنوار هذا الكوكب بالضلالية درباً وعقلاً، ويصف ماء المورد بالسّراب الخادع، ويصف عبير الزهرة بالسمّ الزعاف، فالمقطع يقدّم لمتلقّيه هذه الصفات المحبّبة، ثمّ ينفيها، يرسمها ويمحوها، يبيّن أنّ العاشق لايعيش أيامه السعيدة دون أن يعكّر صفوها الزمن، ويكشف أن الوصول إلى السعادة المطلقة ضرب من الوهم، فالعشق مصدر من مصادر السعادة والحبّ والتشوّق إلى الجمال، ولكنه يحمل في داخله الشقاء والدموع والأحزان، فكل شيء يحمل نقيضه في ذاته، فالحياة في الموت، والموت في الحياة، والغدر في الوفاء، وليس هذا القدر من الجمال الساطع الذي تتمتّع به الحبيبة سوى صورة عن الغدر الكامن في أعماقها، فهي أنثى مراوغة مخادعة غادرة، همّها أن تهيمن على من يحبّها، فإذا استمالت قلبه وتملّكت منه لدغته، وأفرغت في قلبه سمّها الزعاف، فأودت به إلى التهلكة، وهذا يفضي إلى أنّ جمالها شرير، وأن حرباً تقوم بين عالمي العاشق المسكين المغرور المخدوع السّاذج الوفي وهذه الأنثى المتربصة الخادعة الشريرة، وشتان مابين العالمين، وإذا كانت النتائج تُقرأ من المقدمات فإن نهاية هذا العاشق واضحة المعالم جليّة، والدوال في الأبيات الثلاثة الأولى من هذا المقطع توحي بذلك، فالوفاء من جانب هذه الأنثى معدوم، والدوال هي: "يهديه طالع ضلّة ورياء- أن يهلكوا بظماء- تُميت ناشقها بلا إرعاء)، وهذا يومئ أيضاً إلى أنّ الشاعر يتهم الحبيبة صراحة وضمناً بأنها غير وفية، وكأنّه يحذّر الآخرين من مغبّة أن يكونوا عشاقها، فقلبها لم يخفق مرّة واحدة بالحبّ، ولذلك فإنه يثور عليها، ويواجهها بالأدلة مواجهة صريحة.
    ويظنّ القارئ أن الشاعر اكتشف ثغرة في شخصية الحبيبة، وبناء على ذلك فإنه يتوقّع منه أن ينقلب على أوضاعه ويتغيّر، كأن يعاقبها، أو يثأر لنفسه منها، أو يقابلها بالخيانة والغدر، أو يتخلّى -على الأقل- عن هذه الحبيبة المخادعة الغادرة، ولكن ثبات العاشق على أوضاعه القديمة لايفاجئ القارئ كلّ المفاجأة في بقيّة المقطع، فهو يقدّم الدوال التي تؤكّد أنه سلّم أمره وقلبه وحياته لسلطان الحبّ والحبيبة، كما تسلّم الذبيحة نفسها لذابحها، والحبيبة محكّمة تفعل ماتشاء دون رغبة منه في الاحتجاج، أو الرفض، فهي السيّدة، وهو العبد المطيع، بل هو يستغفرها على مابدر منه من اتهامات أو دفاع عن النفس، ويسمّى ماجاء في اتهاماته وثورته السالفة عتاباً، ولايكون العتاب إلاّ بين المحبّين، وهو انجذاب وتعالق وإعادة اتصال، لا انفصال وقطيعة، ثمّ إنه يراجع نفسه، ومَنْ هو ليعاتب سلطان الحبّ والحبيبة؟ وتبرز -هنا- صورة المرأة الأسطورية المتحكّمة التي لا رادّ لإرادتها وسطوتها وسلطانها، فهي الزهرة والكوكب والمورد، ولاحضور له من دونها، وهذه الصورة هيمنت على الشعر الرومانسي الصافي، ثم من هو إزاء هذا الجمال المطلق المسلّط والفتنة الفتاكة؟ ولذلك فإنه لايكتفي بمراجعة نفسه، وإنّما هو يُخطّئها ويدين أقواله السالفة، فتنعكس الآية، فبعد أن كان هو القاضي في الأبيات الأولى والحبيبة متهمة، غدا في الأبيات الأخيرة من المقطع قاضي نفسه، وإذا هو ينشطر إلى نصفين: نصفه يحاكم نصفه الآخر، ويعنّفه، ويخطئه، ويجازيه على تجرئه إزاء سيادة الجمال المطلق، فينتقل الصراع بين العاشق ومن يحبّ إلى الصراع الداخلي بين العاشق ونفسه، وتتبرأ الحبيبة من كلّ ماوُصفت به في بعض الأبيات، ولايشكّ العاشق لحظة في أنّ هذه الأفكار والتصوّرات التي وُضعت بها الحبيبة كان ينبغي ألا تكون، فهي التي أساءت إلى جوهر الحبّ نفسه، ولذلك فإن منزلة الحبيبة ترتفع فجأة من متهمة خائنة شريرة إلى منزلة المرأة الأسطورية الملاك والمثال، فيعتذر منها الشاعر بلفظة "حاشاك"، وهي لفظة تحمل معاني الحبّ والعبادة والتقديس، وتجعل هذه الأنثى فوق الشبهات، وتستثنيها مما جاء من أحكام وصفات طائشة، ولذلك فإنّه يؤنب نفسه ويعرّضها للشقاء، والشقاء مكتوب على المحبيّن والبشرية، وهذه -كما يرى الشاعر- سُنّة الحياة، وهو يواجه نفسه بهذه الحقيقة الرومانسية: إذا شئت ألاَّ تتحمّل الشقاء فلماذا أنت عاشق متيم إذاً؟ وكأن الحبّ والشقاء في دلالات هذا المقطع وجهان لعملة واحدة، وهما متلازمان، ولذلك فإنّ الشاعر العاشق يتقبّل بعد ذلك نتائج الحبّ، ويندفع إليه بإحساسات رومانسية وصوفية صافية، يندفع وراء هذا الكوكب وإن كان يدرك سلفاً أنّه يضلّه، ولكنها ضلالة ممتعة إذا كانت أنوار تلك الطلعة الزهراء تؤنس مقلتيه لفترة ما، وإن كان أيضاً هذا الإيناس وهماً نفسياً، ويندفع أيضاً وراء ذلك السّراب، وهو يدرك أنه سراب لايقود إلاَّ إلى مزيد من العطش والتهلكة، ومع ذلك فإنه يوهم نفسه برشفة من وهم ذلك السراب،


    يتبع

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: قصيدة (المساء) لخليل مطران، قراءة في شعرية النّص الرومانسي د.خليل الموسى.

    مُساهمة  Admin في الخميس يناير 14, 2010 3:01 am




    وهو يندفع وراء تلك الزهرة ليتنشّق عبيرها القاتل، وليكون فيما تبقّى له من العمر عبداً طائعاً، يندرج اسمه بين شهداء الحبّ وعابدي الجمال.
    تشكّل هذه الدوال ذات الدلالات المركبة المتناقضة المتواجهة في ثنائيات بين محوري الحب والكره/ الوفاء والغدر/ السيادة والعبودية/ الظلم والعدل/ ظاهر الحبيبة وباطنها/ الموت والحياة.. تشكّل هذه الدوال معظم دلالات هذا النص بمقاطعه.
    وفي النص الشعري شخصيتان: شخصية تتكلّم، وهي تسرد وتكشف وتروي وترى وتتنبّأ، وهي التي تطرح الأسئلة وتجيب عنها، وشخصية صامتة غائبة، ولكنها متكلّمة في غيابها، حاضرة في كلام الآخر، وهي التي تهيمن على مسرح الذاكرة ومخيّلة الشخصية التي تتكلم، فهي الموضوع الذي تدور حول مفاصله بنية القصيدة، وإذا تركنا الشخصية الأولى الناطقة، واستعرضنا صفات الشخصية الصامتة وجدناها أنثى تتميّز بالانشطار والانقسام إلى عدة إناث، وتتلوّن بعدة ألوان وصفات، فهي الحبيبة، وهي الغريبة، هي العاشقة، وهي القاتلة، هي القريبة، وهي البعيدة، هي الإنسانة، ولكنّ فيها عنصراً أسطورياً، لم تخلُ صفاتها من صفات إيجابية، فهي على الأقل كانت حبيبة الشاعر، ولكنّ الصفات السلبية تطغى على سواها، فهي تسبّب لعاشقها الوفي الداء في المقطع الأول بهجرانها، وهي الأقوى والمهيمن، مع أن اللّه سبحانه خلقها ضعيفة وأنيسة لوحدة الرجل الأول، ومع ذلك فهي صارت بضعفها قوية، وبخضوعها سيّدة، وبأُنسِها موحشة، وقد وقعت تلك الأفعال على الشاعر الذي يعاني سكرات الموت من جرّائها ومن دون أن تسال عنه، وكأنها لم تأتِ ذنباً، أو لم تقترف إثماً بحقّ الحبيب، مع أنها هي التي سلبته كل شيء: عمره وعبقريته في المقطع الثاني، وهي تقوده، وتسيّره، وتدفعه إلى حيث تشاء، بل تقوده إلى حتفه بإرادته، كما يستشفّ من المقطع الثالث، ومع ذلك فهو لايمتلك حقّ الدفاع عن نفسه، ولايملك من أمره شيئاً، وهو يظلّ وحيداً إلاّ من ذكريات حبّه في المقطع الرابع، وتستطيع هذه الذكريات القاسية أن تحلّ محلّ الحبيبة في أثناء غيابها، فإذا كان حضورها عاديّاً، فإنّ حضورها طاغٍ في غيابها، لأن أحزانه تطبق على صدره ساعة الإمساء، وتدعه في المقطع الخامس إزاء غروبه النفسي، وهو إزاء غروبه الشخصي في المقطع الأخير، ليكون مساؤه هو مساء العمر الذي انتهى.
    ويتساءل القارئ حول طبيعة هذه الأنثى: أهي أنثى عادية أو أنثى فوق عادية؟ ففي النص غير صفة من صفاتها، هي الحبيبة، ولكنها غير وفية، هي خائنة غادرة، ولكن صورتها تظلّ أقرب إلى صورة المرأة المثال، هي متهمة، ولكنها بعيدة عن أن تمثل تحت سيطرة قاضيها الشاعر، إنها أنثى الفعل والوجود في النص، وهي التي تسبّب بؤس الشاعر وتجلب له الأحزان، وهي التي تتحوّل من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى بين المقاطع، ولذلك فإنها شخصية فاعلة، غنية، أما شخصية الشاعر فهي منفعلة ثابتة، لاتتغيّر، ولاتتحوّل بالأحداث؛ فالوفاء يلوّن شخصية الذات الناطقة بألوانه المختلفة، ويجعلها واحدة، ويلوّن التحوّل الشخصية الغائبة المتكلّم عنها بألوانه المختلفة، ويجعلها متعدّدة، فالشاعر أسير الحب ورهين الجمال، تقوده عواطفه، ويُسيّره هواه، وهذا ماتدلّ عليه النداءات في المقطع الثالث، فهي نداءات توسّلية داخلية أكثر منها نداءات خارجية، هي نداءات من أعماق اللاّشعور، والنداء لايكون إلاّ التماساً لحاجة، ولايصدر إلاّ عن محتاج إلى مساعدة، وهذا يعني أن الذات المتكلمة تحتاج إلى إغاثة الذات الغائبة، ولذلك فإن الأولى ترفع صوتها بالنداء اليائس التماساً للراحة ورغبة في السعادة، ولكن هيهات ماتتطلّع إليه، فإن الذات الغائبة تتلهّى وتتسلّى بعذابات الذات المتكلمة المستغيثة، وتقهقه منتصرة على ضحيتها، وهنا تبرز سادية هذه الأنثى، وتتجلّى هذه السادية من خلال ذاكرة الذات الناطقة التي استحضرت إلى خشبتها صورة هذه الأنثى.
    وإذا توقفنا عند الأسئلة التي تطرحها الذات المتكلّمة فهي قليلة بالقياس إلى الجمل الإخبارية، مع أن النص حافل بالنداء وأساليب المدح والتعجب وسوى ذلك، وتتركّز الأسئلة في المقطعين الرابع والخامس، وهي أسئلة لاتتطلّب أجوبة، لأن الجواب كامن في السؤال نفسه، أو هو في السياق، حتى إنّ السياق يمثّل بجمله الإخبارية والإنشائية سؤالاً واحداً عريضاً: لماذا تُقدم هذه الأنثى الحبيبة على ما أقدمت عليه؟ ولماذا يكون الشاعر ضحية هذا الحبّ مع أنه الوفي المخلص المطيع؟..
    إن التقريرية السردية التي تطالعنا في المقاطع، وبخاصة في المقطعين الأول والثاني، لاتخلو من تساؤل، أو هي تستحثّ القارئ على التساؤل بينه وبين نفسه، فالقلق الذي ينتاب الشاعر ينتقل إلى المتلقي، لأنّ الحالات الإنسانية واحدة، والمناخ الشعري يُخيّم على الباث والقارئ معاً في الإنتاج الأدبي.
    إنّ هذه العلاقات بماتكتنهه من بؤر دلالية تشكّل الفاعلية التي تدفع حركة النص إلى النهاية، فالدلالة الصريحة يؤدّيها سطح النص أو الشكل المحسوس المرئي منه والمستوى المباشر، وهو المعنى القريب، ومن ذلك السرد الذي تقوم به الذات المتكلمة، وهي تصف ما فعلته الحبيبة وما ارتكبته من أخطاء بحقّ الحبيب. أما الدلالة الضمنية فيؤدّيها داخل النص وعمقه والمستوى العلائقي المنتج للحركة الثاوية فيما وراء اللغة المحسوسة، وتتجلّى من خلال الحركة النصية العلائقية، وهذا ما يُطلب إظهاره بالقراءة التأويلية.

    لابدّ، للوصول إلى حركة العلاقات الداخلية، من الإمساك أولاً بخيط الدلالة السطحية للوصول إلى ماتحتها، أو للحفر تحت هذه الدلالة للبحث عن النصوص الغائبة المتخفية فيما يريد الشاعر قوله، ولابدّ من معرفة البؤر الدلالية التي يتضمنّها النص:
    - البؤرة الأولى: تعاني الذات المتكلمة الغربة والبعد عن الحبيبة (المقطعان الثاني والرابع).
    - البؤرة الثانية: الذات الغائبة ظالمة حاقدة سادية، ولكنّ الذات المتكلّمة مستسلمة لطغيان هذه الذات، مقتنعة بمصيرها، مازوخية (المقطع الثالث).
    - البؤرة الثالثة: لا تستطيع الذات المتكلمة العيش من دون الذات الغائبة، فالحياة على هذه الحال متعذّرة، والذات المتكلّمة مرتبطة بوجودها بذات الشمس التي تدلّ من جهة خفيّة إلى الذات الغائبة، فإذا غابت الشمس غاب معها عمر الشاعر، وكان مساؤه، وكأن ذلك يتعلّق بالإرث الأسطوري، ويُعيد على أسماعنا أسطورة لقمان المعمّر وقضيته مع النسر لبد، وهذا ما نجده في المناجاة الأخيرة، في المقطعين الخامس والسادس، حتى يتحوّل المقطعان المذكوران من النجوى إلى وداع الحبيبة والحياة والعالم معاً.
    هذه هي الدلالة المهيمنة على سياق القصيدة، وهذا ما تلمّسناه في وحدات دلالية تشكّل مناخاً من تأزّم الذات المتكلّمة وانسحاقها تحت وطأة الحبّ والهزيمة إزاء غياب الذات الأخرى ظاهرياً وحضورها بقوّة فعليّاً، وفقدان التوازن العام في الحياة. وهكذا تتجلّى، في المحاور الدلالية السابقة وفي العلاقات الداخلية التي تتواشجها، حركة النص الهابطة من الداء إلى الهجران إلى الموت.
    2 - مقولة النص أو رسالته:
    النّص رسالة أو خطاب موجّه من الشاعر إلى حبيبته الغائبة، وهي رسالة تحمل في طيّاتها ألمين: ألم المرض الذي أصبح الشاعر رهيناً له، وهو ألم سطحي بالقياس إلى الألم الآخر الذي يعانيه الشاعر من جرّاء هجران الحبيبة له، وهو الألم الحقيقي الذي يقضّ مضجعه، وهو دافع الشاعر لنظم هذه القصيدة.

    والرسالة على الصعيد اللغوي متّصلة بالعنوان، وهو عنوان انزياحي رومانسي "المساء"، ولكنّ أداة التعريف تؤكد وجدانية العنوان والقصيدة معاً، ولذلك فالنّص من الشعر الغنائي يخصّ إحساسات الشاعر وتجربته، والشاعر هو الراوي، وهو الموضوع، وهو يحكي ألمه، ويرويه مباشرة من خلال ضمير مفردالمتكلّم(أنا).
    والرسالة على الصعيد الشمولي صحيحة، فهجران الحبيبة في الشعر الرومانسي خاصّ وعام، وليس هناك قصيدة رومانسية تخلو من مسحة الحزن أو الألم، وكأنّ هؤلاء الشعراء أحبّوا الألم، وعشقوا تعذيب أنفسهم، فعاشوا في ظلال الحرمان، واستعذبوا الألوان القاتمة واللوحات الظليلة، وهو ما سُمِّي بـ "مرض العصر" (Le mal du siécle) الذي ابتدعوه، وطبقوه على أنفسهم، ولذلك فإنّ الخاص يصحّ أن يكون عامّاً، ويتحوّل هذا الخطاب الخاص إلى خطاب شامل يصلح لأيّ تجربة شبيهة بتجربة الشاعر، والحبّ تجربة إنسانية عامة، والهجران كثير في مثل هذه الحالات، وبذلك يطرح الشاعر تجربته من خلال رسالته، فيخرج النّص من دائرة الوعي الذاتي إلى مدار الوعي الجماعي، ومن التجربة الذاتية إلى مجال التجربة الرومانسية التي تشكّل هذه القصيدة أهم أبعادها ومفاتيحها؛ فالمساء الذي تنقله إلينا الرسالة هو ما يخصّ الشاعر، ولكنّه في الوقت ذاته، مساء رومانسي.
    وتطالعنا في هذه الرسالة صفات المرسل والمرسَل إليه والعلاقة بينهما، فالشاعر/ البطل عاشق، وحبّه عذري، وهو يتعذّب ويكتوي بنار الهجران، وهذه الحالة شبيهة إلى حدّ بعيد بحالة ابن زيدون مع ولاّدة التي أرسل إليها من سجنه ومن خارجه الرسائل الشعرية، ولكنها ما ردّت عليه جواباً، ولا أجابته، ولا تجاوبت معه أو مع رسائله ودموعه، وهي شبيهة أيضاً إلى حدّ ما بحالة جميل مع بثينة والمجنون مع ليلاه، والشاعر البطل مستعدّ لأن يضحّي بحياته من أجل لقاء واحد، بل ما أسعده حين يموت بين يديّ الحبيبة، ثمّ إنّ الحبيبة هي مصدر الفعل والفاعلية في هذا العاشق، فهي تلتقيه زمناً وتهجره أزماناً، ولذلك فإن الحبيبة هي صاحبة الأمر والنهي، وإن الهجران ذو فاعلية حتمية، وهو الذي سوف يودي بالعاشق البطل.
    وصورة الحبيبة في هذا الخطاب صورة المرأة العابثة، فهي التي أضاعت عمر الشاعر الزمني وعمره اللاّزمني (الفنّي)، وهي التي تجرّه إلى حتفه، فهي شبيهة إلى حدّ بعيد بالسيرينات “SIRةNES” في الأساطير الإغريقية، وهن يجذبن من يستمع إلى غنائهن إلى التهلكة، أو هي إحدى حفيدات السيرينات، فهي تقود من يحبّها إلى الضياع والضلال والرياء والعطش والموت، وهكذا تتحوّل إلى فاعلية شريرة وحركة متحوّلة مختلفة، في حين أنّ العاشق يظلّ على حالة واحدة.
    3 - الشكل الطباعي للنص: فصوله ومقاطعه:
    قد يكون المثل العربي الشائع:
    "إذا كان الكلام من فضّة فالسّكوت من ذهب"، مفيداً في هذا الموضع، فلهذا المثل صلة بكلامنا، وإذا كان للكلام دلالة فإنّ للصمت دلالة أيضاً، وقد تكون دلالته أبلغ، وإن كان يفهم من هذا المثل أنه يُضرب أحياناً للدلالة على الثرثرة، فالكلام يشف ويفضح صاحبه، كالشخصية المسرحية الغنية التي نعرفها من خلال الحوار والحركة والمونولوغ، أما الشخصية الصامتة فهي الغامضة والمبهمة والملغزة.
    إن تقسيم النص إلى فصوله أو مقاطعه الستة ليس عملاً اعتباطيّاً، وإنما هو تدخُّل من الشاعرذاته، وهو تدخل يحمل في ذاته دلالات محدّدة ودلالات غير محدّدة، فكلّ مقطع يتصل بما سبقه وبما يتلوه اتصال الانفصال، وهو منفصل عنه انفصال الاتصال، وهو شبيه إلى حدّ بعيد بلحظات الصمت في التقاسيم الموسيقية العربية، فهذه اللحظات تمرّ على الصوت، وهو يرتاح ضمن نغمية الدلالة وحركيتها، ويستقر في باطنها، لينهض العمل الأدبي في حالته النهائية، وهو شبيه أيضاً إلى حدّ بعيد بالعمل المسرحي المكوّن من فصول ومشاهد، أو هو صورة مصغّرة عنه، فقد يحمل كلّ مقطع من مقاطع النص ذروة صغيرة تدفعه إلى قرار صمتي، ليقوم هذا القرار بالتعبير اللاّمسموع، وعليه فإن قراءة النص تضعنا إزاء فاعليتين: قراءة الدلالة في سطح النص، وهي قراءة أولى، وقراءة النواة الدلالية القابعة في درجة الصفر، أي في حالة الصمت، وهي قراءة العمق والهدف.
    يمثّل المقطع الأول الدخول والتمهيد إلى عالم الذات الناطقة والموضوع معاً، فالذات تعرض على قارئها واقع الصراع الذي تعيش فيه بين داءين يتقاذفانها، ويتنازعان عليها، وهو تنازع الأقوياء على الضعفاء، فتقع هذه الذات فريسة لهما، ولا حول لها ولا قوة، وتقع ضحية دوامة شديدة في نهاية المقطع.

    ولكن ماحدث في لحظة الصمت بين المقطعين الأول والثاني، لم يكن بلا فاعلية، إن هناك فجوة ينبغي أن تُسدَّ، وقد قامت لحظة الصمت بهذه المهمة، فكانت أبلغ دلالة وأكثر فاعلية، بل إنها قالت من خلال الصمت مايزيد على ماقاله الشاعر في المقطع الأول،وهذا ما نسمّيه "بلاغة الصمت"، فتركّز الداءان في داء واحد قويّ مهيمن، فالرسالة في المقطع الثاني لا تأتي على ذكر الداء الأول (المرض)، وكأنه غاب وامّحى في الداء الثاني (الهجران)، أو غدا رديفاً له، أو تابعاً يدور في فلكه، وهذا بعض ما تبوح به لحظة الصمت التي طالعتنا بين المقطعين، وليس ذلك وحسب، وإنّما قد وجهّت فاعلية الصمت الخطاب في القصيدة وجهة أخرى، فقد كان الخطاب في المقطع الأول وصفيّا، وصف الشاعر فيه ما حلّ به من جرّاء تنافس الداءين وتعاونهما على جسده الضعيف، ولكنه بدأ المقطع الثاني بالتوجه مباشرة إلى مخاطبة الحبيبة متهماً مرّة (عمرين فيك أضعت...) متراجعاً مرّة أخرى عن اتهامه (يامنيتي)، مقترباً من الحبيبة ومبتعداً عنها معاً.
    ويسلّمه المقطع الثاني إلى فجوة صمتية أخرى في البيت الأخير، فيعود خالي الوفاض، فلا هو نعِمَ بجهله، ولا غَنِمَ بعقله كما ينعم ويغنم الآخرون، وهكذا يتركنا المقطع الثاني إزاء لحظة صمت أخرى غير مجانية، إنها لحظة مراجعة مع النفس ومع الحبيبة، لحظة فيها العودة إلى الماضي بكلّ مافيه من ذكريات، وتذكّر وحوادث لا يذكرها الشاعر في خطابه صراحة، ولكنّها تتجلّى في المسكوت عنه، فهو لا يذكر الأسباب التي جعلته عاشقاً، ولا يذكر الحوادث التي مرّ بها مع حبيبته، ولكنه يصل إلى المقطع الثالث ليبيّن علاقته الحالية بهذه الحبيبة، فهي علاقة تنافرية مرّة وتجاذبية مرّة أخرى، فصورة الحبيبة خادعة، وهي تبدو له عاشقة وفية من ظاهرها، ولكنها تخفي وراء تلك الصورة صورة أخرى، وهي لا تستهدف من ذلك الظاهر سوى خداعه لتُرديه بعد ذلك، وهو في هذا المقطع يفسّر ويعلّل، فالحبيبة استطاعت أن تستولي على قلبه استيلاءً تامّاً، وتتمكّن منه، وتستبدّ به، ومع ذلك فهو راضٍ بهذا الواقع، مستسلم لقدره، قانع بالقليل القليل منها، وهذا القليل لا يدوم أيضاً، وهو على مايبدو كلام يخرج من الشفاه لا من القلب، وليس هذا القليل سوى طُعم للإيقاع به، فالحبيبة غادرة تقترب منه لتبتعد عنه، وهكذا يسلّمنا المقطع إلى فجوة أخرى نراها ونتلمّسها في لحظة الصمت بين المقطعين الثالث والرابع، وهذه اللحظة هي الأخرى غنيّة بدلالاتها وفاعليتها، فهي أولاً توجّه الخطاب وجهة أخرى غير ما كان عليه في المقطعين الثاني والثالث، ويعود الخطاب إلى الذات والحديث عنها ووصفها؛ فالحبيبة ذات قلب قاسٍ، فهي مع غدرها وظلمها لم تتكرّم عليه حتى بالموت، وقد هجرته دون أن تؤنس مقلتيه بأنوار طلعتها الزهراء، ودون أن ترويه برشفة مكذوبة من وهم سرابها، حتى إنها لم تنعم عليه بالسمّ الزعاف الذي تنشره روضتها الغنّاء، بل تركته على قيد الحياة ليكون عذابه أشدّ وأمرّ، تركته وحيداً للذكريات والبعد والهجران والتحسّر، وكأنها المرأة السادية المستبدّة، وهنا تسلّمنا لحظة الصمت إلى المقطع الرابع، وقد آل الشاعر فيه إلى العزلة والتوحّد، ويالها من وحدة قاسية وعزلة مرّة! كما آل الشاعر العاشق إلى التذكر ساعة الإمساء، فتحوّل كل جميل حوله إلى قبيح، وكلّ متِّسع إلى ضيّق، فالهواء العليل، والمقام الجميل، والطواف في البلاد، والجلوس إزاء البحر، كل هذه الإيجابيات والجماليات والمنشّطات تتحوّل إلى سلبيات وقبح ومثبطات، إن طعم الحياة غدا مرّاً في فم الشاعر لابتعاد الحبيبة عنه، وليست واحدة أخرى في الكون يمكنها أن تسدّ مسدّ هذه الأنثى، وكأننا هنا إزاء قصيدة "البحيرة" “Le LAC” للشاعر الرومانسي لا مارتين بعد أن هجرته حبيبته، فتحولت مشاهد الجمال والسعادة إلى مشاهد للبكاء والحزن والعزلة، وتحوّلت جماليات الطبيعة إلى محبطات، وكأنها تعمل هي الأخرى إلى جانب جماليات الحبيبة على الفتك بالعاشق المسكين، وهكذا يصبح الجمالي في النّص قاتلاً.
    إن طواف الشاعر في البلاد من دون الحبيبة لا معنى له، وإنّما هو مصدر غمّ وحزن، ولذلك فإنّ تفردّه كان في صبابته التي لا تعينه الحبيبة عليها، وكان تفرّده أيضاً في كآبته وفي عنائه، وهو لا يجد إنساناً يشكو إليه ماحلّ به، فيتوجه إلى البحر شاكياً باكياً، فإذا البحر هو الآخر يعاني ما يعاني الشاعر، حتى إنّ الصخرة الصّمّاء التي يجلس عليها هي الأخرى تتعرّض لمثل ما يتعرض له، وكأن الأمواج التي تفتّتها هي أمواج الأحزان التي تتلاطم في داخله، وتفتّت ما بقي من جسده الضعيف، وهكذا يسلّمنا المقطع الرابع إلى فجوة صمت أخرى أقوى وأمرّ، هي فجوة العزلة والغربة والاغتراب النفسي، لنقف مع الشاعر إزاء لحظة التسريع الزمني، وهي لحظة طويلة غنيّة تسلّمنا إلى المقطع الخامس، أو تسلّمنا إلى لوحة الغروب النفسي، وكأنّ الشاعر يستقبل هذا الغروب بلهفة، فهو المنقذ من هذه المعاناة القاسية التي مرّ بها في المقطع الرابع، كما سلّمته إلى الرمز الشعري، فغدا الغروب مرادفاً للحظة الاحتضار والموت، وغدا الموت يعني الخلاص، فتحوّل الموت من معناه المعجمي إلى دلالته الانزياحية، ومن فاعليته في الحزن في الكلاسيكية إلى فاعلية الإنقاذ في الرومانسية، إنه يحبّب الموت إلى نفسه، فهو الملاذ الأخير (المازوخية)، ولذلك فإن هذا المقطع يبدأ بالتعجب من منظر الغروب (ياللغروب)، فقد دنت ساعة الخلاص، واقتربت ساعة الوصول بعد طول انتظار، ومالت الشمس إلى الزوال، وهذا يذكّر الشاعر بأنّ كلّ شيء في الحياة لابدّ له من الزوال، ولا يريد من ذلك زوال الحبيبة وزوال عمره، وإنما يقصد زوال الألم واستبداده، وهذه هي الشمس تقع صريعة، وكأنّ الأحزان تغلّبت على الشاعر فصرعته، وينقلب الفضاء إلى مأتم، أو كأنّه يتلمّس الموت العدمي ليتخلّص نهائياً من استبداد الأحزان والآلام.
    ومع ذلك فإنّ الشاعر، في لحظته الأخيرة، في لحظة مابين الغروب والمساء، يودّع حبيبته، وكأنّها لم تسئ إليه قطّ، وقد تحوّلت، في لحظة الوداع، إلى أنثى نقيّة وفية، فيتذكّرها والنهار مودّع، وليس هذا النهار سوى نهار الشاعر أو عمره، حتى إن قلبه إزاء صورة الحبيبة الأسطورة يتوقف هائباً خاشعاً راجياً، فصورتها تبعث في نفسه الخشوع، وهو يرجوها كما يرجو العبد سيّده، وليس له في شفاعته سوى دموعه التي تتوحد بسنى الشعاع الغارب، وليس عمر الشاعر سوى بقيّة مما بقي من هذا الشعاع، وليس جسده سوى شبيه بتلك الذرا السود بعد أن غابت عنها شمس حياته (الحبيبة)، ثم تنتهي دموع الكون، ويظلم المكان، فلا نرى الشاعر، ولا نرى حبيبته، ولا نرى هذه الشمس، ليدرك الشاعر الرومانسي وحده أن يومه قد زال، وأنه رأى في مرآة الطبيعة مساءه هذا.
    إنّ لحظات الصمت هذه تتضمّن النواة الدلالية في النّص، لأنها مشحونة بقوّة إيحائية صامتة، تستدرج القارئ إلى إكمال النص وإنتاجه، وتورّطه في البحث عن عناصر الغياب، ولذلك فإنها تستثير الجدل والتأويل من القارئ الذي يتساءل: لماذا جعل الشاعر مقطعاً أطول من آخر مع أن الموضوع الذي يعالجه واحد، وهو "المساء". إنّ لحظات الصمت هذه تستثيرنا وتحرّضنا على معرفة مالم يقله الشاعر صراحة، وهو النص الغائب، أو النص المخبّأ بين السطور، أوالدلالة المسكوت عنها.
    4 -الزمن ودلالته:
    للزمن دلالته، وبخاصة في السرد، فالسرد نظام زمني سواء أكان ذلك بوساطة الأفعال المختلفة في إشاراتها الزمنية (ماض-حاضر-مستقبل)، أم كان بوساطة الإشارات الزمنية والقرائن الأخرى في النص(المساء-الغروب... الخ)، وليس من الضروري أن يتطابق تتابع الأحداث في عمل فنّي مامع الترتيب الطبيعي لأحداثها، ولذلك اعتاد الدارسون أن يميّزوا بين زمنين: زمن السرد وزمن الأحداث، فالزمن الأخير متتابع متصل بالضرورة (حبّ - هجران- ألم)، ولكن زمن السرد لا يتقيّد بهذا التتابع المنطقي، فتحدث المفارقة بين زمن السرد وزمن الأحداث، وقد تكون المفارقة استرجاعاً لأحداث ماضية (RةTROSPECTION) أو استباقاً لأحداث لاحقة (ANTICIPATION).
    وإذا عدنا إلى النص الذي نحن بصدده وجدناه نصّاً شعريّاً وجدانيّاً، ولكنه لا يخلومن السرد، فهو يتلوّن بالوصف والسرد معاً، فالشاعر يصف في المقطع الأول معاناته التي يعيش فيها الآن، ولكنّ هذا الوصف ممتزج بالسرد والإخبار، وهو يستغرق الزمن الحاضر مع أنّه يعبّر عنه بالفعل الماضي، وهكذا يتدرّج العتاب بين المقطعين الثاني والثالث إلى أن يعود إلى الاسترجاع في المقطع الرابع حين ظنّ الشاعر أن طوافه في البلاد يفيد في شفائه، ولذلك فإنّ زمن هذا المقطع يأتي أولاً في زمن الأحداث.
    وإذا استعرضنا الأزمنة بدلالاتها في هذا النص، وتوقفنا عند الماضي الذي لم يأتِ الشاعر على ذكره، ولكنّه مفترض، فإننا نرى أنّ هذا الحبّ العميق لابدّ له من ماض، ولا يجوز أن يكون من طرف واحد، ولابدّ من أن يكون الماضي سعيداً بين عاشقين تحابّا وتعاهدا، ولكنّ ظروفاً لم يذكرها الشاعر حالت دون استمرار هذا الحبّ، فإذا الألم والشقاء والأحزان تخيّم على حاضر الشاعر وتفتك به، والألم النفسي حاضر الشاعر، وبخاصة حين يتوقف عند لحظة الغروب، وكأنها تعيد على أسماعنا أسطورة لبد مع لقمان المعمّر في الأساطير العربية القديمة، فإذا كان عمر لقمان مرتهناً بعمر النسر لبد، فإن عمر الشاعر مرهون بهذا القرص الذهبي، فإذا ما حلّ الغياب في الطبيعة حلّ الغياب في عمر الشاعر نفسه، وقد ساعدت الإشارات الزمنية على ذلك، وأهمّها الغروب والنّهار المودّع...
    ويستحضر الشاعر الزمن الآتي من غيبه مع أنّه لم يستخدم فعل الأمر، ولكن المستقبل الذي سيتحقّق معلوم من الشاعر، فهو يستحضر فعل الالتقاء بالموت، ولكنّه الموت حبّاً، وعلى الرغم من أن صوت الشاعر هو الصوت الوحيد الذي نسمعه في النص، وهوصوت متشائم فإن الخلاص ينبثق من هذا التشاؤم، فالعشق في الرومانسية يساوي الموت، والموت تطهير ودليل على الوفاء، ولذلك فإن الشاعر العذري يتقابل ويوازي ويتداخل مع الشاعر الرومانسي، وثمة دلائل وإشارات زمنية تدلّ إلى هذا الزمن، وأهمّها يومي الزائل، مسائي، والعنوان "المساء".

    5 - الفضاء النّصّي ودلالته:
    يُخيّم على النصوص المطرانية مناخات مسرحية، وبخاصة في قصائده الموضوعية التي تكاد تكون عالماً مسرحيّاً، أوهي صالحة، على الأقلّ، لأن تُحوّل إلى مسرحيات، ومنها -مثلاً- "الجنين الشهيد"، و"نيرون"، و"حكاية عاشقين"، وسواها، وهو يقسِّمُ هذا النص الوجداني إلى مقاطع على طريقة الفصول أو المشاهد المسرحية، فالمقطع الأول بمكانة التمهيد ومعرفة الأحداث والشخصيات معرفة أولية، وبخاصة شخصية الذات الناطقة المسحوقة تحت وطأة داءين، وهي تطالعنا في المقطع الأول، وهي تحمل معها الأزمة والعقدة، ثمّ تبدأ هذه الذات تفصّل الحديث في هذا الفعل، وتبيّن الأسباب التي أفضت إلى العقدة في خطابها إلى الحبيبة الغائبة، فتدخل الشخصية الثانية إلى خشبة القصيدة، وإن كان دخولها غير مرئيّ، ويبيّن في المقطع الثالث أمرين: صفات هذه الحبيبة الجسدية وصفاتها المعنوية، ثمّ تخرج هذه الشخصية من خشبة القصيدة في المقطع الرابع، ليظلّ فعلها قائماً، بل يشتدّ قوّة، وتزداد الأزمة حدّة، حتى إنها تصل إلى الذروة في هذا المقطع، ولا يجد الشاعر بُدّاً من أن يخلق من الكائنات الجامدة أشخاصاً يحاورها على طريقة الشعراء الرومانسيين، فيشكِّل من البحر إنساناً يتحاور معه، وإذا الاثنان في حالة متشابهة، ويسلّم الشاعر نفسه إلى التأمل في حركة الغروب في المقطع الخامس، ليصل إلى الرثاء الذاتي في المقطع الأخير، وهذا ما فعله الشاعر في نصّه هذا، قسّم النص إلى مساحات محدّدة، ووزّع الأدوار على الشخصيات حسب ما تقتضيه طبيعة حضورها المسرحي، وإن كانت هذه الشخصيات قليلة، فكان الشاعر هو المؤلف والمخرج والبطل على طريقة الشعر الرومانسي الوجداني.
    وتتكثّف الحركة المسرحية حول الشخصية المحورية التي تستأثر بالبطولة وطغيان الحضور الصوتي تحت دائرة الضوء، ويطلّ الشاعر/البطل/ الراوي معاً في مستهلّ القصيدة، ليعلن لحظة الافتتاح أو البدء:هذا أنا مصاب بداءين، وجسدي لا يقوى على تحمّلهما، ولذلك فهو يتشكّى إزاء مرحلة الموت الشخصي، ولا يقدّم إلينا شخصيته الواقعة تحت بقعة الضوء بصفاتها الخارجية، وإنّما هو يقدمّها من خلال العالم الداخلي، أو الأزمة التي تعيش فيها، وهي أزمة حبّ عاصف، فالبطل متعلّق بحبيبته تعلّق الجسد بالروح، ولذلك كانت هذه الحبيبة -كما يتراءى لنا- تقف مكان المخرج، أو هي تجلس في الصف الأول أو في الظلّ لتتفرّج علىهذه المسرحية ذات البطل الواحد، وتتلهّى بعذاباته، وكانت الإحساسات الحادة هي التي تحرّك هذه الشخصية، فتدفعه تارة إلى هنا، وتارة إلى هناك، وهو يقف وحيداً إزاء عناصر الطبيعة يخاطب حبيبة غائبة، أو يشخّص عنصراً من عناصر الطبيعة ليخاطبه.
    ويتحدّث البطل المحوري عن نفسه بضمير مفرد المتكلّم (أنا)، ولكنّ حديثه همس، وفي همسه ألم دفين، وهو ليس البطل العظيم الذي يتحدّى جبروت الدهر كما في "الإلياذة" و"الأوديسة"، أو الذي يتحدّى الأعداء المدجّجين بالحديد كعنترة العبسي، ولكنه البطل الانهزامي المكسور إزاء عظمة الحبّ، ولذلك فإنّ صفاته الجسدية تتبع صفاته النفسية في جسده الضعيف،وتنشطر "أنا" الشاعر إلى شطرين: أنا وهو... أنا راوية، وهو مرويّ عنه، فالشاعر هنا هو الراوي والبطل معاً، هو المؤلف والممثّل.
    وتطالعنا أصوات أخرى داخل صوت أنا/ هو الراوية والبطل، ومنها الصوت الرئيس، وهو صوت الحزن، فالبطل حزين لما ألمَّ به من حدث جلل، ولذلك أخذ هذا الصوت يستدعي أصواتاً أخرى مشابهة من دون أن يشير إليها لتُعينه بعد أن بُحَّ صوته وهزل جسده، وغدا بلا معين إلاّ روح العاشق، وهو قادر على أن يحوّل هذه الأصوات عن مسارها لتخدم السياق أو المناخ والفضاء الذي يشتمل على الشاعر والحدث.
    تتجاذب ذاكرة اللغة نصوصاً مختلفة من الشعر وسواه إلى عالم النص الحاضر، وهي نصوص تتداخل وتتقاطع لتشكّل بنية النص من نصوص غائبة بألفاظها، حاضرة بدلالاتها، وهي تقبع مباشرة تحت الدلالة السطحية، ولكنّ الحفر في طبقات النص وفضائه يحتاج إلى وقفة طويلة تشكّل هي دراسة مستقلّة، ولذلك رأينا أن نتوقف عندمحطات سريعة للإشارة إلى طبقات النص، أو النصوص الغائبة التي شكّلته.
    يطالعنا البيت الثاني بمقولة العشق ضعف القويّ، والعاشق ضعيف إزاء من يعشق، والمعشوقة ضعيفة قوية، متحكّمة، مستبدّة، وقد تكرّرت هذه المقولة في الشعر العربي بدءاً من العصر الجاهلي إلى يومنا، وهي مقولة دخلت في نسيج نصّ "المساء" بدلالتها، فكان استخدامها متوازيّاً مع الإرث الذي نجده في مثل قول الأعشى يصف حبيبته قتيلة، ودورها في ردّ الروح إلىعاشقها:

    عهدي بها في الحيِّ قد سُربلتْ هيفاءَ مثلَ المُهْرَةِ الضَّامِرِ
    قد نَهَدَ الثَّدْيُ على صَدْرِهَا في مُشْرِقٍ ذي صَبَحِ نائرِ
    لو أسندتْ ميتاً إلى نَحْرِها عاشَ ولم يُنْقَلْ إلى قَابِرِ
    حتّى يقولَ النَّاسُ مما رأوْا ياعجباً للميِّتِ النَّاشرِ"17"

    ويمكننا أن ننفذ من هذه الأبيات، وأمثالها كثير في الإرث الشعري العربي، إلى بيتي جرير الشهيرين:

    إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ قتلْنَنَا، ثمَّ لم يحيينَ قتلانا
    يصرعْنَ ذا اللبِّ حتى لاحَرَاكَ بهِ وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا"18"

    ويطالعنا البيت الثالث بمقولة العاشق الذي يُذيبه العشق حتى لا يعود يبدو منه إلاّ شبح إنسان، وهذه المقولة منتشرة في الشعر العربي، ومنها، مثلاً، بيت بشار بن برد:
    إنّ في بُرْدَيَّ جسماً ناحلاً لو توكَّأْتِ عليهِ لا نهدَمْ"19"

    ويطالعنا صوت المتنبي الهادر في الفخر بعبقريته الشعرية من مثل قوله:

    أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صَمَمُ
    أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها ويسهرُ الخلقَ جرّاها ويختصمُ"20"
    يتجلّى هذا الصوت في صوت مطران في قوله (الأبيات 6-Cool:

    هذا الذي أبقيتِهِ يا مُنيتي من أضلعي وحَشاشتي وذكائي
    عمرين فيكِ أضعْتُ لو أنصفتِنِي لم يجدُرا بتأسّفي وبكائي
    عمرَ الفتى الفاني وعمرَ مُخَلَّد ببيانِهِ لولاكِ في الأحياءِ.
    لكن مطران استخدم صوت المتنبي على سبيل ماكان سيكون، فهو لولا تعلّقه بهذا الحب لكان شاعراً مجيداً عبقريّاً، يشار إليه بالبنان، وتتحدّث عنه الجهات، وتلهج الأزمنة بذكره، ولكنّ تعلقه العظيم بهذه الحبيبة شغله عن المجد وتلك العبقرية، وقد ارتضى بالحبيبة بديلاً من ذلك الصيت وتلك الشهرة، ولكنّ ما حدث أن الحبيبة خدعته، وانصرفت عنه بعد أن تيقَّنت من تحكّمها بعقله وقلبه، فغدا عاجزاً تاعساً متألّماً، فلا الحبيبة تصله، ولا هو قادر على أن يسلوها ويستعيد عبقريته الضائعة، وبذلك استطاع الشاعر أن يحوّل وظيفة النص الغائب (الأصلي) من التفاخر بالعبقرية الفردية إلى التحسّر والانهزام، ويكون هذا الصوت الذي استعاره هو صوته، أو مساعده على الوصول إلى مايريد الوصول إليه في نسيج الخطاب الجديد.
    ثم يدخل إلى خشبة النص صوت آخر، هو صوت المتنبي، في هجاء ابن كَيْغلغ، وبيته في الحكمة التي استقاها من الهجاء، وهو قوله متحسّراً من الوضع الذي آل إليه:

    ذو العقل يشقى في النعيمِ بعقلِهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنْعَمُ"21"

    إنّ البيت في تجربة المتنبي في نسق نصّه الذي نظمه في هجاء ابن كيغلغ، وكان حاكماً على طرابلس، وهو رجل جاهل، وقد طلب من الشاعر أن يمدحه، ثمّ لا حقه بعد ذلك، فهجاه بهذه القصيدة الدامغة، وهو يوازن في هذا البيت بين الإنسان المفكّر العاقل العبقري وبين الإنسان الجاهل، فالعقل والعبقرية والحكمة مصائب في زمن يطلب فيه مثل هذا الجاهل من المتنبي مثل ما طلب، ولذلك فإنه يهجوه هجاءً مرّاً، ويتناول عرضَه وزوجه ونسبه.
    إنّ هذا الصوت قد دخل إلى خشبة النص، وكان في الهجاء، ولكن الشاعر استلّ هذا البيت ليحوّل وظيفته من الهجاء والحكمة إلى الأسى والتحسّر، فهولم يستفد من جهالته وغوايته إذ كان يسمّي الحبّ جهالة، كما لم يستفد من عقله وعبقريته، لأنّه انشغل بجهله عن عقله، وهكذا استطاع الشاعر أن يكوّن صوته من صوت المتنبي، فحوّله من العمومية التي كانت فيه في نسق قصيدة الهجاء إلى الخصوصية في نسيج النص الجديد، واستطاع أن يحوّله من ضمير مفرد الغائب "هو" والحديث عن الآخر إلى ضمير مفرد المتكلّم "أنا" والحديث عن الذات، واستطاع أن يحوّله من موضوعه الأصلي في الهجاء إلى موضوع النص الجديد وتجربته في التحسّر والرثاء الشخصي، وهذا ماكان في بيت مطران التاسع.
    ثم تدخل إلى خشبة النص أصوات رومانسية فرنسية متداخلة، وأهمّها ما يُطلق عليه "مرض العصر"، والتلذّذ بتعذيب الذات، وهذا ما نجده في كثير من الألم العبقري عند هوغو ولا مارتين بعامة، وعند ألفريد دي موسيه بخاصة، ولاسيّما في "الليالي Les NUITS" حيث يقول على لسان آلهة الشعر في ليلة من ليالي أيار:
    أيُّها الشاعرُ! قبلةٌ، أنا التي منحتُكَ إياها
    العشبُ الذي أُريدُهُ أن يُقْتَلعَ من هذا المكان
    إنّه فراغُكَ، ألَمُكَ إلى اللّه.
    ومهما يكن الهمّ الذي يعانيه شبابُك،
    فدعْ هذا الألم يتّسعُ، هذا الجرح المقدّس
    بعثّتْهُ سودُ السَّرَافين في أعماقِ قلبِكَ
    فلا شيءَ يجعلُنا عظماءَ مثلَ ألمٍ عظيم"22"
    هذه الأصوات التي تقدّس الألم، وتراه دافعاً للإبداع والعبقرية، تتسلّل إلى نصّ مطران في موضوع آخر، وهو التحبّب إلى الحبّ وإن كان الحبّ مصدراً من مصادر الشقاء:

    حاشاكِ، بل كُتِبَ الشقاءُ على الورى والحبُّ لم يبرحْ أحبَّ شقاءِ

    وإذا كان الشاعر يستعيرُ أصواتاً من الشعر العربي أو الفرنسي، ليُقيم منها تناصّاً تثاقفيّاً طوليّاً متوازياً أو تناصّاً تثاقفيّاً عموديّاً متعارضاً، فهو في التناص المتوازي يجعل نصّه الحاضر شبيهاً بعاشقه، فهو يسلّم آخر أسلحته للحبيبة، ويسلّم أمره وقلبه، وإذا ثقافة الشاعر استسلامية هي الأخرى، فهي قد تركت النصوص الأخرى تدخل إلىنصّه وتشكّله تشكيلاً موازياً، وهو في التناص العمودي المتعارض، يخالف نصّه، وإذا ثقافة الشاعر تستخدم النصوص في موضوعات مختلفة عن موضوعاتها في النص الغائب.
    ويُقيم الشاعر في بعض أبياته من عناصر الطبيعة شخصيات تدخل هي الأخرى إلى خشبة النص لتتحدث لنا عن تجاربها التي هي في الوقت ذاته انعكاس لتجربة الشاعر، فهو، في المقطع الرابع، يقف وحيداً إلاّ من ذكرياته، وهذا الموقف يشبه موقف الشعراء الرومانسيين الفرنسيين في قصائدهم التي تتحدث عن الوحدة والعزلة (لامارتين) في "البحيرة"، ولعلّ ما أصاب الحبيبة هنا وهناك واحد، وهو تخلّف الحبيبة عن الحضور بسبب المرض ثمّ الموت، وبهذا يتفق ويتطابق هذا النصّ مع بعض نصوص الشعر الرومانسي الفرنسي في النّص الغائب والنص الجديد.
    ويمكننا أن نتوقف عند أصوات كثيرة تشكّل نصّ مطران هذا، من أهمها مقولة "كل شيء باطل وقبض الريح""23" التي تتداخل وتتناسج وتتواشج مع بنية البيت الحادي والعشرين، ومنها صورة الليل الطويل عند امرئ القيس والنابغة الذبياني، وفراش النابغة الذي فرشته العائدات بالشوك، وكمد أبي فراس الحمداني ساعة الإمساء"24" وسواها في تشكيل البيت(26)، ويدخل من خلال البيتين (34-35) صوت الشاعر عنترة في بعض الروايات، وهو يخاطب عبلة ويذكرها في احتدام المعركة:

    ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ منِّي وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
    فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها لمعت كبارِقَ ثغرِكِ المتبسّمِ"25"
    وتدخل الحبيبة إلى دائرة الضوء على خشبة النّص في المقطع الثاني والمقطع الثالث من خلال خطاب الشاعر، لكنها تدخل جسداً بلا لسان، يتكلّم عنها الشاعر، ويقدّم إلينا صفاتها وصلته بها وصلتها به، وهما صلتان مختلفتان، ثم تغيب عن المقطعين الرابع والخامس، لتعود إلى الظهور السريع والاختفاء السريع في المقطع الأخير.
    والحبيبة ذات فاعلية عظيمة في النص مع أنها شخصية ثانوية، وهي الأكثر حضوراً، فهي حاضرة بغيابها أكثر من حضورها بحضورها، وفاعليتها في الغياب أهمّ من فاعليتها في الحضور، ولا نقف في النص على صفات الأنثى الصارخة التي تبعث الشهوة في العاشق، وإنّما هو تعلّق روحي رومانسي، ويبدو أنّ هذا التعلّق هو الآخر الأكثر فاعلية، لأنه يمثّل شساعة البعد بين المحبين، فلا مجاسدة ولا ملامسة بين الطرفين، ولذلك فإن العاشق يظلّ مثل نبتة ظمأى تنتظر السراب والمطر، وهو في حالته تلك كحالة النبتة التي تموت شيئاً فشيئاً، ولو حدثت المجاسدة لكان الواقع أقلّ وطأة.
    إنّ هذه الشخوص الإنسانية والطبيعية التي دخلت إلى خشبة النص ذات دلالات رومانسية سبق الحديث عنها، وهي ذات فضاء رومانسي يخيّم على النص، ويبني علاقات الشخوص بعضها ببعض من جهة وعلاقاتها بالمناخ والفضاء من جهة، فالفضاء مغلق على الحزن، مفتوح على بوابة واحدة تفضي إلى الموت.
    3 - إعادة تركيب:
    بدأت هذه المقاربة بالهجوم على الجوانب الرخوة من النص، ثمّ انتقلت إلى البؤر الغامضة فيه، وكانت تتوخّى الكشف عن الآليات والأنساق التي يشتغل بموجبها النص، وتتألّف بها شعريته وجمالياته الفنية، لهذا ارتأينا في هذه المقاربة أن ننظر إليه بصفته بنية كلية أو نظام/نسق إشاري منسجم، يسهم كلّ عنصر من عناصره في إنتاجه من خلال اندراج المكوّنات الإيقاعية والمعجمية والتركيبية والدلالية في شبكة علاقات متشكّلة في بنية كلّية، ثمّ سارت هذه المقاربة لتغوص في أعماق النص عبر المحور العمودي، لتستحضر الغياب "دلالة النّص"، وتبيّن بعد ذلك رؤية النَّاصّ للعالم من حوله تجربة وثقافة، ملتفتة إلىدور الفضائين الزماني والمكاني في توليد جماليات النّص الأدبي.
    ولابدّ قبل الخروج النهائي من أن نشير إلى أن تفكيك هذا النّص يؤكّد مايلي:
    1 - أن الرومانسية الصافية قد وجدت في شعرنا المعاصر قبل الفترة التي اعتاد أن يؤرّخ لها كتّاب تاريخ الأدب العربي المعاصر، ويعيدون ذلك إلى الثلاثينيات من هذا القرن، وتمثّل هذه القصيدة الرومانسية الصافية، بل هي تجاري الرومانسية الأوروبية إبداعاً وإنتاجاً، ففيها تتجلّى عناصر الرومانسية، ومنها مرض العصر، واستدرار دموع العاشق الملتاع، والالتجاء إلى الطبيعة والاتحاد بها ومناجاتها ومشاركتها في الإحساسات التي تنتاب الشاعر، والموضوع الشعري ذو الإحساسات الشخصية والنزعة الغنائية الوجدانية.
    2 - وأن هذا التفكيك يؤكّد اتصال مطران بأقطاب الشعر الفرنسي الرومانسي اتصال القادر لا اتصال التابع الضعيف، فقد استفاد من هؤلاء، وارتفع بعمله الشعري هذا إلى مصاف أعمالهم الشهيرة، وبخاصة أن هذه القصيدة تعدّ عيناً من عيون الشعر العربي الحديث، ومحطة لا يجوز إغفالها في شعرنا هذا.
    3 - وأنّ أهمية العنوان "المساء" لا تكمن في الانزياحية، أو في الدلالة على ما تحته وحسب، وإنّما في أنه يسجّل واقعة هامّة في الشعر العربي الحديث، وهي أن الشعراء قد ابتدؤوا في مطلع هذا القرن بإطلاق أسماء على قصائدهم، وأنّ هذا الاسم "المساء" هو اسم رومانسي، ولذلك فإن الرومانسيين أخذوا يسمّون قصائدهم بأسماء مثل (الغروب- الخريف- الأصيل- الدمع- السأم- الكآبة- البكاء...الخ)، وكثُرَ هذا في دواوين صلاح لبكي، وصلاح الأسير، ويوسف غصوب، وشعراء جماعة أبولو، وسواهم.
    الهوامش:
    1- ديوان الخليل (أربعة مجلدات) - بيروت- ط3- 1967م-1/144- 146.
    2- انظر: صدمة الحداثة- دار العودة - بيروت- ط1- 1978م- ص ص 99-100.
    3- انظر: مجلة "المقتطف"- المجلد 94- ع3- آذار1939، والمقتطف- المجلد 95- ع1- حزيران 1939، والمقتطف- المجلد96- آذار 1940، وانظر: مندور: د. محمد- محاضرات عن خليل مطران- مطبعة دار الهنا - مصر- 1954م، وانظر دراستنا: خليل مطران شاعر الذاتية والموضوعية- المعرفة- أيار 1994م- ص ص 97- 134، وانظر كتابنا: خليل مطران شاعر العصر الحديث- عن دار ابن كثير- دمشق- بيروت... ط1 - 1999م.
    4- ديوان امرئ القيس- تح: محمد أبو الفضل إبراهيم- دار المعارف بمصر-ط2- 1964م، من المعلّقة.
    5- DUCROT, OSWALD et TO DOROV, TZVETAN- Dictionnaire encyclopé dique des sciences du langage- SEUIL- 1972- p.106.
    6- IBID. P107.
    7- IBID. P,106.
    8- كتاب أرسطو طاليس في الشعر- تح. وتر.د.شكري محمد عياد- دار الكاتب العربي للطباعة والنشر- القاهرة- 1967م- ص 66.
    9- انظر: يعقوب: د.إميل، وبركة، د.بسام، وشيخاني، في -قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية دار العلم للملايين- بيروت - ط1- 1987م- ص 219، والتونجي، د.محمد - المعجم المفصّل في الأدب- دار الكتب العلمية- بيروت- ط1- 1993م- ص498 ومابعدها، والموسى، د.خليل- وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث- اتحاد الكتاب العرب- دمشق- 1994م.
    10- COHEN, JEAN- Structure du langage poétique - FLAMMARION- PARIS- 1966. P. 88.
    11- IBID. P . 74
    12- IBID. P. 171
    13- ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري- ضبطه مصطفى السقا وزميلاه- شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر- 1971م- 4/236.
    14- Structure du langage poétique- p. 108.
    15- IBID. P .108.
    16- ديوان امرئ القيس- من المعلقة.
    17- ديوان الأعشى الكبير "ميمون بن قيس"- شرح وتعليق د.م. محمد حسين- مكتبة الآداب بالجماميز- مصر- 1950م- ص
    18- ديوان جرير- شرحه مهدي محمد ناصر الدين- دار الكتب العلمية- بيروت- ط1- 1986م- ص 452.
    19- ديوان بشار بن برد- صنعه السيّد محمد بدر الدين العلوي- دار الثقافة- بيروت- 1963- ص 212.
    20- ديوان أبي الطيّب المتنبي - 3/367.
    21- المصدر السابق- 4/124.
    22- MUSSET, ALFRED de - oeurvres complétes- l’intergral- Seuil- paris- 1963.p.152.
    23- العهد العتيق - سفر الجامعة - الفصل الأول.
    24-يقول أبي فراس الحمداني:
    إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعاً من خلائقه الكبر
    ديوان أبي فراس- رواية أبي عبد الله الحسين بن خالويه- دار صادر- بيروت- د.ت. ص 157.
    25- ديوان عنترة بن شداد- تح.فوزي عطوي-الشركة اللبنانية للكتاب- بيروت -ط1- 1968م- ص 16، وديوان عنترة بن شداد- شرح د.يوسف عيد- دار الجيل- بيروت- د.ت. ص21، والبيتان المذكوران مرويان ضمن المعلقة. والأرجّح أنّ البيتين من الزيادات، وهما غير مذكورين في رواية الأعلم الشنتمري، ولافي زيادات البطليوسي.. انظر: ديوان عنترة - تح.محمد سعيد مولوي- المكتب الإسلامي- بيروت- دمشق- ط2- 1983م، وقد تنبّه سليمان البستاني إلى أن البيتين منسوبان إلى عنترة- مقدمة ترجمة الإلياذة- منشورات وزارة الثقافة- دمشق- ط3- 1996م. - ص129.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:51 pm