لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    الصــورة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    الصــورة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء يناير 13, 2010 11:03 am







    الصــورة



    ( 1 )

    تتميز المعطيات الحسية بوجودها المستقل عن الوعي، وتتسم بخصائصها الذاتية القارة فيها، وإنَّ الإنسان في أثناء تفاعله معها ليس قادراً، بمجرد تأملها، على إحداث تغير في طبيعتها وخصائصها، ولكن تفاعلاً جدلياً يحصل بين الإنسان والمعطى الحسي، يقود إلى تشكيل نظرة الإنسان للمعطى، ويغير من صورته في الذهن، ولذلك فإنَّ كيفية النظر إلى المعطيات الحسية تتفاوت من إنسان إلى آخر، بحسب الزاوية التي يطل منها على الأشياء، فضلاً عن حالته النفسية التي تنعكس على الأشياء فتلون الوجود، وتضفي عليها خصائص لم تكن موجودة أصلاً في طبيعتها الحسية، كما أنَّ الإنسان نفسه تتغير نظرته للشيء وتأمله مرتين، بحيث يصدق أنْ نقول : إنك لا تنظر إلى الشيء مرتين، لأنَّ صورته تختلف تبعا لجهة رؤيته، وتبعا لرؤيتك وموقفك النفسي .

    وإنَّ مخيلة الإنسان قادرة على اختزان الصور الحسية، وقادرة على استعادتها، والإضافة إليها، أو الحذف منها . وإذا كان الحس » لا يدرك الصـورة إلا وهي في طينتها« أو انَّ الحاسة » لا تدرك محسوساتها إلا في الهيولى ، فإنَّ المتخيلة قادرة على استعادة الصور الحسية مع غيبة طينتها واختفاء هيولاها .

    وتتميز المخيلة بقدرتها على تطوير الصور الحسية وتنميتها وتكـوينها، وأكثر من هذا، تتمكن من خلق صور لم تكن موجودة أصلاً، وإنْ اعتمدت على مقومات حسية كان قد اختزنها العالم الداخلي للإنسان، ولذلك فإنَّ وظيفة المتخيلة لا تعني استذكاراً لصـور المحسوسات واستعادة تخيلها، ولكنها تتجاوز ذلك إلى » وظيفة ابتكارية متميزة، بمعنى أنَّ هذه القوة تأخذ الصور المختزنة في الخيال، وتعيد تشكيلها في هيئات جـديدة لم يدركها الحس من قبل .

    إنَّ الصورة المتولدة التي تخلقها مخيلة الإنسان لا تعني نقلاً حرفياً لمظاهر الصور الحسية الخارجية، أو الجمع بينها، أو محاولة تركيب هذا الجزء بجوار الجزء الآخر، أو أنَّ تخلع جزءاً من معطى حسي وتضعه بجوار معطى آخر، إنها أكثر تشابكا وتعقيدا، لأنَّ الصورة المتولدة خلق جديد لتفاعلات الخبرة الإنسانية والتجربة الشعورية، بحيث يمكن معها القول : إنَّ الصور المتولدة تتميز بتفردها وخصوصيتها لدى الإنسان الفرد . أما في حالة التعبير عنها أدبياً فإنَّ تخيل المتلقي للصورة الحسية لا يمكن أن يتماثل فضلا عن عدم مطابقته مع الصورة الحسية التي ولّدها ذهن الأديب، ويرجع هذا إلى التفاوت في المعطيات الحسية المختزنة، وخصوصية الخبرة والتجربة الشعورية الفردية، وإنك لن تجد صورتين متطابقتين سواء بين المبدع والمتلقي أو بين المتلقين أنفسهم، والسر في هذا يرجع لأنَّ عملية الإبداع وكذا عملية التلقي ليستا عمليتين آليتين تحكمها آليات التفكير الميكانيكي المحض، وإنما تعودان إلى تباين الصور المختزنة في الذهن، وكيفية رؤيتها أصلاً في الواقع، ومدى انعكاسها على الذهن، ومن ثم ترجع إلى اختلاف التجارب النفسية والشعورية، وهي تجارب مختلفة، ولا أدل على ذلك من كلمة » مدينة « التي بمجرد ذكرها تتولّد صورة ما في ذهن المتلقي، هي نتاج تفاعل خلاق مختزن، استدعته هذه اللفظة، وتتفاوت الصورة لدى المتلقين، فحين يقول بدر شاكر السياب :

    مدينتنا تؤرقُ ليلَها نارٌ بلا لهب

    فإنَّ الصورة المتخيلة بضمير جمع المتكلمين » مدينتنا « في ذهن السياب محددة في مدينة ما، واقعية أو متخيلة، وإنَّ المتلقي حين يقرأ هذا السطر الشعري يتبادر إلى ذهنه مدينة ما واقعية أو متخيلة، تختلف قطعاً عن صورة المدينة في ذهن السياب، وتختلف عن المدن المتخيلة في أذهان المتلقين الآخرين .

    وما دامت الصورة الأدبية تستمد قسماً من عناصرها ومكوناتها من المعطـيات الحسـية، فإنها لا تنفصل كثيراً عن جذرها اللغوي »التصوير » ، غير أنَّ » التصوير « ليس العنصر الوحيد الحاسم في تكوينها وتحديد طبيعتها، لأنَّها لا تنفصل أيضاً عن مكونات ذهنية تكتنفها وتحتويها، ولا يعني هذا أنَّ تجاور التصوير والتعبير الذهني يعني تكامل مكونات الصورة، أو يعني تحديداً لماهيتها وطبيعتها، فإنَّ الصورة أكثر تعقيدا من هذين البعدين، وأشمل من أن تتخلق من تجاورهما . لأنَّ الصورة ليست كياناً منتزعاً خارج التشكيل اللغوي للنص الأدبي، وإنما هي منبثة في ثناياه وذائبة في مكوناته، تماماً، كما أنَّ الإيقاع في الشعر لا يتأتى وجوده دون تتابع مقاطعه التي تتراكب بكيفية معينة من تضام الوحدات الصوتية للغة، فلا وجود لإيقاع في اللغة والشعر دون الـوحدات الصـوتية كذلك لا يمكن أن يتأتـى للصورة أن توجد دون التشكـيل اللغوي الذي يتم تجادلهما من خلاله في عملية خلق واحدة، وتلتقي الصورة مع الإدراك، فكل منهما يتعامل مع الأشياء بكيفية معينة، فالكلمات في الصورة الأدبية تشير إلى الأشياء، ولكـنها فـي الإدراك تـدل على الأشيـاء، غير أنهما الصورة والإدراك يعيدان صياغة العلاقات المكونة لطبيعتها بطريقة وكيفية جديدة، ولذلك تزود الصورة المتلقي بالوعي والمعرفة كما أنَّ الإدراك يزود هو الآخر المتلقي بوعي ومعرفة، ولكن الكيفية التي يتم بها تشكيل مكونات كل منهما مختلفة، وأنَّ توصيل المعرفة للمتلقي يتم من خلالهما بطرائق متباينة ولعل ت . س . إليوت مسّ هذا حين عقد مقارنة بين الشعر والفكر، وأكد » أنَّ مجال الشعر هو أولاً مجال التعبير عن المشاعر الوجدانية والانفعال، وان المشاعر الوجدانية والانفعالات تقوم على التخصيص، بينما يقوم الفكر على التعميم، والتفكيـر بلغة أجنبية أيسـر بكثير من ممارسـة الوجدان بهـا، ولذلك كـان الشـعر اكثر معـاندة في محليته.

    وليست الصورة مزجاً لمعطيات حسية خارجية تتجاور مع تهويمات الشعور والانفعال، لأنَّ الفن بعامة، والأدب بخاصة، على الرغم من أنهما يتفاعلان مع الخارج متمثلاً في الوجود، فإنَّهما في الوقت ذاته يتفاعلان على نحو أرحب مع الداخل متمثلا في الذات المدركة، وأحسب أنَّ العلاقة بين هذين العنصرين الداخل والخارج بالغة التعقيد ويبدو أنَّ الخارج يمثل ثابتاً لا تتغير طبيعته بتغير الرؤية إليه، ولكن ما يحصل في الداخل من تغيرات هـو الذي يقـود إلى رؤية الخارج بطريقة ما، ولذلك، فإنَّ الصورة » تتأمل بنوع من المباطنة، لأنَّها ذات كيان نفسي يتفتح صوب الوجود .



    ( 2 )

    ولست في سياق التفصيل في أثناء التطبيق للصورة التشبيهية والاستعارية، وإن كان لا بد من التعرض لهما، فالصورة التشبيهية بطبيعتها تنطوي على عقد مقارنة بين أشياء وعلاقات تنتمي جلها إلى العالم الظاهري ، ويجمع بين هذه الأشياء والعلاقات أشكال متعددة من المماثلة والمشابهة، وتهدف الصورة التشببيهية إلى تمكين المتلقي من الدلالة، كما أنَّها تشتمل على مؤثرات جمالية ووجدانية في الوقت ذاته، ففي الآية القرآنية الكريمة » مَثَلُ الذينَ كَفَرُوا بِرِبِّهِم أَعمَالُهُم كَرَمـادٍ اشتَدَّت بِهِ الرّيحُ في يَومٍ عَاصِف يشبه الله سبحانه وتعالى أعمال الكافرين بالرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، والملاحظ أنَّ أعمال الكافرين لا تقع عليها الحاسة الإنسانية وقد شبهه الله جل قدرته بالرماد، وهو ما تقع عليه الحاسة البصرية بخاصة، لتجتمع في الصورة كما يقول أبو الحسن الرماني حالة » الهلاك وعدم الانتفاع والعجز عن الاسـتدراك لما فات، وفي ذلك الحسـرة العظـيمة والمـوعظـة البليغة .

    إنَّ الصورة التشبيهية تشتمل على هذا الضياع الذي حدده التشبيه بهذه الصورة البصرية التي تتضمن بعـداً سمعيـاً، فاشتداد الريح وعصفها ينطوي على أبعاد صوتية سمعية، كما أنَّ الرماد وانتثاره وعصف الريح به يمثل في الوقت ذاته صورة بصرية، على انَّ هذا لا ينفصل عن التأثير الوجداني بالمتلقي، من حيث المماثلة بين أعمال الكافرين ولون الرماد وتفاهته وعدم الإنتفاع به، بل وتناثره في الهواء العاصف، فالصورة مؤثرة بطريقة تركيبها وبطاقتها التعبيرية والموسيقية.

    إنَّ الصورة التشبيهية تعبر عن التشابه والتماثل بين عناصر أو حالات أو مواقف أو نحوها، وهي تعني أنَّ » أ « مثل » ب «، وهي تختلف عن الصورة الضمنية في الاستعارة التي تعني اعتبار شيئين شيئاً واحداً، أي أنَّ » أ « هي » ب .

    وتمثل الاستعارة عنصراً جوهرياً في الأدب بعامة والشعر بخاصة، فمتى خلا الشعر منها لم يعد شعراً، لأنَّ الاستعارة تمثل العنصر الثابت في الشعر ويخضع ما سـواها من مكـونات الشعر للتغير والتطور والتبدل، بل انَّ الحكم على الشاعـر أحيانـاً يتـم من خلال استعراض استعاراته من حيث قوتها وجدتها وابتكارها، لدرجة أنَّ آرسطو عدها دليلاً على العبقرية .

    ويمثل » النقل « المحور المركزي الذي تعتمد عليه الاستعارة لدى العديد من نقادنا في التراث النقدي والبلاغي، فالاستعارة لدى الرماني مثلاً » تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة ، وهي لدى علي بن عبد العزيز الجرجاني » ما اكتفي فيها بالاسم المستعار للمستعار على الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار للمستعار منه، وامتـزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الأخرى.

    وتتضح صورة النقل في الآية القرآنية الكريمة » وَاشتَعَل الرَّأْسُ شَيبَا ، لأنَّ الاشتعال لم يستخدم في أصل وضعه في اللغة للشيب، ولكن المعنى نقل إلى الشيب، لأنَّ هناك تماثلاً وشبهاً بين النار السارية في الحطب والشيب المنتشر في الرأس، إذن فهناك تحول من ناحية إلى أخرى، سواء في حالة الإحراق أو في حالة تغير لون الشعر .

    وإذا كانت الاستعارة تقوم لدى الرماني وعلي بن عبد العزيز الجرجاني على فكرة » النقل « فإنَّها تقوم لدى عبد القاهر الجرجاني على فكرة » الإدعاء « و «الإثبات ، كما أنَّها تتأسس لديه في ضوء »الإسناد« ففي الآية الكريمة » واشتعل الرأس شيبا « يتم » الإسناد « عن » طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه فيرفع به ما يسند إليه ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوباً بعده مبيناً أنَّ ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول انما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة ، واخذ عبد القاهر الجرجاني يقارن بين تركيب الآية القرآنية وتركيبين آخرين هما : » واشتعل شيب الرأس « و» اشتعل الشيب في الرأس « مؤكداً أنَّ التركيب القرآني يتفوق على التركيبين الآخرين، والسبب في ذلك لأنَّ الفعل » اشتعل إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بانَ بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة فإنَّ السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول وانه قد شاع فيه، واخذ من نواحيه، وأنه قد استغـرقه، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء أو لم يبق منه إلا ما يعتد به

    وعلى الرغم من هذا فإنَّ الاستعارة هنا تحافظ على طرفيها مستقلين، والحق أنَّ طرفي الاستعارة » يتفاعل كل منهما مع الآخر ويعدل منه، إنَّ كل طرف من طرفي الاستعارة يفقد شيئا من معناه الأصلي ويكتسب معنى جديدا نتيجة لتفاعله مع الطرف الآخر داخل سياق الاستعارة الذي يتفاعل بدوره مع السياق الكامل للعمل الشعري أو الأدبي .

    ولو أعدنا التأمل بالآية الكريمة لألفينا أنَّ الاشتعال يدل على الانتشار السريع وينطوي على إضاءة باللون ويتضمن بذاته الإحراق، ومن ثم تحويل الشيء إلى شيء آخر وهذا كله يتصل بمؤثرات حسية بصرية وسمعية، إضافة إلى التأثير بالوجدان، وأنَّ الشيب يشترك مع الاشتعال في انتشاره السريع وفي مؤثرات حسية وبصرية، وتحويل الشيء إلى شيء آخر، فإذا كان الإحراق يحول الشيء المحروق إلى رماد، فإنَّ الشيب

    يحـول شعر الإنسـان من أسـود إلى أبيض، تحول هناك في اللون وتحول هنا في اللون مع الأخذ بنظر الاعتبار الدلالات التي ترافق التحولين :

    ـ مؤثرات حسية بصرية ( صورة الاشتعال )

    الاشتعال ـ مؤثرات حسية سمعية ( صوت الاشتعال )

    ـ تحول الشيء إلى شيء آخر ( التحول إلى رماد )



    ـ مؤثرات حسية بصرية ( لون الشيب )

    الشيب ـ الانتشار السريع للشيب

    ـ تحول الشيء إلى شيء آخر ( تحول في اللون )

    إنَّ » الشيب « و » الاشتعال « يتفاعلان إلى درجة يخلع فيها الاشتعال بعض صفاته على الشيب، وإنَّ الشيب يخلع هو الآخر بعض صفاته على الاشتعال، وإنَّ الدلالة العميقة التي تكتنف بعدي الاشتعال والشيب واحدة، ويحتويها البعد النفسي الذي يكمن خلف الصورة، وتنقله طبيعة التركيب اللغوي إلى مخيلة المتلقي والتأثير فيه، ويسهم في تجلية هذه الدلالة سياق الآية الكريمة : » قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ العظمُ مِنّي وَاشتَعَل الرَّأْسُ شَيَبَا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقَيا .

    ونحاول تأمل الأبيات الشعرية الآتية :

    أَبَى اللّهُ أَنْ تَبقَى لِحَيّ بَشَاشَة

    فَصَبْراً على ماشَاءَهُ اللّهُ صَبرَا

    رَأيتُ غَزَالاً يَرتـَعي وَسْـطَ رَوضَـةٍ

    فَقلتُ أَرى لَيلى تَراءتْ لَنَا ظُهْـرَا

    فيَا ظَبيُ كُلْ رَغداً هَنيئاً ولا تَخَفْ

    فإنَّـك لي جَارٌ ولا تَرهب الدَّهـرَا

    وَعِنـدي لَـكم حِصِنٌ حَصَيـنٌ وصَــارِمٌ

    حسامٌ اذا أَعملته أحسـَنَ الهَبْـرَا

    فما رَاعنـي إلا وذِئبٌ قـد انتـحَى

    فَأَعلَقَ في أَحشائِهِ النَّابَ والظِفرا

    فَفَوَّقتُ سَـهمي في كَتـومٍ غَمزتـُـها

    فَخَالَطَ سَهمي مُهجَةَ الذئِبِ والنَحرا

    وأَذهَبَ غَيـظي قَتلُه وَشَـفَى جَــوى

    بـقلبـي أنَّ الحـُرَّ قـد يُـدركُ الـــوِتــرا

    ومن أجل تمثل أفضل أرى من المناسب التأكيد على أنَّ النص الأدبي يتميز بوجوده الموضوعي المستقل عن الذات الإنسانية المدركة، وانه ينطوي على ماهيته الخاصة التي تترتب فيها عناصره المكـونـة له بكيفية معينة، بمعنى أنه يتكون من تشكيل لغوي خاص، وإنه يحتوي على مفردات لغوية تعارف الناس على دلالاتها، وأنَّ معاني هذه المفردات تتفاوت في الوضوح والتأثير بين الأفراد، إذ إنَّ دلالة الكلمة لدى لغوي متخصص ليست هي تماماً لدى الإنسان العادي، كما أنَّ للكلمة دلالاتها السياقية، وتختزن بعــداً تراثياً، فكلمة مثل » سوَّلت « لها دلالة لغوية تعني تزيين الأمر، ولكنها لا تنفصل في الحقيقة عن دلالة تتضمنها بسبب ورودها في سياق آية قرآنية، بحيث لا تنفك عنها هذه الدلالة .

    إنَّ علاقة الناقد بالنص الأدبي أكبر من مجرد القراءة السريعة والتأثر المنفعل بالنص لأنَّ أول ما يقوم به الناقد هو محاولته في فهم النص الأدبي، وهذا يشتمل على إقامة حوار مع الدلالات اللغوية التي ينطوي عليها النص الأدبي، وإدراك دلالاتها في أصل وضعها في اللغـة وفي مـدى سياقها، ومن ثم وعي الجوانب الفنية والمعرفية، وإنَّ هذه المحاولة في فهم النص والسعي إلى استنطاقه، أي جعل النص يكشف عن قيمه الجمالية، أو ما يمكن أن نطلق عليه » تبادل المعاني داخل النص ذاته « .

    إنَّ الشاعر في الأبيات الشعرية السالفة يصف غزالاً، يرعى وسط روضة من الرياض، ويذكره جمال الظبي بحبيبته وجمالها، ويتعهد الشاعر بسبب هذه المماثلة في الجمال مع نفسه، وللظبي، أن يحميه ويدافع عنه، غير أنَّ ذئباً يغدر به، فيعلق أظفاره وأنيابه في أحشاء الظبي، ويثأر الشاعر للظبي، ويبر بوعده، فيقتل الذئب، ويشعر عندها بارتياح لأنَّه قد ثأر من خصمه .

    وهذا هو ظاهر الأبيات، وليس هو مقصود الشاعر في الحقيقة، لأنَّه لا يريد تسلية المتلقي بمجرد حكاية حصلت بعض أحداثها في إحدى الرياض . إنَّ هذا النص الشعري له وجهان متجاوران، أحدهما : ظاهري أو جلي، وثانيهما : باطني أو خفي والأخير هو الذي يعنيه الشاعر، ويظهر أنَّ التعبير بالرمز والإشارة والإيحاء يحقق للمبدع متعة، ويسعفه في التعبير عن انفعاله، كما أنه أكثر تأثيراً بالمتلقي، حيث يتعاطف مع الشاعر في النهاية ويشعر بارتياح حين يتمكن الشاعر من قتل الذئب .

    ويمكننا القول إنَّ الأبيات الشعرية إنما تمثل استعارة كبرى يمنع ان يقصـد منها ظاهر الأبيات قرينة » أرى ليلى تراءت لنا ظهرا « إذن هناك صورتان متفاعلتان إحداهما الظاهرة تتجلى في : الشاعر، والغزال، والذئب، والثانية خفية يمثلها : الشاعر وحبيبته ليلى، وزوجها، وفي الصورة الأولى يتبدى الشاعر وهو يتحرك حركتين : إحداهما : نحو الغزال، والثانية : نحو الـذئب . وحـركة الشاعر نحو الغزال إعجاب بالجمال وتعهد بالحماية، ويعرض الشاعر لتعهداته بقيم اجتماعية، كأن يجعل من الغزال جاراً له، ومن ثم يتحتم عليه حماية جاره . ويستعرض في الوقت نفسه أدواته التي يستخدمها لحماية هذا الكائن، وهي على ضربين : دفاعية : متمثلة في الحصن الذي يمنع عن الغزال مخاطر الأعداء، وهجومية : وهي الحسام الذي يحسن القطع، أو السهم الذي يحقق هدف الشاعر في إدراك الغاية بقتل الذئب، أما الحركة الثانية، وهي نحو الذئب فهي رد لحركة الذئب نحو الغزال، فلقد افتض الذئب أحشاء الظبي وافترسه، وأعلق في أحشائه أنيابه وأظفاره، فما كان من الشاعر إلا أن يفي بوعده، وهو إن لم يستطع أن يحقق حماية الظبي، فلقد حقق الثأر له من خصمه وعدوه، ومن ثم يحقق ذلك ارتياحاً يشعر به الشاعر ويعبر عنه، وتنتفل آثاره إلى المتلقي الذي يتم من خلال ذلك تفريج انفعاله بعد شده وتوتره .

    إذن فنحن إزاء حركات متعددة في النص الشعري :

    حركة الـــذئب نحو الغزال : « طمع وقتل وافتراس » .

    حركة الـــذئب نحو الشاعر: «مخاتلة وغدر واستغلال الفرص » .

    حركة الشاعر نحو الغزال: « إعجاب بالجمال وتعهد بالحماية » .

    حركة الشاعر نحو الذئب: « الثأر وتحقيق الغاية بالقتل » .

    أما الغزال فإنَّه في حالة استسلام للشاعر الذي لم يفلح في حمايته، وإن ثار من أجله، واستسلام للذئب الذي افترسه .

    ولو انتقلنا إلى الجهة المقابلة، إلى الصورة الخفية التي يقصدها الشاعر في الواقع لألفينا الشاعر يتحرك نحو حبيبته ليلى بالحماية المعنوية بالحصن الذي قد يدل على البيت الذي يريد العيش فيه وإياها، أما السيف فهو السلاح الذي يحميها به، ونلتقي أيضاً بحركة زوج ليلى، وهو الرجل الذي يخلع عليه الشاعر بعض خصائص الذئب وصفاته وأنه يتصف بالغدر فضلاً عن الخصائص الحيوانية، وأنه قد افترس حبيبة الشاعر .

    إنَّ تبادل المعاني في النص تتجلى في هذا النص الشعري، فالصورة الظاهرة إنما تمثل لوناً من الرمز، وهي تخلع بعض صفاتها وملامحها على الصورة الخفية، كما أنَّ الأخيرة تضفي بعض خصائصها وتلقي ظلالها على الصورة الجلية في ضوء تفاعل جدلي تتبادل فيه المعاني في النص ذاته .

    ويتم تبادل المعاني من خلال أوجه المماثلة والمشابهة، فالغزال كائن مقدس كان يعبد ذات يوم في الجـزيرة العـربية وقد أضحى مثالاً أعلى للجمال، وهو يرتع وسط روضة قد تمثل مرحلة الإخصاب، أو قد تمثل الربيع، وهذا الجمال الذي يتميز به هذه الكائن المقدس الجميل يضفي بعض صفاته على ليلى، كما أنَّ ليلى تخلع بعض صفاتها على الغزال، ويتحقق الأمر نفسه بجلاء من خلال التماثل بين الذئب وزوج ليلى، وهنا يتم تبادل المعاني، إذ يخلع الذئب بعض صفاته من حيث الغدر والمخاتلة والافتراس على زوج ليلى، كما أنَّ الأخير يخلع بعض صفاته على الذئب، وان حالة الافتراس التي ينتحي فيها الذئب بالغزال، بما تنطوي عليها من قتل ودماء تماثل حالة الانتحاء زاوية لترمز إلى عملية افتراس روحي وجسدي، يؤديها زوج ليلى، فلو قمنا بتبادل المعاني لقلنا إنَّ هناك فتاة ينهشها حيوان مفترس يتلذذ بغرس أنيابه وأظفاره في أحشائها، وظبي يفقد حياته بفعل قسوة رجل يتلذذ ويستمتع في جسد ميت . إنَّ المعاني تتبادل هنا إلى درجة يكون الذئب هو الذي تزوج ليلى، وان الإنسان المجرم هو الذي يطفئ حياة الظبي ويشوه جماله . تبادل في المواقع وتبادل في الدلالات .


    إنَّ الصورة الجلية تمثل ترميزاً لحالة تماثلها في الواقع، أو أنَّ الشاعر » يواجه تشكيل الواقع بتشكيل يوازيه رمزياً ، وبهذا أضفى الشاعر على الصورة الواقعية ظلالاً من الترميز، وهي جزء من الحالة الشعورية التي يعيشها الشاعر، وإذا كنا نجد تماثلاً بين الصورتين الخفية والجلية فإنَّنا نفتقر إلى تحقيق هذا التماثل في الواقع في الأجزاء الأخيرة من النص الشعري، فإنَّ ثأر الشاعر لم يتحقق في الواقع، وإنَّ الانتقام من زوج ليلى لم يتم . وهذه الحـالة لها ما يبررها نفسيا، لأنَّ الشاعر يحاول إفراغ انفعاله وتحقيق بعض آماله وطموحاته من خلال الحلم باليقظة، وهو أحد ألوان التعويض، إنَّ الشاعر يحقق بالشعر ما لم يستطع تحقيقه في الواقع، فهو إزاء واقع اجتماعي سلب منه حبيبته ودفعه إلى توتر شديد، وكان لا بد من إزالة غيظه بقتل الرمز، وإنَّ تحقيق قتل الرمز كأنه يحقق على صعيد الحلم قتل المرموز، أو هذا ما يحلم به الشاعر، أنَّ الثأر بين الشاعر وزوج ليلى تم تحقيقه بقتل مماثل الزوج وهو الذئب، ومن هنا ندرك لماذا أذهب قتل الذئب غيظ الشاعر وكيف شعر بالارتياح في قوله :

    وأَذهَبَ غَيـظي قَتلُه وَشَـفَى جَــوى

    بقلبي أنَّ الحُرَّ قد يُـدركُ الوِترا

    ونخلص من هذا كله إلى أنَّ النص الشعري بخاصيته اللغوية ذات الطوابع التركيبية إنما تنبئ في الوقت نفسه عن أبعاد ذاتية انفعالية، لأنَّ التعبير يخرج بالانفعال والتجربة الشعورية من حالة التفكك والتشتت إلى الاتساق والنظام، ويشتمل النص على دلالات رمـزية معينـة، وبمعنى آخـر » أنَّ طبيعة الفن التركيبية ضرورة نفسية من حيث إنَّ الفن يخرج اللاشعور المتناقض المفكك إلى الشعور المنظم الموحد

    وإذا كانت التجربة الشعورية بما يرافقها من انفعال بالواقع تحاول التعبير بالتخيل عن معاناة الشاعر، وان الصورة المتخيلة قد تحكي واقعاً له دلالة رمزية كائنة في النفس فإنَّ التعبير بالترميز إنما ينفس عن الانفعال ويزيل من توتر المبدع .

    إنَّ القصيدة كلها هنا قد تحولت إلى صورة واحدة يمثل جانبا منها رمزاً، ويمثل الجانب الآخر مرموزاً، ويتبادل كل منهما مع الآخر المواقع والدلالات، وبذا تأخذ الصورة الأدبية شكلاً تتداخل فيه أبعاد ذاتية وتعبيرية متعددة، ويتقاطع فيه الموقف النفسي للأديب مع الواقع بكل ما فيه من ضغوط ومعاناة .



    ( 3 )

    الصورة التراكمية :

    ونلتقي في الشعر الجاهلي بنمطين أساسين من أنماط الصورة الشعرية : الصورة التراكمية، والصورة النامية الممتدة، وتتفشى الصورة التراكمية في الشعر الجاهلي بحيث لا يخلو منها ديوان شاعر، وهي تعني تراكم الصور الجزئية الواحدة تلو الأخرى، حول موقف واحد، أو موضوع واحد، كأن يصف الشاعر الطلل، أو حبيبته، أو فرسه، أو المطر، ونحو ذلك من الموضوعات . ولعل امرأ القيس واحد من الشعراء الذين فتنوا بهذا النمط من الصورة، إذ تتراكم لديه الصور الجزئية في وصف حبيبته وفرسه يقول :

    وَقَد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها

    وَمَاءُ النَّدَى يَجري على كُلِّ مِـذْنَبِ

    بِمُنجَرِدٍ قَيْـدِ الأَوابـدِ لاَحَــهُ

    طِــرادُ الهَوَادي كُـلَّ شَأْوٍ مُغَـرَّبِ

    عَلى الأَيْـِنِ جَيَّـاشٍ كأَنَّ سَـراتَهُ

    على الضُّمرِ والتَّعداءِ سَرحَةُ مَرْقَبِ

    يُبَاري الخَنُوفَ المستقِلَّ زِماعُـهُ

    تـَرى شَـخصَهُ كأّنَّهُ عُــودُ مِشــجَبِ

    لَهُ أَيْطَلا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَـــةٍ

    وَصَـهـوَةُ عَيْرٍ قَـائمٍ فَـوقَ مَـرْقَبِ

    وَيَخطـو على صُـمٍّ صِلابٍ كأَنَّــها

    حِـجَــارةُ غَيْـلٍ وارِسَاتٍ بِطُـحْـلَبِ

    لَهُ كَفلٌ كَالدِّعصِ لَبَّــدهُ النَّـدَى

    إلى حَارِكٍ مَثلِ الغَبيــطِ المُذْأَبِ

    ويقول لبيد :

    ومَا النَّاسُ إِلاّ كَالدّيارِ، وأَهلُها

    بِها، يَومَ حَلُّوهَا وَغَدْواً بَلاقــعُ

    ومَا المرءُ إلاّ كَالشِّهابِ وضَـوئِهِ

    يحور رَمـاداً بعد إذْ هـو سَاطِعُ

    وما المَالُ والأَهلونَ إِلاّ وَدَائعٌ

    وَلا بُدَّ يـوماً أَنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ

    فَأَصبحتُ مِثلَ السَّـيفِ غَيَّـرَ جَفْنَهُ

    تَقادمُ عَهْدِ القَيْنِ والنَّصلُ قَاطِعُ

    ومن الواضح أنَّ لبيداً يتكئ هنا على التشبيه وسيلة لتراكم الصورة الشعرية التي تتلاحق حول مركز واحد الموت والفناء الذي تتجلى دلالاته في الإنسان والطبيعة . ومثله قول دريد بن الصمة في رثاء أخيه :

    غَدَاةَ دَعَاني والـرِّماحُ يِنُشنَهُ

    كَوَقْعِ الصَّياصي في النَّسيجِ الممدَّدِ

    وكَنتُ كَذَات البَوِّ رِيعَتْ فأَقبَلَتْ

    الى جِذَمٍ من مَســكِ سَـقْبٍ مُـجَلَّدِ

    فَطَاعنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتَّى تَبدَّدتْ

    وحتى عَلاني حَالكُ اللَّــونِ أَسـوَدُ

    طِعَانَ امريٍء آسَى أخَاهُ بِنفسِهِ

    وأَعلَمُ أَنَّ المَـرءَ غَيرُ مُـخَـلَّـدِ

    أما الأعشى فتراكم الصور الشعرية لديه في الخمرة بخاصة، وتمثل الخمرة المركز التي تدور حوله هذه الصور المتراكمة، وتسهم الحواس في تعميق الصورة وتعميق دلالاتها فالخمرة مثل أزهار حمراء رائحتها زكية كالمسك، وهي تسقى من دن سوداء، لا تنقص مهما اغترفت منها الأباريق، وهي تفيض وتتسع، يقول :

    وَشَمُولٍ تَحسِبُ العَينُ إذا

    صُفِّقتْ وَردتَها نَوْرَ الذُّبَحْ

    مِثلُ ذَكي المِسكِ ذاكَ رِيحُها

    صَبَّهَا السَاقي إذا قِيلَ تَوَحّ

    من زِقَاقِ التَّجرِ في باطِيَةٍ

    جَوْنَةٍ حَارِيَّةٍ ذَاتِ رَوَحْ

    ذَاتِ غَوْرٍ ما تُبالي يومَهَا

    غَرَفَ الإبرِيق منها وَالقَدَحْ

    وإذا ما الرَّاحُ فِيهَا أَزْبَدَتْ

    أَفَلَ الإزبادُ فيها وامتَصَحْ

    فالخمرة لونها أحمر مثل أزهار الذبح، وهي في دن سوداء، ورائحتها مثل المسك وبهذا تتعدد الصور المتراكمة حول مركز إشعاعي واحد، تصدر عنه الصورة، ومن الجدير بالإشارة أنَّ الصورة عند الأعشى حسية يجمع فيها الشاعر بين مكونين حسيين . ومثل هذا الصورة الخمرية عند عمرو بن كلثوم في قوله :

    مُشَـعْشَـعةً كأَنَّ الحُـصَّ فيـها


    إذا ما الماءُ خالَطَهَا سَخينا


    تَجُورُ بذي اللُّبَانَةِ عن هَوَاهُ


    إذا ما ذاقَــها حتى يَلينـا


    فهو يصف خمرته بأوصاف عديدة، فهي مشعشعة أي ممزوجة بالماء، ثم انتقل إلى وصف لونها بأنه أحمر، كأنما القي فيه الحص وهو نبت أحمر اللون .

    ويقول النابغة :

    أَتَاني ـ أَبْيتَ اللَّعنَ ـ أَنكَ لُمْتَني

    وَتِلكَ التي أَهتمُ مِنها وأَنصَبُ

    فَبِتُ كَأَنَّ العَائدِاتِ فَرَشنَنَي

    هَراسَاً بِهِ يُعلَى فِراشِي وَيُقشَبُ

    ويقول :

    حَلَفْتُ فَلَمْ أتـركْ لِنَفسِكَ ريبـةً

    وَلَيسَ وَراءَ اللّـهِ للمـرءِ مَـذهبُ

    لئنْ كُنتَ قَدْ بُلِّغتَ عَنّـي خِيانةً

    لمُبلغُكَ الوَاشِـي أَغــشُّ وأَكــذبُ

    وَلكنني كُنتُ امرأً لِيَ جَانـبٌ

    من الأرضِ فـيـهِ مُستـَرادٌ وَمَذهبُ

    مُلُوكٌ وإخوانٌ إذا ما أَتيتُـهم

    أُحَـكَّمُ في أَمــوالـِهـم وَأُقَــرَّبُ

    كَفِعلكَ في قَومٍ أَراكَ اصطنعتَهم

    فَلم تَرَهُمْ في شُكرِ ذلك أَذنَبُــوا

    فَلاَ تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كأّننَّــي

    إلى الناسِ مَطليٌّ به القَارُ أَجربُ

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّـهَ أَعطاكَ سَوْرةً

    تَرى كُلَّ ملكٍ دُونَــها يـَتـذَبـذبُ

    فإنَّك شَمْسٌ والملوكُ كَواكبٌ

    إذا طَـلَـعتَ لــم يَبـدُ مِنهـنَّ كَـوكــبُ

    وقد اعتمد النابغة على التشبيه في تشكيل الصورة التراكمية، ومن أمثلة ذلك :

    فَإنكَ كَالليلِ الذي هو مُدرِكي

    وإنْ خِلتُ أَنَّ المُنتأَى عنكَ واسعُ

    وقوله:

    وَعيدُ أَبي قَابُوسَ في غَيرِ كُنهِهِ

    أَتانـي وَدُونـي رَاكِـسٌ فالضَّواجِعُ

    فَـبِـتُّ كَأَنَّـي سَاوَرَتـني ضَئيلةٌ

    من الرُّقشِ في أَنيابِها السُمُّ نَاقِعُ

    وتتراكم الصور عند عنترة بن شداد في قوله :

    إذْ تَستَبيكَ بذي غُروبٍ وَاضِحٍ

    عَـذْبٌ مُـقَـبَّلُهُ لَـذيذِ المَطعَمِ

    وكأَنَّ فَارَةَ تاجِـرٍ بِقَسيـمَةٍ

    سَبَقَتْ عَوارِضَها إليكَ من الفَمِ

    أو رَوضَةً أَنُفاً تَضمَّنَ نَبتَهَا

    غَيْثٌ قَليلُ الدَّمنِ ليـسَ بِمَعْلَمِ

    إذ يصف ثغر حبيبته الراحلة بالعذوبة، ورائحة المسك تفوح منه، وكأنه يشبه روضة من الرياض، ومن الملاحظ أنَّ الصورة تستقي خصائصها من مصادر حسية مختلفة ذوقية في عذوبة التقبيل، وشمية في رائحة المسك، وبصرية في مشاهدة الروضة، فضلاً عن بياض الأسنان .

    ويعمد الشاعر في بعض الصور التراكمية إلى صورة وثابة يجسم فيها الشاعر مشهدا يمور بالحياة والحركة، كما فعل ذلك زهير بن أبي سلمى حين وصف دار حبيبته :

    بِهَا العَيْنُ والأرآمُ يَمشِينَ خِلفَةً

    وأَطلاؤُها يَنهضْنَ من كُلِّ مَجْثَمِ

    فطلل الحبيبة معشب وفيه العين وهي نوع من الغزلان، وسميت بالعين لسعة أعينها، وفيها آرام وهي جمع رئم وهو الظبي الخالص البياض، ويمشين خلفة، أي يخلف بعضها بعضا أي إذا جاء قطيع جاء بعده آخر، حركة تتابع فيها هذه القطعان، ومما زاد المشهد حركة وثابة في أنَّ أطلاء الظباء والعين تثب من أماكن جثومها المتعددة .

    ومن الأمثلة الواضحة لتراكم الصور ما نجده في مقدمة الأعشى الغزلية المعروفة :

    وَدّعْ هُـرَيْـرَةَ إنَّ الرَّكبَ مُرتَحلُ

    وهَـلْ تُـطـيـقُ وداعـاً أَيُّـها الـرَجُلُ

    غَرَّاءُ فَرعَاءُ مَصقُولٌ عَــوَارِضُها

    تِمشِي الهُوينَا كَمَا يَمشِي الوَجي الوَحِلُ

    كأَنَّ مِشْـيَـتَها من بَيتِ جَارَتِها

    مَــرُّالســحابـَةِ لا رَيْـثٌ ولا عَـجَــلُ

    تَسْمَعُ للحَلي وَسْوَاساً إذا انصَرَفَتْ

    كَمَا استـعَـانَ بِـريــحٍ عِشـرِقٌ زَجِـــلُ

    ليستْ كَمَنْ يَكرَهُ الجِيرانُ طَلعَتَها

    ولا تــَـراهـا لسِـرِّ الجـارِ تـَخـتَتِلُ

    يَكادُ يَصـرَعُـهَـا لولا تَشـدّدُها

    إذا تَقُـومُ إلى جـاراتِــها الكَـسَـلُ

    هِـرْكُـولَـةٌ فُـنُـقٌ دُرْمٌ مَرافِقُهَا

    كأَنَّ أَخـمـصَـهـا بالشّـوكِ مُـنْـتَـعِــلُ

    ويعنى الأعشى بالتصوير الحسي معتمداً على التشكيلات اللونية :

    اللون غراء بيضاء

    فرعاء طويلة الشعر ويتضمن سواد اللون

    مصقول عوارضها ناصعة البياض

    كما أنه يعنى بالتصوير بالحركة في قوله :

    تمشي الهوينا . . . . .

    كأن مشيتها . . . . .

    والانتقال من البصري إلى الحسي

    تسمع للحلي وسواسا . . . .

    ومثل هذا قول لبيد :

    والعَينُ سَـاكِنَةٌ على أَطلائِــها

    عُوَذاً تأجَّلَ بالفَضاء بِهامُها

    وَجَلا السّيُولُ عن الطلولِ كأَنّها

    زُبُـرٌ تُجِـدُّ مُتُونَها أقلامُهَا

    أو رَجــعُ واشمةٍ أُسِــفَّ نوؤُرُها

    كَفِفاً تَعَرَّضَ فَـوقَهُنَّ وَشــامُها



    ( 4 )

    الصــورة الممتــدة :

    أما الصورة الممتدة فهي التي تتكون من عدد من الصور الجزئية التي تنمي صورة كلية، ويعبر فيها الشاعر عن موقف ما من الوجود والحياة، وقد فتن بعض الشعراء بالصور الممتدة، بحيث تتراكب الصور الجزئية وتتفرع الواحدة منها تلو الأخرى ويجمعها وحدة كلية تشكل الصورة الكلية، ومن أمثلة ذلك، روضة عنترة بن شداد :

    إذْ تَستَبيكَ بذي غُروبٍ وَاضِحٍ

    عَـذْبٌ مُـقَـبَّلُهُ لَـذيذِ المَطعَمِ

    وكأَنَّ فَارَةَ تاجِـرٍ بِقَسيـمَةٍ

    سَبَقَتْ عَوارِضَها إليكَ من الفَمِ

    أو رَوضَةً أَنُفاً تَضمَّنَ نَبتَهَا

    غَيْثٌ قَليلُ الدَّمنِ ليـسَ بِمَعْلَمِ

    جَـادَتْ عَلـيـهِ كُلُّ بِـكْـرٍ حُـرَّةٍ

    فَتَـرَكنَ كُلَّ قَــرارَةٍ كالـدِّرهَـمِ

    سَـحـاً وتَـسْـكَابَـاً فكُلُّ عَشيَـةٍ

    يَجرِي عليها الماءُ لمْ يَـتَـصَرَّمِ

    وَخَلا الذُبابُ بِهَا فَليسَ بِبَارِحٍ

    غَرِداً كَفِعلِ الشاربِ المُـتـَرَنـّمِ

    هَـزِجــاً يَحُكُّ ذِراعَـهُ بِذِراعِـهِ

    قَدْحَ المُكِبِ على الزِّنادِ الأَجذَمِ

    ويعنى عنترة بن شداد بالوصف الجزئي، وتتجمع الأوصاف الجزئية لتشكل بناء الصورة الكلية الممتدة، إذ يشبه عنترة ثغر حبيبته بأنه مثل روضة، ثم أخذ يفصل في أوصافها، فهي :

    روضة بكر لم ترع بعد، وما يزال نباتها غضا طريا لم تأكله الدواب .

    أرضها قليلة الدمن، لأنَّ كثرة الدمن حين تغلب رائحته فإنَّه يشوه رائحة الروضة، ومن ثم يؤثر في جمالها، كما أنَّ قلته تزيد النبات خضرة وبهاء .

    إن الروضة لم تطأ أرضها الدواب، فتشوه أرضها، وتهشم نبتها .

    إن المطر قد هطل عليها .

    وهذا كله وصف أولي عام للروضة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تفصيل الحديث عن المطر، فلقد هطل على الروضة نوعان من المطر :

    البكر، وهو المطر المبكر السابق .

    الحُر، وهو المطر الذي لا يرافقه البرد ولا الريح .

    وينتقل بعد ذلك إلى جزئية في كيفية المطر، وهو على نمطين :

    السح، أي الصب جميعا .

    التسكاب، وهو السكب الجزئي .

    وهذان كلاهما لم ينقطعا عن الروضة . أي أنَّ هناك تنويعاً في كيفية سقوط المطر فمرة تهطل مطراً غزيراً، ومرة تنث نثيثاً، وإن كلا النوعين لم ينقطعا عن الروضة حتى لاتجف أوراقها، ولا يذبل نبتها .

    ولم يقتصر عنترة على وصف الروضة وطبيعة المطر المنهمر عليها، بل اخذ يصف ذباب الروضة، ويلجأ إلى طريقته المفضلة في التفصيل الجزئي في رسم الصورة .

    تصويت الذباب إنما هو تغريد يشبه ترنم وتلحين شارب الخمرة حين يرجع صوته بالغناء .

    إن الذباب يحك ذراعيه الواحدة بالأخرى، وهو يشبه الإنسان الذي يعمد إلى زندين، وهما قطعتا حجر يتولد من قدحهما شرر تشعل به النار، ويفصل في تصوير الإنسان بأنه مكب على القدح، وهو أجذم اليدين .

    إنَّ الروضة تمثل مركزاً تتفرع منه الصور الجزئية التي تتولد منها صور جزئية أخرى، وهي جميعها تمثل الصورة الكلية الممتدة التي تمثل صورة تشبيهية لفم حبيبة الشاعر .


    ( 5 )

    الصورة الأسطورية :

    الاسطورة « myth » في جذرها اللغوي الإغريقي mythos » « تعني قصة حقيقية أو مبتدعة وفي الاصطلاح قصة أو مجموعة من القصص الخيالية أو الخرافية ولها نظامها الخاص، والتي تظهر فيها قوى الطبيعة بوصفها كائنات حية، وتحدد بشكل أو بآخر علاقة الإنسان بالمقدس، سواء أكان إلها أم بطلا، وتوضح الكيفية التي تشكل فيها العالم والكيفية التي ظهرت فيها الأشياء إلى الوجود .فالأسطورة »سرد لا تتفق عناصره مع الحقيقة الملموسة، إلا أنها محاولة لتفسير صعوبة فهم النظم الكونية كما تبدو للإنسانية من الناحية الأخلاقية أو من الناحية الميتافيزيقية، فالأسطورة بمثابة تفسير يقوم به الإنسان لأسرار لا يفهمها، علما بأن السرد الذي يبتكره قد يضفي عليه الإنسان وهذا ما يحدث في أغلب الأحيان قيمة دينية واضحة . فأساطير البشر تعطي عنصراً بشرياً معقولاً لظواهر الطبيعة عن طريق تجسيد القوى غير المفهومة في شكل آلهة أو كائنات خارقة للعادة، وقد تفيد الأسطورة أيضاً بأن تعطي تفسيراً قصصياً شبه منطقي لتجارب الإنسان في حياته اليومية، فالشعور بعبث جهوده في الدنيا تمثله الأسطورة القديمة التي تصور سيزيفوس Sisyphos وهو محكوم عليه بدفع صخرة إلى قمة جبل، ثم تتدحرج إلى أسفله، فيضطر إلى دفعها ثانية وهكذا أبد الآبدين

    ومن الجدير بالذكر أنَّ الأساطير لا تنفصل عن الطقوس والشعائر الدينية فالأسطورة » قصة سردية مرتبطة بالشعيرة، وإن هذه القصة لا ينفصل وجودها عن الشعيرة، إذ الشعيرة هي التي تفرق بين الأسطورة وغيرها من ألوان القصص .

    وإذا كان هناك تأكيد على أنَّ الأسطورة قصة خرافية ترتبط بالشعيرة الدينية فلا يعني هذا أنها خرافة لدى معتنقها ولكنها عند الإنسان البدائي » فن وفلسفة وعلم ودين إنها جماع حكمته ودستور حياته مصوغين في قالب قصصي عن الخلق والحياة والموت والبعث .

    الأسطورة ترافق الفعل الإنساني الشعائري، فهي » الجزء القولي المصاحب للطقوس الدينية ، أو هي » التعبير القولي عما يمارس عملاً في الطقوس القبلية، وإنَّ البطولة في تلك الأساطير لم تكن إلا تجسيماً للوعي الجماعي أوتعبيراً عن النظام الذي تقوم عليه حياة الجماعة .

    وحين يتقادم العهد بالأساطير لا يعني انقراضها، بل تضل تتبدى بأشكال مختلفة ويعبر عنها من خلال الأدب والفولكلور الشعبي . وليس العرب في الجاهلية بدعة بين لأمم إذ لهم أساطيرهم القديمة، لأنَّ العربي والشاعر بخاصة لا يعبر عن ذاتية مفرطة لا يربطها بالعالم الخارجي رابط، ولا يربطها بالفن القولي المعاصر والمتوارث أدنى علاقة، بل على العكس، فلقد كان للعالم الخارجي تأثير فاعل في تحديد وجوده ورؤيته وأحلامه، فليس الوجود مستقلاً عن الإنسان، إذ يشكل كل منهما الآخر، ثم ينعكس ذلك على إبداع الشعر الجاهلي، فضلا عن تلك النصوص الشعرية والحكايا والقصص المتوارثة التي يتناقلها الخلف عن السلف .

    فلقد تأمل الشاعر الجاهلي السماء، وتأمل كواكبها ونجومها، شمساً وقمراً وتأمل ظهور كواكبها وغيابها، وأصابته هواجس وآمال ومخاوف، واعتقد بعض الكواكب، وعبد نجوماً وشموساً، ولذلك لم يكن تأمل السماء خالياً من أسباب عقائدية فلقد عبد العرب النجوم والكواكب، ويبدو أنَّ بعض الناس ألَّهوا » الظواهر الطبيعية لتوهمهم أنَّ فيها قوى spirit روحية كامنة مؤثرة في العالم وفي حياة الإنسان، مثل الشمس والقمر وبعض النجوم الظاهرة، وقد كانت الشمس والقمر أول الأجرام السماوية التي لفتت أنظار البشر إليها، لما في الشمس من أثر بارز في الزرع والأرض وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة، كذلك للقمر أثره في نفس الإنسان بما يبعثه من نور يهدي الناس في الليل ومن أثر كبير يؤثر في حس البشر ويبدو أنَّ عبادة الجاهليين في أصلها عبادة الكواكب »وأن أسماء الأصنام والآلهة وإن تعددت وكثرت إلا انها ترجع كلها الىثالوث سماوي هو: الشمس والقمر والزهرة .

    ومما يؤكد ذلك أنَّ القرآن الكريم قد أشار إلى عبادة الجاهليين للشمس والقمر والنجوم، في قوله تعالى » وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ وقوله تعالى » وَجَدتُها وَقَومَها يَسْجُدُونَ لِلشّمسِ من دون اللّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطانُ أَعمالَهُم فَصَدَّهُم عن السبيلِ فَهُم لا يَهتَدوُن كما أنَّ في قصة إبراهيم عليه السلام ما يشير إلى ذلك في قوله تعالى
    » فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قـوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ .

    وتأمل العربي الأرض بما تشتمل عليه من طبيعة صامتة : صحراء وجبل وواد وتأمل طبيعتها النامية : الشجر والكلأ، وتأمل طبيعتها الحيوانية : غزالاً وناقة وفرساً وذئباً وأفعى، وعبد بعض هذه المظاهر، وتدل إشارات عديدة إلى أنَّ الغزال كان مقدساً في الجزيرة العربية، فمما يذكره المؤرخون أنَّ » بني الحارث كانوا إذا وجدوا غزالاً ميتاً يحزنون عليه ويكفنونه كفناً يليق به، ويوارونه بإجلال، وينوحون عليه سبعة أيام ويذكر أنَّ عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم » وجد في بئر زمزم يوم حفرها وكانت مطمومة، تمثالي ذهب لغزال، فعمل أحدهما صفائح للكعبة ووضع الآخر فيها . فإنْ يجد عبد المطلب تمثال غزال في بئر دليل على قدم الاعتقاد به .

    ومن الجدير بالذكر أن نجد رموزاً للكواكب والنجوم المعبودة، إذ اتخذ الثور » رمزاً للقمر، ولذلك عد الثور من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة .

    ولم تقتصر عبادة العرب على النجوم والكواكب بل تعدتها إلى عبادة الأشياء المادية » لاعتقاد أصحابها بوجود قوى سحرية فيها وقوى غير منظورة في تلك الأشياء تلازمها ملازمة مؤقتة أو دائمة ...وأن تلك الأشياء ليست سوى منازل أو مواضع لاستقرار تلك القوى المؤثرة التي يكون لها دخل في إسعاد الإنسان . وهو يقدس الأشياء المادية كالحجارة مهما كانت صغيرة أو كبيرة ... لأنه حين يتقرب إلى تلك الحجارة لا يتقرب إليها نفسها، بل يتقرب إلى الروح التي تحل فيها .


    يتبع

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    رد: الصــورة

    مُساهمة  Admin في الأربعاء يناير 13, 2010 11:19 am












    ( 6 )

    وتتبدى ملامح الأبعاد الأسطورية في الصورة الشعرية الممتدة، وبخاصة في تشبيه الشاعر ناقته، وتتعدد أنماط التشبيه هذه إذ يشبه الشاعر ناقته مرة بالظليم الذي يرعى فتمطره السماء، ومرة بالثور الوحشي الذي » جنَّ عليه الليل، فالتجأ إلى شجرة أرطأة وظلت ريح الشمال تحصبه بوبلها حتى انبلاج الصبح، فصبَّحته كلاب ضوار يشلوها صياد بائس، فهمت به، وهم بها حتى فتك بما فتك، ولاذ ما نجا بالفرار ومرة يشبه ناقته » بحمار الوحش الذي يرعى هو ونحائصه، وأقبل عليه الصيف فاشتد به الظمأ فذهب مع تلك الأتن إلى ينبوع، فشربن منه حتى ارتوين وصدرن عنه وقد أطفأن عطشهن، أو ألفين على الينبوع صياداً جائعاً، فرمى الحمار بسهم فطاش وتقصد .

    ولسنا في سياق التوقف عند كل نمط من هذه الأنماط المتعددة، ولكننا نتوقف عند واحدة منها، أعني بها قصة الثور الوحشي، والبقرة الوحشية، ويبدو أنَّ قصة الثور الوحشي ترتبط ببعدين، ترتبط من ناحية بالأسطورة القديمة التي ترى أنَّ للعرب القدماء
    » ديانة تعبد فيها الكواكب . . . فقد عبدوا ثالوثاً مكوناً من الشمس أماً، والقمر اباً وابنهما الزهرة أو » عثتر « ولقد ربطوا بين الشمس والمرأة، والمهاة، والغزالة ... كما ربطوا بين الثور الوحشي والقمر .

    وإن الثور كان مقدساً ليس في الجزيرة العربية، بل كان مقدسا ومعبودا في العراق القديم، ففي الحضارة السومرية يرمز الثور بوصفه معبودا إلى » القوة والخصب، وهو اله العواصف أيضاً، واسمه » انليل « عبده السومريون وعبدوا البقرة إلهة معه، ومن اتحادهما في زواج مقدس فاضت ضفاف دجلة والفرات بالخصب على أرض سومر . وهكذا نظر سكان العراق القديم من السومريين إلى الثور رمزاً لقوة خصب عظيمة تتصل بحاجتهم ومعيشتهم، فلقد وجد الماء بقدرة هذا الإله الثور انليل، فازدهرت الحياة، لذلك بالخضرة والنماء .أما في الحضارة الآشورية فلقد »وجدنا الثيران المجنحة تقف على أبواب قصورهم حارسة راعية، وذلك لأنَّهم كانوا يعبدون الإله الثور ويلتمسون عنده النصر والحماية .

    كما ترتبط من ناحية أخرى » بمنبع طقوس أخر هو شعائر السحر المتعلق بالصيد فلقد كان الصيد من الوسائل المهمة للتغلب على مشكلة الحصول على الطعام بالنسبة لإنسان ما قبل التاريخ، لذلك كانت الجماعات الإنسانية البدائية حريصة على إنجاح رحلات رجالها ابتغاء للصيد، بإقامة الطقوس والشعائر .

    وحين نتتبع صورة الثور الوحشي في الشعر الجاهلي نلاحظ أنَّ الصورة الممتدة بدلالاتها الأسطورية جاءت لتعبر عن قوة ومتانة ناقة الشاعر، فهو يشبه ناقته بالثور الوحشي، يقول النابغة الذبياني :

    كأنّ رَحْلي، وقد زالَ النّهارُ بنا

    يومَ الجليلِ، على مُستأنِسٍ وحِدِ

    من وَحشِ وَجْرَةَ، مَوْشِيٍّ أكارِعُهُ

    طاوي المصيرِ، كسيفِ الصّيقل الفَرَدِ

    سرَتْ عليه، من الجوزاءِ، ساريةٌ

    تُزجي الشَّمالُ عليهِ جامِدَ البَرَدِ

    فارتاعَ من صوتِ كَلاّبٍ، فباتَ له

    طوعَ الشّوامتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ

    فبَثّهُنّ عليهِ، واستَمَرّ بِهِ

    صُمْعُ الكُعوبِ بريئاتُ من الحَرَدِ

    وكان ضُمْرانُ منه حيثُ يُوزِعُهُ

    طعَنَ الُمعارِكِ عند الُمحجَرِ النَّجُدِ

    شكَّ الفَريصةَ بالمدْرى فأنفَذها

    طَعنَ الُمبيطِرِ، إذ يَشفي من العَضَدِ

    كأنه، خارِجاً من جنبِ صَفْحَتهِ

    سَفّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفْتَأدِ

    فظَلّ يَعجُمُ أعلى الرَّوْقِ، مُنقبضاً

    في حالِكِ اللّون صَدقٍ، غير ذي أوَدِ

    لّما رأى واشِقُ إقعاصَ صاحِبِهِ

    ولا سَبيلَ إلى عَقلٍ، ولا قَوَدِ

    قـالــت لـه النّفــسُ : إنـي لا أرى طَمعَـا

    وإنّ مولاكَ لم يَسلَمْ، ولم يَصِدِ

    ويقول أيضا :

    كأنّما الرّحل منها فوقَ ذي جُدَدٍ

    ذَبَّ الرّياد، إلى الأشباحِ نَظّارِ

    مُطَرَّدٌ، أُفْرِدتْ عنْهُ حَلائِلُهُ

    من وحشِ وجرَةَ أو من وحش ذي قارِ

    مُجَرَّسٌ، وحَدٌ، جَأبٌ أطاعَ له

    نَباتُ غَيثٍ، من الوَسميّ، مبِكارِ

    سَراتُه، ما خَلا لبَانَه، لهَقٌ

    وفي القوائمِ مثلُ الوَشمِ بالقارِ

    باتَتْ له ليلَةٌ شَهباءُ تسفعُهُ

    بحاصِبٍ، ذات إشعانٍ وأَمطارِ

    وباتَ ضَيفاً لأرطاةٍ، وألجأهُ

    معَ الظّلامِ، إليها وابلٌ سارِ

    حتى إذا ما انجلَتْ ظلماءُ لَيلَتِهِ

    وأسفَرَ الصّبحُ عنهُ أيّ إسْفارِ

    أهوى له قانصٌ، يسعى بأكلُبِهِ

    عاري الأشاجع، من قُنّاصِ أنمارِ

    مُحالفُ الصّيدِ، هَبّاشٌ، له لَحمُ

    ما إن عليه ثيابٌ غيرُ أطمارِ

    يسعى بغُضفٍ بَراها، فهي طاويةٌ

    طولُ ارتحالٍ بها منهُ، وتسيارِ

    حتى إذا الثّوْرُ، بعد النّفرِ، أمكنَهُ

    أشلى، وأرسلَ غُضفاً، كلّها ضارِ

    فكَرّ مَحمِيّة من أن يَفِرّ، كما

    كَرّ المُحامي حِفاظاً، خَشيةَ العارِ

    فشَكّ بالرّوْق منه صَدرَ أوّلها

    شَكّ الُمشاعِبِ أعشاراً بأعشارِ

    ثمّ انثَنى، بعدُ، للثّاني فأقصَدهُ

    بذاتِ ثَغرٍ بَعيدِ القَعْرِ، نَعّارِ

    وأثبَتَ الثّالثَ الباقي بنافِذَةٍ

    من باسلِ، عالمٍ بالطّعنِ، كرّارِ

    وظلّ، في سبعةٍ منها لحِقنَ به

    يكُرّ بالرّوقِ فيها كَرّ إسوارِ

    حتى إذا ما قَضَ منها لُبانَتَهُ

    وعادَ فيها بإقبالِ وإدبارِ

    انقضّ، كالكوكبِ الدّرّيّ، منصَلِتاً

    يَهوي، ويخلِطُ تقريباً بإحْضارِ

    فذاكِ شِبْهُ قَلوصي، إذ أضَرّبها

    طولُ السُّرى، والسُّرى من بعد أسفارِ

    ويُعنى الشاعر الجاهلي برسم » صورة كاملة مفصلة لهيكله الجسدي من لون وحجم وحركة . ثم يبدأ في توسيع الصورة طولياً بحكاية أحداث تشبه أن تكون قصة تتعلق بالأصل الأسطوري الذي يدور حول الحياة والمكانة الدينية للثور الوحشي رمز الإله القمر . وبعد أن يفرغ الشاعر من رسم الصورة الجسدية للثور ولحالته النفسية يبدأ
    » في تطوير الصورة وتنميتها طولياً بقص الحدث المتكرر، فالجو شتائي، يلجيء الثور إلى البيات بجانب الشجرة الملازمة لصورته، شجرة الأرطي .

    ومن الجدير بالإشارة أنَّ الشاعر الجاهلي قد عني بالتنويعات اللونية الثابتة، فالناقة داكنة اللون، ويشبهها بالثور الوحشي الذي يطغى عليه اللون الأبيض، إذ تكون قوائمه موشاة يختلط فيها السواد بالبياض، وصدره إلى نحره أسود، أي الجزء السفلي يشيع فيه السواد في حين يشيع في الجزء العلوي البياض الناصع، كما أنَّ الشاعر يعنى بالتعاقب الزمني
    الليل والنهار، مع تأكيد اللون فيهما، غير أنَّ الليل تختلط فيه العتمة بضياء القمر مع
    مطر وغيوم .

    ومن الطريف أنَّ الثور الوحشي يلتجئ إلى شجرة أرطأة في الليل في الوقت الذي يظهر فيه القمر ويختفي وراء الغيوم، تماماً كاحتماء الثور بالشجرة، وذلك في جو شتوي ممطر، أي أنَّ حركة الثور تتوقف في الليل مع ظهور القمر واختفائه، فكأن أحدهما لا يظهر إلا باختفاء الآخر، ولذلك فبمجرد ظهور الشمس واشراقة الصباح يختفي القمر ويبدأ الثور بالظهور والتحرك . إنَّ هناك قمراً ظاهراً في السماء، ورمزاً مختفيا يدل عليه هو الثور، وحين تبزغ الشمس يختفي المرموز» القمر « ويتبدى الرمز »الثور «.

    ويبدأ الصراع مع إطلالة النهار عند النابغة، إذ يرتاع الثور من صوت الصياد، ثم يشرع في الهرب، ثم يطلق الصياد كلابه، فيتحول الثور من الهرب إلى المواجهة، وإذا كان الثور يحتمي في الليلة الممطرة بشجرة أرطأة، فإنَّه هنا يحتمي بقرنيه، وهما يشبهان إلى حد كبير الهلال، وغالبا ما ينتصر الثور في المعركة، ويعمد النابغة الذبياني إلى التفصيل في وصف المعركة، وكيف أنفذ الثور فريصة الكلب بقرنه تماماً كما ينفذ المبيطر طبيب الحيوانات كتف الحيوان المصاب بداء العضد، ويواصل تفصيل الصورة بأنَّ صورة القرن النافذ من كتف الكلب تشبه سفود الشواء الذي نسيه جماعة من الناس عند موقد نار قد أكلوا عنده وشربوا، ثم ينتقل إلى وصف الكلب بأنه منقبض من شدة الوجع، وأنه يمضغ القرن الذي اخترق جسده . أما النتيجة فتنقل على لسان الكلب المهزوم، في ان الصياد خسر ولم يربح، »لم يسلم ولم يصد« .

    إنَّ الثور الوحشي الذي كرره الشعراء الجاهليون » له نظير في السماء . . . وبجانب الثور مجموعة من النجوم تسمى الجبار . . . ويقال إنَّ كل الشعوب تقريباً قد شاهدت صياداً أو محارباً في المجموعة، والكلاب التي تهاجم الثور لها ما يماثلها من مجموعات النجوم فلا تبعد عن الجبار كثيراً مجموعتا الكلب الأكبر والكلب الأصغر .

    وإذا كنا لم نجد صراعاً في السماء بين الكلاب والثور إذ ربما ضاعت أبعاده الأسطورية فإنَّ هذا الصراع يتجلى حينما يغيب أحد الطرفين، فغياب مجموعتي الكلاب في السماء بسبب بزوغ الشمس، يظهر الصياد وكلابه في النهار يتابعان الثور، وتنشب المعركة التي ينتصر فيها الثور غالبا .

    أما قصة البقرة الوحشية فلا تكاد تختلف عن الثور الوحشي إلا في أنها أم فقدت وليدها الذي أكلته السباع، ثم تتابع الصورة، يقول لبيد بن ربيعة :



    أَفَتِلْكَ أَمْ وَحشـيَّةٌ مَسْـبُـوعةٌ


    خَذَلَتْ وهادِيةُ الصِّوارِ قِوامُهَا

    خَنسَاءُ ضَيَّعتِ الفَرَيرَ فَلَمْ يَــرِم

    عُرضَ الشَّقائِقِ طَوْفُها وبُغَامُها

    لمعفّرٍ قَهْدٍ تَنازعَ شِلوَهُ

    غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمنُّ طَعامُها

    صَادَفنَ مِنها غِرَّةً فأَصبْنَهَا

    إِنَّ المَنايا لا تَطيشُ سِهامُها

    بَاتَتْ وأَسْبَلَ وَاكِفٌ من دِيمَةٍ

    يَروي الخَمَائِلَ دائماً تَسْجامُها

    يَعلُو طَريقَةَ مَتنِها مُتَواتِـرٌ

    في لَيلةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا

    تَجتَافُ أَصلاً قَالِصاً مُتَنَبِّـذاً

    بِعُجُوبِ أَنقاءٍ يَميلُ هُيامُها

    وَتُضيءُ في وَجْهِ الظَّلامِ مُنيـرَةً

    كَجُمانةِ البَحريِّ سُلَّ نِظامُهَـا

    حَتَّى إِذا انحسر الظلام وأَسْفَرَتْ

    بَكَرَتْ تَزِلُّ عن الثَّرى أَزلامُها

    عَلِهَتْ تَرَدَّدُ في نِهاءِ صُعَائِدٍ

    سَبعاً تؤاماً كَامِلاً أَيَّامُــها

    حتى إِذا يَـئِـسَـتْ وأَسحَقَ خَالقٌ

    لم يُبلِهِ إِرضاعُها وفِطامُـها

    فَتَوجستْ رِزَّ الأَنيسِ فَراعَها

    عن ظَهرِ غَيبٍ والأَنيسُ سُقامُها

    فَغَدَتْ كِلا الفَرجينِ تَحسبُ أَنَّهُ

    مَولَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها

    حتى إِذا يَئِسَ الرُّماةُ وأَرسَلُوا

    غُضْفاً دَواجِنَ قَافلاً أَعصامُــها

    فَلَحِقنَ واعتَكَرَتْ لها مَدْرِيَّةٌ

    كَالسَّمْهَريَّةِ حَدُّهَا وتَمَامُها

    لِتَذُودَهُنَّ وأَيقنتْ إِنْ لم تَــذُدْ

    أَنْ قد أَحَمَّ من الحُتُوفِ حِمامُها

    فَتَقصَّدتْ منها كَسَابِ فضُرّجتْ

    بِدَمٍ وغُودِرَ في المَكَرِّ سُخَامُها

    إنَّ الصورة الشعرية في هذه الحالة تنمو وتمتد وتتفرع بطريقة خاصة ويمثل المشبه مجرد مثير كي يتحول الشاعر إلى قصة الثور الوحشي أو البقرة الوحشية ويتناول خصائصه من زوايا عديدة، ولا تخلو الصور الممتدة من صور فرعية جزئية تكمل الصورة الكلية الممتدة، إنَّ الصورة مع الثور الوحشي أكثر امتدادا ونموا، وتتميز بطابعها القصصي الذي ينطوي على أبعاد درامية تتجسد في الصراع بين الثور من ناحية وقوى الطبيعة من ناحية أخرى، كما يتجسد في الصراع مع الإنسان وأدوات صيده، سلاحاً كان أو كلاباً ولا يخلو البناء القصصي من شخصيات وحوار، على الرغم من أنَّ هذه الشخصيات جلها حيوانية، وأقلها إنسانية، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك أبعاداً أسطورية تتحكم في القصة والصورة الشعرية

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:51 pm