لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    المــــوت

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    المــــوت

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 3:26 pm







    المــــوت



    ( 1 )

    أرّقت الإنسان قديماً وحديثاً مواجهته لنهاية الحياة، وكان الاعتقاد أنَّ الموت حتمية لا مفر منها، إذ هو يقضي على المخلوقات جميعاً، وحاول الإنسان منذ القدم أنْ يقدم تفسيرات للموت من ناحية وللعالم الذي يأتي بعده من ناحية أخرى، وقد اختلطت تلك التفسيرات بأساطير عديدة، ولا ينفصل تفسير مفهوم الموت عن الطقوس والمراسيم والندب والبكاء والرثاء، لأنَّ هناك علاقة بينها جميعاً، وأول فعل يفعله الإنسان هو محاولته التخلص من جثة المتوفى، دفناً، أو حرقاً، أو إغراقاً، بحسب العقائد التي يؤمن بها وترافق ذلك طقوس وأقوال .

    ولقد عني الإنسان القديم النياندرتال بدفن الموتى، حيث وجد في بعض الحفريات أنَّ الميت دفن مطويا بطريقة معينة، واختلف في تفسير ذلك إذ » ذهب بعضهم إلى أنَّ طوي الجثة كان رغبة في منع عودة الميت لئلا يقلق الأحياء، ويسبب الضرر لهم في حين ذهب آخرون إلى أنه كان يمثل محاكاة لوضع الجنين تفاؤلاً ورمزاً إلى أن القبر سيشهد ولادة أخرى للإنسان .

    وكانت غاية الدفن تكريم الإنسان، وكلما كان دفن الميت لائقاً فإنَّ روحه تستقر في العالم السفلي، غير أنَّ » أرواح الذين لم تدفن أجسادهم، أو الذين لم يقرب لأرواحهم وفق الشعائر المقررة، تكون قلقة غير مستقرة في ذلك العالم، وتعود بطريقة ما إلى عالم الأحياء لإحداث الأذى بسكانه حيث ... تصبح شبحاً أو روحاً خبيثاً ولعل هذا يقرب من تصور العرب لهامة القتيل التي تظل تصيح اسقوني اسقوني، لا تكف عن الصياح، ولا يستقر جسد القتيل حتى يأخذ له أهله بثأره .

    وكان العربي يدفن قتلاه، ولكنه يترك قتلى أعدائه دون دفن تأكلها الوحوش والطيور، وكأنه جزء من فعل كانت الحضارات القديمة تمارسه في تعذيب أعدائها بعد الموت، وهذا ما كان يفعله العراقيون القدماء لأنهم اتخذوا من » بقاء جسد الميت بدون دفن وتعريضه للجوارح والكواسر وسيلة للانتقام من الأعداء لغرض حرمان أرواحهم من الاستقرار في العالم الأسفل .

    وقد آمن الجاهلي بحتمية الموت، وأنه أمر واقع لا محالة، وهذا ما ذكره شعراء الجاهلية، يقول الحصين بن الحمام المري :


    أَبَى لابنِ سَلمى أنه غيرُ خَالِدٍ

    مُلاقي المنايا أَيَّ صَرفٍ تَيمَّما

    فَلستُ بمُبتاعِ الحياةِ بِسُبَّةٍ

    ولا مُبتَغٍ من رهبةِ الموتِ سُلَّما

    ويقول الأسود بن يعفر النهشلي :

    إنَّ المَنيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما

    يُوفي المخارمَ يَرقُبان سَوَادِي

    لن يَرضَيا مِنِّي وَفاءَ رَهينةٍ

    من دُونِ نفسي طارِفـي وتِلادِي

    وقال أبو دؤاد الإيادي :

    وكهولٌ بَنَى لـهـم أَولُوهُمْ

    مأثُراتٍ يَهابُها الأقــوامُ

    سُلِّطَ الدهرُ والمَنونُ عليهمْ

    فَلَهُمْ في صَـدَى المقابرِ هامُ

    وكذاكُم مَصيرُ كلِّ أُناسٍ

    سوفَ، حَقاً، تُبليهُمُ الأيامُ

    ويقول عمو بن كلثوم

    وَإنا سَوْفَ تُدرِكُنَا المَنَايَا

    مُقَدَّرةً لَنا ومُقَدِّرينا

    ويقول طرفة بن العبد :

    أرى قبرَ نحّامٍ بخيلٍ بمالِهِ

    كقبـرِ غَــوِىٍّ في البِطالةِ مُفسِـدِ

    ترى جثوتينِ من تُرابٍ عليهما

    صفائحُ صُـمٌ من صَفيحٍ مُنـضَّدِ

    أرى الموتَ يَعتامُ الكرامَ ويَصطَفى

    عَقيـلةَ مالِ الفاحِـشِ المُتشـــدِّدِ

    أرى العيشَ كنـزاً ناقصاً كلَّ ليلةٍ

    وما تَنقُصُ الأيـامُ والدّهـرُ ينفَدِ

    لعمرك ! إنَّ الموتَ ما أخطأ الفتي

    لكالطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليـدِ

    ومن الطبيعي أنْ يؤثر هذا على رؤية الشاعر، إذ كان » من نتائج الإحساس بحتمية الفناء والموت، التهافت على لذات الحياة ومتعها، كما كان يفهمها الشاعر الجاهلي . فما دام الموت يترصده في كل خطوة، وما دامت الحياة ستنتهي إلى رمس مظلم في برية مقفرة، فليتزود منها ما استطاع، ليغرق نفسه في لذائذها ومباهجها، فقد لا تتاح له هناك حياة مثل هذه الحياة، على ما فيها من شظف وخشونة، يقول طرفة :


    فَذَرْني أُروّي هَامَتِي في حَياتِها

    مَخَافَةَ شُربٍ في المَمَاتِ مُصَـرَدِ

    كَرِيمٌ يُروّي نَفسَهُ في حَياتِهِ

    سَتَعْلَمُ إنْ مُتْنَا غَداً أَيّنا الصَدي

    وفي حضارة وادي الرافدين تأكيد لحتمية الموت يستوي بذلك السيد والعبد، وأنه يحيق بكل الكائنات الحية، ففي ملحمة كلكامش الملحمة السومرية وهي أقدم ملحمة عرفتها الإنسانية على ما يبدو» 3000 سنة قبل الميلاد « قال اوتا نبشتم لـكلكامش :

    إن الموت قاس لا يرحم

    متى بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد

    والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها

    ولم يكن دوام وخلود من الأبد

    ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت !

    ألا تبدو عليهما هيئة الموت

    ومن ذا الذي يميز بين العبد والسيد إذا جاء أجلهما

    وقد قدم الجاهليون تصورين مختلفين عما وراء الموت، التصور الأول : يلغي أنْ يكون هناك عالم آخر وراء الحياة الدنيا، وأنه لا حساب ولا عقاب، وقد ورد ذكر هؤلاء في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى» وَقَالُوا إِن هي إلاّ حَياتُنَا الدُّنيا وما نحنُ بمبعوثين وقوله تعالى : » وأَقسَمُوا باللهِ جَهْدَ أَيمانهِم لا يَبعثُ اللهُ مَنْ يموتُ بلى وعداً عليه حقاً ولكنَّ أَكثرَ الناسِ لا يعلمون وقوله تعالى : » زَعَمَ الذَّينَ كَفرُوا أَن لن يُبعثوا قُلْ بلى وربي لَتُبعَثُنَّ ثم لَتُنبؤُنَّ بما عَمِلتم وذلك على الله يسير وهناك نصوص شعرية تؤكد ذلك، والتصور الثاني : يعتقد بحياة أخرى بعد الموت، وانَّ الإنسان يحشر، وكانوا يتصورون الحشر رحلة طويلة قاسية كرحيلهم في الحياة، وقد استمدوا جانباً من تصورهم للرحلة للعالم الآخر من الواقع المادي الذي يعيشونه، أي من واقع الصحراء، ولذلك اتسم بقدر من البساطة من ناحية، واتسم بأثر الرحلة في الصحراء التي تقتضي دابة تحمل الإنسان، وما دامت الرحلة في العالم الآخر أشد قسوة من عالم الدنيا، لذلك اشترطوا راحلة قوية نشيطة تحمل الإنسان . وقد أطلقوا على هذه الراحلة » العقيرة « أو »البلية« أو » الذية« وهي » الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها إذا مات حتى تموت جوعاً وعطشاً، ويقولون إنه يحشر راكباً عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلاً . . . وأنهم كانوا يعكسون رأس الناقة أو الجمل أي يشدونها إلى خلف بعقر إحدى القوائم أو كلها لكيلا تهرب، ثم يترك الحيوان لا يعلف ولا يسقى حتى يموت عطشاً وجوعاً، ذلك لأنهم كانوا يرون أنَّ الناس يحشرون ركباناً على البلايا، ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند قبورهم ... وأوصى رجل ابنه عند الموت هذه الوصية :



    يَا سَعدُ إِمّا أّهْلكنَّ فَإِنَّني

    أُوصيكَ انَّ أَخَا الـوَصَاةِ الأَقـرَبُ

    لا تَتْركَنَّ أَباكَ يَمشي خَلفَهم

    تَعِبَاً يَخـرُّ على اليَدين وَيَنْكَـبُ

    احمل أَباكَ على بَعَيرٍ صَالِحٍ

    وابق الخطيئة إنـه هـو أَصـــوَبُ

    ولعل مالي ما تركتُ مطيةً

    في اليمِّ أَركبها إذا قِيلَ اركبوا

    ويوصي آخر ابنه :

    أُبُنَيَّ زَوّدني إِذا فَارقتنَي

    في القَبْرِ رَاحلةً بِرَحْلٍ فَاترِ

    لِلبَعثِ أَركبُهَا إِذا قِيلَ اظعَنُوا

    مُستوثِقينَ مَعَاً لِحَشْرِ الحَاشرِ

    وقال حفص بن الأخيف الكناني :

    لا يبعدنَّ رَبيعةُ بن مكدمٍ

    وَسَقَى الغوادي قبرَه بذنوبِ

    نفرتْ قلوصي من حجارةِ حرةٍ

    بنيت على طَلقِ اليدينِ وهوبِ

    لاتنفري يا ناقَ منه فإنهُ

    شرّيبُ خمرٍ مسعرٌ لحُروبِ

    لولا السفار وبعد خرق مهمهٍ

    لتركتها تحبو على العرقوبِ

    وتحبو على العرقوب يعني عقرها عند قبره ليركبها يوم القيامة »كما كانت تفعل العرب في الجاهلية، كانوا يعقلون بعيراً عند قبر الميت، ويغطون رأسه ولا يعلفونه إلى أنْ يموت، وكانوا يسمونه بلية .

    ويعتقد الجاهليون أنَّ الإنسان إذا مات لا تنقطع علاقته بالحياة الدنيا، فهو يتابع أخبار قومه وأهله من خلال » الهامة« وهي : » انّ الإنسان إذا مات أو قتل اجتمع دم الدماغ أو أجزاء منه، فانتصب طيراً هامة، ترجع إلى رأس القبر كل مائة سنة . . . ويكون خروجها من الأنف أو الفم، لأنَّ النفس يكون منهما، فتتجمع الأرواح حول القبور، ويكون في وسعها مراقبة أهل الميت وأصدقائه، ونقل أخبارهم إليه، ولهذا السبب تصوروا المقابر مجتمع الأرواح تطير مرفرفة حول القبور، والى هذه العقيدة أشير في شعر أبي دؤاد :



    سُلِّطَ الدهرُ والمَنونُ عليهمْ

    فَلَهُمْ في صَـدَى المقابرِ هامُ

    وكذلك في شعر لبيد :

    فَلَيسَ بَعْدَكَ مِنْ نفير

    وَلَيسوا غَيرَ أَصدَاء وهَامِ

    ويقول ذو الأصبع العدواني :

    يَا عَمرو إنْ لا تَدَعْ شَتمي ومَنقِصتي

    أَضربْكَ حيثُ تقولُ الهامَةُ اسقُوني
    ويقول طرفة بن العبد :

    فَذَرْني أُروّي هَامَتِي في حَياتِها

    مَخَافَةَ شُربٍ في المَمَاتِ مُصَـرَّدِ

    وانّ هامة القتيل تظل تصيح اسقوني مطالبة بالثأر، فإن تم أخذ الثأر تكف الهامة عن الصياح، ويبلغ ذلك القتيل فيستقر في قبره، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، وكانت القبيلة لا تبكي المقتول حتى تأخذ بثأره، يقول الربيع بن زياد :



    إني أرقتُ فلم أغمّضْ حارِ

    من سيئ النبأ الجليلِ الساري

    من مثله تُمسي النساءُ حواسراً

    وتقومُ مُعوِلةً مع الأَسحارِ

    أفبعد مقتلِ مالكِ بن زهيرٍ

    ترجو النساءُ عواقبَ الأَطهارِ

    ما إِنْ أرى في قتله لذوي النهى

    إلا المطيّ تُشد بالأكــوارِ

    ومجنّبات ما يذقنَ عَذوفا

    يَقْذفنَ بالمهراتِ والأمهارِ

    ومساعرا صدأُ الحديدِ عليهِم

    فكأنما طُلي الـوجــوهُ بقارِ

    من كان مسرورا بمقتل مالك

    فليأتِ نسوتَنا بوجهِ نــهارِ

    يجد النساءَ حواسراً يندبنه

    يلطمنَ أوجُهَهُنّ بالأسـحارِ

    قد كنّ يخبأن الـوجـوه تستراً

    فالآن حِينَ بَرزنَ للنظـارِ

    يضربن حُر وجوههن على فتى

    عَفِ الشمائلِ طَيبِ الأخبارِ

    يقول ابن طباطبا العلوي : متحدثا عن سنن العرب ومنها » إمساك العرب عن بكاء قتلاها حتى تطلب بثأرها، فإذا أدركته بكت قتلاها...يقول من كان مسروراً بمقتل مالك فليستدل ببكاء نسائنا وندبهن إياه على أنا أخذنا بثأرنا وقتلنا قاتله، ومما يؤكد ذلك ما فعلته قريش بعد معركة بدر التي انتصر فيها المسلمون على المشركين إذ
    » نهت نساءهم وشعراءهم عن البكاء على قتلاهم حتى يثأروا، فلم يبك عليهم حتى كان يوم أحد .

    ومن الطقوس التي يعمد إليها أهل المتوفى فهي : ندبه، والبكاء عليه، ورثاؤه وقد تزامنت مع ذلك طقوس لها دلالات أسطورية، منها طقس التطهير، فزوجة المتوفى
    » تعتزل المجتمع مدة طويلة تصل إلى العام أحياناً، لأنَّ زوجها الميت يلاحقها بمراقبته حتى يطمئن إلى وفائها، وقد يلحق بها أشد الأذى إذا أخلت بهذا الواجب، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنَّ ملامستها لميت تلصق بها نوعا من » التابو « يفرض على المجتمع تجنبها حتى تتخلص منه بمضي المدة، لذلك فهي تقيم في كوخ خاص حتى يمضي الزمن المعين للحداد، وبعده تبدأ طقوس الطهر، فتؤتى بدابة كما يقول النويري شاة أو حمار أو طائر لتتمسح، وقلما تتمسح بشيء إلا مات، وهذا يفسر تجنب المجتمع لها حتى تتخلص من شحنة » المانا« الضارة التي علقت بها نتيجة علاقتها بالمتوفى، وفي النهاية ترمي بعرة وراء ظهرها، إعلاناً بأنها قطعت كل صلة لها بحياتها القديمة وعادت تصلح لممارسة دورها في الحياة الاجتماعية بكل أبعادها .



    ( 2 )

    ويعني الرثاء بكاء الميت وندبه وذكر صفاته وخصاله، وكان الرثاء » يلبي حاجات اجتماعية، بوصفه نوعاً من تخليد الميت، والإشادة به والثناء عليه ،إلي جانب كونه فناً يعكس رؤية الشاعر ولم يضع قدامة بن جعفر فرقاً بين المدح والرثاء الا بما يشعر المتلقي بإنَّ المتوفى كانت تلك أفعاله يقول : » ليس بين المرثية و المدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك مثل : كان، وتولى، وقضى نحبه، وما أشبه ذلك وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه، لأنَّ تأبين الميت إنما هو بمثل ما كان يمدح في حياته .

    ويتحدد الرثاء في ثلاثة أبعاد هي :

    1- إثارة القبيلة للأخذ بثأر القتيل، وكأنَّ المرثية أحد ألوان النوح القديم الذي تمارسه النساء، يقول شوقي ضيف » فقد كن ما زلن ينحن على القتيل حتى تثأر القبيلة له ، ويبدو أنَّ هذا يتعارض مع النصين السابقين اللذين أوردهما ابن طباطبا وزيد بن علي الفارسي في أنَّ القبيلة لا تبكي قتلاها إلا بعد أن تأخذ بثأرها لهم .

    2- تصوير خصائص المرثي وتأبينه » وقام بالقسط الأكبر من ندب الميت وبكائه النساء، فكن يشققن جيوبهن عليه ويلطمن وجوههن ويقرعن صدورهن ويعقدن عليه مأتماً من العويل والبكاء ، ومن الطريف أنَّ سكان العراق القدماء أطلقوا مصطلح » شقو « على الحداد » وهو مصطلح أكدي قريب من كلمة » الشقاء « العربية، ولعل المقصود من اطلاق هذا المصطلح على الحداد الإشارة إلى الحالة التي يكون عليها الحزانى في فترة الحداد، حيث يغمر الألم نفوسهم وتملأ الحسرة صدورهم، وكانت طريقة الإعلان عن الحداد تتم بترك الشعر أشعث أو بنتفه تعبيراً عن الحزن، والنواح بأصوات عالية واللطم على الوجه والقاء اليدين على الأرض وتمزيق الثياب.

    3- تصوير مشاعر الراثي من حيث الحزن العميق والتأسف على الميت .

    وقد أسهم الشعراء في التعبير عن ذلك، ومن مظاهر التعبير وصف خصائص الميت، وتتركز جلها حول : الكرم، ونجدة الملهوف، وإقراء الضيف، والشجاعة والدفاع عن القبيلة، وحمل القيم العربية النبيلة .

    ولعل أول مظهر من المظاهر التي يشترك فيها الشعراء هو البكاء على الموتى، غير أنَّ جذوة الحرقة تشتد بخاصة في القتلى، قال دريد بن الصمة : [

    تَقُولُ أَلا تَبْكي أَخَاكَ وَقَدْ أَرَى

    مَكَانَ البُكا لكنْ بُنِيتُ على الصَّبْرِ

    فَقلتُ أَعبدَ اللّهِ أِبكي أِم الذي

    لَهُ الجَدَثُ الأَعْلى قَتيلَ أَبي بَـكْرِ

    أما الخنساء فلقد أكثرت من ذكر البكاء، ربما لأنَّ المرأة أكثر تأثراً من الرجل في هذا السياق، ومن أمثلة ذلك قولها :

    تَبْكي خَنَاسٌ فَمَا تَنْفَكُّ مَا عَمَرَتْ

    لَهَــا عَليـهِ رَنينٌ وهـي مِفْتـَارُ

    تَبْكي خَنَاسٌ على صَخْرٍ وحقَّ لَهَـا

    إِذْ رَابَها الدَّهرُ إِنَّ الدَّهرَ ضَرَّارُ

    وتقول :

    وَابكي أَخاَكِ ولا تَنْسَي شَمائلَهُ

    وابكي أَخاكِ شجَاعَاً غَيْـَر خَـوَّارِ

    وابكي أَخاكِ لأَيتامٍ وأَرمَلَـةٍ

    وابكي أَخاكِ لِحقِّ الضَّيفِ والجَارِ

    وتقول :

    أَلاَ يَا صَخْرُ إِنْ أَبكيتَ عَيني

    لَقَدْ أَضْحكتني دَهْـراً طَــوَيلا

    بَكَيتُك في نِساءٍ مُعْولاتٍ

    وَكُنتُ أَحقَّ مَنْ أَبدَي العَويلا

    دَفَعْتُ بِكَ الجَليلَ وأَنتَ حَيٌّ

    فَمَنْ ذا يَدفعُ الخَطبَ الجَليلا

    إِذا قَبُحَ البُكَاءُ على قَتيلٍ

    رَأَيتُ بُكاءَكَ الحسنَ الجَميلا

    غير أنَّ مما يثير الانتباه أنَّ البكاء ظاهرة جلية بين الرجال أيضاً، كما هو في أبيات دريد بن الصمة السابقة، وكما قال أحدهم في رثاء صديقين له

    أقيم على قبريكما لست بارحا

    طوال الليالي أو يجيب صداكما

    أصب على قبريكما من مدامة

    فإن لم تذوقاها أبل ثراكما

    وأبكيكما حتى الممات وما الذي

    يرد على ذي عولة أن بكاكما

    ويقول عمرو بن معدي كرب :

    كَـم من أَخٍ لي صَالـِحٍ بَـوَّأتُـهُ بِيَـدَيَّ لَحْــدا

    ما إِنْ جَـزِعتُ ولا هَلِعتُ ولا يَـرُدُّ بكايَ زنـدا

    أَلبَستُهُ أَثـوابَهُ وخُلِـقتُ يـومَ خُلِـقتُ جَلْــدَا

    أُغني غنَـاءَ الذاهبينَ أعـدُّ للأَعـداءِ عَــدَّا

    ذَهَبَ الذين أُحبُّهُم وبَقيـتُ مِثلَ السّيفِ فَــرْدا

    ويقول امرؤ القيس

    أَلا يَا عَيْنُ بَكِّي لِي شَنينَا

    وَبَكِّي لِي المُلوكَ الغَابرينا

    مُلوكاً مِنْ بَني حُجْرِ بنِ عمرٍو

    يُسَاقونَ العَشيَّة يُقْتَلـونا

    فَلو في يَومِ مَعْركَةٍ أُصيبوا

    وَلكنْ في دِيار بَني مَرِينـا

    فَلَمْ تُغْسَلْ جَماجُمُهم بِغِسلٍ

    ولكنْ بالدِّمَاءِ مُرَمَّلِيـنـا

    تَظَلُّ الطَّيرُ عَاكِفَةً عَليهِم

    وَتنْتَزعُ الحَوَاجِبَ والعُيـونَا

    يقول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك :

    لَقَدْ لاَمَني عِندَ القبورِ عَلَى البُكَا

    رَفَيقِي لِتَذرافِ الدّموعِ السَوَافِكِ

    فَقَالَ أَتَبكي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيتَهُ

    لِقَبرٍ ثَوَى بين اللّوى فالدكَادكِ

    فَقُلتُ لَهُ إِنَّ الشَجَا يَبعثُ الشَجَا

    فَدَعْني فَهذا كُلُّهُ قَبْرُ مَـالك

    ففي هذه الأبيات تجربة إنسانية عميقة يتحدث فيها الشاعر عن المثير الذي يبعث فيه الحزن والأسى، وتتجسد في النص مكونات إنسانية، وهي الصديق اللوام الذي يعذل صاحبه من كثرة البكاء، وهناك مكونات مادية متمثلة في القبر وهو المثير للأحزان، فإذا كان المكان، أعني قبر مالك مثيراً للشاعر فلقد أضحى كل قبر مثيراً للأحزان، لتماثل الصفتين، ليدلل على تجربة إنسانية واحدة، مفادها أنَّ الشجا يبعث الشجا أو يبعث البكا . ومن الجدير بالإشارة أنَّ القيمة الصوتية قد تولدت من عدة أصوات تكررت في هذه الأبيات وهي القاف والكاف، وهما من الأصوات الحلقية الشديدة، مما يساعدان في التعبير عن حالة الحزن والحرقة في هذا السياق بخاصة .

    وقد تميز شعر الرثاء بالعناية بخصائص المرثي، وقد تركزت عناية الشعراء بوصف الشجاعة والكرم والحزم والعزم، قال المهلهل بن ربيعة :



    نَعَى النعاةُ كُليباً فَقُلتُ لَهضم


    مَالَتْ بِنَا الأَرضُ أَو زَالتْ رَواسيها


    الحَزمُ والعُزمُ كانا من صَنيعتِهِ


    ما كلُ آلائهِ يا قومُ أُحصيـها


    القَائد الخَيل تَردي في أَعنتِهِا


    زهواً إذا الخَيلُ لَجّتْ في تَعَاديها


    وتقول الخنساء :في قصيدتها التي مطلعها :



    بَكَتْ عَيني وَعَاوَدَهَا قَذَاهَا


    بِعُوّارٍ فَمَا تَقــضي كَرَاها



    لَهُ كَفٌّ يُشَدُّ بِها وَكَفٌّ



    تَحلَّبُ مضا يَجفُّ ثَرَى نَدَاها


    تَرَى الشُّمّ الجَحَاجِحَ من سُلَيمٍ


    يَبُلُّ نَدَى مَدامِعها لِحاها



    على رَجُلٍ كَريم الخِيمِ أَضحَى


    بِبَطنِ حَفَيرةٍ صَخِبٍ صَدَاها



    لَيَبكِ الخَيْرَ صَخْراً من مَعَدٍّ


    ذوو أَحلامِها وذوو نُهَاها


    وَخَيلٍ قد لَفَقْتَ بِجَوْلِ خَيْلٍ


    فَدَارتْ بَينَ كَبشَيهَا رَحَاها



    فَمَن لِلضيفِ إِنْ هَبّتْ شمالٌ


    مُزَعزِعَةٌ تُجاوبِها صَباها



    وتقول :

    وَإِنَّ صَخْراً لَوَالينا وَسَيدُنَا


    وَإِنَّ صَخْراً إِذا نَشتُوا لَنَحَّارُ


    وَإِنَّ صَخْراً لَتَأْتُمُّ الهُداةُ بِهِ


    كَأَنهُ عَلَمٌ في رَأْسِـهِ نَارُ




    جَلْدٌ جَمَيلُ المُحيّا كَامِلٌ وَرِعٌ


    وَلِلحروبِ غَداةَ الرَّوْعِ مِسْعَارُ


    حَمَّالُ أَلويَةٍ هَبَّاطُ أَوديةٍ


    شَهَّادُ أَنديةٍ للجَيشِ جَرَّارُ


    نَحَّارُ راغيةٍ مِلجِاءُ طَاغيةٍ


    فَكَّاكُ عَانيةٍ للعَظمِ جَبَّارُ



    ويقول دريد بن الصمة في رثاء أخيه عبد الله في قصيدته الرائعة :

    غَدَاةَ دَعَاني والـرِّماحُ يِنُشنَهُ


    كَوَقْعِ الصَّياصي في النَّسيجِ الممدَّدِ



    وكَنتُ كَذَات البَوِّ رِيعَتْ فأَقبَلَتْ


    الى جِذَمٍ من مَســكِ سَـقْبٍ مُـجَلَّدِ



    فَطَاعنتُ عَنهُ الخَيلَ حَتَّى تَبدَّدتْ


    وحتى عَلاني حَالكُ اللَّــونِ أَسـوَدُ



    طِعَانَ امرئ آسَى أخَاهُ بِنفسِهِ


    وأَعلَمُ أَنَّ المَـرءَ غَيرُ مُـخَـلَّـدِ



    ويقول :



    تَنَادوا فَقَالُوا أَردَتِ الخَيْلُ فَارِسَاً


    فَقُلتُ أَعبدُ اللّهِ ذلكُمُ الـرَّدي



    فَإِنْ يَكُ عَبدُ اللّهِ خَلَّى مَكَانَهُ


    فَمَا كَانَ وَقَّافَاً ولا طَائِـشَ اليَّدِ


    وَلاَ بَرِمَاً إِذا الرِّياحُ تَنَاوَحَتِ


    بِرَطْبِ العِضَاه والهَشِيـمِ المُعَضَّدِ


    كَميشُ الإِزارِ خَارِجٌ نِصفُ سِاقِهِ


    بَعيدٌ عن الآفاتِ طَـلاَّعُ أَنجُـدِ



    قَليلُ التَشَكِّي للمُصيباتِ حَافِظٌ


    مِن اليَومِ أَعقابَ الأَحاديثِ في غَدِ


    تَراهُ خَمِيصَ البَطنِ والزَّادُ حَاضرٌ


    عَتِيدٌ وَيَغْـدو في القَميصِ المُقَدَّدِ



    صَبَا ما صَبَا حَتَّى عَلا الشَيْبُ رَأْسَهُ


    فَلَمَّا عَلاهُ قَالَ لِلباطِلِ ابْعَــدِ


    وَطَيَّبَ نَفسِي أَنّني لم أّقلْ لَهُ


    كَذِبْتَ ولمْ أبخلْ بما مَلَكَتْ يَدِي


    وَهَوَّن وَجْدِي إِنما هو فَارِطٌ


    أَمَامي وأَنَّي هامةُ اليوم أو غدِ


    وكان أعشى باهلة قد رثى أخاه لأمه المنتشر بن وهب، وبعد أن فرغ من وصف شجاعته وكرمه، انتقل إلى أثر وقع موته عليه، يقول أعشى باهلة :



    عِشنَا بِذلكَ دَهْراً ثُمَّ فَارَقَنَا


    كَذلكَ الرُّمْحُ ذو النَصلينِ يَنكَسِرُ


    فَإنْ جَزَعْنَا فقد هَدَّتْ مُصيبتُنَا


    وإنْ صَبَرنَا فإنا مَعْشَرٌ صُبُرُ



    وإذا كان الشعراء قد رثوا إخوانهم وأصدقاءهم، فإن رثاء النفس يعد واحداً من الموضوعات الجديرة بالتأمل، فلقد رثا الممزق العبدي نفسه بأبيات، يذم فيها الدنيا ويأسف على حياته ونفسه، وما الذي يفعله فيه أهله وإخوانه في تغسيله وتكفينه، ومن ثم دفنه :



    هَلْ لِلفَتَى من بَنَاتِ الدَّهرِ من وَاقِ


    أَمْ هلْ لهُ من حِمامِ الموتِ من رَاقِ


    قَد رَجَّلُوني وما رُجِّلتُ من شَعَثٍ

    وأَلبَسُـوني ثِيــاباً غيرَ أَخـلاقِ


    وَرَفعوني وقالوا أَيُّما رَجُلٍ


    وأدْرجُـــوني كأني طَـيُّ مِـخراقِ


    وأَرسلوا فِتيةً من خَيرهم حَسَباً


    ليُسندوا في ضَريحِ التُربِ أََطَباقي


    هَوَّنْ عليكَ ولا تَوْلَعْ بإشفاقِ


    فإنما مالُنا للوارثِ البـاقي


    كأنني قد رَماني الدَّهرُ عن عُرُضٍ



    بنافذاتٍ بلا ريشٍ وأفـــواقِ


    وممن رثا نفسه عبد يغوث بن وقاص الحارثي، وقال هذه القصيدة بعد أسره وبعد ما عرف أنَّ القوم سيقتلونه لا محالة، وفيها ينعى نفسه، وينهى صاحبيه عن لومه لأنَّ اللوم لا ينفع، ثم يبلغ أصحابه وخلانه أن لا لقاء بعد اليوم، ثم يلوم قومه الذين لم يهبوا لنجدته لأنه وقف مقاتلاً، ولو شاء لهرب، ثم أخذ يفخر بنفسه من حيث الشجاعة والكرم وقدرته وبراعته في القتال وفنونه، يقول :



    أَلاَ لا تَلُومَاني كَفَى اللَّومَ مَا بِيَا


    وَمَا لَكُما في اللَّومِ خَيرٌ وَلا لِيَا



    أَلَمْ تَعلَمَا أَنَّ المَلامَةَ نَفْعُهَا


    قَليلٌ وَمَا لَومِي أَخي مِنْ شَمَاليا


    فَيَا رَاكباً إمِّا عَرَضْتَ فَبَلَّغَنْ


    نَدَامَاي مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لا تَلاقيا



    أَبا كَرِبٍ والأَيهَمَينِ كِليهِما



    وَقَيساً بأَعلى حَضْرَمَوتَ اليَمَانيا



    جَزَى اللّهُ قَومِي بالكُلابِ مَلامَةً


    صَريحَهُمُ والآخرينَ المَــواليا


    وَلَوْ شِئتُ نَجَّتني من الخَيلِ نَهْدَةٌ


    تَرَى خَلْفَها الحُوَّ الجِيادَ تَواليا



    ولكنني أَحمي ذِمَارَ أَبيكُمُ


    وَكانَ الرِّمِاحُ يَختطِفنَ المُحَامِيا






    أَقولُ وقَدْ شَدُّوا لِسَاني بِنِسْعَةٍ


    أَمَعْشَرَ تَيمٍ أَطلِقُوا عن لِسانيـا


    أَمَعْشَرَ تَيمٍ قَد مَلَكتم فأَسْجِحُوا


    فإنَّ أَخاكم لمْ يَكنْ من بـَـوائيا


    فإنْ تَقتلُوني تَقتُلُوا بي سَيِّداً


    وإنْ تُطلقوني تَحرُبُوني بماليا



    أَحَقاً عِبادَ اللّهِ أَنْ لَستُ سَامِعاً


    نَشيدَ الرُّعاءَ المُعزبينَ المَتَاليا



    وَتَضحَكُ مِنِّي شَيخَةٌ عَبْشَميةٌ


    كأنْ لم تَرَ قَبلي أَسـيراَ يَمانيا



    وَقَدْ عَلِمَتْ عِرسِي مُليكَةُ أَنني


    أَنا اللَّيثُ مَعدُواً عَليَّ وَعَاديـا



    وَقَدْ كُنتُ نَحَّارَ الجَزُورِ وَمُعمِل الـ



    ـمِطيَّ وأَمضِي حِيثُ لا حَيَّ ماضيَـا



    وَاَنحَرُ لِلشَرْبِ الكِرامِ مَطيَّتي


    وأَصدَعُ بين القَينتينِ رِدائيــا


    وَكُنتُ إذا ما الخَيلُ شَمَّصَها القَنَا


    لَبيقاً بِتَصريفِ القَناةِ بَنانيـا



    وَعاديةٍ سَوْمَ الجَرادِ وَزعتُها


    بِكَفّي وقد أَنحَوْا إليَّ العَـواليا



    كأَني لَمْ أَركبْ جَواداً ولم أقلْ


    لِخَيلي كُرِّي نَفِّسِي عَنْ رِجـاليـا



    ولم أَسبَإ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولم أَقلْ


    لأَيسارِ صِدقٍ اعظِمُوا ضَوءَ ناريا



    بقي أمر لا بد من الإشارة إليه ذلك أنَّ بعض القصائد الرثائية قد افتحها الشاعر بذكر المرأة، نسيباً، كما هوا لحال عند دريد بن الصمة والمرقش الأكبر، أو عتاباً، كما هوالحال عند كعب بن سعد الغنوي، فلقد افتتح دريد بن الصمة رثاءه لأخيه عبد الله بالنسيب، يقول :



    أَرَثَّ جَديدُ الحبلِ من أمِّ مَعبَدِ


    بِعاقبةٍ وأخلفتْ كلَّ موعـدِ


    وبَانتْ ولمْ أحُمِد اليكَ جِوارَها


    ولم تُرْجَ فينا رِدةَ اليومِ أو غدِ



    ومهما يكن من أمر » أم معبد « سواء أكانت زوج الشاعر أم حبيبته فإنَّ ابتداء القصيدة فيها له دلالة ما، يذهب محققا كتاب الأصمعيات إلى القول بأنَّ دريد بن الصمة قد بدأ مرثيته » بضرب من النسيب يلائم الرثاء، وهو خلف الحبيبة« ، أما المرقش الأكبر فلقد بدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال والتغزل بحبيبته، ثم انتقل إلى رثـاء ابن عمه، يقول:



    هَلْ بالديارِ أنْ تُجيبَ صَمَـمْ


    لو كانَ رَسْـمٌ ناطقاً كَلَّـمْ



    الدارُ قَفْرٌ والرسُـومُ كَمَا



    رَقَّشَ فى ظَهرِ الأديمِ قَلمْ


    دِيارُ أسمَاءَ التي تَبَلَتْ


    قَلبِي فَعَيني مَاؤها يَسجُمْ


    أَضَحَتْ خَلاءً نَبتُها ثَئِدٌ


    نَوَّرَ فيها زَهْـوُهُ فاعتمّ


    بَلْ هَلْ شَجتكَ الظُعنُ بَاكِرةً


    كأَنَّهنَّ النَخلُ من مُلهَمْ


    النَّشْرُ مِسكٌ والوُجُوهُ دَنا



    نيرٌ، وأَطرافُ الأَكف عَنَمْ


    ويقول كعب بن سعد الغنوي في قصيدته التي يرثي فيها أخاه أبا المغوار، والتي نسبها الأصمعي خطأ إلى غريقة بن مسافع العبسي، في الأصمعية 26 ، وهي القسم الأول من المرثية، أما القسم الثاني فهو الأصمعية 25، ويبدأ كعب مرثيته :



    تَقُولُ سُلُيمى مُا لِجِسمِكَ شَاحباً


    كَأَنكَ يَحـميكَ الشَــرابَ طَبيبُ


    فَقلتُ ولم أَعْيَ الجَوابَ ولم أُلِحْ


    ولِلدهرِ في صُمِّ السِّلام نَصيبُ


    تَتَابُع أَحدَاثٍ تَخَرَّمْنَ إخوتي


    وَشيبَّن رأَسي والخُطوبُ تُشيبُ


    أَتَى دُونَ حُلوِ العَيشِ حتى أّمَرَّهُ


    نُكوبٌ على آثارهنَّ نُكـوبُ


    لَعَمري لَئنْ كَانتْ أَصابتْ مُصيبةٌ


    أَخي، والمَنايا للرَّجال شعُوبُ


    أَخي كَانَ يَكفيني وكان يُعينني


    على نائباتِ الدَّهرِ حِينَ تَنوبُ


    ويرى ابن رشيق القيرواني أنه » ليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً، كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، لأنَّ الأخذ في الرثاء يجب أنْ يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:51 pm