لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    التمـــرد

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    التمـــرد

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 3:13 pm






    التمـــرد



    ( 1 )

    تمثل القبيلة البناء الاجتماعي الأساسي الذي بنيت عليه الحياة في الجاهلية، وهي تعني تكويناً اجتماعياً يضم أسراً تنحدر من أصل واحد »ولها نسب مشترك يتصل بأب واحد هو أبعد الآباء والجد الأكبر للقبيلة، فالرابط الذي يربط بين أبناء القبيلة ويجمع شملها ويوحّد بين أفرادها هو الدم، أي النسب . والنسب عندهم هو القومية ورمز المجتمع السياسي في البادية . والقبيلة هي الحكومة الوحيدة التي يفقهها الأعرابي، حيث لا يشاهد حكومة أخـرى فـوقها، وما تقرره حكومته هذه من قـرارات يطاع وينفـذ وبها يسـتطيع أنْ يأخـذ حقه من المعتدي عليه

    ويمكن تجاوزاً القول إنَّ القبيلة تمثل كياناً كاملاً يشبه كيان الدولة اليوم، إذ لها زعيمها، ونظامها السياسي الذي يحكمها، فضلاً عن القوانين التي يلتزم بها أبناء القبيلة ولها أرضها التي تعيش عليها، إذ »لكل قبيلة أرض تعيش عليها وتنـزل بها وتعتبرها ملكاً لها، تنتشر بها بطونها وعشائرها، ولا تسمح لغريب النـزول بها والمرور بها إلا بموافقتها ورضاها .وقد اختص كل بطن منها بناحيته فانفرد بها واعتبرها أرضاً خاصة بها وكان الأساس الذي يقوم عليه النظام القبلي هو العصبية، وهو » أنْ يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين، وليس له أنْ يتساءل : أهو ظالم أم مظلوم

    وفي ضوء هذا تمثل القبيلة البنية الاجتماعية الكبرى التي تلم تحت كنفها الإنسان العربي، وتظله بحمايتها في إطار الرابطة العرقية التي تجمع بين أفراد القبيلة الواحدة، وقد قاد هذا إلى قدر كبير من التلاحم بين أفراد القبيلة، لأنَّ القبيلة إنما تمثلهم جميعاً وأصبحت أفعال القبيلة مؤثرة ومعبرة عن الفرد، كما أنَّ أفعال الفرد تعبر بالضرورة عن القبيلة سلباً أو إيجاباً، ولذلك كان الفرد في القبيلة يدافع عن القبيلة، وإنَّ القبيلة هي الأخرى تدافع عن الفرد ونتج عن هذا » نوع من اندماج الفرد داخل المجموعة، وإنَّ هذا الفرد إذا ما أحرز بطولات فهي تنسب لقبيلته أولاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القبيلة قد تحارب بأكملها وتحرز « بطولات » دفاعاً عن هذا الفرد أصلاً، أي أنَّ التساوي الفردي والاندماج بين الأفراد داخل القبيلة ليس مجرد تكاتف قدر ما هو تبادل عضوي بين الفرد والمجموع، وإنَّ البطولة الشخصية النابعة من القبيلة ليست فردية بقدر ما هي جماعية فردية متبادلة ويتكون المجتمع القبلي من طبقات متعددة، هي على النحو التالي :

    1- الصـرحاء .

    2- المـوالــي .

    3- العبيـــد .

    أما الصرحاء فهم أبناء القبيلة الذين يرجعون في دمائهم إلى الجد الأعلى، ولا تشوب أنسابهم شائبة، وتتمثل فيهم » العصبية بأقوى معانيها، ومنهم تتكون الطبقة
    » الأرستقراطية « في القبيلة، وفيهم رئاستها، وبيوتات الشرف فيها . وتعتمد هذه
    » الأرستقراطية « أول ما تعتمد على النسب، ومن هنا كان حرص هذه الطبقة على أنْ يظل دمها نقياً، وعلى أنْ تجمع الشرف من » كلا طرفيه« الآباء والأمهات، فلا يكون في أحد طرفي الشرف ما يشينه .

    وقد تضطر القبيلة تحت وطأة ظروف معينة إلى خلع أحد أفرادها، أي أنها تحرمه عطفها وعصبيتها عليه، وقد يتم الخلع لأنه قد » أجرم، أو عمل عملاً ينافي شرفه أو شرف قبيلته، واستمر في غيه لا يسمع نصائح أهله وعشيرته .

    أما طبقة الموالي فتتكون من العربي الحر الذي لجأ إلى قبيلة أخرى غير قبيلته ـ لأي سبب كان سواء أكان خلعا أم غيره ـ وعاش في حمايتها، ، أو هو العبد المملوك أو الرقيق الأسير الذي يَمنُ عليه مالكه بالحرية، أي أنه يفك رقبته ويعتقه، ويصير المملوك بذلك مولى لعاتقه، ويمكن أنْ يكون المولى عربياً أو أعجمياً، ولكنه في كلتا الحالتين » أقل شأنا في مجتمعهم من الأحرار، إذ نظر إليهم على أنهم دون العرب الأحرار في المكانة، ولهذا قلما زَوَّجَ الأحرارُ بناتهم للموالي

    ويمكن القول» إنَّ طبقة الموالي في القبيلة العربية كانت ترجع إلى أصلين: أحـرار

    وعبيد، أما الأحرار فهم اللاجئون إلى القبيلة، أو إلى أحد أفرادها، من خلعاء القبائل طالبين الحماية والنصرة، وكانوا يسمون أحياناً »الحلفاء«، وأما العبيد فهم أولئك الذين أعتقهم سادتهم من نير الرق، فظلوا مرتبطين بهم برابطة الولاء .

    أما العبيد فهم الطبقة التي تقع في قاع القبيلة، فهم إما أولئك الأسرى الذين يقعون في أيدي القبيلة في صراعها مع القبائل الأخرى، وإما سود جلبوا من أفريقيا، وإما رقيق أبيض مستوردون من أسواق العراق أو الشام، وإما أناس كانوا مدينين » فلم يتمكنوا من سداد ديونهم فبيعوا رقيقاً، ومنهم من صار رقيقاً لعدم تمكنه من دفع مال يجب عليه تأديته وإما أن يكونوا من الهجناء، والهجين هو ابن العربي من غير العربية وهو مخصص» بمن يولد من أم أعجمية بيضاء وقيل من أم سوداء، ولما كان الدم العربي هو الذي يرفع من شأن العربي في القبيلة، فلذلك عابت العرب الهجين، واعتبرته
    » دون العربي الصريح لوجود دم أعجمي فيه، والأعاجم مهما كانوا عليه من منـزلة دون العرب في نظر العرب

    ولما كان العرب يبغضون اللون الأسود، ويبغضون من ثم الزنوج، فلقد كان
    » أسوأ هؤلاء الهجناء حظاً، وأوضعهم منـزلة اجتماعية أولاد الإماء السود الذين سرى اليهم السواد من أمهاتهم، فقد كانوا سبة يعير بهم آباؤهم . . . ومن هنا أطلقوا على هؤلاء السود اسماً خاصاً بهم تمييزاً لهم عن سائر الهجناء، فسموهم » الأغربة « تشبيها لهم بذلك الطائر البغيض المشئوم في لونه الأسود، ونسبوهم في أكثر حالاتهم إلى أمهاتهم .

    والعبيد أدنى طبقات المجتمع القبلي، إذ يقومون بالخدمة التي يأنف الإنسان الحر من ممارستها » وقد كان العبد ملكاً يباع ويشترى، بيع الأموال المنقولة، ويتصرف صاحب العبد به تصرفه بملكه الخاص، ولم يُخوّل القانون حتى إبداء رأيه في مستقبله في أي حال من الأحوال، لأنه ملك وبضاعة مملوكة، كالماشية، وإنْ كان إنساناً حياً له ما لكل إنسان من روح وإدراك وشعور


    ( 2 )

    ليست الصعلكة ظاهرة طارئة على الحياة الاجتماعية الجاهلية، وإنما وُلِدَتْ بشكل طبيعي لتعبر عن التناقض الكامن في المجتمع الجاهلي، وتنبئ عن مدى التردي في الواقع العربي : اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فلقد انقسم المجتمع القبلي إلى الطبقات الاجتماعية التي سبق ذكرها، كما انقسم المجتمع من الناحية الاقتصادية إلى طبقتين : طبقة تملك الأموال، وهي المسيطرة على مظاهر الحياة بكل ألوانها وأشكالها، وطبقة فقيرة معدمة تعيش على هامش الحياة . وقد أسهم البناء الاجتماعي في تعميق الفوارق الحادة بين طبقات المجتمع الجاهلي، مما دفع إلى ظهور الصعلكة بوصفها ظاهرة اجتماعية جديرة بالدرس والتأمل .

    وقد تأثرت دلالة الصعلكة لغوياً واصطلاحياً بهذا التفاوت الطبقي الذي عاشه المجتمع العربي، فالصعلوك في اللغة : هو الفقير الذي لا مال له ولا اعتماد، وهو في الاصطلاح : فرد يمارس الغزو والإغارة والسلب بمفرده أو مع جماعة من أجل سد جوعه واستمرار حياته، ولذلك يمكن القول : إنَّ » مادة » صعلك « تدور في دائرتين : إحداهما » الدائرة اللغوية« التي تدل فيها على معنى الفقر، وما يتصل به من حرمان في الحياة وضيـق في أسباب العيش، والأخــرى نستطيع أن نطلـق عليها«الدائرة الاجتماعية» وفيها نرى المادة تتطور لتدل على صفات خاصة تتصل بالوضع الاجتماعي للفرد في مجتمعه، وبالأسلوب الذي يسلكه في الحياة لتغيير هذا الوضع .

    إن بنية القبيلة ـ كما أسلفنا ـ بنية طبقية تقع في قمتها طبقة الصرحاء، وتقع في قاعها طبقة العبيد، ويمثل الموالي طبقة متوسطة بين الطبقتين، من حيث الأهمية والقيمة . وتمثل ظاهرة الصعلكة تمرداً على البناء القبلي، لأنَّ مشكلة الصعاليك »لم تكن مشكلة قبائلهم وإنما كانت مشكلة النظام القبلي نفسه، وهذا ما أوجد بين الصعاليك معنى مشتركاً، يعبر بالتضامن الفعلي أو المفترض مع شعور جنيني بأنهم مجتمع مصغر يختلف عن المجتمع القائم، وبالتالي فقد تميزوا بفقد الإحساس بالعصبية القبلية التي كانت قوام المجتمع الجاهلي وبتطورها في نفوسهم إلى عصبية مذهبية

    إن البناء الاجتماعي للصعلكة يتجاوز البناء الطبقي المتعدد الطبقات إلى طبقة اجتماعية واحدة يتساوى فيها الجميع، وقد كونت هذه الطبقة الجديدة طوائف ثلاثة انحدرت من المجتمع القبلي، يمكن تلخيصها على النحو التالي :
    1- طائفة الخلعاء والشذاذ : وهي الطائفة التي اضطرت قبائلهم إلى خلعهم، مثل : حاجز الأزدي، وقيس بن الحدادية، وأبي الطمحان القيني .

    2- طائفة الأغربة : وهم العبيد السود الذين سرى لهم السواد من أمهاتهم مثل : تأبط شراً، والشنفرى، والسليك بن السلكة .

    3- طائفة الفقراء الذين يتصعلكون بسبب الفقر والفاقة التي فرضتها الظروف الاقتصادية السيئة في المجتمع الجاهلي، مثل : عروة بن الورد .

    إن هذه الطوائف الثلاث يجمع بينها الفقر المدقع وحالة الطرد الاجتماعي من البناء القبلي »وينظر هؤلاء الفقراء الجياع، المحتقرون من مجتمعهم، المنبوذون من إخوانهم في الإنسانية، إلى الحياة ليشقوا لهم طريقاً في زحمتها، وقد جردوا من كل وسائلها المشروعة، فلا يجدون أمامهم إلا أمرين : إما أنْ يقبلوا هذه الحياة الذليلة المهينة التي يحيونها على هامش المجتمع، في أطرافه البعيدة، خلف أدبار البيوت، يخدمون الأغنياء، أو ينتظرون فضل ثرائهم، أو يستجدونهم في ذل واستكانة، وإما أنْ يشقوا طريقهم بالقوة نحو حياة كريمة أبية، يفرضون فيها أنفسهم على مجتمعهم، وينتزعون لقمة العيش من أيدي من حرموهم .



    ( 3 )

    على الرغم من أنَّ للتمرد دلالته اللغوية المعروفة التي حدتها معجمات اللغة فإن للتمرد دلالته الفكرية وأنماطه السلوكية، إذ يكتنف التمرد بعدان جوهريان : أولهما : الحرية، وثانيهما : الخصوصية الفردية، إذ لا يمكن أن يتحقق التمرد دون إحساس المتمرد بضغوط القهر، بكل أنماطه، ومحاولته النـزوح والخروج على أنماط القهر هذه، ولذلك يسعى إلى حرية تكسر أنماط القهر، كما أنَّ خصوصية الأداء والفعل معبرة هي الأخرى عن هذا الكسر، بمعنى أنَّ الخصوصية الفردية للمتمرد تقوده إلى خصوصية فعله في الواقع إنَّ سلطة التمرد وتشريعه وقوانينه نابعة من هذين البعدين، ومن ثم فهما متميزان بخصوصيتهما.

    ويلتقي التمرد بالثورة في كونهما يسعيان إلى تغيير الواقع ، ويبدو أنَّ أسبابا قوية تدفع إليهما، بحيث يصل الأمر درجة من التأزم ،ومن ثم تستخدم القوة أداة للوصول إلى الهدف، إنَّ المتمرد يؤمن بعدالة قضيته التي يسعى من أجل تحقيقها في الواقع، كتمرد المضطهدين والمسحوقين بسبب الظلم والاضطهاد، أو تمرد الفقير لما يفرضه المجتمع عليه بسب التفاوت الاقتصادي الفادح .

    إن ظاهرة الصعلكة بوصفها ظاهرة اجتماعية متمردة في المجتمع الجاهلي، تولدت في أحد جوانبها من عدم إمكان تعايش الفرد في إطار القبائل العربية بأنظمتها القاسية وقوانينها الجائرة، ولكنه بخروجه عن القبيلة أخذت تواجهه ضروب من المعضلات والمشكلات لا تقل عن تلك التي عاشها في المجتمع القبلي .

    إن المجتمع الجديد لم يحقق آمال الصعاليك التي خرجوا من أجلها،صحيح أنه حقق لهم قدراً من الحرية، ولكنها حرية مشوبة بقيود لا تقل عن تلك القيود صرامة، وإن كانت من نوع آخر، ولقد بقي الصعلوك يعيش حالة الفاقة والفقر والعوز في مجتمعه الجديد .

    لقد كان الصعاليك ينشدون حياة مستقرة بعيدة عن الجوع والعبودية، ولذلك كانوا يجدّون بحثا عن الغنى والثراء غير مبالين بالوسيلة التي توصلهم إلى هدفهم، وعلى الرغم من هذا فإنهم لم يحققوا هذه الغاية التي ينشدونها، إذ نجد عروة بن الورد بقي فقيراً على الرغم من كل محاولات الإغارة والسلب يقول :

    دَعَيني أُطَــوِّف في البِلادِ لَعَلَّني

    أُفيدُ غِنى فِيهِ لِذِي الحَقِّ مَحمـلُ

    أَلَيسَ عَظـــيماً أَنْ تَلِـمَ مُلِمَّـــــةٌ

    وَلَيسَ عَلَيـنَا في الحقوقِ مُعــوَّلُ

    فَإِنْ نَحنُ لم نَملِكْ دِفاعاً بِحَـادِثٍ

    تَلمُ بهِ الأَيـــامُ فَالمـوتُ أَجْمَــلُ



    إن عروة بن الورد يوازن بين الموت والغنى، إذ يجعل الطواف علة في الصراع مع الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه، وإذا كان الطواف يعنى الحركة نحو غاية محددة فإنه يقود الشاعر إلى أحد أمرين : الغنى » الذي يتضمن الحياة « في زمن الفقر والبؤس، والموت الذي يعني خلاصا من حياة بائسة، إنَّ الشاعر هنا يواجه الحياة والموت بوصفهما قطبي معادلة لا بد من إصابة أحدهما، ويقول



    ذَرَيني أُطوِّفْ في البلادِ لعلَّنـــي

    أُخلِّيكِ أو أُغنيكِ عن سُوءِ مَحْضَرِ

    فإنْ فَازَ سَهمٌ بالمنيــــةِ لمْ أكــنْ

    جَـزوعاً وهلْ عن ذاكَ من مُتَأخرِ

    وإنْ فَازَ سَهمي كفَّكم عن مَقَاعــدٍ

    لَكَـــم خَلفَ أدبارِ البيوتِ ومَنظرِ

    ويقول :

    دَعيني لِلغِنـى أَسعَى فَإنِّي

    رَأَيتُ النَّاسَ شَـــرُّهُمُ الفَقَيـرُ

    وَأَبعَدَهُمْ وأَهوَنَهم عَلَيْـهِم

    وَإنْ أَمسَى لَـهُ حَسَبٌ وَخِيرُ

    وَيُقْصِيهِ النَّدِيُّ وَتَــزدَرِيــهِ

    حَلَيلَتُهُ وَيَنهــــرُهُ الصَّــــغيرُ

    وَيُلفى ذُو الغِنَى وَلَهُ جَلالٌ

    يـَكَادُ فُــــؤَادِ لاقــيه يَطَــيرُ

    قَليلٌ ذَنْبُهُ وَالــذَّنبُ جَــــمٌ

    وَلَكَنْ لِلغِنى رَبٌ غَفُــــــورُ

    إنَّ الفقر نفي اجتماعي آخر يعاني منه الصعلوك إذ يقترن الفقر بالشر والهوان والازدراء والانتهار والذنب، في حين يقترن الغنى بالصفات المضادة تماما .

    ومن الجدير بالذكر أنَّ عروة بن الورد ألحَّ على تكرار الفعل »أطوف « الذي يدل على الحركة التي تحاول الكشف والبحث، وكأنه رحلة نحو النجاة، وقد فطن باحث إلى أنَّ الفعل » طاف « ومشتقاته قد شحن » بتوتر ملحوظ بين الإنسان والطبيعة بشكل خاص، فالإنسان يرى هلاكه في مادة طاف بعد أن أمن بالنجاء ، وإذا أخذنا بهذا السياق أنَّ الطواف له دلالة مقدسة لأنه يجعل من الكعبة أو الصنم مركزاً يدور حوله الإنسان سعياً نحو النجاة وأمناً من الشرور، أصبح للفعل »أطوف « دلالته التي تحاول التقليل من شدة التوتر الذي يحدثه الواقع الخارجي في نفس الشاعر، بمعنى أنَّ الشاعر
    » ينطلق في رحلته محاولا التخلص من ذلك الخوف الرابض في نفسه نتيجة الشعور بعدم الاستقرار على المستوى النفسي والاجتماعي ويقول :

    إِذا قُلتُ قَد جَاء الغِنى حَالَ دونَهُ

    أَبو صِبيةٍ يَشْكُو المفاقِرَ أَعْجَفُ

    ويمثل التعبير عن » الأنا « خاصية يتميز بها شعر الصعاليك، وتتجلى ملامحها واضحة إزاء » النحن « متمثلة في القبيلة، شعوراً بالاعتلاء والتفاخر بالخصائص الفردية، وقد أكد ذلك يوسف خليف إذ يصبح »ضمير الفرد » أنا « أداة التعبير فيه بدلاً من ضمير الجماعة » نحن « الذي هو أداة التعبير في الشعر القبلي، وتصبح المادة الفنية لشعره مشتقة من شخصيته هو لا من شخصية قبيلته . ومعنى هذا أنَّ ظاهرة الفناء الفني لشخصية الشاعر القبلي في شخصية قبيلته التي نلاحظها بوضوح عند أصحاب المذهب القبلي في الشعر الجاهلي قد اختفت من مجموعة الشعر داخل دائرة الصعلكة، وحلت محلها ظاهرة أخرى يصح أن نطلق عليها » ظاهرة الوضوح الفني لشخصية الشاعر الصعلوك ويرى كمال أبو ديب أنَّ هذه الأنا » قلقة تبحث لا من أجل أنويتها بل من أجل تغيير العالم من أجل تدمير آثار التركيبة الطبقية للقبيلة، من أجل أن تنقذ المسحوقين والمحرومين يقول عروة بن الورد مخاطبا بني ناشب :

    فإنْ شئتُمُ حاربتُموني إلى مَدى

    فيجهدكم شأوُ الكِظاظِ المغرّبِ



    إذ يبدو التعارض بين القبيلة والفرد، صراع يتعالى فيه الفرد، ويقهر الآخر في قدرته وإمكاناته، وكان اختيار كلمة » الكظاظ « له تأثيره الإيحائي من جهة الدلالة، لأنه يعني ما يملأ القلب من الهم والتعب والشدة، ومن جهة وحداتها الصوتية، وبخاصة الظاء التي تتميز بأنها صوت لثوي مطبق يكلف نطقه جهداً، فضلا عن تكرارها مرتين في كلمة يفصل بينهما حرف الألف، ويسبقهما حرف الكاف، وهو حرف شديد مهموس .

    ولا يعنى هذا ان الشاعر الصعلوك لا يقيم تعارضا بين الأنا والأنا الآخر على الإطلاق، ولكنه يقيمه من منظور آخر، يتكئ على أبرز مقومات التمرد وأخلاقياته، إذ يتحدد على ضوء الإيثار المتمثل في الصعلوك، وتعارضه الأثرة لدى الآخر، يقول عروة:

    إني امرؤ عافي إنائي شركةٌ

    وأنتَ امرؤ عافي إنائِكَ واحدُ

    أتهزأُ مني أن سَمِنتَ وأن ترى

    بوجهي شحوبَ الحقِّ والحقُ جاهدُ

    أقسّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ

    وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ

    إن هذه الأبيات تنبئ عن » التعارض الحدي بين قيم الصعلوك وقيم الآخرين، بين الإيثار والأثرة، بين الانظلام والظلم، وتبرز هذا التعارض بواسطة الصورة الكنائية لوعاء الزاد الذي لا يقربه سوى صاحبه، والوعاء المقابل الذي يبيحه صاحبه للناس جميعاً فلا يبقى له شيء . صاحب الوعاء الأول يزداد سمنة وترهلاً، مقابل صاحب الوعاء الثاني الذي يزداد هزالاً ونحولاً لأنه أثر الحق، والحق مجهد لصاحبه، وآثر أن يعطي من نفسه لغيره، كأنه يقسم جسمه بين جسوم كثيرة ولا يتمتع بشيء سوى قراح الماء البارد

    إنَّ الرجل في قصيدة القبيلة له حضور خاص يتجلى في فروسيته وفحولته ونأيه عن مظاهر الحياة الهامشية، وكأنه صورة لمثال أو بطل ملحمي، ولكن الرجل في قصيدة الصعاليك إنسان عادي يؤدي دوره في حياة واقعية، ويميز عروة بن الورد بين نمطين من الصعاليك الأول خامل كسول: فهو كما يقول عروة بن الورد :

    لَحى اللّهُ صُعلوكاً إِذا جَنَّ لَيلُهُ

    مُصافي المُشاشَ آلفاً كُلَّ مَجزرِ

    يَعَدّ الغِنى من نَفسِهِ كُلَّ لَيلةٍ

    أَصابَ قِراها من صَديقٍ مُيسَّرِ

    يَنَامُ عِشاءً ثُمَّ يُصبِحُ نَاعِساً

    يَحُثُ الحَصَا عن جَنبِهِ المُتَعَفِّرِ

    قَليلُ التماسِ الزَّادِ إِلاّ لِنفسِهِ

    إِذا هو أَمسى كالعريشِ المجوَّر

    يُعِينُ نِسَاءَ الحَيِّ مَا يَستَعِنَّهُ

    وَيُمسِي طَليحاً كَالبَعيرِ المُحَسَّرِ

    والثاني لا يعيش هذه الحياة، بل إنَّ شراسته تتجاوز الحدود، إذ يشهر سيفه ويخاتل خصومه من أجل أنْ يعيش، وقد يموت في سبيل ذلك، وكلا الأمرين ينتزعهما بإرادته، وفي كليهما حياة بعز أو موت يلقاه وهو حميد السمعة، يقول عروة بن الورد :



    وَلَكنَّ صُعلُوكاً صَفيحَةُ وَجْهِهِ

    كَضَوءِ شِهَابِ القَابِسِ المُتَنَوَّرِ

    مُطِلاًّ على أَعدائِهِ يَزجرُونَهُ

    بِسَاحَتِهِم زَجْرَ المَنِيحِ المُشَهَّرِ

    إذا بَعُدُوا لا يأَمَنُونَ اقتِرَابَهُ

    تَشَوُّفَ أَهْلِ الغَائِبِ المُتَنَظَّرِ

    فَذلكَ إنْ يَلْقَ المَنيَةَ يَلقَهَا

    حَمَيداً وإنْ يَسْتَغْنِ يوماً فأجْدَرِ

    إنَّ نمطا جديدا من المثالية يتبدى في قصيدة الصعلوك، عون للضعيف وفتك بالخصوم والأعداء، وصبر وجلد مع النفس، إذ يصبر الصعلوك على الجوع، ويؤثر غيره على نفسه، ويخشى أن يعيش بذلة، لأن الموت خير من حياة تكتنفها المذلة، يقول عروة بن الورد :

    وَإني لأُثوي الجُوع حَتى يَمَلَّني

    فَيذهبَ لَم يَدْنسْ ثِيابي وَلا جِرمِي

    وَأَغتَبقُ المَاءَ القَرَاحَ فأنتهي

    إذا الزَّادُ أَمسَى لِلمُزلَّجِ ذا طَعْمِ

    أَرُدُّ شُجَاعَ البَطنِ قَدْ تَعْلَمينَهُ

    وأُوثِرُ غَيري من عِيالِكِ بالطُّعمِ

    مَخَافَةَ أَنْ أَحيَا بِرَغمٍ وَذِلَّةٍ

    وَللمَوتُ خَيرُ مِنْ حَيَاةٍ على رَغْمِ

    إنَّ ما يدعو إليه الصعلوك في اختيار أحد أمرين الحياة الكريمة أو الموت، هو الأمر الذي أكده البير كامو في أثناء حديثه عن خصائص التمرد عند الإنسان، لأن المتمرد يريد » أن يحيا، ويعترف به في شخصه، انه يريد أن يكون هذا، أو أن يكون لا شيء، أي أن تحرمه القوة المتحكمة به حرمانا نهائيا. وهو في النهاية، يرضى بالحرمان والسقوط الأخير، ونعني الموت ... إنه يؤثر أن يموت عزيزاً رافع الرأس على أن يعيش عيشة الهوان

    لقد كان الصعلوك يكثر من الحديث عن الموت أو الخوف منه، ولكنه لا يبالي فيما يقع فيه، ما دام مقتنعاً بالهدف الذي يسعى إليه، كسباً للقوت والطعام، أو تحقيقاً للذات في امتلاك حريتها ووجودها، ومن ثم تكون التضحية أمراً عادياً، فقد يموت الإنسان وهو يكافح، وقد يموت وهو قاعد خلف أدبار البيوت، وكلاهما موت، غير أنَّ هناك فرقاً جوهرياً كبيراً بينهما . إنَّ الصعلوك ـ هنا ـ يختار الموت، فإرادته هي التي اختارت الخروج على القبيلة، وإرادته هي التي حددت له الميتة التي يريد، ومن ثم فإنه يرفض أساليب القبيلة، لأنها أساليب قمعية خارجية ثابتة لا تعرف التغاير، ويستبدل ذلك بأسلوبه هو الخاص الذاتي الداخلي . إنه بهذا يؤكد ذاته، إنَّ اختيار الخروج على القبيلة، واختيار الموت، تمرد على » مس كيانه « كما يقول البير كامو لأن المتمرد
    » يناضل من أجل سلامة جزء من كينونته

    إن تمرد الصعاليك على القبيلة كان تمرداً على نظامها وقوانينها وعاداتها وقيمها، واستبدل الصعلوك ذلك بمجتمع جديد له قيمه وقوانينه، ولقد تغيرت فيه أمور كثيرة، إذ يهدف الصعلوك إلى هدم البناء الطبقي في القبيلة، وأشاد بدلا منه نظام طبقة واحدة يتساوى فيها الناس، ولا يمكن أنْ يتحقق ذلك الا بالتحرر من ربقة النظام القبلي باستخدام القوة وسيلة لتحقيق الأهداف، ولذلك فإنَّ كل ما يملكه الصعلوك : ذكاء، وسيف، وأنفة، وإنَّ هذه المقومات الثلاثة تبعد عنك مظالم المجتمع القبلي كما يقول عمرو بن براق الهمداني :

    مَتَى تَجمَعِ القَلبَ الذَّكيَّ وَصَارِماً

    وأَنفاً أَبياً تَجْتَنبكَ المَظَالِمُ

    ويتجلى من ذلك أنَّ الحياة لها أحد ركنين : عيش ماجد، أو موت، وكأن الشاعر الصعلوك قد تمرد على هذه المنطقة الوسطى التي تقع بين العيش الماجد والموت . وتؤكد لامية العرب للشنفرى كثيراً من هذه المعاني ،بحيث يستبدل الشاعر الناس بالحيوان، ويستبدل الأصحاب بأخر، بقلب لا يعرف الخوف ،وسيف صقيل، وقوس قوية :

    وإنِّي كَفَاني فَقْدُ مَنْ ليسَ جَازياً

    بِحُسنَى ولا في قُربِهِ مُتَعَلِّلُ

    ثَلاثَةُ أَصحابٍ : فَؤَادٌ مُشَيَّعٌ

    وأَبيضُ إصْلِيتٌ وَصفراءُ عَيْطَلُ

    وكان الخوف يكتنف حياة الصعلوك من كل جانب، خوفاً على حياته وحياة أسرته، وخوفاً من القبائل التي تحاول القضاء عليهم، وخوفاً من المـوت في أثناء غاراتهم فـي السلب والنهب، يقـول عـروة ابن الورد :

    أَرَى أُمَّ حَسّانِ الغَـداةِ تَلومُنـي

    تُخَوّفُني الأّعداءَ والنَّفسُ أَخْوَفُ

    تَقولُ سُليمى لو أَقمتَ لَســرَّنَا

    وَلَمْ تَدْرِ أَني للمُقَامِ أُطــــــوّفُ

    لَعلَ الذي خَـوّفتِنا من أَمامنـا

    يُصادِفُهُ في أَهلِـــــهِ المُتخلـفُ

    ويقول أيضا :

    تَقولُ لكَ الوَيلاتُ هلْ أنتَ تارِكٌ

    ضُبُوءاً بِـــرَجلٍ تارةً وبمنــسرِ

    ومُستثبِتٌ في مـالِك العــامِ إِننَّي

    أَراكَ على أقتادِ صرماءَ مُـذكِــرِ

    فَجُوعٍ بها للصالحينَ مَــــزَلَّـةٍ

    مخُـوفٍ رَدَاها أنْ تصيبَكَ فاحذرِ

    ويقودنا هذا إلى الحديث عن مكانة المرأة في مجتمع الصعاليك، إذ لها حضورها المتميز ولكنه حضور من نوع آخر يختلف عن حضورها في قصيدة القبيلة، فإذا كانت المرأة في قصيدة القبيلة تمثل ماضياً ينبيء عنه طلل حاضر، ومحاولته استرجاع الماضي عبر أوصاف حسية جسدية تثير الغريزة غالباً، فهي أقرب إلى المثال أو الرمز البعيد، ولكنها في قصيدة الصعلوك تعيش حياة صاحبها معاناة وخوفاً وقلقاً، ولذلك فليست » المرأة في قصائد الصعاليك بهكنة، هركولة، مربربة، ثقيلةالخطى، نؤوم الضحى، عالية تغري أحضانها بالهروب من الخطر، أو تشعل الشهوة التي تتوهج في اليوم الغائم تحت الطراف المعمد كأنها حضور جسدي دائم ينسي الهم كالخمر ويغري بالاقتناص كالفريسة، وإنما هي الحبيبة والزوج الملهوفة والمحاورة والشريك ورفيق الضراء قبل السراء

    وقد قاد النبذ الاجتماعي للصعاليك إلى مجموعة من القيم الاجتماعية الكريمة منها : كرم الصعلوك، ووفاؤه لأصحابه من الصعاليك، أما كرمه فهو مشهور معروف حتى قيل » كل صعلوك جواد «، ولعل حالة الفاقة والفقر في مجتمع القبيلة قادته إلى إتلاف أمواله في كرم مبالغ فيه، غير أنَّ جانباً إنسانياً جديراً بالتقدير يلاحظه الباحث هو تضامن الصعاليك في الحياة الاقتصادية، على نحو العموم، وفي وفائهم لبعضهم بعامة، فلقد كان الصعاليك يقسمون ما يغنمون بالتساوي، سواء أكان ذلك من حارب من أجل الغنيمة، أم من كان قاعداً لا يقوى على الخروج، ومن هنا جاء الحديث عن ملامح الاشتراكية عند الصعاليك، أما وفاء الصعلوك لصاحبه فلأنهما يعيشان أقلية تتربص بهما الدوائر، ومن ثم تولد هذا التلاحم في الوفاء .



    ( 4 )

    يمكن القول إنَّ شعر الصعاليك صورة لحياتهم الاجتماعية، وتعبير عن هذه الطبقة الواحدة التي يعيشها هؤلاء الشعراء، كما أنَّ »أشعار الصعاليك تصور لنا أيضاً الكثير من أحوالهم وأفكارهم، ففيها صيحات الفقر والجوع، وما تمور به نفوسهم من ثورة على الأغنياء والأشحاء، فضلاً عما في نفوس بعضهم، كأبناء الإماء، من شعور بالامتهان والضعة . ويحدثنا هؤلاء الصعاليك عما كانوا يكابدونه من الفقر والجوع، ويروي السليك بن السلكة، في بعض شعره، كيف كان يغمى عليه من الجوع في شهور الصيف حتى كاد يشرف على الموت والهلاك :

    وَمَا نِلتُهِا حَتَّى تَصَعْــلـكتُ حِقْبَـــــــةً

    وَكِدتُ لأَسبَابِ المَنِيَّـةِ أَعْـرَفُ

    وحَتَّى رَأَيتُ الجُوعَ بالصَّيفِ ضَرَّني

    إِذا قُمتُ تَغْشَاني ظِلالٌ فأَسدِفُ

    إنَّ قصيدة القبيلة تعبر عن المألوف والمحدود في حياة القبيلة، ويمثل المكان أحد أبرز المكونات التي تعنى بها قصيدة القبيلة ،إذ يرسم الشاعر تجمع القبيلة ورحيلها، ويحتل المكان قيمة خاصة لدى الشاعر وبخاصة في الطلل الذي تظل ملامحه واضحة بحدوده الجغرافية، وببقايا آثاره، ويستدعي المكان معه زمناً خاصاً يقوم على أساس تعاقبي، ولا أحسب أنَّ المكان » يصبح عرضياً في النص الصعلوكي ،وبسبب عرضيته تنتفي ظاهرة التعبير الرمزي بالأطلال وينفصم المكان عن الزمان كلية وإنما يمثل المكان خصوصية أخرى، إذ ينتقل فيه الشاعر من الحديث عن المألوف والمحدد إلى الغامض والغريب واللامألوف، فبعد أنْ كان الطلل دار الحبيبة وتجمع القبيلة أمراً مألوفاً في قصيدة القبيلة يصبح المكان مرقبة عنقاء عند الشنفرى :

    وَمَرقَبةٍ عَنقَاءَ يَقصُرُ دَونَهَا

    أَخُو الضِّرْوَةِ الرِجْلُ الحَفِيُّ المُخَفَّفُ

    نَعَبتُ إلى أَدنَى ذُرَاها وقد دَنا

    من الليلِ مُلتَفٌ الحَديقةِ أَسْدَفُ

    فَبِتُّ على حَدِّ الذِّراعَينِ مُجْذِياً

    كَمَا يَتَطَوَّى الأَرْقَمُ المُتَعَطِّفُ

    وَلَيسَ جِهَازِي غَيرُ نَعلينِ أُسْحِقَتْ

    صُدُورُها مَخصَورَةً لا تُخَصَّفُ

    وقد » لا يكتسب المكان اسماً في نص الصعلكة ولكنه يتراءى مُنَكَرَّاً مجهولاً غامضاً ومعبراً عن موحشة الحياة التي تعيشها الصعلوك، ولكنه لا يفارقه زمان يعيشه الشاعر نفسه، وإذا جاز أنْ نقول إنَّ قصيدة القبيلة لها زمانها الآني القصير الذي يسترجع فيه الشاعر الماضي فإنَّ المكان في قصيدة الصعلوك يعبر عن المجهول والغامض، فهو مكان بكر يقاربه زمان حاضر ينبئ عن المستقبل، زمان دائري لا يعرف التعاقب . إنَّ المكان في قصيدة الصعلوك مكان » الحياة / الموت « وإنَّ الحاضر يمكن أن يحقق للشاعر إمكان التواصل مع الحياة، أي أنَّ الشاعر الصعلوك يعيش لحظته الآنية، غير أنه لا يمتلك وقتاً أو زمناً للحب، وهو يختلف عن شاعر القبيلة الذي يعيش اللحظة الآنية سريعة خاطفة لتحيله إلى الزمن الماضي ،ولذلك فإن الزمن الأساس عند شاعر القبيلة هو الزمن الماضي زمن المحبوبة، زمن التواصل معها، وفيه يمتلك الشاعر وقتاً للحب والتواصل، إذن فالأطلال «تجسد للزمن الماضي ومرور الزمن وتدميره للعالم، أما مكان الصعلوك فإنه إمكانية تجسد المستقبل وبناء عالم جديد .

    وفي ضوء هذا يتمايز شعر الصعاليك عن الشعر الجاهلي القبلي من حيث بنية القصيدة وموضوعاتها، وهو تغير جدير بالدرس، وقد تناوله بالتفصيل الدكتور يوسف خليف في كتابه » الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي « ومن أبرز الملامح التي تعرض لها بالدرس هي :

    شعــر مقطوعــات :

    تتفشى في شعر الصعاليك المقطوعات القصيرة التي يمكن أنْ نضع لكل واحدة منها عنواناً مستقلاً، وقد فطن إلى هذا يوسف خليف وأرجعه إلى » طبيعة حياتهم نفسها تلك الحياة القلقة المشغولة بالكفاح في سبيل العيش التي لا تكاد تفرغ للفن من حيث هو فن يفرغ صاحبه لتطويله وتجويده وإعادة النظر فيه كما يفعل الشعراء القبليون ... »كما« أنَّ حياة الصعاليك كانت حياة قلقة مضطربة، وأنهم جميعا كانوا يشعرون شعوراً عميقاً بأنها حياة قصيرة ...وهل نظن شاعراً هذه طبيعة حياته يستطيع أن يفرغ لفنه يطيله ويجوده ويعيد النظر فيه المرة بعد المرة ؟ أظن أنَّ الطبيعي أنَّ مثل هذه الحياة التي لا يكاد الشاعر يفرغ فيها لنفسه لا تنتج إلا لوناً من الفن السريع الذي يسجل فيه الشاعر ما يضطرب في نفسه من مقطوعات قصيرة موجزة، يسرع بعدها إلى كفاحه الذي لا ينظره ولا يمهله .

    وحدة الموضوع :

    يغلب على شعر الصعاليك، وهو مقطوعات في أغلبه، وحدة موضوع واحد، بحيث يستطيع الباحث » أن يضع لكل مقطوعة عنواناً خاصاً بها، دالاً على موضوعها، وهي ظاهرة لم تعرفها قصائد الشعر الجاهلي القبلي في مجموعه، تلك القصائد التي تبدأ عادة بمقدمة طللية، ثم تظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهايتها وقد تكون المقطوعة الشعرية تعبيراً عن موقف ما عاشه الشاعر، فالشنفرى قال لإحدى بنات القبيلة » اغسلي رأسي يا أخيه، فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته . . . فقال :

    أَلاَ لَـيتَ شِعــرِي والتَّلَهُفِ ضَـلَّةٌ

    بما ضَــرَبتْ كَــفُّ الفَتَاةِ هَجينَهَا

    ولو عَلِمَتْ قُعسُـوسُ أَنسابَ وَالِـدِي

    وَوَالــدِها ظَلَّتْ تَقَاصَــرُ دُونَــهَا

    أَنا ابنُ خِيارِ الحُجْرِ بَيْتَاً وَمنصِباً

    وَأَمِّي ابنةُ الأَحرارِ لو تَعرِفِينَهَا

    التخلص من المقدمات الطللية :

    ومن الخصائص التي تميز بها شعر الصعاليك أنه يخلو من المقدمات الطللية، لأنَّ الشعر مادام شعر مقطوعات من ناحية، وشعراً يتسم بوحدة الموضوع من ناحية ثانية فإنه من الطبيعي أن يتخلص من المقدمات الطللية، ولا يعني هذا أنَّ الصعلوك لا يتعرض إلى ذكر المرأة، ولكنه كان يتعرض للومها وخوفها عليه، وغالبا ما تكون زوجة .

    إن بنية القصيدة الجاهلية القبلية تتكون في الغالب من وحدات متعددة، يكون الوقوف على الأطلال والتغزل بالحبيبة من بعض هذه المكونات، وتلحقهما مكونات أخرى، مثل وصف الرحلة مرة، أو وصف الفرس مرة، أو التعرض للسلم أو الحرب مرة، وهكذا، إذ من المؤكد أنَّ غالبية القصائد الجاهلية القبلية تتميز بتعدد الوحدات المكونة لها، ترى هل يمكننا القول إنَّ هذا التعدد في الوحدات الشعرية إنما هو صدى وصورة لتعدد طبقات البناء الاجتماعي في القبيلة، فإذا كانت القبيلة تتعدد طبقاتها : من أحرار، وموال، وعبيد، ماثلت ذلك القصيدة بتعدد وحداتها المكونة لها:

    القبـيـلة : تعــدد الطـبقات : أحـرار، ومـوالي، وعبيـد

    القصيدة : تعدد الوحدات الفنية : المقدمة الطللية، الغزل،وصف الرحلة، أو أشياء أخرى .

    ولكننا حين ننتقل إلى مجتمع آخر هو مجتمع الصعاليك، نلاحظ أنه يتكون من طبقة اجتماعية واحدة، مما قاد إلى تحول بناء القصيدة تبعا لطبيعة الواقع الاجتماعي الجديد، فأصبحت القصيدة تتكون من وحدة فنية واحدة، لا تشتمل على وحدات متعددة، أي أنَّ هناك تماثلاً بين البناء الاجتماعي والبناء الفني .

    الصعـاليـك : طبقــة واحدة

    القصيـــدة : وحـدة واحـدة

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:52 pm