لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    الزمن وجدلية التواصل والانفصام

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    الزمن وجدلية التواصل والانفصام

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 2:16 pm







    الزمن وجدلية التواصل والانفصام

    في مـعـلـقـة امرئ القيس

    ويتأمل الشاعر الزمن بوصفه حركة في الأفق المكاني وما يعتري الإنسان من تطور وتغير وصيرورة، ينتقل فيها من الضعف إلى القوة فالضعف، ضعف في طفولته وقوة في رجولته، وضعف في شيخوخته، غير أنَّ تطوراً تصاعدياً يرافق هذا التغير، إذ يمر الإنسان بمراحل من النضج كلما تقدمت به السن، تطوراً نحو الأعمق والأفضل، هذا إذا استثنينا أرذل العمر، فالزمن يترك آثاره على الإنسان من ناحيتين : جسدية وذهنية، أما الجسدية : فتتجلى في تحول جسم الإنسان من الضعف إلى القوة فالضعف، وأما الذهنية فتتبدى في تراكم المعرفة الإنسانية على مستوى الإدراك والخبرة.

    إن الإحساس بالزمن يمثل بعداً ذاتياً فردياً لدى الإنسان، غير أنَّ الشاعر يختلف في الدرجة أحياناً، وفي النوع أحياناً أخرى، عن غيره من الناس في تحسسه للزمن، وإذا كان الزمن عند الإنسان العادي يمثل حركة ينتقل فيها من ماضٍ إلى حاضر، فإن الشاعر يتجاوز هذه الحركة الأفقية إلى دلالة ذاتية متشابكة، أي العمل على إحداث الفعل في الزمان وموقفه إزاءه، وهذا يعني أنَّ الزمن يتحول إلى بعد ذاتي يعيد الشاعر صنعه أو خلقه من جديد .

    ولسنا في سياق الحديث عن تجليات « الزمن » في إطار دلالته النحوية التي يدل عليها «الفعل» لأنَّ صيغة الفعل الماضي لا تعني دائماً أنَّ الحدث قد تم في الماضي، كما أنَّ استخدام الفعل المضارع لا يعني أنَّ الحدث قد تم في الحاضر، أو أنه سيحدث في المستقبل .إنَّ حديثنا عن الزمن، إنما هو حديث عن مدى إحساس الشاعر به، وتحوله من بعد خارجي إلى بعد ذاتي داخل الإنسان .

    وأول ما يبده المتلقي بإحساس الشاعر العربي ـ الجاهلي بالزمن هو وقوفه على الأطلال، إذ يمثل الطلل مثيراً حاضراً معبراً عن زمن ماضٍ، فوقوف امرئ القيس في الحاضر على الطلل يدل على حرمانه في الحاضر من التواصل العاطفي مع حبيبته، أو حبيباته، ومما يثير الانتباه أنَّ الشاعر يذرف دموعه عند طلل مجدب يخلو من كل مظهر من مظاهر الحياة، نباتية أو حيوانية، وحتى قيعانه تخلو من المياه، إذن هناك طلل مجدب وشاعر يبكي، ورفاق يواسون أو يعذلون، يقول امرؤ القيس :

    قِفا نَبكِ من ذكرى حَبيبٍ وَمنـزلِ


    بسقِطِ اللِّوَى بين الدَّخولِ فَحوملِ



    فتُوضِحَ فالمِقراةِ لم يَعفُ رَسمُها

    لما نَسَجتـها مـن جَنـوبٍ وَشَمأَلِ

    تَرَى بَعَرَ الآرآمِ في عَـَـرصاتِها

    وَقيــعانـِـها كأَنــّــهُ حَـبُّ فُـلْـفُـلِ

    كأَني غَداةَ البَينِ يومَ تَحَمّلـوا

    لــدى سَمُـراتِ الحيّ ناقفُ حَنظَلِ

    وقــوفاً بها صَحبـي عَليّ مَطيَّهم

    يقــولــونَ : لا تهلِك أَسى وتـَجَمَّــلِ

    وَإنَّ شِفائي عَبــرةٌ إن سـفحتها

    وَهلْ عنـدَ رسـمٍ دارسٍ من مُعـوَّلِ

    كدينك من أم الحُويرثِ قبلَــها

    وَجــارتِها أمِّ الـربــــابِ بمأَســـلِ

    ففاضتْ دموعُ العينِ منّي صَبابـَةً

    على النحرِ حتى بلَّ دَمعيَ مِحمـَـلي



    إن الطلل بوصفه مكانا لا قيمة له إن كان محايداً، ولكنه ليس كذلك عند امرئ القيس، إذ يمثل مثيراً له دلالته العاطفية والوجودية، وإذا كان للمكان وجهان ـ كما يرى أدونيس ـ وجه يجذب ووجه يخيف فإن الطلل يمثل الوجه المخيف لأن الشاعر يرى الأشياء تتهدم وتغيب ومن ثم تتدخل قوة الدهر« القوة الخارقة التي لا تمكن مقاومتها تأخذ كل شيء وتغير كل شيء، وأمام هذه القوة يحس الشاعر الجاهلي أنه عاجز ولا حيلة له . إنها ليست قوة الموت، بل قوة الحركة الأفقية التي تندرج في تيارها ظاهرة الغياب - غياب الحبيبة والأهل والقبيلة، إنه شيء خفي يأتي من الخلف مفاجئا لايغلب، ومجيئه حتمي الآن أو غدا أو بعد هنيهة . هذه القوة ليست ظاهرة عابرة وإنما هي نمط الحياة .

    ويكشف الطلل عن زمانين :حاضر وماض، ولكل منهما دلالته النفسية، ففي الزمان الحاضر يتجلى الطلل بخلوه من كل شئ سوى آثار بقايا الظباء، فهو مجدب مقفر لا حياة فيه، ويوحي بموعد الرحلة إلى الموت، وكأَنَّ موت الطلل موت للإنسان، إنَّ أثر الموت في الطلل دفع الشاعر إلى البكاء، وموت الطلل الحاضر يقابله إحساس الشاعر بالأسى، ومن أجل أنْ يتجاوز الشاعر ذلك يعمد إلى التشبث بالبقاء وكسر حالة الجدب ولا يتم تجاوز الحاضر بقساوته المتجلية في الطلل المجدب والحالة النفسية البائسة إلا من خلال استعادة الذكريات، أي أنها عودة للماضي في إطار المكان نفسه، فهي شكل من أشكال المقارنة بين الماضي والحاضر، حاضرٌ لا تواصل فيه، وماضٍ تم فيه التواصل .

    إن الشاعر بفعله هذا يعمد إلى استيحاء الزمن ومحاولة صنعه من جديد، ولكنه يصنعه هذه المرة بالحكاية، وكأَنَّ الحكاية وسيلة لتجسيد الماضي، أي تأكيد التواصل ومحاولة الخروج من أزمة الانفصام والأسى، وتحقيق شكل من أشكال التفريج عن الانفعال، كما أنه يمثل لوناً من التعزية في حاضر قاس مجدب .

    إن حديث الشاعر عن الطلل يشتمل على بعدين :أحدهما : يدل على رغبة الشاعر الجامحة للحياة، تفاعلاً مع معطياتها، وتواصلاً مع الآخرين، وثانيهما : يدل على هروب الشاعر من وطأة الزمن على الأشياء، لأنَّ الشاعر يعيش حالة من الخوف والفزع من الهرم وما يعتريه من عوامل الضعف والانقراض، لأنَّ الزمن يحول كل شئ من حال إلى حال، وهذه الصيرورة هي التي دفعت الشاعر ـ كما أشرت ـ‏ إلى إعادة الماضي ومحاولة خلقه من جديد من خلال الحكاية.

    إن إحساس الشاعر بالمكان ليس منفصلاً عن إحساسه بالزمان، صحيح أن المفردات الدالة على الزمان في المعلقة أقل من المفردات الدالة على المكان بمقدار النصف تقريبا، غير أنَّ هذا لا يقلل من أهمية الزمن في المعلقة، لأن الزمن يكتنفها بمقاطعها المتعددة كما أنَّ الإكثار من المفردات الدالة على المكان له ما يبرره عند شاعر بدوي تحيط به الصحراء من كل جانب، فضلاً عن أنَّ الإحساس بالمكان أقرب وأكثر لصوقا بالإنسان إذا ما قسنا ذلك بإحساس الإنسان بالزمن الذي يأتي لاحقا .

    وكانت « الحكاية » أداة الشاعر في كسر الحاضر، وإعادة صنع الزمن من جـديد ويتجلى هذا بوضوح من خلال التأكيد على الزمن الماضي بذكر مفرداته مثل كلمة « يوم » الدالة على الماضي، وقد تكررت في الحكاية الأولى خمس مرات، يقول امرؤ القيس :



    أَلا رُبَّ يــومٍ لـكَ منـهنَّ صالـحٍ

    ولاسيَّما يــومٍ بــدارةِ جُلــجُلِ

    ويــومَ عَقــرتُ لِلعَذَارى مَطَيتَي

    فَيَا عَجَباً مـن رَحْلِــها المُتَحمَّلِ

    يَظلُ العَــذَارى يَرتمين بِلحمِها

    وشحمٍ كهُدَّابِ الـدِّمقـسِ المُفتــَّلِ

    ويــومَ دخلتُ الخِدرَ خِدرَ عُنيزةٍ

    فقالتْ لكَ الويلاتُ إنكَ مُــرجلي

    تقولُ وقد مالَ الغَبيطُ بنا معاً

    عَقرتَ بعيري يا امرأَ القيسِ فانـزلِ

    فقلتُ لها سيري وأَرخـي زِمـامَهُ

    ولا تُبعــديني من جَـــناكِ المُعلَّلِ

    ويوماً على ظهرِ الكثيبِ تَعـذَّرتْ

    عَلـيَّ وآلـتْ حَلفــةً لـم تَحــلَّلِ

    ولم يكتف الشاعر امرؤ القيس بحكايته مع « عنيزة » بل تجاوزها إلى حكاية أخرى مع فاطمة التي تبدو متأبية على الشاعر بتدللها وتمنعها، ولكنها في الحقيقة لا تقل عشقاً للشاعر من عنيزة، كما أنَّ امرأ القيس يتجاوز عنيزة وفاطمة إلى « بيضة خدر » وهي حكاية ثالثة يحاول فيها كسر الحاضر، وكأنَّ حكاية واحدة لا تكفي لإرواء ظمأه من حالة الانفصام التي يعيشها الشاعر في الزمن الحاضر، يقول :

    أفاطـمَ مهـلاً بعـضَ هذا التَدللِ

    وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملي

    وإنْ كنتِ قــد ساءتكِ مني خَليقةٌ

    فسُـلّي ثـــيابــي مـن ثــيابــكِ تَنـسُلِ

    أغــرَّكِ منـّــي أنَّ حبَّكِ قَــاتلي

    وأنك مهــمـا تـأمــري الـقـلبَ يَـفـعـلِ

    وما ذَرفـتْ عينــاكِ إلا لتقدحي

    بـسـهـمـيـكِ في أعشــارِ قلبٍ مـُقَـتـّـلِ

    وبيضةِ خِـــدرٍ لايُــرامُ خِباؤها

    تَـمَـتـعـتُ من لـهـــوٍ بها غيـرَ مُعجَلِ

    تَجاوزتُ أحراساً وأهوالَ معشـــرٍ

    عليَّ حـِــراصاً لو يشــرون مَـقـتــلي

    إذا ما الثُريا في السَّماءِ تَعرضتْ

    تعـرضَ أثناءِ الـــوشاحِ الـمـفـصلِ

    فجئتُ وقــد نَضَّتْ لنــومٍ ثيابَها

    لدى السترِ إلا لِبســةَ الـمُـتـفـضـلِ

    فقالتْ : يمينَ اللّه مـالكَ حيلةٌ

    وما إنْ أرى عنك العمايـةَ تَـنـجـلـي

    خرجتُ بها تمشي تجر وراءنا

    على أثـرينا ذيلَ مِــرطٍ مُــرحَّـــلِ

    فلما أجـزنا ساحةَ الحيّ وانتحى

    بنا بَطنَ حـقـف ذي ركام عـقـنـقلِ

    إذا التفتتْ نحــوي تَضــوّعَ ريحُها

    نسيم الصَّبا جاءتْ بريـا الـقـرنـفــلِ

    إذا قلتُ هاتـي نـوّليني تمايلتْ

    عليّ هضيمَ الكَشحِ رَيـّـا المُخلخلِ

    مُهفهفةٌ بيـضاءُ غيــرُ مُفاضـــةٍ

    تـَرائبُها مصقــولةٌ كالـســــجَنجَلِ

    كبِكـرِ المقــاناةِ البيــاضِ بِصُفرةٍ

    غذاها نميرُ الماءِ غيــرُ المـحـلـلِ

    تَصـُـدّ وتُبــدي عن أسيــلٍ وتتقي

    بناظــرةٍ من وحــشِ وَجـرَةَ مُطفلِ

    وجيدٍ كجيدِ الرئم ليسَ بفـاحــشٍ

    إذا هــي نَصــتهُ ولا بــمُـعـــطّـلِ

    وفــرعٍ يغشى المَتنَ أسـودَ فاحـمٍ

    أثيثٍ كقِنــوِ النخلـةِ المـتـعـثـــكـلِ

    غـَـدائرُهُ مُستشــزِراتٌ إلى العُلى

    تظلُ المــدارى في مُثنّى ومُـرسلِ

    وكَشحٍ لطيفٍ كالجــديــلِ مُخَصّــرٍ

    وساقٍ كأنبـــوبِ السّقيّ الـمُـــذللِ

    وتَعطُـو بــرخصٍ غيــرِ شثنٍ كأنهُ

    أساريعُ ظبي أو مســاويكُ إسحلِ

    تضيءُ الظلامَ بالعِشــاءِ كأنـها

    منــارةُ مُمســى راهــبٍ مُـتـبـتـلِ

    وتضحى فتيتُ المسكِ فوقَ فِـراشِها

    نئومَ الضحى لم تَنتطقْ عن تفضّـلِ

    الى مثلها يرنو الحليمُ صَبابَـةً

    إذا ما اسبكَرّتْ بين دِرعٍ ومِجـوَلِ

    تَسلتْ عماياتُ الرجالِ عن الصِّبـا

    وليس صباي عن هــواها بمُنســلِ

    ألا رُبّ خصمٍ فيك ألــوى رددتـُهُ

    نصيح على تعذاله غيــر مــؤتل

    ومن الجدير بالذكر أنَّ امرأ القيس قد عمد ـ هنا ـ إلى القصة الشعرية التي تتجلى فيها نـزعته العابثة . ‏إنَّ الوقوف على الطلل كان « مثيراً » دفع إلى ثلاث حكايات متعددة تؤكد التواصل في الماضي، ويمكن توضيح ذلك

    إنَّ سلوك امرىء القيس مع المرأة ـ كما يقول أدونيس ـ « سلوك فارس مع فريسة تستسلم له، لكن بعد مقاومة وتمنع، وهي تستسلم بزهو عاشقة افتتنت به . ويستعير في التعبير عن ذلك ألفاظاً من لغة الحرب :

    وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهميك

    ... حبك قاتلي

    ... لا يرام خباؤها

    ... تجاوزت أحراسا إليها .. ألخ

    فلغة الحب مأخوذة هنا من لغة الحرب . والحب هنا هو نفسه حرب : معركة ـ تخطيط ـ هجوم على المكان الذي تتحصن فيه المرأة المحبوبة، حصار إلى أن تستسلم

    ومما يثير الانتباه أنَّ عدد الأفعال التي ورد ذكرها في المقدمة الطللية في أبياتها الثمانية هو : اثنا عشر فعلاً وهي : « قفا، نبك، لم يعف، نسجتها، ترى، تحملوا يقولون، لا تهلك، تجمل، سفحتها، ففاضت، بلَّ »‏ أما عدد الأفعال في مغامراته العاطفية فقد بلغ تسعة وستين فعلا في خمسة وثلاثين بيتا، وهي : « عقرت، يظل
    يرتمين، دخلت، فقالت، تقول، مال، عقرت، فانـزل، فقلت، سيرى، أرخى ولا تبعديني، طرقت، فالهيتها، بكى، انحرفت، لم يحول، تعذرت، آلت، لم تحلل كنت، أزمعت، أجملي، كنت، ساءتك، سلي، تنسلي، غرك، تأمري، يفعل ذرفت لتقدحي، يرام، تمتعت، تجاوزت، يشرون، تعرضت، فجئت، نضت، فقالت تتجلى، خرجت، تمشى، تجر، أجزنا، انتحى، ألتفتت، تضوع، جاءت، قلت هاتي نوليني، تمايلت، غذاها، تصد، تبدى، تتقي، نصته، يغشى، تضل، تعطو تضيء تضحى، تنتطق، يرنو، اسبكرت، تسلت، رددته » وهذا يعني أنَّ نسبة الأفعال في مغامراته العاطفية أكثر من المقطع الطللي بنسبة النصف تقريبا، وإذا كان الفعل بطبيعته يدل على الحدث والحركة، فإنَّ هذا يدل على أنَّ معلقة امرئ القيس تبدأ حركتها بشكل تصاعدي، أي الانتقال من الحركة الهادئة البسيطة إلى الحركة المتوثبة في القسم الخاص بالتجاوز في الحكايات الثلاث .

    إنَّ معلقة امرئ القيس قد بدأت بالوقوف على الطلل لأنه يثير الشاعر، ويدل على الزمن الحاضر بما يشتمل عليه من انفصام وجدب، ويبعث على كسر الحاضر بالعودة إلى الماضي، ومحاولته صنعه من جديد بالحكاية، وكأنَّ الطلل موجة سالبة في القصيدة يتبعها رد فعل إيجابي يتجلى في ثلاث حكايات، تحاول كسر هذه الموجة السالبة ثم يعود الشاعر بعد ذلك واقفا أمام موجة سالبة أخرى، تتبدى في الليل، وهو مثير آخر للأحزان، مثير كائن في الزمن الحاضر، وإذا كان الطلل يمثل مكاناً يواجه الشاعر ويعمد الشاعر إلى محاصرته وكسره بصنع الحكاية وإعادة خلقها، فإن الليل يمثل زماناً يحاصر الشاعر من جوانب متعددة، يقول امرؤ القيس :

    وَليلٍ كَموجِ البحــرِ أَرخَى سدولَهُ

    عليَّ بأَنــواعِ الـهـمـــومِ لِيَبتلي

    فقلتُ له لمَّــا تَمَطَّــى بصُلبِهِ

    وَأَردفَ أَعجــازاً ونــاءَ بكَـلكَلِ

    أَلا أَيُها الليلُ الطويلُ أَلا انجلي

    بِصُبحٍ وما الإصبــاحُ منكَ بأَمثلِ

    فيا لـكَ من ليــلٍ كأَنَّ نجــومَهُ

    بأَمراسِ كتّانِ إلى صُمِّ جَندلِ

    لقد مر وصف الليل عند امرئ القيس بخمس حالات :

    أولها :الرهبة والخوف :

    وتتجلى في تشبيهه الليل بموج البحر، والتشبيه ـ هنا ـ يعني عقد مقارنة بين الليل من ناحية وتكرار حركة الموج من ناحية ثانية، وهذا يعني أنَّ الليل يبقى له استقلاله النسبي بعيداً عن أمواج البحر، لأن العلاقة التشبيهية تقتضي ذلك، غير أنَّ دلالة التكرار في حركة الأمواج تعني ـ في ضوء تبادل المعاني داخل النص ـ تكرار حركة الليل، بحيث تنتقل حركة الأمواج من البحر إلى الليل، الذي يمثل هو الآخر أمواجاً تحيط بالشاعر موجة وراءها موجة، وتتجلى أبعاد الرهبة والخوف لأنَّ « البحر يمثل ذلك المحيط الذي لاينتهي، ولاينجو الذي يلج إلى قلبه، كما أنَّ البحر هو محيط من الماء، كذلك الليل هو محيط من الظلام

    ثانيها : الإحاطة والشمول :

    وينتقل الشاعر من مرحلة الرهبة والخوف ـ التي يواجه فيها الشاعر أمواج الليل التي تتلاحق متدفقة ـ إلى إحاطة الليل به واشتماله عليه، تماماً كالخيمة، وهذا يعني أنَّ الليل أصبح يحيط بالشاعر من كل جانب، بحيث أرخى سدوله عليه، وقد تمثل الليل وكأنه خيمة كبيرة تغمر الكون كله، ولم يكن الظلام سوى هذه السدول، إنَّ الشاعر «يوحّد بين الهموم في الداخل والسدول المظلمة في الخارج، فهو لم يقل إنَّ الليل أرخى سدول الظلام، بل سدول الهموم . والواقع انَّ تشبيه الظلام بالسدول يدل على التوحد بين طرفي الصورة في شعر امرئ القيس، إلا انه بقي، بالرغم من ظاهرته النادرة يتناول العالم المادي، أما توحيد السدول والهموم فيدل على نـزعة تجريدية أشد وأقوى، وتوغل أعمق في ذهول النفس، ذلك انَّ الشاعر يبصر همومه بعينيه بقدر ما يعانيها بنفسه

    ثالثها :السحق والتدمير :

    وبعد أنْ كان الليل يمثل مجهولاً غامضاً مرعباً يخشى الشاعر دخوله لأنه يشبه أمواج البحر التي أخذت تلاحقه موجة خلف موجة، انتقل الشاعر إلى حالة الإحاطة والشمول في إرخاء الليل سدول الظلام المقترنة بالهموم كالخيمة على الشاعر، انتقل الشاعر ــ بعدها ــ إلى إظهار وطأة الليل وشدة قسوته عليه، فتخيل الليل وكأنه جمل يتمطى بصلبه، ويتثاءب ببطء شديد، ويخني عليه ويسحقه تحت كلكله الضخم سحقا « إنَّ الشاعر كان يعبر خلال هذه الأبيات عن شعور الاختناق، ذلك ان الذي تحيط به أمواج البحر من كل جانب يطبق عليه شعور بالضيق والاختناق، وكذلك من يخني عليه حيوان هائل كالجمل، وهكذا فإنَّ نفسية الشاعر تتسرب من خلال الصور بأسلوب غير مباشر ومتوحدة معها اتحاداً حياً.

    رابعها :الصراخ باليأس :

    وبعد هذه الإحاطة بالاختناق والسحق والتدمير كان لابد للشاعر أن يصرخ
    « ألا أيها الليل الطويل الا انجلي » وتتجلى ملامح الصراخ هذه بكثرة المدود في هذا البيت الشعري، وكأنها تمثل تنفيساً أو تعبيراً عن الصراخ للحالة التي وصل إليها الشاعر وتتبدى المدود في « ألا، أيها، الليل، الطويل، ألا، انجلي، وما، الإصباح » إنَّ الشاعر بقي سلبيا إزاء ما يحيط به، غاية ما في الأمر أنه وقع تحت وطأة هذه الحالة النفسية القاسية وتحمل ضغوطها عليه، وكان رد فعله هو الصراخ في وجه هذه الظلمة المعتمة، وهي على أحسن الأحوال رد فعل سلبي .

    خامسها :الاستسلام :

    ويصل الشاعر بعد ذلك إلى حالة استسلام مطلق لقسوة الليل وطوله، و كأَنَّ نجومه شدت بأمراس كتان إلى صم جندل، كما أنه قد عبر أيضاً عن حالة الاستسلام بأن الصبح ليس أحسن حالا من الليل، إنَّ حالة التوتر قد وصلت إلى أقصاها عند الشاعر
    « ففي البدء كان الشاعر يتململ، أما الأن فأنه انهار وأسرف في التشاؤم، حتى جعل يتوهم أن صباح الضوء ليس بأيسر من ليل الظلام إنَّ الحالة الشعورية لامرئ القيس في موقفه إزاء الليل تأخذ بالتأزم التدريجي، أي أنَّ وصف وطأة الليل عليه يبدأ متدرجاً من البساطة إلى التعقيد، ولذلك لاحظنا أنَّ تجربة الليل بدأت بالرهبة والخوف، وكان الشاعر مواجهاً الليل، وانَّ أمواجه كانت تتلاحق عليه، ثم تنتقل تجربته مع الليل إلى إحاطة وشمول، بحيث تشتد قسوة الليل عليه، لتصل أقصى درجاتها عندما أناخ عليه الجمل، وسحقه تحت كلكله سحقاً، وتتابع أبعاد التجربة مروراً بالصراخ واليأس ومن ثم الاستسلام .

    إن صورة الليل تقترب إلى حد كبير من صورة الطلل من حيث معاناة الشاعر إزاءها، تجربة يعيشها الشاعر بمفرده، ولذلك يختلف هذان المشهدان ـ أعني مشهد وصف الطلل ووصف الليل بوصفهما يعبران عن الحاضر والانفصام ـ عن مشهد التواصل في الزمن الماضي مع حكايات امرئ القيس الغرامية الفاضحة التي تتميز بقدر أكبر من الحركة والحياة والحيوية، ويعيش بها الشاعر تواصلاً مع الآخر وتفاعلاً واياه .

    ولاتقتصر تجربة امرئ القيس في الحاضر الدال على الانفصام على الطلل المجدب المقفر، أو على الليل الذي يسحق الشاعر ويخني عليه بكلكله، بل يتجاوز ذلك إلى رحلة في واد مقفر يشبه جوف الحمار الوحشي، وتتجسد في هذا الوادي غربة امرئ القيس ووحدته، كما ان وحدة الشاعر واغترابه تتماثل إلى حد كبير مع حالة ذئب يعوي ويبحث عن قوته وطعامه، يقول امرؤ القيس :

    وَوَادٍ كَجَوْفِ العَيرِ قَفْرٍ قَطَعْتُــهُ

    بِهِ الذئبُ يَعْوي كالـخـلـيع المُعيَّلِ

    فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَي : إنَّ شَأَننــا

    قَليلُ الـغِـنـى إنْ كُنتَ لمَّـا تَمَّـولِ

    كِلانَا إذا مَا نَالَ شَـيـئـاً أَفاتَهُ

    وَمَنْ يَحتـرِثْ حَـرثي وحـرثَكَ يهزِلِ

    ومن الملاحظ أنَّ امرأ القيس يضفي على الذئب صفات إنسانية لتعبر عن تماثل حالتيهما، وكون الذئب ذا عيال يطالبونه بالقوت والطعام . ومن خلال تبادل المعاني داخل النص يمكننا القول : إنَّ الشاعر والذئب يتماثلان في خصائص مشتركة، فكل منهما منفرد وحده في واد مقفر، وهما ـ هنا ـ يفتقران إلى التواصل مع الآخر، كما انَّ كليهما قد خلع من جماعته، وإذا كان الذئب يعوي فإنَّ الشاعر يماثله بصراخ يشكو فيه من غربته في هذه الحياة .

    إنَّ عزل الشاعر من قبيلته خلعا أو بإرادته إنما هو لون من ألوان الانفصام الاجتماعي ومن هنا كان حاضر امرئ القيس سيئاً بائساً، إذ يقطع منفرداً وادياً مقفراً ولايلتقي فيه إلا بذئب يخلع عليه الشاعرصفاته الخاصة، ولم يكن يماثل الذئب بعزلته الاجتماعية واغترابه ووحدته فحسب، بل انَّ كلاً منهما قليلة أمواله، وانَّ كلاً منهما قد أتلف ما لديه من أموال، لأنَّ من يسلك طريق الشاعر أو طريق الذئب لابد أن يكون هزيل الجسم قليل الزاد، وتتجلى حالة التوحد بين الذئب والشاعر من حالة التماثل بالصورة، وتتجلى بالتعبير « إنَّ شأننا » و«كلانا » في قوله :

    فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَي : إنَّ شَأَننــا

    قَليلُ الـغِـنـى إنْ كُنتَ لمَّـا تَمَّـولِ

    كِلانَا إذا مَا نضالَ شَـيـئـاً أَفاتَهُ

    وَمَنْ يَحتـرِثْ حَـرثي وحـرثَكَ يهزِلِ


    وقد بدأ امرؤ القيس معلقته بالمكان الذي يكتنفه الزمان الماضي الذي تم فيه التواصل، والزمن الحاضر الذي يتجلى فيه الانفصام، ولذلك عمد إلى كسر الحاضر بالعودة إلى الماضي، كما انَّ امرأ القيس عني بالزمان في أثناء تأمله المعاناة المفردة القاسية في الليل، وأردفها في حالة الغربة التي يعيشها في المكان في وادٍ مقفر، مما يدفع إلى كسر الحاضر، ولكنه هذه المرة لا يعود إلى الماضي، وإنما ينتقل إلى الفروسية، ويركز تعبيره على التحدث عن أبرز أدوات الفروسية، وهو وصف الفرس، ولعل في اشتقاق الكلمتين
    « فرس، وفروسية » من جذر واحد ما يؤكد تلاحمهما معا، يقول امرؤ القيس :

    وَقد أَغتدي وَالطيرُ في وكناتِها

    بـمُـنـجِردٍ قــيدِ الأَوَابــدِ هَـيـــكلِ

    مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقبـلٍ مُـدبـرٍ معـاً

    كجلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من عَـلِ

    كُميتٍ يزلُ اللبدُ عن حالِ متنـِهِ

    كما زلّتِ الـصـفــواءُ بالـمُــتــنـزلِ

    مِسَحٍّ إذا مَا السَّابِحاتُ على الـوَنَى

    أَثَرنَ غُباراً بالـكَــــديدِ الـمَـرَكَّــــلِ

    على العقب جياش كأَنَّ أهتـزامه

    إذا جاش فيه حـمـيـه غـلـى مــرجل

    يطيرُ الغلامُ الخِفُّ عن صهـواتِهِ

    وَيلوي بأَثواب الـعـنـيفِ الـمـــثـــقَّلِ

    دريرٍ كخُذروفِ الـوليـدِ أَمــرَّهُ

    تـقـلـب كــفـيـهِ بـخـيـطٍ موصـَّـلِ

    لهُ أَيطلا ظبــي وَسـاقا نعامةٍ

    وَإرخاءُ سرحانٍ وَتقــريبُ تــتـــفُــلِ

    كأَنَّ علىالكتفين منهُ إذا انتحى

    مَداكَ عروسٍ أَو صــلاية حنــظلِ

    وَباتَ عليه ســرجُــهُ وَلجــامُهُ

    وَباتَ بـعـيـــني قائماً غيــر مُرسلِ

    فَعَـنَّ لنا سِــربٌ كأَنَّ نعاجَـــهُ

    عذارى دَوارٍ في ملاءٍ مُـذيـّــــلِ

    فأَدبرنَ كالجزعِ المفصَّلِ بينــهُ

    بِـجـيـدِ مُعَمٍّ في الـعـشـيرةِ مُخـــولِ

    فأَلحقنا بالهــادياتِ وَدونــهُ

    جَواحرُها في صـــــرةٍ لـم تُــزيـَّـلِ

    فعادى عداءً بين ثــورٍ وَنعـجةٍ

    دراكاً وَلم يـنـضـحْ بماءٍ فـيُـغـســلِ

    وَظلَّ طُهاةِ اللحمِ من بين مُنضـجٍ

    صَفيفَ شِــواءٍ أَو قــديـرٍ مُـعـجَّـلِ

    وَرحنا وَراحَ الطرفُ ينفضُ رأَسَـهُ

    متى ما ترقَّ الـعـيـنُ فيه تـسـهـــل

    كأَن دماء الهــاديات بنحــره

    عصارة حنـاء بـشــــيب مــرجــل

    وَأَنت إذا استـدبـرته سـدَّ فرجَهُ

    بضافٍ فويقَ الأَرضِ ليس بأَعــزلِ


    وتتجلى في مقطع الفروسية ووصف الفرس ظاهرتان : الأولى : كثرة الأفعال
    التي تدل على الحركة، لأنَّ امرأ القيس يريد كسر الحاضر بحديث يفيض بالحركة
    وكأنه يقف معارضاً الليل والطلل والوادي المقفر الذي قطعه مماثلاً ذئباً يعوي، وثانيهما : إنَّ بعض الأبيات الشعرية تتميز بجوانب إيقاعية تماثل حركة الجواد في خببه وعدوه بتلوينات إيقاعية تعبر عن الحركة والحيوية، ويتكرر وصفه بطريقة تؤكد طابعاً
    ايقاعياً في قوله :

    وقد أغتدي والطيرُ في وكناتِها

    بـمُـنـجِردٍ قــيدِ الأوابــدِ هَـيـــكلِ

    مِكَـرٍّ مِفَـرٍّ مُقبـلٍ مُـدبـرٍ معـاً

    كجلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من عَـلِ

    وان قـوله « مكـرٍ مفـرٍ مقبـلٍ مـدبـرٍ معـاً » يدل في إيقاعه على حركة مماثلة لعدو فرسه، تماثل بين البنية الصوتية وتقطيع البيت الشعري من ناحية، وطبيعة حركة الجواد وعدوه في الواقع من ناحية ثانية، ويسهم في هذا التقطيع الإيقاعي المتتابع بالكلمات المنونة المتتالية « مكرٍ، مفرٍ، مقبلٍ، مدبرٍ، معاً » وقد فطن إلى هذا الدكتور إبراهيم عبد الرحمن حيث يقول: « عمد الشاعر إلى التقسيم اللغوي والى تكرار حرف الراء، وتوالي الكسرات، كما عمد إلى التنوين . وهذه الوسائل المركبة، إذا صح هذا الوصف، من شأنها أن تعقد موسيقى البيت، وتخلق من تآلفه مع موسيقى الأبيات الأخرى، ومع الوزن والقافية بناء موسيقياً رفيعاً .

    وتسهم الصيغة الصرفية في الكشف عن الدلالة، فلقد آثر امرؤ القيس « صيغ المبالغة : مكر ـ مفر واسم الفاعل مقبل ـ مدبر، على التعبير بالفعل في وصف حركة فرسه السريعة عند العدو، وذاك أنَّ صيغة المبالغة واسم الفاعل يصوران حركة غير محددة بزمان، والفعل مقيد بزمانه . كأَنَّ الشاعر يريد أنْ يجعل فرسه مخلوقاً خرافياً خارجاً عن قيود الزمان، بل عن طبيعة الحركة، ففرسه لا يكر ثم يفر، أو يقبل ثم يدبر، على نحو ما تكون الحركة الطبيعية ولكنك تجده يفعل كل ذلك معاً وفي أي زمان .

    إنَّ امرأ القيس حين يصف فرسه يخلع عليه صفات تكاد تكون أسطورية من حيث قوته وسرعته، وخصائصه الجسدية، والحديث عن أسطورية الفرس تتضمن الحديث عن أسطورية الفارس « وإذا كان امرؤ القيس قد اتخذ من وصف الليل في هذه القصيدة وسيلة إلى تشخيص ضيقه وقلقه وخوفه، في سلسلة من الصور العارية المتراكمة، فإنه راح يحقق انتصاره على تلك المشاعر من خلال وصفه لرحلة الصيد التي اختار لها وقتاً بعينه هو الصباح الباكر، وحصانا « أسطورياً » لا يتعب ولا ينهزم، حشد لتصويره طائفة من التشبيهات التي بث فيها عناصر بعينها، معنوية وفنية، من خلال جمعه بين المتناقضات التي تتآلف، على الرغم من تباينها، لتخلق عالمـا جـديـدا، هو عالم هـذا الحصان الأسطوري القادر على تحقيق « انتصار » فارسه امرئ القيس ! .

    لقد كان الليل المثير الثاني في معلقة امرئ القيس، وقد تبعه المثير الثالث، غربة الشاعر وانفراده في واد مقفر، وعمد الشاعر بعد ذلك إلى كسر هذين المثيرين بالفروسية


    وتنتهي المعلقة بتوتر آخر في الحديث عن المطر والسيل، ويمثل المطر والسيل الحاضر فهما ـ من هذه الناحية ـ يدمران كل شيء، وإذا كان ظاهرهما تدمير عناصر الطبيعة فإنهما يمثلان الدمار الداخلي لعالم الشاعر، بحيث لا يستطيع الشاعر تجاوز ذلك، « وقد أخذ امرؤ القيس بعد أن فرغ من وصف الصيد وأداء شعائره المختلفة في وصف المطر ليجعل منه كذلك مطراً أسطورياً، تكتسح سيوله كل ما تصادفه في طريقها، فتقتلع الأشجار الكبيرة، وتنـزل الوعول التي اعتصمت الجبال، وتهدم البيت إلا ما كان منها مشيدا من الصخور الصلبة، وتقتل السباع الضارية التي تطفو رؤوسها بعد موتها على سطح الماء كما تطفو أصول البصل البري يقول امرؤ القيس :



    أَحـارِ تـرى بــرقاً كأَنَّ وَميـضَـهُ

    كلـمعِ اليـَـدينِ في حَبــيٍّ مُـكَـــلَّلِ

    يُضـئُ سناهُ أَو مصابيــحَ راهـــبٍ

    أَهانَ السليطُ في الذبالِ الـمُـفَـتـَّلِ

    قعــدتُ لـهُ وَصحبتــي بينَ حامـر

    وَبين إكــام بعــد مـا مُـتـأَمــــلِ

    وَأَضحى يَســحُّ الماءَ عـن كل فيقة

    يكبُّ على الأَذقانِ دوحَ الكنـهبـلِ

    وَتيماءَ لم يتركْ بها جِــذعَ نخلةٍ

    وَلا أُطُمـاً إلا مشيــداً بـجَـنـــدلِ

    كأَنَّ طميـةَ المجيـمــرِ غـُـــدوةً

    من السيلِ وَالغُثّاءِ فَلـكةُ مِغــزَلِ

    كأَنَّ أَبانــا في أَفانـينِ وَدقــة

    كبيــرُ أنــاسٍ في بِجــادٍ مُـزمَّلِ

    وَالقى بصحراءِ الغبيــطِ بَعاعَــهُ

    نـزولَ اليماني ذي العِيابِ المخوّلِ

    كأَنَّ سباعــاً فيه غَــرقى غــديةً

    بأَرجائــِهِ القُصوى أَنابيشُ عُنصُـلِ

    على قطن بالشيـم أَيمــن صــوبه

    وَأَيـســــره علـى الستار فـيــــذبـل

    وَأَلقى ببسيان مع الليـل بــركه

    فأَنـزل منه العصم من كل منـزل

    ويمثل المطر والسيل المثير الرابع في معلقة امرئ القيس، ولكن الشاعر لم يستطع تجاوزه
    وكأَنَّ القصيدة بدأت بمثير يدفع إلى القلق والتوتر، وتنتهي بمثير يدفع هو الآخر إلى القلق والتوتر، وكأنَّ حالة المعاناة لا تنتهي، بل تستمر من جديد هكذا كدائرة لا تعرف
    بدايتها ونهايتها


    بقي أن أشير إلى أنَّ المثيرات تتفاوت من حيث الجدب والخصب، فإنَّ الطلل مثير مكاني مجدب يخلو من الماء تماما، في حين كان الليل مثيراً يوحي بوجود الماء ضمن تشبيهه بأمواج البحر، ويخلو المثير الثالث وهو الوادي المقفر من الماء، أما المثير الرابع فإنَّ للماء دلالته التدميرية فيه، ولكنه يشتمل في الوقت نفسه على دلالات رمزية إيجابية في
    الخصب والنماء .

    إنَّ معلقة امرئ القيس بدأت بالجدب والقفر في الوقوف على الأطلال، ولكنها تنتهي بالمطر علامة الخير، وكأنَّ المطر علامة تدميرية تدل على الحاضر من ناحية، وتنبئ عن المستقبل من ناحية أخرى، وقد تحكمت في معلقة امرئ القيس ثنائيتان : ثنائية: الحاضر/الانفصام، وثنائية :الماضي / التواصل، ولذلك تجلى الانفصام في الحاضر في الوقوف على الطلل، ووصف الليل، وتماثل الشاعر مع الذئب في وادٍ مقفر، وتجلى التواصل في الماضي، أي بحكايات الشاعر ومغامراته، أو من خلال حديثه عن فروسيته ووصف فرسه، وأخيراً قاده هذا كله إلى وصف المطر الذي يختلط فيه الحاضر واستشرافات المستقبل، أي أنه انتهي بمثير جديد لا تجاوز له . إن هذه الثنائية تحكم القصيدة من أولها إلى نهايتها، وتسهم في تحديد وحدة بنائية لها، ومن الغريب أنَّ أدونيس يقيم نتيجة فنية على أساس الوضع الوجودي للشاعر الجاهلي، وما دامت الحياة الجاهلية وتجربة الشاعر بخصائصه الوجودية تمثل حركة و« تتبع منحى انفعاليا وتمضي حيث يحملها شعور دائم التغير فإنه من الطبيعي أن يقود هذا التفتت والتفكك إلى تفكك القصيدة وكأن حياة الشاعر الجاهلي وعالمه الداخلي يقودان إلى تفكك القصيدة وتفتتها لأن القصيدة ـ هنا ـ « رداء الشعور الداخلي المتحرك، ولا أحسب أن حياة الشاعر المعاصر أقل عصفا وتنوعا من الشاعر الجاهلي، وعلى الرغم من ذلك فالقصيدة الحديثة لا تعرف التفكك، في حين توسم القصيدة الجاهلية بالتفكك والتشظي وخلوها من الإطار البنائي .إن التجربة مهما كان نوعها ما دامت متوحدة فإنها تقود إلى نتيجة تؤثر قطعا في وحدة القصيدة والمؤالفة بين أجزائها .

    وفي ضوء هذا يمكننا القول إنَّ معلقة امرئ القيس تتميز بوحدتها البنائية الخاصة ذات الطبيعة التراكمية، بمعنى ان الأبيات الشعرية تتتابع البيت تلو الآخر، ففي المقدمة الطللية تتابع الأبيات وتتراكم مكونة وحدة واحدة، غير أن الشاعر يعتمد بنية استرجاعية لا تلتزم بالتراكم العمودي وإنما تتفرع أفقيا، وتعود إلى الأصل، ويتجلى ذلك في وحدة العذارى، وعنيزة، وبيضة خدر، وهكذا، على النحو التالي :



    الوحدة التراكمية الأولى : المقدمة الطللية .

    الوحدة التراكمية الثانية :

    الوحدة الاسترجاعية الأولى:العذارى وعنيزة « طبيعة قصصية » .

    الوحدة الاسترجاعية الثانية : فاطمة « طبيعة قصصية » .

    الوحدة الاسترجاعية الثالثة : بيضة خدر« طبيعة قصصية » .

    وتتفرع من الثالثة : وحدة تراكمية ذات طبيعة وصفية
    « وصف المرأة » .

    الوحدة التراكمية الثالثة : الليل .

    الوحدة التراكمية الرابعة : الوادي المقفر والذئب .

    الوحدة التراكمية الخامسة : الفروسية .

    وتتفرع من الخامسة : وحدة تراكمية ذات طبيعة وصفية
    « وصف الفرس » .

    الوحدة التراكمية السادسة : المطر والسيل .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:51 pm