لــــــغـــــــة الــــــضـــــا د

منتدى الغة العربيه


    العــــبث

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 116
    تاريخ التسجيل : 09/01/2010

    العــــبث

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يناير 12, 2010 2:15 pm









    العــــبث



    تؤكد الروايات التاريخية التي رصدت حياة امرئ القيس أنه كان يعيش بعيداً عن البناء الاجتماعي القبلي الذي تحكمه مقومات طبقية، تعلوها طبقة الأحرار، وتقع في قاعها طبقة العبيد، وأنه كان يعيش مع مجموعة من الصعاليك يماثلونه في الحياة والسلوك أي أنَّ امرأ القيس أصبح يعيش خارج إطار الجماعة القبلية، فلقد طرده أبوه لأسبابٍ تتفاوت المصادر التاريخية في تحديدها، إذ يؤكد بعضها أنَّ الطرد كان بسبب احتراف الشاعر إبداع الشعر، بحجة أنَّ «الملوك تأنف عن ذلك» [202]، أو لأنَّ الشاعر كان لا يُعنى بما يُعنى به فتيان القبيلة «إذ كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد، فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه، ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره»[203] ويؤكد ابن رشيق القيرواني أنَّ سبب طرد امرئ القيس، ليس لقوله الشعر، وإنما يرجع ذلك لأنَّ الشاعر كان« خليعا متهتكا، شبب بنساء أبيه، وبدأ بهذا الشر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما كان ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة، فهذه العلة، وقد جازت كثيراً من الناس، ومرت عليهم صفحا»[204].

    وتشير روايات أخرى ـ إن صحت ـ إلى هذا المعنى، فالشاعر«كان عاشقاً لابنة عم له يقال لها عنيزة، وأنه طلبها فلم يصل إليها، وأراد أنْ يتزوجها فلم يقض له حتى إذا كان يوم الغدير ـ وهو يوم دارة جلجل ـ احتمل الحي متقدمين، وخلفوا النساء والخدم والعسفاء، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف عن رجال قومه، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرت به فتيات فيهن عنيزة، فلما وردن الغدير نحين العبيد عنهن وتجردن، ودخلن الغدير، فخاتلهن امرؤ القيس فأخذ ثيابهن فحملها، وأقسم ألا يعطي جارية فيهن ثوبها حتى تخرج كما هي فتأخذ ثوبها، فأبين ذلك حتى تعالى النهار، وخشين أنْ يقصرن عن المنـزل الذي يردنه، فخرجت إحداهن، فوضع لها ثوبها فأخذته، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة، فناشدته أنْ يطرح لها ثوبها فأبى عليها، فخرجت، فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فأخذت ثوبها فلبسته »[205] وتابعه الرواة بالاختلاق حتى في تفسير مماته إذ يحكون أنه عشق ابنة قيصر، مما تسبب في وفاته بالحكاية المعروفة .

    ولم يقتصر أمر الشاعر على طرده من البناء الاجتماعي بل تجاوز ذلك إلى أمر قتله إذ أمر أبوه أن يُقتل بسبب فجوره وتعهره، ومن الطريف في هذا السياق أنْ نشير إلى بعض ملامح يتماثل فيها امرؤ القيس بأوديب الملك، فكلاهما كان خارجا عن المألوف في تعهره بأمه، ‏أو بنساء أبيه « وكان امرؤ القيس طرده أبوه لما صنع في الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زماناً فلم يصل إليها، وكان يطلب منها موعداً حتى كان منها يوم الغدير بدراة جلجل ما كان، فقال :

    قِفَا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنـزلِ
    فلما بلغ ذلك حجراُ دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له :اقتل امرأ القيس وائتني بعينيه فذبح جؤذراً فأتاه بعينيه، وندم حجر على ذلك »[206]، وكذا أوديب الذي دفع به أبوه الملك لايوس إلى راع« عجوز وأمره أنْ يقتله ليتاح له بذلك التغلب على ما دبرته الآلهة من عقاب وكانت الآلهة بالطبع على علم بما يدبر« لايوس » فتدخلت للمحافظة على حياة الطفل وتمَّ لها ما أرادت، إذ تركه الراعي على قمة الجبل بعد أنْ قيده من رجليه وعلقه على شـجرة، ويحدث لسبب أو آخر أن ينقذ الطفل من الموت راعٍ آخر من مدينة أخرى »[207] .

    وقد قادت خصوصية الشاعر في حياته وإبداعه، لتجاوزه ما ألِفه الناس في الحياة وما اعتادوا عليه في الإبداع، إلى القول بخروجه على معطيات متعددة، إذ يشير أدونيس إلى خروج امرئ القيس عن النموذج الأخلاقي، ونموذج المعاني، فأما من جهة خروجه عن النموذج الأخلاقي فيؤخذ عليه « فجوره وعهره، وقيل عن المعنى في شعره حول المرأة بأنه« معنى فاحش »، وبأنه « قصد للحبلى والمرضع دون البكر.... ما فعل هذا إلا لنقص همته » فالزواج من البكر دليل على« علو الهمة » وقد خالف امرؤ القيس هذه القيمة فاتهم بنقص الهمة » [208]. وأما من جهة خروجه عن نموذج المعاني فيشير إلى قصة تحكيم أم جندب زوج امرئ القيس، فلقد « حكمت بينه وبين علقمة، وفضلت علقمة عليه، ‏وقد استندت في حكمها إلى قصيدتين بموضوع واحد وقافية واحدة وروي واحد والى مقياس هو المثال ـ النموذج للأفراس العربية ـ كما يترسخ في ذهنها : الفرس الذي يسرع دون أنْ يزجر ودون أنْ يتعب، وقد خالف امرؤ القيس في وصفه هذه الصورة النموذجية، بينما جاء وصف علقمة مطابقاً لها، وهكذا فضلت علقمة، فالمطابقة مع النموذج هي الأفضل، ولذلك فإنَّ الشاعر الذي يستعيد النموذج أفضل من الشاعر الذي ينحرف عنه أو يشوهه » [209]، وأما من جهة الخروج عن نموذج التعبير فيشير إلى أنَّ امرأ القيس يحيد باللفظة عما وضعت له أصلاً .فكما انه لا يطابق بين المعنى ونموذجه فإنه كذلك لا يطابق بين اللفظة ومدلولها الأصلي. ثم انه لا يتقيد بنسق التعبير ... عاب عليه الأصمعي قوله :

    وَأركبُ في الرّوعِ خَيفَانةً



    كَسَا وجهَها سَعَفٌ منتشرْ[210]





    وذلك أنَّ الشَعَر في ناصية الفرس إذا غطى وجهه «لم يكن كريماً » وهذا نقد يفسر اللفظة بمعناها الظاهر الحرفي، وهو قائم على القـول بالمطابقة بين اللفظ كـدال والمعنى كمدلول » [211] .

    إنَّ هذا كله يدفعنا إلى الحديث عن مفهوم خاص للعبث الذي يتحدد معناه في المعجمات اللغوية في دلالات محددة، إذ يورد ابن منظور أنَّ « العبث مصدر للفعل
    عبِث ... عبثا : لعب » [212]، ويورد الزَبيدي أنَّ « عبث به كفرح عبثا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله، ... وقيل العبث ما لا فائدة فيه يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة » [213]، وقد يأتي العبث بمعنى الخلط، أو الاستخفاف، عبث بالدين وغيره استخف به، والعبث ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة أو ليس غرضاً صحيحاً لفاعله [214] .

    وفي ضوء هذا تتحدد دلالة العبث في المعجمات اللغوية في : اللعب، والخلط والاستخفاف، وكأَنَّ اللعب يمثل فعلا يؤديه الإنسان لإثبات ذاته ومحاولاته أداءه لتحقيق قدر من التخطي والتجاوز، سواء أكان للعب غاية أم كان خاليا من المعنى، كما أنَّ الخلط يعني الغاء لجوانب الثبات والمعقول، أي الجمع والمجاورة بين أشياء لا يمكن الجمع بينها منطقيا وعقليا، أما الاستخفاف فهو التقليل من قيم الاشياء المتعارف عليها، ومن ثم فإنه يمثل شكلا من أشكال المواجهة العاجزة، ومن الواضح أنَّ « اللعب، والخلط والاستخفاف » كلها تعبر عن تجربة ذاتية خاصة .

    أما دلالة العبث الفلسفية فإنها لا تكاد تبتعد كثيرا عن الدلالة اللغوية، إذ يصدر عبث الإنسان حين يحس بعجز فعله الإنساني، وتتأتى فلسفة العبث من خلال صراع الإنسان مع أنماط القسر التي تحيط الإنسان وتكتنفه، إذ يعيش الإنسان قدْراً من التمزق إزاء واقعه [215].

    إن مفهوم العبث أخذ بالتطور والتبلور مع الوجوديين قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وكان الفيلسوف الدنماركي كيركغارد يؤكد « أنَّ المسيحية هي عبث لأنه ليس من إنسان يستطيع أنْ يدَّعي تبرير مبادئها عقلانياً » [216]، فالإنسان عند الوجوديين ثائر ضد كل ما يعارض حريته، ويتبدى العبث بوصفه نتيجة لهذا التعارض، أو عن« عدم مقدرة العقل على تفسير الوجود » [217]، كما أنَّ الحياة هي الأخرى تخلو من أي معنى، وليس بالإمكان تفسيرها أو إخضاعها للمبادئ العقلية والقوانين المنطقية، إنَّ الإنسان يحاول تجاوز ذاته وتجاوز الآخرين في آن، ويشتمل ذلك على تمرد ورفض لكل مألوف، لأنَّ المألوف لا تحكمه أسس وقوانين مبررة عقليا، ومن ثم فإنَّ « الإنسان الذي يعيش في مجتمع قمعي يشعر أنه ميت قبل موته الطبيعي، فإذا تمرد أو ثار لا يشعر أنه يفقد شيئا، بل على العكس يشعر أن يتحرك ويحيا - ولذلك يشعر أنه يربح الحياة نفسها حتى حين يموت.

    طبيعي أن يتجاوز الإنسان الذي يعيش هذه التجربة، أحكام المنطق العادي ويدخل في عالم يرفض الأحكام التي تكبحه، سواء كانت اجتماعية أو دينية . ويكون جموحه قويا بقدر ما يكون الكبح قويا . ففي عالم يغلق الأبواب كلها في وجه الحرية يكون الجموح بالضرورة فوضى، فالفوضى في مثل هذا العالم هي وحدها التي تفتح أبـواب الحياة . وهكذا يكون المجون تعـويضا عن غياب الحياة. بل يصبح هو نفسه الحياة » [218].

    ويمكننا القول بمفهوم عام « للعبث »، لأنَّ دلالته وبعض مكوناته قديمة، ترجع إلى أعماق التاريخ لدى الفلاسفة والأدباء « ففي الفكر القديم تكلم الأبيقوريون عن الآلهة التي تدير ظهرها للناس، إذ إنَّ أمامها أعمالاً أهم من الاهتمام بالبشر والعناية بمصيرهم أما الشعراء فلقد عبر العديد منهم عن تجربة العبث، تجربة اللامعنى الكامل للحياة، فشكسبير مثلا يقول في مسرحية « مكبث » الحياة قصة يرويها معتوه، مليئة بالضجيج والغضب وتخلو من كل معنى » [219] .

    إن هناك تصوراً عاماً يكتنف مفهوم العبث ويحدد أبعاده ويتجلى بخلو« الحياة من أي معنى، وعدم خضوع الوجود لقوانين عقلية ولقوانين ثابتة بين طموحات الإنسان وواقع الحياة ليس هناك أي انسجام »[220]، إنَّ هذا التصور يتجلى ـ كما أشرنا ـ عند الأبيقوريين، والوجودييين مثل كيركيغارد وسارتر، وكما تبلور عند البير كامو الذي وصل مفهوم العبث لديه إلى درجة من النضج، بحيث أخذ يدل على البطلان المنطقي لأي فكرة كانت [221].إن العبث ليس فكرة ذهنية مستقلة عن الوجود الإنساني وأفعاله، ولكنه جزء من ممارسته في الحياة، لأنها تهدف فيما تهدف إليه تجاوز الذات إلى حد إنكارها بالانتحار كما يؤكد ذلك البيركامو في قوله « فإذا كنا لا نؤمن بشيء، وإذا لم يكن هناك معنى لأي شيء، وإذا كنا لا نستطيع تأكيد أية قيمة أصبح كل شيء ممكناً ولا أهمية لأي شيء » [222].

    ومن يتتبع حياة امرئ القيس وشعره يجد أنه يصدر عن « أنا » متضخمة تكتنفها الحرية من ناحية، والتمرد من ناحية ثانية، وتحقيق اللـذة من نـاحية ثالثة، وكأَنَّ
    « الأنا » تقـع فـي قلـب « مثلث » تمثل أضلاعه هذه المكونات الثلاثة، إنَّ هذه المكونات ـ الحرية، والتمرد، وتحقيق اللذة ـ تعبر عن تجربة فردية خاصة ومن ثم فإنها تعضد هذه « الأنا » التي يصدر عنها الشاعر، فالحرية وممارستها والتعبير عنها لا يعدو في جوهره أن يكون عملاً فردياً، كما أنَّ التمرد، هو الآخر، يعبر عن هذه الخصوصية في إحداث الفعل وإيقاعه في الواقع، وعلى الرغم من أنَّ للحرية وللتمرد أبعاداً قد يدلان بها على تجاوز فردية الشاعر وخصوصيته، ولكنهما ـ في الحقيقة ـ لا ينفكان في جوهرهما عن إحداث الفعل الفردي وتحقيق اللذة، وبخاصة في مجالها الحسي الجنسي، فإنها أكثر تعبيراً عن خصوصية الشاعر وفرديته .

    وقد دفعت هذه المكونات الشاعر ليعبر عن نـزعة إباحية تحاول تحقيق اللذة من أي وعاء أتت، وكأَنَّ الشاعر يهدف إلى تحقيق وجوده وذاته من خلالها جميعا، ويؤكد في الوقت نفسه أنَّ الحياة تخلو من أي معنى، وأنها لا تخضع لأية قواعد أو قوانين عقلية بمقدار ما تخضع لهذه الرغائب الفردية بأبعادها المتعددة .

    ومن المظاهر التي تتبدى في شعر امرئ القيس في هذا الإطار العام للعبث تكرار مفردات لها دلالتها العميقة في الكشف عن هذه النـزعة، وتظهر فرديته وخصوصيته بجلاء، وهذه المفردات هي : اللهو، والتمتع، واللذة، يقول امرؤ القيس [223] :



    وبيضةِ خِدرٍ لا يُرامُ خباؤها



    تَمتّـعتُ مـن لهـوٍ بـهـا غــيرَ معجـــلِ [224]

    ويقول :

    ألاَ زَعَمَتْ بَسبَاسَةُ اليومَ أَنني



    كَبِـرتُ وألاَّ يُحسنُ اللهوَ أمثالي


    كَذِبتِ، لقد أُصْبِي على المرءِ عِرسَهُ



    وأَمنعُ عِرسِي أن يُزَنَّ بها الخَالي [225]


    وَيَا رُبَّ يَومٍ قَدْ لَهوتُ وَلَيلةٍ



    بآنــسةٍ كأَنَّـها خَــطُ تـِمثــالِ[226]



    ويقول :

    كَأَني لَمْ أركبْ جَواداً للذّةٍ



    ولم أَتبطَّــنْ كاعبـاً ذاتَ خَلخَالِ[227]



    ويقول :



    تَمَتَّعْ من الدُّنيا فإنك فانِ



    من النَّشَــوَاتِ والنساءِ الحِسـانِ[228]



    إنَّ هذه المفردات الدالة قد اقترنت بتعبير الشاعر عن فرديته وخصوصيته، سواء أكان ذلك من خلال الضمائر المتصلة بالفعل مثل: « تمتعت » و « لهوت » أم من خلال السياق الذي يحيط هذه الدلالات، وهو سياق يعبر عن هذه الفردية، ويقيم الشاعر علاقة بين الشيخوخة والعجز من ناحية والصبا والفعل من ناحية ثانية، وتتجسد ملامح القوة والفتوة والفعل في الجانب الحسي الجنسي بخاصة، كما أنَّ هذا يتحقق في بعدين: لذة الفروسية ، ولذة العلاقة الجسدية بالمرأة، وهي شأنها شأن كل متعة لا بد أن يغتنمها الشاعر مادامت النتيجة الفناء، إنَّ الشاعر يدفعه ـ هنا ـ الإحساس بالفناء والتلاشي وما دام الأمر كذلك فإن الشاعر يهدف إلى الانتشاء في هذه الدنيا .

    ولم يقتصر الأمر على المفردات الدالة، بل تجاوزه إلى قصائد تشتمل ضمناً عليها من خلال أفعال يؤديها، وتتجلى فيها الفردية والخصوصية بجلاء، يقول امرؤ القيس :

    سَمَوتُ إليها بَعدما نامَ أهلُها


    سُمُوَ حَباب الماءِ حَالاً على حَالِ [229]


    فَقَالتْ : سَباكَ اللّهُ إنكَ فاضِحِي


    أّلستَ تَرَى السُّمارَ والناسَ أحوالِ [230]


    فَقلتُ : يَمينَ اللّهِ أَبرحُ قاعداً



    ولو قَطَّعُوا رأسِي لَديكِ وأَوصالِي[231]


    حَلَفتُ لها باللّهِ حَلفةَ فاجِرٍ


    لنامُوا فما إنْ من حَديثٍ ولا صَالِ [232]


    وَصِرنا إلى الحُسنى ورقَّ كَلامنُا



    وَرُضْـتُ فَـذلَّتْ صَعبــةً أَيَّ إذلالِ[233]


    فأصبحتُ مَعشوقاً وأَصبـحَ بَعلُها



    عليه القَتَامُ سيءَ الظنِ والبالِ[234]



    ويقول :

    نـزيفٌ إذا قَامتْ لوَجهٍ تَمايَلَتْ


    تُراشِي الفؤادَ الرخصَ أَلاَّ تَخَتَّرا [235]



    أَأَسماء أَمسى وُدُّها قد تَغَيرا


    سَنُبـدلُ إنْ أبدلَتْ بالــودِ آخرا [236]



    وعلى الرغم من أنَّ امرأ القيس يؤكد أهمية الخمر بوصفها إحدى المتع، فإنه انصرف باتجاه المرأة كثيراً، و كأَنَّ نـزعته العابثة تتحقق أبعادها :حرية، وتمرداً، وتلذذاً من خلال المرأة، وفي ضوء هذا تمثل المرأة عنده غاية يتحقق وجوده وذاته عبرها، غير أنَّ هذا لا يشبع إلا رغائب جسمية، وتضخيم ذات تتجلى من خلالها أبعاد نرجسية فقصائده يتجلى فيها الشاعر « وقد أغرى المرأة وأدرك منها غاية، فهي متيمة به، مقبلة عليه، يلقاها حيناً بالشوق والمودة، وحيناً آخر، يتواقع معها تواقع فحش وفجور يصرّح به وبعلته عبر إطار من الواقعية السافرة »[237]، ومما يؤكد هذا تلك القصص الفاحشة التي يتباهى الشاعر بها، إضافة إلى تغزله بالعديدات، فهو لا يستقر على واحدة، إذ يطفح ديوانه بالعديد ممن تغزل بهن، وهو لا يقتصر على الباكر، بل يتجاوزها إلى ذات البعل والمطفل، مما دفع باحثاً إلى القول :‏إنه كان « إباحياً، تبع نساء، يتنقل فيهن، وأنه كان ينظر إلى المرأة نظرة مادية تغلب عليها المتعة العابرة،كأنها أداة من أدوات اللهو، يستكمل بها عدة المجون والتهتك » [238]، وإذا كان الحب عند الشاعر العذري غاية تتجسد فيها: العفة والتوحد، والديمومة [239]، أي العلاقة العفيفة بين العاشق والمعشوق، وكونها الحبيبة الوحيدة التي لا يتجاوزها إلى غيرها، ومن ثم ديمومة هذا الحب حتى موت العاشق، فإنَّ الحب عند امرئ القيس الوجه الآخر المضاد لرؤية العذري، إذ تتجسد فيه المادية والحسية، وتعدد الحبيبات، وكون الحب عارضاً وطارئاً، ولذلك فإنَّ امرأ القيس لا يحب المرأة لذاتها، أو لشوق يدفعه إليها، وإنما يحبها لأنها تحقق له رغبة عارضة هي إرواء لذته فالحب لديه «نشوة عابرة يتبعها شعور بالمرارة يدفع إلى اقتناص نشوة أخرى، إنه لذة تَعِدُ بإرواء ظمأ لكنها لا تروي أبداً...والجنس كلذة خالصة يتضمن إنكار الآخر كشخص، ولا تعود المرأة في هذا المنظور إلا واحة وراحة للعاشق، فالعاشق هنا يبقى في حدود أناه، وفي حدود إرواء نهمه الجنسي، ولذلك لا يصل إلى المرأة، ولا يصل إلى الكون من خلال المرأة وهكذا حين يصور لنا شعر امرئ القيس كيف تفلت منه المرأة يصور لنا في الوقت ذاته كيف يفلت منه الوجود، فحين يحول الرجل المرأة إلى وسيلة للذته، ولا ينفصل عنها كآخر وحسب، وإنما ينفصل كذلك عن الكون » [240] .

    ويدعم هذا حالات المجون التي كان يتباهى بها امرؤ القيس في معلقته ولاميته بخاصة، فهو لا يأسر قلب الفتاة البكر، بل يأسر قلب المتزوجة والمرضع، وكان يقتحم العقبات من أجل تحقيق بغيته، فهو يتجاوز حراساً لو ظفروا به لقتلوه :

    وبيضةِ خِدرٍ لا يُرامُ خباؤها



    تَمتّـعتُ من لهـوٍ بها غيرَ معجلِ [241]


    تجاوزتُ أحراساً وأهوالَ مَعشرٍ


    عليَّ حــراصٍ لـو يُشِرّون مَقتلي [242]



    وفي ضوء هذا فإن اللذائذ بغية امرئ القيس، فأخذ يعبُّ منها متتبعاً مظانها ومتقلباً في جنباتها، فنراه لاهياً ماجناً تتعدد حبيباته، ويلهث وراء المتعة سواء أجاءت من قريبة له أم من بعيدة، ولا يردعه رادع، إنَّ امرأ القيس منح نفسه « حرية » تجاوزت المألوف، وكسرت المعتاد .إنَّ عبث امرئ القيس لا يصدر عن موقف تأملي عميق للحياة والوجود، أي أنه ليست هناك قضية وجودية أو فكرية ملحة أملت عليه هذه النـزعة العابثة، غاية ما في الأمر أنه أعطي ذاته المتضخمة زمام الأمر فتحركت به نحو ما هي راغبة فيه، إنَّ امرأ القيس في علاقته بالمرأة لا يشغله الحب وإنما هي « مسألة لذة وامتلاك لما يحقق هذه اللذة . المرأة هنا وسيلة وهي إذن شيء يمتلك، أي أنها شيء يستهلك ...إن امرأ القيس لا يبحث عن امرأة يحبها وإنما يبحث عن السيطرة والامتلاك »[243]، وإذا صحَّ ما نقله عنه الرواة بشأن وصية أبيه الذي أوصى أن يعطى حامل وصيته دروعه وأسلحته لمن لا يجزع من أبنائه، فجزع أبناؤه جميعا « حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه النرد، فقال له :قُتل حجر، فلم يلتفت إليه، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس :اضرب فضرب حتى إذا فرغ قال : ما كنت لأفسد عليك دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله فأخبره، فقال الخمر والنساء حرام حتى أقتل مائة من بني أسد وأجز نواصي مائة »، مما يدل على أنه كف عن حالة العبث التي عاشها بعد أنْ علم بمقتل أبيه، ‏وأنَّ حالة العبث على الرغم من أصالتها فيه لم تكن مؤسسة على تصـور تأملي عميق.

    أما الأعشى فلم يكن العبث عنده قائماً على رؤيةٍ مسبقة أو معضلة وجودية يعاني منها، ولكنه أرسل نفسه على سجيتها نحو متع الحياة، وهي تنحصر لديه في إطاري الخمرة والمرأة، وهما يمثلان لديه وجوده وحياته .

    ويتكئ الأعشى على مغامرات غرامية لا تختلف في مضمونها عن غراميات امرئ القيس، ويعمد في تصوير ذلك على القصة الشعرية، إذ يكون الشاعر مفتوناً بفتاة صغيرة، ويرسل من أجلها رسولاً خاصاً، ثم يتجه بعد ذلك إلى زيارتها، ويسهب في وصف مغامرته تلك، يقول :



    وَلَقَدْ غَبَنتُ الكَاعِبــــا


    تِ أَحظُّ من تَخْبابـِـــها[244]


    وأَخُونُ غَفلَةَ قَـــومِـها


    يَمشُـونَ حَولَ قِبابـِــها


    حَـذَراً عَليها أنْ تُـرى


    أَو أنْ يُطـــافَ بِبابـِـها






    فَبَـعَـثـتُ جِنِّـيّـاً لنــا



    يَأَتـي بِـرجعِ خِطابـِــها[245]


    فَمَشَى ولَمْ يخشَ الأَنِيــ


    ــسَ فَزَارَها وَخَلا بِها


    فَتَنازَعا سِرَّ الحَــدِيــــ


    ــــــثِ فأَنكَرَتْ فَنـزا بِها[246]


    عَـضِـبُ اللِّسَـانِ مُتَقِّنٌ


    فَـطِنٌ لِـمَا يَعْنَــى بِـهـا[247]


    صَنَعٌ بِليـــــنِ حَدِيثِـها



    فَدَنَتْ عُرَى أَسبَابِــــها


    قَالتْ : قَضَـيتَ قَضِيـةً


    عَــدْلاً لَنَا يُرضَى بِــها




    فأَرادَهَا كَيفَ الدُّخُــــو


    لُ، وَكَيفَ مَا يُؤتَى بِــها


    في قُبَّةٍ حَمــرَاءَ زيـَّـــــ


    ـــــــنَهَا إئتلاقُ طِبابـِـها[248]


    وَدَنــــا تَســمُّعُـهُ الى



    ما قَالَ، إذ أَوصَى بِــها


    إنَّ الفَتَـــاةَ صَغيــرةٌ


    غِـرٌ فلا يُسْـــدى بـِــها[249]



    ويستكمل الأعشى مغامرته هذه باقتحامه خيمتها، ويتمم ذلك بحديثه عن الخمرة، و كأَنَّ الخمرة والمرأة وجهان لمتعة واحدة عند الأعشى، يقول :

    وَإذا لَنَا نـَـامُــــورَةٌ



    مَرفُــوعَةٌ لِشَرَابِــها[250]


    وَتَظَلُّ تَجْــرِي بَيْنَنَا



    وَمُفـــدَّمٌ يسقي بِــها[251]


    هَزِجٌ عَليهِ التَّوْمَتَــا



    نِ، إذا نَشَاءُ عَدَا بِها[252]



    إن متعة الأعشى تتحقق من خلال التلذذ بهذين البعدين، في إطراب موسيقي يتجلى من خلال بعدين، مجزوء الكامل بإيقاعه الراقص، وحرف اللين « الألف » الذي كثر في قافية القصيدة، فالقصيدة ذات وصل بالألف، ومردفة بالألف، وقد أسهم هذا كله في تحقيق توازن بين تجاريب الغزل والخمرة والإيقاع .

    ويصل عبث الأعشى حداً يجاهر فيه بلهوه وعبثه، يقول :



    فَقَد أُخرِجُ الكَاعِبَ المُستَرا


    ةَ، مِنْ خِدْرِها وأُشـيعُ القِمَارا[253]


    وَذَاتِ نَــوافٍ كَلـونِ الفُصُو



    صِ، بَاكَرْتُها فادّمَجتُ ابتكارا[254]



    وتمثل الخمرة متعة الشاعر يعاقرها، لأنها لذته، ويشرب الكأس، ويتداوي من الأولى بأختها، يقول :

    وَكـأَسٍ شَـرِبـتُ عَلـى لَـــذَّةٍ



    وأَخرَى تَداويتُ مِنها بِـــها




    لِكَي يَعلمَ النَّاسُ أَنِّي امـــرُؤٌ



    أَتيتُ المَعِيشةَ من بَابِـــــها



    كُمَيِتٍ يُرَى دُونَ قَعْـــرِ الإنا



    كَمِثلِ قَذَى العَيْنِ يُقْذَى بِهـا[255]



    وَشَاهِدُنا الـــــوَرْدُ واليَاسَمِيـ



    ـنُ، والمُسْمِعاتُ بِقُصَّابِــــا[256]



    وَمِـزْهَـرُنَـا مُـعْـمَلٌ دَائِــــــمٌ


    فَأَيُّ الثَـلاثَـةِ أَزْرَى بِـــــها[257]


    تَرَى الصَنْجَ يَبكَي لَهُ شَـجْـوَهُ


    مَخَافَة أَنْ سَوفَ يُـدْعَى بِها[258]


    مَضَى لِي ثَمَانُونَ مِنْ مَوْلِـدي


    كَـذلكَ تَـفْـصِـيلُ حُسَّـابـِــها




    فَأَصْبَحتُ وَدَّعتُ لَهْـوَ الشَّبَــا


    بِ، والخَنْـدَرِيـسَ لأَصْحابِها[259]





    إنَّ الأعشى كان يبدأ بالغزل أولاً، ثم يعرج إلى الخمرة ثانياً، ومن ثم ينتقل إلى الغرض الشعري الذي يرومه .

    ومن مظاهر فتنة الأعشى بالخمرة أنه كان يصف لونها ورائحتها، يقول :



    وَكأَسٍ كَعَينِ الدِّيكِ بَاكَرتُ حَدَّهَا


    بِفِتْيَانِ صِدقٍ والنَوَاقِيسُ تُضْرَبُ[260]


    سُلافٍ كأَنَّ الزَّعْفَرَانَ، وَعِندَمَا


    يُصَفَّقُ في نَاجُـودِهَا ثُمَّ تُقْطَــبُ[261]



    لَهَا أَرَجٌ في البَيْتِ عَــالٍ كَأَنَّــما


    أَلَمَّ بِهِ من تَجْرِ دَارِيــنَ أَرْكَــبُ [262]



    ويقول :



    وَكَأَسٍ كَمَاءِ النَّيِّ بَاكَرْتُ حَدَّها



    بِغِرَّتِهًا إذْ غَابَ عَنِّي بُغَاتـُــها[263]


    كُمَيْتٍ عَليهَا حُمْرَةٌ فَوقَ كُمتـةٍ


    يَكَادُ يُفَرِّي المسكَ مِنهَا حَمَاتُها[264]



    ومن الجدير بالذكر استكمالاً للتصور أن نعقد مقارنة مع شاعرجاهلي آخر ـ طرفة بن العبد ـ لم يكن العبث لديه مجرد نـزعة دفعته إليها « أنا » متضخمة فحسب وإنما دفعه لذلك تأمل لطبيعة الوجود والحياة، ويظهر أنَّ قلق الشاعر إزاء الموت وتأمله إياه قد دفعه إلى موقفه العابث، والفرق بين امرئ القيس وطرفة بن العبد أنَّ كليهما يلتقيان في ضرورة التمتع بلذائذ الحياة، غير أنَّ طرفة بن العبد يفوق امرأ القيس في قلقه وتأمله، ومن ثم يتجاوزه في عرض المعضلات التي تعترض حياته، وليس غريباً على طرفة بن العبد أنْ يتأمل الموت، وهو في حساسية شاعر، فلقد وُلِدَ طرفة يتيماً « أي أنه فجع بفاجعة الموت، وهو حدث فساء ظنه بحكمه الحياة والموت، وأن فكرة الموت ولجت إلى ضميره بعقدة العدم والعبث واللاجدوى » [265]، فقد لاحظ طرفة بن العبد أن قبور الناس تتماثل بعد الموت، فلا فرق بين قبر الكريم وقبر البخيل، مادام الموت نهاية الرحلة، ولما كان الأمر كذلك فلماذا يبخل الإنسان ؟ ولماذا لا يستمتع بلذائذ الحياة ؟ يقول :

    أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمالِهِ


    كَقَبْـرِ غَــوِىٍّ في البَطالةِ مُفسِـدِ[266]


    تَرَى جُثْوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيهِمَا



    صَفَائحُ صُـمٍّ من صَفيحٍ مُنـضَّدِ[267]



    أَرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرَامَ وَيَصطَفى


    عَقِيـلَةَ مَالِ الفَاحِـشِ المُتَشَـــدِّدِ[268]


    أَرى العَيْشَ كَنـزاً نَاقِصَاً كُلَّ لَيلَةٍ



    وَمَا تَنقُصُ الأَيَـامُ والدّهـرُ يَنْفَدِ


    لَعَمْرُكَ ! إنَّ المَوْتَ مَا أَخطَأَ الفَتَي


    لَكَالطّوَلِ المُرخَى وثِنْيَاهُ باليَـدِ[269]



    إنَّ هناك علاقة بين الحياة والزمن والموت، فالحياة لدى طرفة تمثل كنـزاً، ويمثل الكنـز قيمة كبرى تعتريها حوادث الزمان بالنقصان، وكلما مر يوم فقد الكنـز قسماً منه حتى يفنى، ولذا فإن حركة الزمن تعبث بالحياة، وتحيلها إلى فناء، وهذا الإحساس بالضياع والفقدان الذي يفعله الزمن يدفع إلى استغلال الكنـز قبل أن يفنى من أيدي الناس إذ ليس الزمن إلا طريقاً تقود إلى الموت، فالقلق إزاء الموت وخوفه من نهايته المحتومة دفعته إلى اللهو والعبث، مما دفع ناقداً إلى القول: بأن أسى الشاعر « ميتافيزيقي فلسفي ... فليس ثمة شيء ذا قيمة ما دام الموت يحيله، ولقد ترددت فكرة الموت في معلقته جميعا حتى يخيل إلينا أنه كان يتراءى له أبداً في قعر الكأس، وأنه لم يكن يدمن على شرب الخمرة إلا للتهرب من مواجهة جمجمة العدم » [270]، ويبدو أنَّ دافع الموت كان يفيض من ثنايا ثالوثه المقدس : الخمرة، والجنس، والفروسية، يقول :

    وَلَولا ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى


    وَجـدِّكَ لَمْ أَحْفِـلْ مَتَى قَامَ عُوَّدي [271]


    فَمِنهُنَّ سَبْقي العَاذِلاتِ بِشَرْبَةٍ


    كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بالمَاءِ تُزْبِدِ [272]


    وَكَرِّي إذا نَادَى المُضَافُ مُحنَّباً



    كَسِيدِ الغَضَا نَبّهتهُ المتــَوَرِّدِ[273]


    وَتَقْصيرُ يَوم الدَّجنِ والدَّجنُ معجِبٌ


    بِبَهْكَنَةٍٍٍ تَحتَ الخِبـاءِ المُعَمَّــدِ[274]


    كَرَيمٌ يُروّي نفسَهُ في حَياتِهِ



    سَتَعلمُ إنْ مُتنَا غَدَاً أيّنا الصَدِي [275]



    وقد يبدو مألوفاً أن يعاقر الجاهلي الخمرة، ولكنها عند طرفة ابن العبد تمثل إحدى اللذائذ التي تحقق وجوده، وتثبت « أناه » المتضخمة، إذ تتحول الخمرة من كونها شرابا يسكر إلى غاية تمتع الإنسان وتحقق أمانيه وأحلامه .

    أما التواصل مع المرأة فإن الشاعرين ـ امرأ القيس وطرفة ـ يلتقيان فيه على نحو من الأنحاء، لأن التواصل مع المرأة يشبع لذة فيهما، ويحقق وجودهما الذاتي، غير أنَّ فرقاً جوهرياً بين الشاعرين، لأن طرفة بن العبد يصدر عن نظرة تأملية كان الموت دافعاً إليها ولم يكن هذا جليا عند امرئ القيس، « إنَّ طرفة ذو اتجاه فلسفي واضح يقترب إلى النـزعة الإلحادية المعاصرة . لقد كان طرفة يفخر بشربه للخمر والتفاخر بهذه العادة كان وجها من وجوه الفروسية الجاهلية » [276].

    إن العبث تجربة شخصية فردية، وقد عبر امرؤ القيس وطرفة ابن العبد عن هذه التجربة الشخصية الفردية، فهما لا يعبران عن القبيلة ولا عن الانتماء القبلي، كما هو الحال عند عمرو بن كلثوم الذي يفخر بالقبيلة والتعبير عن طموحاتها بضمير الجماعة بحيث أصبحت معلقته نشيداً ترويه القبيلة وتتباهى بحفظه، في حين كان التعبير بضمير المفرد طاغياً على تجربتي امرئ القيس وطرفة بن العبد، كما أنهما كانا متمردين على القبيلة وقيمها، وإذا كان امرؤ القيس قد طرده أبوه أو أمر بقتله، لتشبيبه بنساء أبيه أو لسيرته الأخلاقية السيئة فإن طرفة بن العبد يماثله بطرد آخر تزداد فيه معاناته بغربة جلية واضحة، يقول :

    وَمَا زَالَ تَشرَابي الخُمُورَ وَلَذَّتي


    وَبَيعي وإنفاقـي طَــريفي وَمُتْلَـدِي[277]



    إلى أَنْ تَحَامَتني القَبيلةُ كُلُّهَا


    وَأُفْرِدْتُ إفْـرَادَ البَعِيـرِ المُعَبـَّــــدِ[278]


    فَمَا لِي أَرَاني وابنَ عَمّيَ مَالِكاً


    مَتَى أَدْنُ مِنْــهُ يَنْأَ عَني ويَبـعُـدِ


    يَلُومُ وَمَا أَدري عَلامَ يَلُومُني



    كَمَا لامَني في الحيِّ قُرْطُ بنُ مَعْبدِ[279]



    ولم تكن نهاية الشاعرين بأقل من حياتيهما في الغموض والاضطراب، فلقد مات امرؤ القيس عند جبل في أقصى أراضي العرب ونسجت حوله قصة عشقه لابنة قيصر وكيف مات بارتدائه حلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب بعثها إليه قيصر، أما طرفة فلقد قتل لأن عمرو بن هند حمَّله كتاباً يوحي بجائزة سيتلقاها من عامله في البحرين
    فقتله عامل البحرين، لأنَّ الرسالة تتضمن مقتله .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 6:49 pm